إسلام ويب

مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [7]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن علماء السوء وحكام الضلال الذين تولوا مهمة التوفيق بين الشريعة الإلهية والقوانين الوضعية هم أخبث الخلق عند الرحمن جل وعلا، وقد خشي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أمته منهم، وحذرها فتنتهم ومكرهم، وبين عليه الصلاة والسلام أن وجود هذا الصنف في الأمة مؤذن بموت الروح الإسلامية فيها؛ لأن الجاهلية هنا صارت شرعية.

    1.   

    تابع دعوى من يقولون بأن القوانين الوضعية هي ذاتها الشريعة الربانية

    الشكل الثاني الذي طرحه علماء السوء وحكام الضلال لإبدال الشريعة بالقوانين الوضعية هو أن القوانين الوضعية لا تخالف الشريعة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فقد ذكرنا فيما سبق أن الشكل الأول من أشكال إبدال شريعة الرحمن بالقوانين الوضعية والذي تبناه علماء السوء وحكام الضلال هو قولهم: إن الأمة لها السيادة وهي مصدر السلطات، وقلنا: إن القول: بأن الحكم للشعب خرافة، بل هو حكمٌ لشرذمةٍ من الشعب، ثم هل يجوز للشعب أن يحكم؟ هذا بشر، هذا يضل، هذا لا يهتدي، هذا يخطئ، تتحكم الشهوة وغيرها فيه، لا يجوز أن يحكم إلا أحكم الحاكمين، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، هذا الشكل الأول في الفصل مع المكر.

    أما الشكل الثاني: فقالوا هذه القوانين الوضعية والأنظمة الجاهلية التي تنفذ في البلدان الإسلامية لا تخالف الإسلام، الشكل الأول يقول: هذه شرعتها الأمة، والله أعطى الأمة سيادة، فحكم الأمة شرعية، انتهى.

    وأما هنا يقول: لا تخالف الإسلام؛ اشتراكية لا تخالف الإسلامية.. جمهورية لا تخالف الإسلام.. ملكية لا تخالف الإسلامية.. ديمقراطية لا تخالف الإسلامية.. وطنية لا تخالف الإسلامية، من الذي يخالف الإسلام إذاً؟ أنظمة جاهلية، ووصل الأمر ببعض العتاة أنه قال: هو ماركسي مسلم؛ لأن الماركسية لا تخالف الإسلام، أنا أعجب غاية العجب، وحقيقةً لا ينقضي عجب الإنسان، كيف ستجمع بين الرحمن والشيطان؟! بين الإيمان والكفران؟! اشتراكية لا تخالف الإسلام، حكم الشعب بالشعب لا يخالف الإسلام! جمهورية لها وضعٌ معين لا يخالف الإسلام! وطنية فرقنا بها بين عباد الرحمن لا تخالف الإسلام!

    إذاً من الذي يخالف الإسلام؟! هذه وضعت ثم خدرت الأمة وقيل لهم: هذه الأنظمة التي تحكمون بها لا تخالف الإسلام! بنوك ربوية لا تخالف الإسلام! جاءني بعض الإخوان وقال أنه استفتى بعض المفتين في هذه البلدة وله شأن، فقال له: هذه البنوك الربوية هذه حرام، فإذا الإنسان مضطر وأخذ شيئاً منها هل عليه إثم؟ قال له: من قال لك إنها حرام؟ سبحان الله العظيم! ذاك المسكين يبحث هل إذا كان مضطراً، يعني: الضرورة هل تجيز له تعاطي هذا الحرام؟ فقال له: من قال لك أنها حرام؟ قال: فيها ربا، قال: وإذا كان فيها ربا، قال: هذا حرمه الله، قال: لا، هذا لا يخالف الإسلام، الربا الذي حرمه الله أن تعطي مائة وتأخذ مائتين، الله يقول: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]، أما تعطي مائة وتأخذ عشرة، كل هذه البنوك الربوية لها أجرٌ عند الله، لأنها ساعدت الناس، ويسرت أمورهم تعطيهم ألف درهم وتأخذ على الألف مائة، أو خمسين، وليست تأخذ على الألف ألفاً أو ألفين، فانظروا لهذا الضلال، بنك ربوي لا يخالف الإسلام! وطنية لا تخالف الإسلامية! أنظمة جاهلية.

    قد أفسدوا في الأرض باسم صلاحها إذ بدلوا أحكامه بنظام

    هؤلاء الذين يقولون هذه الدعوى حقيقةً ينبغي أن يتأمل الإنسان قولهم، أولاً قولهم: هذه لا تخالف الإسلام، نقول: قفوا، ليس عندنا حكمٌ من الأحكام لا يخالف الإسلام، الأحكام تنقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، إما حكمٌ مأخوذٌ من الإسلام، وإما حكمٌ لا يدل عليه الإسلام، فهو ضلال من شرع الشيطان، أما ما عندنا شيءٌ لا يخالف الإسلام، ولذلك أنت إذا أردت أن تثبت إباحة أمر فينبغي أن تأتي بالنصوص التي تدل على إباحته وحله، لا يقول: لا يخالف الإسلام، اشتراكية لا تخالف الإسلام.. وطنية لا تخالف الإسلام.. بنوك ربوية لا تخالف الإسلام، هذا ضلال، هات نصاً شرعياً على حل هذا، فقوله: لا يخالف. باطل، هذه الكلمة مطاطة يقولها كثيرٌ من الضالين في هذه الأيام عن أحكامٍ كثيرة: لا تخالف الإسلام، قل: هذا ليس ببيانٍ للحكم، كلمة (لا تخالف) هذه ليست حكماً، الحكم أن تقول: هذه جائزة بدليل كذا، أو ليست جائزة، أما لا تخالف، هذا ليس بحكم، إن كانت مأخوذة من شريعة الله، فهات الدليل على حلها، أما هذه البنوك لا تخالف، هذا باطل، نوع المعاملة التي فيها إما أن تدخلها في الربا فحرام، إما أن تدخلها في البيع حلال، إما أن تدخلها في البنك حلال، إما أن تدخلها في القرض حلال، هات معاملة شرعيةً ورد بها نصٌ شرعي تقول: هذه مثلها، هل إذا أعطيتك مائة وأخذت درهماً واحداً هل هي من قبيل القرض؟ لا، من قبيل المضاربة؟ لا، من قبيل الربا؟ نعم، حرام قل الربا أو كثر، فلا بد من أن تأتي إذاً بنصٍ شرعي على هذا، أما قولك: لا يخالف، قد يأتينا إنسان ويقول: الزنا لا يخالف الإسلام، نقول: كيف؟ يقول: الزنا إذا فعله بنية الخبث يخالف الإسلام، أما بنية العشق هذا لا يخالف الإسلام، وقد قال كثيرٌ من الضالين في قول الله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، قال: السارق هذا اسم فاعل، وما أخبر الله عنه بصيغة الفعل، ما قال: من سرق، يقول: واسم الفاعل لا يتحقق هذا الوصف فيه إلا إذا ثبت فيه واستقر عليه، فلو سرق مرة ومرتين وعشر وعشرين لا يعتبر حتى تصبح السرقة ديدنه، يعني: ينبغي أن يسرق ألف سرقة حتى يقال له: سارق؛ لأن الله لو أراد سرقةً واحدة لقال: من سرق فاقطعوا يده، لكنه قال: (والسارق)، والسارق اسم فاعل، وإذا كان اسم فاعل فاسم الفاعل يفيد الثبوت والاستقرار، وهذا الوصف ما يثبت للإنسان بمرة ولا بمرتين، لا بد من أن يكون هذا ديدناً له، ووصفاً لازماً.

    ما شاء الله على هذا الضلال وعلى هذا الفسق!

    إذاً (لا تخالف الإسلام) هذه كلمة مطاطة، يزني ويقول: الزنا الذي يقصد منه الخيانة هذا حرام، أما هذا عشق وغرام، هذا الآن نرجو عليه أجراً عند الرحمن، لا إله إلا الله! وقد قال مرةً بعض المسلمين الذين ينسبون إلى الإسلام كمسلمي هذه الأيام -ونسأل الله الثبات وحسن الختام- لبعض إخواننا عندما ذهب إلى تركيا ليدرس الطب، واستأجر منه بيتاً، يقول له صاحب البيت: يا أيها الإنسان! أريد أن أخبرك بصراحة أنت غريب الآن هنا، ولا حياء بيننا أنا كوالدك، إن أردت أن تحضر بنات إلى هذا المنزل، أنا ما عندي مانع، يعني: لا تتحرج مني، فقال له هذا الطالب الأخ -وهو يحدثني عن نفسي يعلم الله-: ما تستحي، أنت مسلم وأنا مسلم ثم تقول: أنا كوالدك وأحضر بنات وازن بهن، أما تستحي أن تقول هذا؟! قال له: أنت لم تضخم الأمر، أنت عندما تأتي بفقيرة وتعطيها دريهمات لتزني بها لك أجر عند الله؛ لأنك ساعدتها وقضيت حاجتها، فإذاً أولاً حصلت شهوة، ثم حصلت فلوساً، يعني أنت لم تضخم الأمر، وحكمت علي بأنني لا أستحي، أنا أقصد نفعك ونفعها، وأقصد أن ينفع الأمة بعضهم بعضاً، لا أقصد زنا وإنما أقصد منفعة، لا إله إلا الله!

    وهنا أحكام الجاهلية لا تخالف الإسلام، نظام اشتراكي لا يخالف الإسلام! نظام ماركسي لا يخالف الإسلام! جماهيرية عربية شعبية عظمى لا تخالف الإسلام! لا، اشتراكية جماهيرية عربية شعبية اشتراكية عظمى لا تخالف الإسلام! إذاً من الذي يخالف الإسلام؟ ما بقي يخالف الإسلام إلا إمام المسجد، هذا الذي يخالف الإسلام، وحقيقةً في هذه الأيام لا يقال إلا للملتزم: إنه متشدد متنطع متعجرف متحجر، يعني عقله مغلق، أما أولئك فإن زناهم جعلوه عفة، وخيانتهم جعلوها أمانة، وخبثهم جعلوه طهارة، أي شيءٍ لا يخالف الإسلام؟! كلمة (لا تخالف الإسلام) هذه من شعارات الجاهلية، إذا أراد أن يثبت حكم فعل فليقل: هذا حلال أو حرام، حلال ودليل الحل كذا، حرام ودليل التحريم كذا.

    الأمر الثاني: كيف هذه الأنظمة الجاهلية لا تخالف الإسلام؟! هذا ضلال وهذيان.

    إذاً إخوتي الكرام! قلنا: الشكل الأول: قالوا: إن الأمة هي مصدر السلطات، وهي صاحبة السيادة، والله هو المشرع ابتداءً، والأمة انتهاءً!

    والشكل الثاني: قالوا: إن هذه الأنماط الجاهلية والأشكال الغربية التي تحياها الأمة الإسلامية لا تخالف الملة الحنيفية، ولا تخالف شريعة رب البرية!

    الشكل الثالث الذي طرحه علماء السوء وحكام الضلال لإبدال الشريعة بالقوانين الوضعية هو التوفيق بين النصوص الشرعية والحياة الجاهلية

    الشكل الثالث: تلاعبوا بالنصوص وحرفوها، وجعلوها تتفق مع الأشكال الجاهلية التي عاشوها، فجعلوا النصوص الشرعية تدل على سلامة الحياة الغوية التي نعيش فيها، وهذا ما يسمى في هذه الأمة بالفكر المستنير، هؤلاء أصحاب الفكر المستنير بالتجديد، بالتطوير، بالصحوة، بالوعي، باليقظة، بالإصلاح، وأول من تزعم هذا في هذا العصر الضال محمد عبده الذي طور الأزهر، وأدخل الإصلاح فيه، وقرب الأزهر إلى اللادينيين ألف خطوة، وأفسد مناهج الأزهر، وما قرب اللادينيين إلى الإسلام خطوةً واحدة، وصار حالنا كما قال القائل:

    نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

    إذاً نحن الآن نريد فكراً مستنيراً، وعياً.. صحوةً.. يقظةً.. تجديداً.. تطويراً إصلاحاً، وهؤلاء يكفي أن نقول في حقهم ما قال ربنا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12].

    وهذا الصنف الذي تولى مهمة التوفيق بين نصوص الشريعة الإسلامية والحياة الجاهلية حقيقةً هو أخبث الخلق عند الرحمن جل وعلا، وقد خشي علينا نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا الصنف أعظم خشية، وأخبرنا أن هذا الصنف إذا وجد فالأمة ماتت الروح الإسلامية فيها، لم تأمر بمعروف، ولم تنه عن منكر، لم؟ لأن الجاهلية صارت شرعية، الشيخ الذي يبرر السفور، والناس يفعلون هذا على أنه من الشرع، هذا ينكر بعد ذلك؟! الشيخ الذي يبرر الربا ويقول: هذا ليس بحرام، ينكر بعد ذلك؟! إذاً سيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما يحصل التوفيق بين أنظمة الجاهلية ونصوص الشريعة الإسلامية.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه بسندٍ حسن كما قال الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء الأول صفحة ستٍ وأربعين، عن أنس رضي الله عنه: ( أنه قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )؟ وما يسألون رضي الله عنهم عن جواز تركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا لا يخطر ببال مسلم أنه يسأل عنه، لا يسأل عن جواز ترك هذا، إنما يسأل عن الحالة التي سيئول إليها المسلمون وفيها يتركون هذه الشعيرة العظيمة التي إذا تركوها لعنهم الله كما لعن بني إسرائيل، لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79]، متى نترك؟ لا يسألون عن وقت الرخصة والجواز، إنما يسألون عن وقت ترك هذا عندما تنحط الأمة، أي هذه الأمة متى ستترك هذه الشعيرة؟ في أي وقت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم تتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وماذا ظهر في الأمم قبلنا، بحيث لو وجد فينا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رذالتكم )، الفاحشة في الكبار، شايب ويزني، إذا ما قدر على الزنا في هذه الأيام كما يفعل العتاة الأغنياء، يستأجر مومسات ورجالاً ثم يضعهم في حجرته والرجال يزنون بالنساء، وهو يتلذذ بالنظر ويعطي أجرة للصنفين، هذا وقع من كثيرٍ من الذين يزيدون على الثمانين سنة في هذه الأمة المنحطة، الفاحشة فيمن؟ في الكبار، ترى عمره يزيد على الثمانين وما في لحيته شعرة بيضاء.. أو سوداء أو شقراء، كلها بيضاء كثغامة الثلج، وجالس ينظر على التلفزيون أشكال وألوان من الرقاصات أمامه في الليل، هذه فاحشة أم لا؟ يفعلها الكبار هذه الأيام أم لا؟ ( الفاحشة في كباركم )، أي: يفعلون المعصية القبيحة، هذا الشيخ الآن المباح ينبغي أن يتنزه عنه لأنه طعن، وأعذر الله من بلغ إلى ستين سنة.

    كما يقول ابن حزم كانت عادة عند سلفنا في المغرب: إذا خرج في جسد إنسان في رأسه أو لحيته شعرة بيضاء يعتزل الدنيا ويتفرغ للعبادة، وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37]، هذا نذير جاءه الآن؛ لأن متى ما شابت اللحية وشاب الرأس انتهى الآن، العمر على وشك الزوال، يترك المباحات ويتفرغ للعبادة، هكذا كان سلفنا، لكن الآن يشيب لكن قلبه في الصبا واللهو أعظم من قلب الصبيان، ( الفاحشة في كباركم )، وقد أخبرني مرةً بعض إخواننا في بلاد القاهرة يقول: جاء بعض العتاة من بعض دول البترول إلى هناك، يحلف لي يميناً بالله إن عمره يزيد على ثمانين سنة، ومحدودب الظهر، يقول: يا شيخ! ما يوجد ليلة إلا والزنا في بيته، ويترك النوافذ مفتوحة والجيران يشرفون، فاتصلنا بالمسئولين مراراً قالوا: هذه حرية ما لنا وله، ثم بعد ذلك قلنا: آذانا وفضحنا، على الأقل يستر نفسه، فجاءت معنا بعد ذلك دورية من أجل التحقيق معه، كيف أنت تزني وعمرك ثمانين سنة؟ يقول: ما يتأتى مني الزنا، ولما عمل التحقيق إذاً ماذا تعمل؟ يقول: يستأجر نساءً ورجالاً يزنون ببعضهم، ويعطي للطرفين أجرة، وهو فقط يجلس يتلذذ بالنظر إلى الزنا، إلى هذا الحد وصل انحطاط الأمة الإسلامية، يقول: ولما عمل معه تحقيق تبين أنه كان يشترط أن تكون النساء طالبات مدرسة، فكان السماسرة يحملون الزانيات شنطاً من أجل تأتي تحمل الشنطة على أنها طالبة أو دكتورة أو مدرسة لأجل يعطيها أجرة كثيرة؛ لأن هذه الزانية إذا كانت دكتورة وزنت يعني ألف جنيه، وإذا كانت عادية عشرة جنيهات، فيحملونها شنطة كبيرة ويقولون: هذه دكتورة، إذاً هذه تحتاج أجرة أكثر ليتلذذ بالنظر إلى الطالبات عندما يزنى بهن، هذا انحطاط الأمة الإسلامية في هذه الأيام.

    ( الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم )، أولاد سفهاء، كبار لكنهم من أهل الذل والصغار يقودون الأمة الإسلامية، والعلم في الرذال، قال زيد الخزاعي : أي: أن يكون العلم في الفساق، وهذا العلم الذي صار في الفساق في هذه الأيام، وهذا هو المنافق الذي هو عليم اللسان، هذا أفسد دين الرحمن في هذه الأيام، وجعل الأنظمة الجاهلية شريعةً إسلامية، ولوى نصوص الشرع وجعلها تدل على الحياة التي نعيش فيها.

    إخوتي الكرام! إن المفاسد التي حصلت من المدارس والجامعات في هذه الأيام يندى لها جبين الإنسان، فقد ربطت أمور الحياة ومستقبل النشء بالدراسة، وقيل للطلاب: لا تسعدون ولا تنالون عيشاً إلا إذا درستم، وإذا بعد ذلك أخذتم شهادة وإذا توظفتم، صار في كثيرٍ من بلدان المسلمين لا يوظف الإنسان حتى يطأ على المصحف، عندكم خبر أم لا؟ يدخلونه إلى لجنة المقابلة يقولون: هذا المصحف طأه برجلك، إذا وطئ عليه أيضاً وقلبه خائف هذا لا يوظف، وإذا وطئ عليه وبدا منه الاحتقار هذا هو المقبول في الوظيفة، هذه الجامعات عندما حصلت حصل فيها ما حصل، والمقصود من الدراسة الآن شهادة، ومن ورائها وظيفة، والله لو قيل لكثيرٍ من الخريجين في هذه الأيام: هذا هو محمدٌ رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا توظفون إلا بعد رميه بالرصاص لقالوا: مستعدون أن نرميه، وأن نرمي القرآن معه، من أجل أن نأخذ وظيفة، ولذلك لو علم فرعون ما في الجامعات من مفاسد اهتدى إليها العتاة في هذه الأيام لما ذبح الأولاد واستحيا البنات، لفتح في ذلك الوقت جامعات، وجعل الجامعات تتبع نظامه ويخرج منها عقول في مستويات معينة، بهذه الأنظمة الملعونة التي يودع فيها نظام ثورة، واتحاد طلبة، وكفر لا يخطر ببال إنسان يلقى للنشء من الابتدائي حتى مرحلة التخرج، هذا الجيل الذي بعد ذلك علم قيلاً وقالاً وهذياناً هل يبالي بشريعة الله؟ هل يبالي عندما يقال له: أنت لا توظف إلا أن تحلل الربا، يقول: أنا أحلل الزنا، ليس الربا فقط، ماذا تريدون؟ أعطوني الوظيفة واخذوا مني ما شئتم.

    إذا كان العلم في رذالتكم، في هذه الحالة ماذا يحصل في الأمة؟ يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا يترك؟ لأن الناس تعارفوا على المنكرات.

    وتعارف القوم الذين عرفتهم بالمنكرات فعطل الإنكار

    ولو قال:

    فتعارف القوم الذين عرفتهم بالمنكرات فأنكر الإنكار

    لكان أولى، الآن إذا أردت أن تنكر على سافرة في الطريق، ينكر عليك والصالح من يقول لك: ماذا تريد منها، أنت ستنزل في قبرها؟ ما لك ولها، اتركها في طريقها، تريد أن تتعرض لها، أما تستحي؟ فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذا صار أمام الناس له صبغة شرعية، اتركها هذه قلبها نظيف، قلبها طاهر، هذه مسلمة، ليست المسألة بالقشور، هذه التي تكشف عن أفخاذها أحسن من المتحجبة التي تعمل البلاوي -على تعبيرهم- ولذلك يقول الآن دعاة الإباحية: هذه ما تحجبت إلا من أجل أن تستر شخصيتها؛ لأنها لو كشفت عن وجهها وزنت تعلم، فهي سترت وجهها من أجل أن تزني ولا تعلم، وأما هذه فمكشوفة، هذه حرة شريفة معلومة، أفخاذها بادية، وصدرها مكشوف، وسراويلها تظهر عندما يلعب الهواء بالثياب، هذه حرة وشريفة وعفيفة؟! أما تلك المنقبة فهي الخائنة التي تفعل وتفعل، تريد أن تستر فعلتها المنكرة بحجابها.

    إذاً صار الإنكار منكراً، فأنكر الإنكار ليس عطل الإنكار، إذا أنكرت ينكر عليك ويقال: ماذا تريد منها؟ ماذا تريد؟ قالوا: يا عباد الله! تخرج سافرة، يقول: تخرج سافرة هذه أحسن من المتحجبة، هذه عفيفة شريفة، لا حرج عليها، اتركها، هذا متى يكون؟ يقول: إذا كان العلم في الرذالة.. في الفساق، إذا كانت زوجة الشيخ تخرج سافرة، بنت الشيخ تخرج سافرة، الشيخ ينظر إلى التلفاز، الشيخ يتعامل بالربا، الشيخ يحلق لحيته، الشيخ تنظر إليه شكله شكل إبليس، إذاً هذا العلم في الفساق كما هو الآن، رجل متخصص بالتوحيد، في العقيدة، في التفسير، في الفقه، في الفسق، تنظر إليه تقول: هذا هو الفقيه، هذا هو الفقيه أو هو الفاسق، فحاروا في أمره.

    ( إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رذالتكم، عند ذلك يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ).

    نماذج لأهل الفكر المستنير الذين يطوعون أحكام الشريعة لتتناسب مع الأنظمة الجاهلية

    إذاً هذا الصنف جاءوا لنصوص الشرع وتلاعبوا فيها، يقول محمد فريد وجدي الذي توفي سنة ألف وثلاثمائة وواحد وسبعين، وبقي يحرر مجلة الأزهر عشرين سنة، يقول: الإسلام دين عامٌ خالد، لا يوجد قانونٌ ولا نظامٌ إلا ويسعه الإسلام، حتى نظام أتاتورك يسعه...

    ( كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا )، لا يوجد ضرائب في الدولة الإسلامية، لا يؤخذ الشيء إلا بنصٍ شرعي، ما عندنا هذا لا يخالف الإسلام، عندنا هذا ظلمٌ وعدوان، عندما تأخذ مني مائة درهم من أجل جواز سفر أو غيره، أو من أجل تعرفة جمرك أو غيرها، هذا مكس، ( لا يدخل الجنة صاحب مكس )، كان هذا يعمل في الجمرك.

    وثبت في مسند الإمام أحمد من حديث رويفع رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن صاحب المكس في النار )، قال أئمتنا: صاحب المكس شرٌ من اللص، أي: شرٌ من السارق، وجابي المكس، وآخذه وكاتبه هم شركاء في الوزر أكالون للسحت، الذي يجبيه، والذي يكتب، والذي يأخذه ويئول إليه وينتفع به، كلهم شركاء في الوزر، أكالون للسحت، ( لا يدخل الجنة صاحب المكس )، ( إن صاحب المكس في النار ).

    إذاً هذا عبد الرزاق أحمد السنهوري كان دنس النفس، خبيث القلب، بدنه غذي بالحرام، ومآله إلى النيران، فعندما تسند إليه مهمة وضع نظام، ماذا سيضع؟ سيأتينا النظام الذي وضعه، النظام الذي وضعه سنة ألف وثلاثمائة وثمانٍ وستين، وأقر بعد ذلك قصراً على بلاد المسلمين، يقول هذا الشيطان الرجيم: استقيت هذا القانون من ثلاثة أمور، أولها: القانون القديم الذي كان في بلاد مصر، ووضع سنة ألف وثلاثمائة للهجرة، ووضعه الأرمني الصليبي الملعون مانوري ، يقول: هذا المصدر الأول، أخذت منه القانون، وأضفت إليه اجتهادات القضاة، وأحكامها مدة سبعين سنة، أي: من ألف وثلاثمائة إلى ألف وثلاثمائة وثمانٍ وستين، مدة سبعين سنة، اجتهاداتهم وتفسيراتهم وتحقيقاتهم وترجيحاتهم بنصوص القانون كما تقدم معنا، فقهاء يفسرون حكمة النص، إذا سرق في الليل فالعقوبة مشددة، لا بد الآن من فقهاء القانون يبينوا لنا ما المراد بالليل كما تبين معنا، إذاً سبعون سنة الفقهاء فقهاء القانون يحتكون بهذا النظام، فلهم شروح وتفسيرات، فأنا أخذت بالقانون القديم الذي وضعه الأرمني مانوري مع اجتهادات القضاة، واستنباطاتهم وتفسيراتهم مدة سبعين سنة.

    والمصدر الثاني يقول: من القوانين الحديثة التي لم تكن في القانون القديم، وهي عشرون مصدراً، منها القانون الفرنسي، والقانون الإيطالي، والقانون الإسباني، والقانون البرتغالي، والقانون الهولندي، والقانون السويسري، والقانون النمساوي، والقانون البولوني، والقانون البرازيلي، والقانون الياباني، والقانون الصيني، بقيت عذرة على وجه الأرض ليست موجودة في القانون، يعني جمع عذرات العالم بأسره، عشرون مصدراً مع المصدر القديم.

    والمصدر الثالث القديم البالي التعبان يقول: الفقه الإسلامي، وحافظت فيه على مكانة القانون القديم، مع شيءٍ من التطوير الحديث، أي: بنظام الأحوال الشخصية، عن طريق النكاح والطلاق وما تعلق به، كما تقدم معنا كلام المستشار سعيد العشماوي : أن القرآن ليس فيه إلا أحكام الأحوال الشخصية، وأما بعد ذلك أحكام الحياة لا دخل للقرآن في هذا، وعليه نحكم نحن بالإسلام بالمائة مائة لأننا ننفذ أحكام المواريث والأحوال الشخصية، إذاً أخذ بالأحكام الفقهية الشرعية التي هي في قانون مانوري ، لكن مع إدخال شيءٍ من التطوير عليها.

    هذا القانون أقر في تلك السنة، وجرى حوله ضجيج، وكبت الناس بالحديد والنار، وقتل من قتل، وأخذ رأي العلماء، ومن جملة من أخذت آراؤهم في ذلك الوقت الشيخ الهضيبي عليه رحمة الله، واستدعي للإدلاء برأيه في هذا القانون فقالوا له: هذا القانون فيه أحكام كثيرة توافق الإسلام، وما لا يوافق الإسلام يدخل بعد ذلك في المصالح المرسلة والنصوص العامة، إذاً ما وافق الإسلام هذا شريعة محققة، مثل الزوج نصف أو ربع هذا موافق للإسلام.. إذا ماتت الزوجة يأخذ نصف ميراثها إذا لم يكن لها ولد، إذا كان لها ولد له الربع، كنص شرعي، وما لا يوافق الإسلام، هذا لا يخالف، يعني نحن إذاً القانون شرعي، فقال الشيخ عليه رحمة الله: الكلمة التي ذكرت محتواها سابقاً.

    قلت: إخوتي الكرام! القانون إذا كان وضعياً كثر الخلاف بينه وبين الشريعة الإسلامية، فالمسلم لا يأخذ به، لعظم الاختلاف بينه وبين شريعة الله، أوليس كذلك؟ قلنا: وإذا قل الاختلاف فلا يأخذ به من باب أولى؛ لأنه لا يوجد مبررٌ للأخذ، وإذا لم يوجد فارقٌ على الإطلاق فقلنا: الأخذ به هو محض الردة والكفر، لم؟ لأنه لا يوجد مبررٌ مطلقاً لأن تأخذ بقانونٍ وضعي وتترك قانون الله، نظام الله، شريعة الله، يقول: هذا كهذا، أحكامه بالمائة مائة، لكن هذا نحن وضعناه وهذا وضعه الله، هذا قابل للتطوير، وهذا ليس بقابل، نقول: الأخذ بهذا وإن ساوى هذا بالمائة مائة ردة أعظم مما لو كان هناك اختلاف بين هذا وهذا؛ لأنه لو كان بينهما اختلاف لقلنا: ربما كان للبشر شيءٌ من العذر العاجل في أخذ شيءٍ من الأحكام الفاسدة في هذه الحياة من أجل مصلحة عاجلة، لكن إذا لم يكن هناك أي عذر، هذا القانون الوضعي كالقانون الشرعي، إذاً لم تكرهون الشرعي؟ لكراهيتكم لله، ولا تريدون الانتساب إليه، ولا أن تعترفوا بألوهيته وربوبيته، وهذه هي الردة المحضة.

    فقال الشيخ الهضيبي : أنا لا يهمني أن يوافق هذا القانون شريعة الله، أو أن يخالف هذا القانون شريعة الله، هذا لا يهمني، وهذا ليس مجال بحث، أريد فقط أن أعلم هذا القانون من الذي وضعه؟ ومن الذي له سلطة في وضع القوانين؟ ومن أين استقي هذا القانون؟ هذا هو مجال البحث، هل أخذ من أصولٍ شرعية لنبحث فيه؟ أو أخذ من أصولٍ وضعيةٍ شيطانية فهو كفر وافق الإسلام أو لم يوافق، ليست المسألة الآن وافق أو خالف، تضحكون على ذقوننا ولحانا، هذا القانون من وضعه؟ ومن الذي له سلطة في وضعه؟ هل هو الله أو البشر؟ هذه هي المسألة، فكونه وافق أو خالف قال: هذا ليس مجال بحث، ونحن أعلى من أن نستجر إلى مثل هذه الجزئيات وهذه البليات أن القانون يوافق بالمائة عشرين أو بالمائة ثمانين من أحكام رب العالمين، هذا القانون من وضعه؟ ومن له سلطة التشريع الله أو عبد الرزاق السنهوري ؟ إذا كان الله له سلطة في وضع القانون، وأخذ من شريعته، فنعم ونعم نبحث في صحة نصوصه، وهل استقي حقيقةً من النصوص الشرعية أم لا، ولنناقش الواضع الذي استنبطه كما نقول للفقيه: أصبت وأخطأت، وإذا أخذ من مصدرٍ وضعي فهذا كفرٌ ولا داعي لمناقشة جزئياته؛ لأنه أعطى حق الخالق لمخلوق، فالقضية إذاً مردودة من بدايتها، ولا أبدي رأيي في تفاصيل هذا القانون.

    كما قلت لكم: كثر اللغط، وفي النهاية أقر هذا القانون، وألزم الناس به، والشيخ محمد محمد حسين عليه رحمات رب الكونين شيخٌ صالحٌ من بلاد مصر، يتكلم على ضلال وفساد وإلحاد وزندقة عبد الرزاق السنهوري في كتابه: حصوننا مهددة من داخلها، وأفرد للكلام عليه باباً طويلاً من صفحة مائة وأربعة وخمسين، إلى أن ختم الكلام عليه في مائة وستٍ وستين، أكثر من عشر صفحات، يتكلم بعد ذلك ويقول عن البحث الذي قدمه الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري أو ما سموه القانون المدني العربي، يقول نقلاً عن عبد الرزاق السنهوري : وهو يقدر بعد أن أصبح الفقه الإسلامي والقانون المدني الغربي جنباً إلى جنبٍ في صعيدٍ واحد أن يتكامل القانونان وأن يتفاعلا، هذا يؤثر في ذاك، وقد يتأثر به، ومن ثم تقوم نهضة علميةٌ حقةٌ لدراسة الفقه الإسلامي -انتبه- في ضوء القانون المدني الغربي.

    أي: نحن نريد الآن للفقه أن ينهض وأن يقوم، وأن يكون له جنود جبارة؟ كما قلت لكم: فقه مستنير وصحوة ووعي ويقظة وتحرير وتطوير؛ لكن ضمن القانون الغربي، وقد قال بعض أعضاء مجلس الشعب في بعض البلاد عندما عمل له احتفال في بلدته: نبشركم بأننا سنحكم بالإسلام ضمن القانون، يقول: نبشركم سنبذل ما في وسعنا للحكم بالإسلام؛ لكن ضمن القانون، فالقانون يبيح الخمر هذه ما لنا علاقة بها، ما لنا علاقة بها على الإطلاق، لكن القانون مثلاً يسمح للناس أن يصلوا، فنحن إن شاء الله نقول لكم: صلوا، نحكم بالإسلام ونحرص عليه ضمن القانون، وهذا يريد أن تقوم نهضة علمية حقة لدراسة الفقه الإسلامي في ضوء القانون المدني الغربي.

    ثم يقول الشيخ عليه رحمة الله في صفحة مائة وستين بعد ذلك: فالنتيجة الحتمية -نقلاً عنه- إذاً لوضع القانون المدني المصري، ثم لوضع القانون المدني العراقي مشتقاً منه ومن الفقه الإسلامي على السواء، هو النهوض بدراسة الفقه الإسلامي في ضوء القانون المدني الغربي.

    ثم بعد ذلك ختم الكلام في صفحة مائة وستٍ وستين نقلاً عنه، يقول: فالهدف من هذا القانون -الذي وضعه- هو تطوير الفقه الإسلامي وفقاً لأصول صناعته؛ حتى نشتق منه قانوناً حديثاً يصلح للعصر الذي نعيش فيه، فإذا استخلصنا هذا القانون في نهاية الدرس، وأبقيناه دائم التطور حتى يجاري مدنيات العصور المتعاقبة، فقد تكون أحكامه في جزءٍ منها قل أو كثر مطابقةً لأحكام القانون المدني العراقي، أو لأحكام القانون المدني المصري، أو لأحكام كلٍ من القانونين، والمهم في ذلك كله تعقيب الشيخ محمد محمد حسين : أن هذا التطور الدائم سينتهي بذلك التشريع الإسلامي المزعوم في المدى القريب أو البعيد، إلى أن يصبح شيئاً مختلفاً عن الإسلام الذي أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام اختلافاً تاماً، بل إنه لكذلك منذ بدء وضعه أو التفكير فيه كما هو ظاهرٌ في هذا البحث.

    إذاً هنا نطور الفقه بحيث يتماشى الفقه الشرعي الإسلامي مع القانون الوضعي الغربي، هذا أسوأ ما عمل في هذا الوقت، وأخبث الأشكال هذا:

    الشكل الأول: الأمة مصدر السلطات، والله هو المشرع ابتداءً والأمة انتهاءً.

    والثاني: أحكام الجاهلية التي نعيشها لا تخالف الشريعة الإسلامية.

    والثالث: الأحكام الجاهلية التي نعيشها هي أحكامٌ إسلامية؛ لأننا طورنا الفقه الإسلامي، وجعلناه يسير في ضوء القانون المدني الغربي، هذه دعوى قالها هذا الشيطان الماكر الذي وضع هذا القانون، وابتليت به الأمة الإسلامية من ذلك الوقت إلى هذا الحين في بلاد المسلمين.

    إخوتي الكرام! هذا أخطر ما عمل للأمة الإسلامية في هذا الوقت ولهذا الوقت، ولذلك ركز أعداؤنا من فترةٍ قديمةٍ على المؤتمرات الفقهية، وأرادوا أن تكون مؤامرات على الشريعة الإسلامية، أول مؤتمرٍ للفقه عقد في العالم في أي بلدة؟ أول مؤتمر للفقه على وجه الأرض يعقد في هذا الوقت في باريس سنة ألف وثلاثمائة وسبعين للهجرة، ودعي إليه علماء من المسلمين من أقطار الأرض تحت مظلة نصرانية، ثم تبعت بعد ذلك البلدان الأخرى هذا المؤتمر، ويقصد من هذه المؤتمرات التلاعب بأحكام الشريعة المطهرة، بينما شريعة الله جل وعلا كتابٌ وسنة، وأي خفاءٍ في واحدٍ منهما؟!

    إذاً هذا أمرٌ عظيم، وأمرٌ فظيع، وأمرٌ لعين أن نقول عن أحكام الجاهلية: إنها شريعة إسلامية، هؤلاء حالهم كما كان يقول الإمام ابن تيمية في الفلاسفة الذين انتسبوا للإسلام كـابن سينا وغيره، يقول: إنهم أخذوا مخ الفلسفة وكسوه بلحاء الشريعة، اللحاء الذي هو قشرة الشجرة، أي: أخذوا مخ الفلسفة وكسوه بظاهر الشريعة، فإذاً أخذوا قواعد الفلسفة وضلالها وصاغوه بأسماء إسلامية، الأسماء إسلامية لكن الحقائق فلسفية كفرية، حالهم كحال من أخذ عدواً للمسلمين فألبسه لباس المسلمين، جعل له عمة وثوباً وعباءةً ولحيةً من صوف وقال: هذا هو مطوعكم، هو كافر ملعون لكن ستره عنا بهذا اللباس، وهذا القانون الوضعي الذي هو كفرٌ بواح ستر عنا بهذا التطوير وهذا التحويل وهذا التكدير، هذا أشنع ما عمل، أخذ مخ الكفر وستر بلحاء الشريعة.

    كفريات وشبهات أوردها الرئيس التونسي بورقيبة والرد عليها

    أما التطوير الثاني والأمر الثاني: لحاكمٍ يحكم بالقوانين الوضعية، وهذه الرسالة نشرتها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حكم الإسلام فيمن زعم أن القرآن متناقض، أو مشتمل على بعض الخرافات، أو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما يتضمن تنقصه أو الطعن في رسالته، والرد على الرئيس أبي رقيبة -الظاهر بورقيبة نطقها- فيما نسب إليه من ذلك لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وفي داخل هذه الرسالة رسالةٌ وجهت إلى حاكم تونس في ذلك الوقت من الشيخ حسنين محمد مخلوف ، ومن الشيخ أبي الحسن الندوي وأبي بكر محمود جوني ، والدكتور محمد أمين المصري ، بتاريخ ستة عشر أربعة يعني ربيع الثاني، ألف وثلاثمائة وأربعٍ وتسعين، يدعون فيه ذلك الحاكم إلى التوبة من ردته بالألفاظ التي صرحها في خطابه في مؤتمر المعلمين والمدرسين الذي ألقاه في ذلك الوقت سنة ألف وثلاثمائة وأربعٍ وتسعين، وأقام ذلك المؤتمر بمناسبة الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية للوعي القومي، ثم صرح بست كفريات، كل واحدةٍ منها تخلده في أسفل الدركات إذا لم يتب.

    الأولى: أن القرآن متناقض، والثاني: أن في القرآن خرافات لا يقبلها عقل واحدٍ من المخلوقات، كعصا موسى عندما صارت ثعباناً، قال: هذه خرافة، وكلبث أصحاب الكهف في الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، خرافة صبيانية، كان محمد عليه الصلاة والسلام يدخل على العرب وعلى السذج في ذلك الوقت، واتهم بعد ذلك الإسلام بالظلم لأنه أعطى المرأة نصف الإرث، والأمر الثالث قال: حضرنا تعدد الزوجات، وسنمنع بعض أحكام الإسلام كما سنقرأ عليكم فقرات من خطابه.

    والأمر الخامس: الرسول عليه الصلاة والسلام بسيطٌ ساذج بدوي عنده خرافات تناسب حاله في ذلك الوقت.

    والأمر السادس: الأمة الإسلامية في هذا الوقت صارت تؤله النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنها إذا ذكرته تقول: صلى الله عليه وسلم، هذا تأليه للنبي ولا يجوز أن نقول: صلى الله عليه وسلم؛ لئلا نؤله نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فرد عليه هؤلاء الشيوخ الأفاضل ودعوه إلى التوبة من ردته، وأن هذا يعتبر كفراً بواحاً عندما صدر منه في وسائل الإعلام العامة، مع أنه سبق له مثل هذا أن شرب الخمر في نهار رمضان على شاشة التلفاز، وقال: إن الصيام إتعابٌ للإنسان، وهمجية لا تتناسب مع كرامة الإنسان، وهنا الذي أريده محل الشاهد في هذا قوله هنا: على أنني أريد أن ألفت أنظاركم -لمن؟ للمربين والمدرسين، خليط من الذكور والإناث- والكلام لازال للحبيب بورقيبة - إلى نقصٍ سأبذل كل ما في وسعي لتداركه -ستتدارك على رب العالمين وعلى خاتم النبيين عليه صلوات الله وسلامه- قبل أن تصل مهمتي إلى نهايتها، وأريد أن أشير بهذا إلى موضوع المساواة بين الرجل والمرأة، وهي مساواة متوفرة في المدرسة وفي المعمل، وفي النشاط الفلاح، وحتى في الشرطة، حتى في الشرطة يوجد نساء، لكنها لم تتوفر في الإرث، حيث بقي للذكر مثل حظ الأنثيين، إن مثل هذا المبدأ يجد ما يبرره عندما يكون الرجل قواماً على المرأة، وقد كانت المرأة بالفعل في مستوىً اجتماعي لا يسمح بإقرار مساواةٍ بينها وبين الرجل، فقد كانت البنت تدفن حية وتعامل باحتقار، وها هي اليوم تقتحم ميدان العمل، وقد تضطلع بشئون أشقائها الأصغر منها سناً، فزوجتي مثلاً هي التي تولت السهر على شئون شقيقها، وتكبدت من أجل ذلك كل متاعب العمل الفلاحي، ووفرت له سبل التعليم، وحرصت على تحقيق أمنية والدها الذي كان يرغب في توجيه ابنه نحو المحامات، فهل يكون من المنطق في شيءٍ أن ترث الشقيقة نصف ما يرثه شقيقها في هذه الحالة؟

    انتبهوا إخوتي الكرام! إلى الآن التلفيق بين الجاهلية والشريعة الإسلامية، هذا الذي يقول: كفر أو إسلام؟ لا، إسلام، انتبهوا.

    يقول: فعلينا أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة، نحن مسلمون، وهذه نصوص شرعية، وعندنا اجتهاد وأنا أمير المؤمنين، فاسمعوا ما سأقوله في هذه المسألة في هذا الحين قبل أن يفض المجلس، علينا أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة، وأن نبادر بتطوير الأحكام الشرعية، بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع، وقد سبق أن حجرنا تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة.

    حجرت ظلماً وعدواناً أيها السفيه، لا في مدلول الآية الكريمة، وهذا حكمٌ شرعيٌ لا يملك أحدٌ أن يحجر عليه، وإذا أباح الله لهذه الأمة أن ينكح مثنى وثلاث ورباع، هل يحل لأحدٍ من خلق الله أن يحجر عليهم وأن يقصرهم على واحدة؟ إذا أباح الله الطلاق، هل يحل لولي الأمر أن يلزمهم بالطلاق؟ يأتي يقول: الطلاق مباح، وأنا ولي الأمر طلق زوجتك، من أنت أيها الضال؟ أطيعك في طاعة الله، وأما أن تفرض علي حكماً ما يباح للفرد، لا يجوز للأمير أياً كان ولو كان أبو بكر أن يلزم الأمة به رضي الله عنه وأرضاه، هذا يحل له أن يعدد، ويحل له أن يفرد، ويحل له أن لا يتزوج، أوليس كذلك؟ أما أن تلزمه بالواحدة، أو أن تلزمه بالأربع، من الذي ألزمك؟ هذا يحل له أن يأكل الملوخية، ويحل له ألا يأكلها، أن تصدر نظاماً كالحاكم بأمر نفسه اللعين، أصدر نظاماً في مصر بأن من أكل الملوخية عقوبته الإعدام، يقول: هذا مباح، أنا سأمنعكم عنه، ماذا تريد منهم؟ ممنوع أكل الملوخية، وهذا هنا كذلك، يقول: نحن بطريق الاجتهاد في مفهوم الآية حظرنا تعدد الزوجات، حظرت تعدد الزوجات، وماذا أبحت؟ تعدد العشيقات، ولذلك إذا زنى عن طريق العشق يضرب على كتفيه ويقال: بارك الله فيك، وأنت تساعد المجتمع عندما تعطي هذه دريهمات، أما إذا تزوج فيقال له: أنت مجرم تسجن، تدفع غرامة مالية، ويفرق بينك وبينها، والأولاد لا ينسبون إليك من الثانية، أباحت الزنا وحظرت تعدد الزوجات، ثم تقول: حجرنا على هذا في مفهوم الآية الكريمة، نحن على حسب الآية، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3]، فإذاً لا نلزم بالأربع، وأنا ولي أمر المؤمنين فمنعتهم من التعدد.

    ثم يقول: ومن حق الحكام -هذا كلام الحبيب بورقيبة - بوصفهم أمراء المؤمنين، أن يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب، وتطور مفهوم العدل ونمط الحياة.

    هذا الكفر الذي ما صدر من إبليس، وبوصفهم أمراء المؤمنين، أي مؤمنين؟ المؤمنين به، لا المؤمنين برب العالمين، الذي يقبل لك أن تطور الأحكام، هذا من جعلك نداً للرحمن، أما المؤمن بالله فلا يجعل لأحدٍ سلطة في تطوير أحكام شرع الله الجليل، وإذا كان أبو بكر رضي الله عنه سيد هذه الأمة بعد نبيها عليه صلوات الله وسلامه يقول: ( أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم )، وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما هم هم فقط أن يمنع الرجال من المبالغة في المهور وتهددهم، وقال: ما أمهر النبي عليه الصلاة والسلام امرأةً من نسائه، ولا أمهرت واحدة من بناته أكثر من خمسمائة درهم، فلأعرفن رجلاً فعل ذلك، يتهددهم، يعني: إن شاء الله يبلغني عن أحدٍ أنه زاد عن هذا، فقامت امرأة في المسجد وقالت: يا أمير المؤمنين! ليس لك ذلك، الله يعطينا وأنت تمنعنا، قال: وأين ذلك يا أمة الله؟ أين أعطاك الله وأنا منعتك؟ قالت: قال الله في كتابه: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20]، فيجوز أن يمهر زوجته قنطاراً، وأنت لم تحدد هذا بخمسمائة درهم؟ فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه منك يا عمر ، أخطأ رجلٌ وأصابت امرأة، هذا عمر سيد المحدثين والملهمين، وأنت ستطور الأحكام بحسب تطور الشعب وتطور مفهوم العدل ونمط الحياة، هذا أسلوبٌ ثانٍ من الأساليب التي تقال في هذا الوقت، ذاك عالم، وهذا حاكم، فيطورون الشريعة الإسلامية لتشمل الأنظمة الجاهلية.

    إخوتي الكرام! كل من يأتي بحكمٍ يخالف نصوص الإسلام، ويدعي أن هذا الحكم لا مانع من قبوله، فهو متبعٌ في ذلك للشيطان، قال الإمام ابن سيرين والحسن البصري كما في كتاب الدارمي ، وجامع بيان العلم وفضله لـابن عبد البر رضي الله عنهم أجمعين: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، أي: قاس قياساً فاسداً، أي: قاس قياساً يصادم النص، أي: أتى بحكمٍ شيطاني، وأراد أن يجعله حكماً شرعياً.

    خلاصة الكلام إخوتي الكرام! مخططات الجاهلية في هذه الأوقات دارت على أمورٍ ثلاثة:

    الأمر الأول: دعا إلى إهمال شريعة الله.

    والأمر الثاني والأسلوب الثاني: دعا إلى فصل الدين عن السياسة.

    والأسلوب الثالث: جعل هذه الأنظمة الجاهلية شريعةً إسلامية عن طريق تطوير الشريعة، ففصل ومكر.

    أسأل الله جل وعلا أن يلطف بأمة نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يفرج عنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ونسأله برحمته أن يعز الإسلام وأن ينصر المسلمين، وأن يرد كيد الماكرين في نحورهم، إنه على كل شيءٍ قدير، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.