إسلام ويب

مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [8]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن انحطاط المسلمين في هذه الأزمان جعلهم يقصرون الكفر على اليهود والنصارى والشيوعيين، وقد علم أعداء الله أثر هذه التسمية في تحديد علاقتهم بالمؤمنين فسعوا إلى إلغائها وتغييرها، وقد تحقق لهم ذلك مع الوقت فسمي الكافر أجنبياً، ثم تجاوز المسلمون هذا المصطلح وصاروا يسمونهم أصدقاء.

    1.   

    موقف حكام المسلمين من دين الله وشريعته

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحيكم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إخوتي الكرام! انتهينا في الموعظة السابقة من دراسة مكر الماكرين حول كتاب رب العالمين، وقلت: إن ذلك المكر أخذ ثلاثة أشكال، أولها: دعا إلى نبذ كتاب الله جل وعلا وراء ظهورنا، ودعا إلى السير وراء الغرب كيفما كان الحال، حلواً أو مراً، حسناً أو قبيحاً، وقلت: إن سفاهة هؤلاء وضلالهم هي من الظهور بمكان، ولذلك ينبغي أن نهملهم وألا نتعرض لهم، فضلالهم ظاهرٌ مكشوفٌ لكل أحد، وبينت عند هذا الأمر حكم من لم يحكم بما أنزل الله جل وعلا.

    والشكل الثاني من أشكال المكر في هذه الأوقات الحاضرة: دعوا إلى فصل الدين عن السياسة، وتنحية الشريعة عن الحكم، وقلت: إن هذه الدعوة الخطيرة التي وجدت في هذه الأيام حصل لها رواج، وسممت بها الأذهان، وصار عند الناس كأنه من الأمور المسلمة أنه لا دخل لله في شئون عباده، فالدين هو شيءٌ كهنوتي يقوم الإنسان به فيما بينه وبين ربه، ولا دخل للشريعة في شئون الحياة، والذين قالوا بهذا الافتراء وهذا الإفك زوروا بهتانهم وإفكهم بكلامٍ خدعوا به كثيراً من السذج والدهماء والبسطاء، وحاصله أن الدين شيءٌ عظيمٌ عظيم، فينبغي أن يكون محله القلب، ولا ينبغي أن ندنس الدين في أمور الحياة، ولذلك هو شعورٌ بين الإنسان وبين ربه، وأما أمور الحياة ونظام المعيشة وأحوال الناس، فيدبرها البرلمان ومجلس الوزراء ومجلس الأمة ومجلس الشعب، وبينت ما في هذه الدعوة من خطورة، وأن القول بها كفرٌ بواح، وهي حقيقةً أخبث من الدعوة الأولى بكثير؛ لأن تلك كما قلت كفرها واضحٌ مكشوفٌ لكل أحد، وأما هذه فنمقت الكفر واحتالت على الناس.

    ثم ختمنا الكلام على الشكل الثالث من أشكال المكر الذي وجد في هذه الحياة، وهو أخبث الأشكال على الإطلاق، قلنا: تبنى الفصل، لكنه تستر بأشنع وأخبث أنواع الغدر والمكر، فحقيقة أمره فصل الدين عن الحياة، ولم يأخذ بشريعة رب الأرض والسموات، لكنه قال: إن ذلك الفصل شرعي، فالجاهلية التي نعيش فيها في هذه الأيام قالوا: إنها حياةٌ إيمانية، والكفر الذي تتخبط به البشرية في هذه الأيام قالوا: إنه محض الإيمان والتوحيد، فالفرقة الثانية مع ضلالها وشناعة كفرها أخف من هذه؛ لأن تلك قالت: إن هذه الحياة لا شأن لله فيها! وأما هؤلاء فقالوا: هذه الحياة بما فيها شرعي، فكل ما يجري في هذه الحياة تشمله شريعة رب الأرض والسموات! فهم فصلوا الدين عن الحياة في واقع الأمر، ثم جعلوا ذلك الفصل شرعياً وهدى، وهؤلاء أخبث الأصناف.

    وتكلمت على هؤلاء الأصناف الثلاثة، وكان المفروض أن ندخل اليوم في تتمة ما بدأناه في العام الماضي من تفسير سورة لقمان، ولعل الله جل وعلا يأذن أن نتكلم في هذه الليلة على شيءٍ من ذلك، وأن نكمل ما بدأناه في العام الماضي، لكنني قبل أن أنتقل إلى هذا، وقبل أن أكمل ما بدأناه في العام الماضي، أحب أن أجيب على سؤال يدور في نفوس كثيرٍ من الناس، وهذا السؤال الذي يدور في نفوس كثيرٍ من الناس رأيته منذ يومين في الرؤيا في مقابلةٍ بيني وبين بعض المسلمين، وكان يقول لي: إن عصر الحكام النصارى قد مضى، والذي يحكمنا في هذه الحياة في هذه الأوقات مسلمون اشتراكيون، فقلت له: إنهم أخبث من النصارى، فقال لي: لا ثم لا، هؤلاء مسلمون، ونحن في أمانٍ واطمئنان، هذه الرؤيا رأيتها من يومين، وقلت: يعلم الله، وتكاد أن تفطر هذه الرؤيا كبدي وأن تقطع قلبي للانحطاط الذي نعيش فيه، ولذلك إخوتي الكرام! سأجيب على سؤالٍ يقع في الأذهان إن شاء الله في هذه الموعظة، وأكمل بعد ذلك ما بدأناه من تفسير سورة لقمان.

    أحوال الرعية وما يترتب عليها من تسلط الراعي

    قد يقول قائل ويتساءل متسائل: ما سبب هذا البلاء الذي في الحكام، منهم من دعا إلى الكفر البواح، ونبذ كتاب الله وراء الظهور، ومنهم من دعا إلى الفصل، وأن شريعة الله لا دخل لها في شئون الحياة، ومنهم من تستر بالإسلام وهو أخبث عليه من الشيطان؟! قد يقول قائل: ما السبب في هذا؟ وهل الرعية عندما ابتليت بذلك مظلومة، أو تستحق هذا، أو أن الذي حلّ بها من هذه الأشكال الثلاثة هو بعض ما تستحق؟ والله إن من ألقى نظرةً إلى الرعية يعلم أن الرعية في هذه الأيام أخبث من الحكام، وأن الله جل وعلا مع ما يوجد من بلاءٍ من قبل المسئولين، مع ذلك يلطف بنا في هذا الحين، وإلا فنستحق من العقوبات ما لا يخطر ببال أحدٍ من المخلوقات، وقد قرر ذلك أئمتنا الكرام والنصوص الشرعية أثبتت هذا الأمر، حيث قرروا أنه إذا ظهر الفساد في الحكام -في الملوك والنواب والأمراء وأعوانهم- فهذا دليلٌ على فساد الصنفين: على فساد الرعية، وعلى فساد الراعي، والإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء الخامس والثلاثين في صفحة عشرين يقرر هذا، ويقول: إذا ظهر الفساد والخبث والانحراف والجور في المسئولين من ملوكٍ ونوابهم وأعوانهم والأمراء، فهذا دليلٍ على فساد الرعية، وعلى فساد الراعي، على فساد المسئول، وعلى فساد المحكوم، فهذه الأمة وهذه الرعية وجد فيها من كفر بالله وارتد ودعا إلى نبذ كتاب الله وراء الظهر، ووجد فيها من قال: إن شريعة الله جل وعلا لا تصلح لهذه الحياة، والدين هذا شيءٌ كهنوتي بين الإنسان وبين ربه، ووجد فيها من فعل أشنع أنواع الكفر وقال مع ذلك: إنه من المهتدين، من المؤمنين، من الملتزمين! فالحكام إذاً صورةٌ طبق الأصل لأحوال الرعية، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    وهذه الرؤيا المنامية التي رأيتها حقيقةً تصور أحوال مسلمي زماننا، الذين وصل بهم الانحطاط إلى أنهم يعتبرون الكافر هو الذي لا ينتمي إلى ملتنا، وهو من كان يهودياً أو نصرانياً أو شيوعياً، أي: ليس عداده من عداد المسلمين في الجنسية والتابعية والوطن، فهذا هو الكافر، ثم هذا اللفظ وهو لفظ الكافر لا زال يقوله قلةٌ قليلة من المؤمنين، وإلا التعبير الذي كان من فترة يقال عنهم: أجانب، وقد بذل الكفار ما في وسعهم، بحيث لو علموا أن خزائنهم سينفد ما فيها لتغيير ذلك الاسم لاستقلوه، لكن الأمر أيسر من ذلك بكثير، فقد تغير اسم الكافر ليحل محله أجنبي، ثم الأجنبي زال في هذا الحين فبدأ يقال عن الكافر: صديقٌ حميم، فانظر للتغير الذي وقع، كافرٌ لعين! إنما تذكر اليهودي والنصراني باسم الكفر جلدك يقشعر، وقلبك بعد ذلك ينفعل، وهذا عدو الله، والله يقول: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، والفتنة هي الكفر، إذاً عندما نقول: كافر، إذاً هنا كافرٌ على ظهر الأرض لا بد من التخلص منه بالرجوع إلى كتاب الله جل وعلا، وأحكام الله، وإقامة حكم الله، وإرسال الجيوش الإسلامية الجرارة لتزيل الكفر والكافرين من هذه الحياة.

    فلفظ الكافر هذا مما كان يسوء الكفار؛ لأنهم يعلمون أنه إذا كان هذا الاصطلاح فاشياً بين المسلمين، وإذا ستر عليهم ولبس عليهم فترة من الزمن فسيحركهم بعد ذلك هذا اللفظ ولو بعد حين، فغيروه إلى أجنبي، وعملوا ما في وسعهم لذلك التغيير، وصار بعد ذلك يقال هذا اللفظ -وهو الأجنبي- لكل من لم يكن وطنياً، سواءٌ كان مسلماً، أو شيوعياً، أو يهودياً، أو نصرانياً، ولعلكم تلاحظون في مطارات البلاد الإسلامية أجانب عرب، وأجانب من بلاد كذا، وأجانب من بلاد كذا، استوى المسلم الذي ليس من بلدةٍ من البلاد مع الكافر عندما يدخل إلى تلك البلدة، وهذه التفرقة فعلوها لأجل الأجانب العرب ومن أجل إكرام الكفار والتسهيل عليهم؛ لئلا نختلط بهم لأنهم أعلى منا؛ لئلا ندنسهم، فلهم صالات خاصة، وجوازات خاصة يمرون فيها -كما يقال- مر الكرام، وأما نحن نسجن سجن الكرام على موائد اللئام.

    فانظر للأحوال كيف تغيرت، (كافر) أزيل (بأجنبي)، و(أجنبي) أزيل (بصديقٍ حميم)، وسمعت بعض الإذاعات في هذه الأيام بدل الصديق بدءوا يخبرون عن الكافر بأنه أخ! كافرٌ.. أجنبيٌ.. صديق.. أخ، سبحان الله العظيم! وهذا في الرؤيا يقول: إن حكام النصارى زالوا، وتحررت البلاد من المستعمر الأجنبي، والذي يحكمنا الآن اشتراكيون، فقلت: يا عبد الله! إن البلية أفظع، وتقدم معنا أن الحكومة المرتدة هي أخبث من الحكومة الأجنبية، فقلت: إن هذا أفظع، قال: لا، دعنا من هذا الكلام، هؤلاء مسلمون اشتراكيون، ماركسيون مسلمون، دعنا من هذا هؤلاء الآن يدعون الإسلام، حقيقةً مرة أن المسلم في هذه الأيام لا يعتبر الكافر إلا من كان خارجاً عن الملة، أما المرتد الذي كفر بدين الله ويحمل اسماً إسلامياً، فلا يزال يرى أنه من عداد المسلمين، انحط فكرنا، وساء بعد ذلك عملنا، فماذا سيكون بعد ذلك حال الوالي علينا؟! الله لا يولي على الناس إلا من جنسهم، وإذا أردت أن تعرف أحوال الرعية فانظر إلى حكامهم، فأعمالهم يصورها ويجسدها حكامهم، فإذا كانت أعمال الرعية صالحةً طاهرة، فالحكام كذلك وكأن أعمالهم ظهرت في صورة حكامهم، فالحكام هم صورة العمل، والله لا يولي على الأشرار إلا من كان من جنسهم، كما أنه لا يولي على الأخيار إلا من كان من جنسهم.

    كما تكون الرعية يكون الراعي

    إن أفعالنا في هذه الأيام أفعى لنا تلدغنا بواسطة من تولى علينا عندما انحرفنا عن شرع ربنا، وقد وردت الآثار عن نبينا عليه الصلاة والسلام تقرر هذا، ففي كتاب تاريخ دمشق لـابن عساكر ، وفي كتاب الديلمي ، وفي كتاب مسند القضاعي عن أبي بكرة مرفوعاً إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه، والأثر رواه البيهقي في شعب الإيمان، ورواه الحاكم مرسلاً، لكن الحاكم رواه في تاريخ نيسابور لا في مستدرك الحاكم ، عن أبي إسحاق السبيعي ، إذاً هو مرفوعٌ من طريق أبي بكرة ، ومرفوعٌ مرسل من طريق أبي إسحاق السبيعي ، والحديث كما قال عنه الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف في رقم الحديث إحدى عشرة ومائتين في الجزء الرابع الملحق بالكشاف في صفحة خمسٍ وعشرين: في سنده مجاهيل وهو ضعيف، لكن معناه صحيحٌ صحيح ( كما تكونوا يولى عليكم )، والأثر ذكره الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المكان المشار إليه آنفاً في الجزء الخامس والثلاثين صفحة عشرين: ( كما تكونوا يولى عليكم )، وفعل تكونوا فعلٌ مضارع، حذفت منه النون بدون وجود ناصبٍ أو جازم، هذا على مذهب الكوفيين كما قرر السيوطي في كتاب الحاوي في الجزء الثاني صفحة خمسٍ وسبعين ومائتين: أن كما حكمها حكم أن عند الكوفيين، فتنصب الفعل المضارع بحذف النون كما تكونوا، بمثابة أن تكونوا، وقيل: إن بعض العرب يحذفون النون أحياناً من الفعل المضارع وإن لم يتقدمه ناصبٌ أو جازم، وهذا قولٌ ثانٍ في التخريج كما تكونوا، وقيل: لعل هذا لحن من بعض الرواة، والأثر ذكره ابن تيمية (كما تكونون)، وهذا الأصل: كما تكونون يولى عليكم، كما تكونوا يولى عليكم، فأعمالكم عمالكم، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وهذا الأثر وإن كان ضعيفاً من ناحية الصناعة الحديثية، فمعناه شاهد موجودٌ في كلام رب البرية، قال الله جل وعلا في سورة الأنعام في آية اثنين وعشرين وما بعدها: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:128-129].

    (كما تكونوا يولى عليكم)، إذا كنتم ظالمين فسيولى عليكم من هو أظلم منكم، والظالم سيف الله ينتقم به، ثم ينتقم منه، والله ينتقم ممن يبغض بمن يبغض، ثم يصير كلاً إلى النار، (كما تكونوا يولى عليكم)، هذا المعنى موجودٌ في كتاب ربنا وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129]، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ [الأنعام:128]، يقول الله هذا الأمر يوم القيامة للجن: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ [الأنعام:128]، نسبةٌ كبيرةٌ كبيرة من كل ألف تسعمائةٍ وتسعةٌ وتسعون، هؤلاء أتباع الشيطان الرجيم، وواحدٌ من ألفٍ هو الناجي، كما ثبت في الصحيحين في حديث نبينا عليه الصلاة والسلام عندما يقول الله لآدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: ( قم فابعث بعث النار، يقول: وما بعث النار؟ يقول: من كل ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةٌ وتسعون، وواحدٌ إلى الجنة )، فعندئذٍ يشيب الولدان، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

    قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ [الأنعام:128]، أغويتم نسبة كبيرة من بني آدم، من الألف أخرجتم تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين، نسبة كبيرة، يعني أقل من واحد بالمائة، واحد من ألف، ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا.

    تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا فقلت لها إن الكرام قليلُ

    الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، والذهب معدنه قليلٌ قليل، ولعله يخرج من رأس الخيمة كل صباح مائة سيارة زبالةٍ وقمامة، مائة على أقل تقدير من السيارات الكبيرة التي ترونها في الصباح تجوب الحارات والأحياء لأجل أخذ الفضلات، ولو جمعت الذهب الذي فيها عند الصاغة وعند النساء لما ملأ سيارةً صغيرة، الناس معادن، قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة:100]، إن أكثر من في الأرض -كما قال الله- ضالون ومضلون، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، ويضلوك انتبه أخي الكرام من أضل لا من ضل، أي: أكثر أهل الأرض دعاة ضلالة، فكم عدد الضالين؟ حقيقةً لعله جميع أهل الأرض إلا من استثنى الله منهم وهم واحد من ألف، ولعله في هذه العصور لا تبلغ النسبة واحد من مائة ألف؛ لأن هذا مجموع المهتدين في جميع العصور واحد من ألف، لكن في بعض العصور قد يكون من مائة ألف أو المليون واحد، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ [الأنعام:116]، ضالٌ مضل، وأما الضال الذي لا يضل فكم نسبته؟! وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ [الأنعام:128]، هم زينوا لنا الإغواء ونحن تبعناهم، الشيطان يزين ويغوي ونحن نسير وراءه ونغوى، هو إمامنا ونحن نتبعه.

    رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ [الأنعام:128]، هو يحلي لنا المعصية ونحن نجري وراءه، هذا هو الاستمتاع، قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:128-129].

    تولية الله بعض الظالمين على بعض عقاباً لفريق منهم وفتنة للفريق الآخر

    هنا ولى الله الجن الذين هم أعتى خلق الله على الإنس، فجعل الجن قادةً، وجعل الإنس مقودين تابعين، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129]، وكما حصل هذا من تولية الله جل وعلا الجن على الإنس، هذه القاعدة ثابتةٌ مطردةٌ لا تتخلف أن الظالم يولي الله عليه ظالماً، وهو على كل شيءٍ قدير، وبيده مقاليد الأمور.

    قال الإمام ابن كثير في تفسيره عليه رحمات الله جل وعلا عند هذه الآية في الجزء الثاني صفحة سبعٍ وسبعين ومائة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، فنسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض.

    إذاً كما فعلنا هذا التسليط فسلطنا عتاة الجن على الغواة الضالين من الإنس، هكذا نفعل بالظالمين فنسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم لبعض، جزاءً على ظلمهم وبغيهم، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129].

    روى أبو الشيخ كما في كتاب الدر للإمام السيوطي في الجزء الثالث صفحة ستٍ وأربعين عن منصور أنه قال للإمام الأعمش سليمان بن مهران عليهم جميعاً رحمات ذي الجلال والإكرام: ماذا سمعت في تفسير هذه الآية؟ والأعمش من أئمة التابعين، فماذا تلقيت عن التابعين الكبار، وعن الصالحين من تفسيرٍ لهذه الآية: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129]؟ فقال الأعمش : سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمر الله عليهم شرارهم، هذا هو معنى الآية، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129].

    وثبت في كتاب الحلية في الجزء السادس صفحة تسعٍ وخمسين في ترجمة العبد الصالح جيلان بكسر الجيم ابن فروة ، جيلان بن فروة ، وهو من أئمة التابعين، له ترجمةٌ في كتاب الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، وذكره الإمام البخاري في التاريخ الكبير، وترجمه أبو نعيم في الحلية في خمس صفحات، جيلان بن فروة ، يقول عليه رحمة الله: يبعث على الناس ملوكٌ -أي: ظالمون- بذنوبهم، يؤدبونهم كما ظلموا أنفسهم. وكان يقول عليه رحمة الله: أحذركم سوف فإنها أعظم جنود إبليس، أي: التسويف في العمل، وأكثر صراخ أهل النار من التسويف.

    يقول جيلان بن فروة : يبعث على الناس ملوكٌ بذنوبهم، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129]، فإذا فسدت الرعية هل سيولى عليها أبو بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين؟! لا، سيولى عليها من هو من جنسها، فإذا تكلمنا على أصناف المكر الذي بذلت في هذا الزمان من إهمالٍ للقرآن، أو من فصل القرآن عن الحياة، أو من جعل هذه الحياة الضالة يؤيدها القرآن، فلنتكلم بعد ذلك على السبب الذي حصل منه هذا، وهذا السبب هو فساد الرعية، وانحرافها عن شرع رب البرية.

    ثبت في كتاب الرد على الجهمية للإمام الدارمي ، والأثر رواه الإمام أحمد في الزهد، وهو موجودٌ في كتاب الحلية، وذكره الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، وفي كتاب العلو للعلي الغفار بسندٍ صحيح عن قتادة رضي الله عنه ورحمه أنه قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: يا موسى! سل لنا ربك، فقل له: إنه في السماء ونحن في الأرض، فكيف نعرف غضبه علينا من رضاه عنا؟ متى نعلم هو في السماء، فلا يمكن أن نشافهه وأن نواجهه لنعلم رضاه من غضبه، فما الأمارة التي نعلم بها أن الله راضٍ عنا، أو أن الله ساخطٌ علينا؟ ما الأمارة فهو في السماء ونحن في الأرض؟ فأوحى الله على موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: قل لبني إسرائيل: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم، فعلامة رضاي وعلامة غضبي هم الملوك والأمراء، فإذا كنتم في حالةٍ مرضية أولي عليكم من هو تقيٌ صالحٌ يخافني، فيرحمكم، وتتساعدون على أمر دنياكم ودينكم، وإذا كان الأمر بخلاف ذلك، فأولي عليكم من يسومكم سوء العذاب، وهذا الأثر رواه الإمام البيهقي أيضاً عن الحسن البصري رضي الله عنه، أن بني إسرائيل قالوا ما تقدم: كيف لنا أن نعرف رضا الله من غضبه علينا؟ فأوحى الله إلى نبيه موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم.

    وكنت إخوتي الكرام ذكرت هذا في بعض المحاضرات السابقة في مسجد المعمورة، فعند كلامٍ يتعلق بهذا، ونقلت كلام الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة في الجزء الأول صفحة ثلاثٍ وخمسين ومائتين، وأنبه على هذا مراراً، وأوصي به طلبة العلم، وينبغي أن ينقش على القلوب، وحقيقةً كتابة مثل هذا الكلام في الدفاتر والصحف لعله من الحيف والظلم، هذا ينبغي أن يسطر في القلوب، وأن يكون نصب الأعين، أن الله جل وعلا حكمٌ عدل يضع الأمور في مواضعها، فإذا بغت الرعية سلط عليها البغاة، وإذا كفرت سلط عليها الكافرين، وإذا ظلمت سلط عليها الظالمين، وإذا اتقت سلط عليها المتقين، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مفتاح السعادة كما قلت في الجزء الأول صفحة ثلاثٍ وخمسين ومائتين: وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا -أي: الرعية- استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك أنكر وأخدع، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم، أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه، وضربت عليهم المكوس والوظائف، الوظائف هي الضرائب التي تسمى: حقوق سلطانية وحقوق دولية، وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمالهم ظهرت في صور أعمالهم، إذا كان العمل خبيثاً فالعامل خبيث، أو كان العمل صالحاً فالعامل صالح، وليست الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم، ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شابت لهم الولاة، فحكمة الله تأبى أن يولى علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز ، فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر ! لا إله إلا الله! هذا في القرن الثامن للهجرة، سنة واحد وخمسين وسبعمائة توفي الإمام ابن القيم ، يقول: وحكمة الله تأبى أن يولى علينا في هذا العصر مثل معاوية ومثل عمر بن عبد العزيز ، فضلاً عن أبي بكر وعمر ، هل نحن نستحق أن نرى أبا بكر وعمر ؟ هل نحن نستحق أن نرى معاوية ؟ هل نحن نستحق أن نرى عمر بن عبد العزيز ؟ هل نحن نستحق أن نرى السلطان عبد الحميد فضلاً عمن تقدمه؟ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129]، فحكمة الله تأبى أن يولى علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر ، بل ولاتنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم، وكلٌ من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها، ومن له فطنةٌ إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الإلهية سائرةً في القضاء والقدر، ظاهرةً وباطنةً فيه، كما في الخلق والأمر سواء، فإياك أن تظن بظنك الفاسد أن شيئاً من أقضيته وأقداره عارٍ عن الحكمة البالغة، بل جميع أقضيته تعالى وأقداره واقعةٌ على أتم وجوه الحكمة والصواب، ولكن العقول الضعيفة محجوبةٌ بضعفها عن إدراكها، كما أن الأبصار الخفاشية محجوبةٌ بضعفها عن ضوء الشمس، وهذه العقول الضعاف إذا صادفها الباطل جالت فيه وصالت ونطقت وقالت، كما أن الخفاش إذا صادفه ظلام الليل طار وسار.

    بعض مظاهر الفساد عند الرعية والتي استحقت بها ولاية الظالمين

    إذاً الحكمة الإلهية تقتضي أن يولى على الناس من جنسهم، فإذا ظلموا يولى عليهم ظالمون، وإذا اتقوا يولى عليهم المتقون، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129].

    ولذلك إذا أردنا أن نتكلم على العتاة في هذا الوقت الذين دعوا إلى نبذ كتاب الله وراء الظهور، أو إلى فصل الدين عن الحياة، أو إلى جعل الحياة الجاهلية بصورتها الردية أنها حياةٌ شرعية، فمن الإنصاف ألا نغفل الكلام على الرعية، ولنقل إن الرعية ظهرت فيها تلك الأمور، فلما ظهرت تلك الأمور سلط الله عليها من هو من جنسها، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    وقد ثبت في مستدرك الحاكم وسنن ابن ماجه ، والحديث في حلية الأولياء، ورواه البزار والبيهقي في سننه بسندٍ صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر المهاجرين! خصالٌ خمسٌ إذا ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن بأسلافهم )، هذه العقوبة الأولى والحالة الأولى، إذا ظهرت الفاحشة في الأمة وأعلنوا بها، فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن بأسلافهم، والفواحش التي تقع في هذه الأيام حدث عنها ولا حرج، هل يسلم بيتٌ من بيوت المسلمين من فاحشة في هذا الحين؟ والله من سلم بيته من هذه الفاحشة فليحمد الله، أول الفواحش وأشنعها: جهاز الشيطان، جهاز الإفساد وهو التلفاز، واستعرض بيوت المسلمين، استعرض النسبة، ما أعلم هل النسبة بالمائة تسعٍ وتسعين يقتنون هذا الجهاز اللعين أو بالمائة مائة، لكن لا تنزل عن تسعة وتسعين بالمائة قطعاً وجزماً، أوليس كذلك؟ طيب الأمة إذاً ليس عملت الفاحشة فقط، بل بارزت الله بالفاحشة، فماذا تستحق بعد ذلك من المسئولين؟ ماذا تستحق؟ تستحق إذاً إظهار العهر وإظهار الكفر، من الذي ألزمنا أن نجعل هذا الجهاز في بيوتنا؟ ولا أبرئ ولاة الأمور فلكلٍ منهم حسابٌ عند العزيز الغفور، وكل إنسانٍ سيحاسب أمام الله على حسب مسئوليته، لكن أنت من الذي ألزمك وضرب ظهرك بالسياط، ووجه إليك الحديد والنار حتى تدخل هذا الجهاز اللعين إلى بيتك؟ الجواب الذي لا يرتاب فيه أحد: ولا أحد، وإذا وجد جهاز التلفاز في البيت لا يدخله ملكٌ من ملائكة الله، اعلموا هذا، وكنت صرحت بهذا في بعض المحاضرات، فاعترضني بعض الإخوة في مدينة خير البريات على نبينا صلوات الله وسلامه، وقال: يا شيخ أنت تفتي برأيك، قلت: وماذا جرى أخي المسلم؟ قال: تقول: البيت الذي فيه تلفاز لا يدخله ملك، ما الدليل على هذا؟ قلت: تريد الإنصاف؟ قال: نعم، قلت: أما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام وسيأتينا هذا إن شاء الله عند دراسة أول سورة لقمان عند قول الله: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ [يونس:1]، عند اسم الإشارة، ونتكلم بعد ذلك إلى مناسبةٍ تجرنا إلى هذا الحديث إن شاء الله، قلت: أما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام من حديث أبي طلحة وغيره رضي الله عنهم أجمعين: ( أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورةٌ ولا كلب )، فالبيت الذي فيه صورة أو كلب لا تدخله الملائكة، فهل التلفاز أعظم أم إذا وضعت صورة طائرٍ في البيت أعظم وأشنع؟ وهكذا الشغالة؛ لأنه أيضاً يعترض على الشغالة يقول: إذا كان في البيت شغالة أيضاً لا تدخل الملائكة، من أين هذا؟ قلت: أنت لو وضعت صورة طائر لا يدخل الملك هذا البيت، فكيف لو أدخلت امرأةً أجنبيةً تخلو بها، أيهما أشنع: أن تضع صورتها أو أن تضعها هي؟ يا عبد الله! قلت: لا بد من الفقه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا بد من الفقه عن رسول الله.

    ولذلك سيأتينا إخوتي الكرام كما قلت عند اسم الإشارة استدلال الإمام ابن تيمية وغيره من أئمتنا أئمة الشريعة الطاهرة العلية، أن قول الله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، إذا كان في حق الملائكة فإن هذا يقتضي ألا يمس القرآن أحدٌ من البشر إلا إذا كان متطهراً من باب أولى، هذا من بابٍ أولى؛ لأن الملائكة الكرام المطهرون يمسون هذا الكتاب الذي هو بين أيديهم، فنحن لا يجوز أن نمسه بدون طهارةٍ من باب قياسٍ أولى، وإذا كانت الملائكة.. يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة، كيف ينظر الله جل وعلا إلى قلبٍ فيه غير الله جل وعلا، وممتلئٌ بالمفاسد والقبائح؟! هذا من باب قياس الأولى، أي: إذا وضعت في بيتك صورةً لا يدخل الملك، فإذا كان الدنس في قلبك، أيهما أشنع في القلب أم في البيت؟ في القلب؛ لأن هذا هو المقصود، وهنا قلت: يا عبد الله ! التلفاز أشكال ألوان، وشغالة بالحرام، كيف ستدخل ملائكة الرحمن؟! يعني تريد تضع أشنع المعاصي، ومع ذلك يعني البركة في بيتك، ألا تستحي من الله؟ ما طمع بهذا إبليس أنه يعصي الله ويريد أيضاً أن تحفه ملائكة الله، أما تستحي؟ قلت: هذه ملائكة كرام، كما قال الله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11]، إذا كانت الملائكة لا تصحب رفقةً فيهم جرس؛ لأنه مزمار الشيطان، وقد ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام في سنن أبي داود وغيره، والرفقة إذا كان فيهم جرس الملائكة تنفر عنهم وتبتعد، فإذا جاءت الملائكة لهذا البيت ورأت جهاز الإفساد تدخل؟ هذا مستحيل يا عبد الله، هذا مستحيل، وقلت ولا أزال: إن البيت الذي فيه تلفاز وفيه شغالة لن يخلو من عهرٍ وزنا، قد يظهر وقد يخفى، أما بيت فيه تلفزيون ولا فيه زنا والله هذا مستحيل، وقد يقول الإنسان: أنا ما أزني، قل له: أيضاً تحتاج إلى زنا لا بارك الله في عمرك، لحيتك شابت، ولعله عندك أكثر من زوجة، لا أتحدث عنك، أتحدث عن أولادك من بنين وبنات، وأنت قد لا تعاشر زوجتك أيضاً من ضعف جسمك، أنا لا أتحدث عن الشايب في هذا البيت، ونقول: هذا البيت لا بد من وجود زنا فيه لا بد، فإما أن يزني بأجنبية، وإما أن يزني ببنات الجيران، وإما أن يزني بمحارمه وأخواته كما تقع الأمور الثلاثة في هذه الأيام، إنه عندما تتأجج الشهوات في قلوب البنين ونفوسهم، ماذا سيفعل؟! الحصانة الإيمانية لا يوجد، ووكل الآن إلى الشيطان، إن تيسر له زنا ببعيدة زنى، ما تيسر يعتدي على بنت الجيران، ما تيسر يأتي إلى أخته وهي نائمة وقد وقع حوادث من هذا كثيرةٌ كثيرة.

    بيت فيه شغالة لا يقع فيه زنا؟ هذا لا يمكن أن يكون إلا إذا صار أهل البيت ملائكة، هذا موضوعٌ آخر، أما ما داموا بشراً وفيهم غريزة لا بد من وقوع الزنا، بيوت المسلمين تستعر الآن بالفاحشة، فماذا سيكون أحوال الحالة العامة؟

    ولما قلت: إن اقتناء التلفزيون دياثة، والذي في بيته تلفزيون ديوث، والجنة عليه حرام، قال: يا شيخ إلى هذا الحد؟ قلت: قولوا: إن اقتناءه ديانة، إذا لم يكن دياثة فهو ديانة، قال: لا، قل: حرام لكن ليس دياثة، حرام وليس دياثة، قلت لهم: ما معنى الديوث؟ أوليس الذي يقر الخبث في أهله؟ أي خبثٍ أعظم من أن تنظر زوجتك وبناتك وأولادك إلى صور تفتن سفيان الثوري وبشر الحافي ؟! أي دياثةٍ أعظم من هذا؟ وهذا الأمر اليسير ما استطعنا أن نطهر بيوتنا عنه، وأما الأمور الأخرى حدث ولا حرج، والله إن معاملاتنا يندى لها جبيننا، تعامل إنساناً في بيع وشراء يخدعك ويكذب عليك ويغشك، تقرضه يخونك ويأكل مالك، تريد أن تصاهره ترى منه ما لا يحصل من الشيطان، تجاوره ترى ما يندى له جبين الإنسان، تسافر معه ترى كل خزيٍ وضلال، هذه أحوالنا التي نعيشها والله المستعان.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.