إسلام ويب

مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تتميز الشريعة الربانية بأنها جنسية فوق كل الجنسيات، وهي الجنسية الإسلامية التي تنصهر في وعائها النظيف الطاهر كل الجنسيات، وتذوب فيها جميع الفوارق والطبقات، وتجعل الناس سواسية، ولا تميز بينهم بحسب الهوية الوطنية أو العرقية كما في القوانين الوضعية، فكلهم متساوون.

    1.   

    مناقشة المستشار سعيد العشماوي في تنقصه للقرآن وشريعة الإسلام

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    أيها الأحبة! إن التشريع الإسلامي الذي يتحقق به العدل والإنصاف بين جميع المخلوقات يقوم على ثلاثة أسس:

    ضروريات، حاجيات، تحسينيات. أي: درء مفاسد، وتحصيل مصالح، والجري على مكارم الأخلاق. بهذا يحصل العدل بين جميع المخلوقات، وإنصافٌ لجميع الطبقات، فشريعة الله إذاً شملت جميع أمور الحياة.

    هل يخرج عن هذا شيء؟ لا. وبذلك نتحقق من قول الله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، مع وضوح هذا الأمر وسطوعه، انظروا إلى ما يقوله دعاة الفصل في هذه الأيام من كلامٍ والله الذي لا إله إلا هو! لو قدر أن الشيطان ظهر بيننا وقلنا له: هل ترضى أن ننسب هذا القول إليك؟ لقال: أستحي من نسبته إلي. قولوه دون نسبةٍ إلي، لكن شياطين الإنس ما بقي عندهم حياء، لا من الله ولا من عباد الله.

    هذا مستشار.. وعندنا مستشار، وعندنا حمار، وعندنا روثة حمار، من حمل التوراة ولم يحملها فهو حمار، ومن تلاعب بأحكام القرآن ورفضها وزعم أنها لا تصلح لهذه الحياة فهو أنزل من الحمار؛ لأن التوراة أنزل من القرآن، ونبينا عليه الصلاة والسلام أفضل الأنبياء، وخصه الله بأفضل الكتب، وإذا كان من ترك التوراة فهو حمار، فمن ترك القرآن فهو روثة حمارٍ بلا شك.

    الحوار دائماً مع المستشار سعيد العشماوي أحد رموز التيار الإسلامي المستنير أما نحن فإسلامنا متحجر متعجرف! إسلام متشدد متزمت! إسلامٌ رجعي!

    يقولون: نريد تياراً إسلامياً مستنيراً، يعني بأشكال رجال بيض، ممتعٌ ومثير، ولكنه هذه المرة أكثر إثارة إنه يكشف عن أسرارٍ هامةٍ جداً وخطيرةٍ للغاية، يقول له من يجري الحوار: كان لكم التيار الإسلامي المستنير موقف من هذه الشعارات، أي: التي تدعو في هذه الأوقات لتحكيم شريعة رب الأرض والسماوات، ونبذ القوانين الوضعية والرجوع إلى شريعة الله المطهرة الرفيعة.

    الرد على زعمه بأن الشريعة الإسلامية أغلبها أحوال شخصية فلا تصلح للحكم

    يقول: لكم موقف مستنير نحو هذه الشعارات، قال: نعم، وقفنا ضدها بشدة، فالشريعة الإسلامية أغلبها أحوالٌ شخصية. ما هي الشريعة الإسلامية؟ قال: هي أحكام إرث وزواج وطلاق.

    ماذا يوجد في الشريعة الإسلامية؟ قال: أغلبها أحوالٌ شخصية. أي: فكيف يطلب منا هؤلاء البله أن نحكمها؟ هذه شريعةٌ قاصرة ينبغي أن نعزلها عن الحياة، وأن نفصل الدين عن السياسة.

    يقول: فالشريعة الإسلامية أغلبها أحوالاً شخصية، وهي مطبقةٌ في مصر، وكل الأحكام القانونية توجد في ثمانين آية من ستة آلاف آيةٍ بالقرآن الكريم.

    يقول: هذا القرآن ستة آلاف آية ومائتان، والآيات التي تتعلق بالقوانين والحكم هي ثمانون آية فقط.

    إذاً: ستة آلاف ومائة وعشرون آية هذه للتسلية والكلام الفارغ وضياع الوقت، ثمانون آية في القرآن هذه في القوانين والباقي كلامٌ فارغ! فكيف إذاً سنطبق هذا القرآن في شئون الحياة؟ هذا قصص كقصص ألف ليلة وليلة، وكنوادر جحا! ثمانين آية فقط في القوانين والباقي كله لا دخل له في شئون الحكم! أيها العبد المخذول الضال المضل أنا أرشدك أن تقرأ كتاب أحاديث الأحكام، أحاديث الأحكام ألفت فقط في كتب مستقلة، وأنا أرشدك إلى أن تنظر فقط إلى الفهارس لا أن تقرأ فأنت ممن طمس الله على بصيرته، أن تنظر إلى فهارس تراجم كتب صحيح البخاري التي بلغت سبعاً وتسعين كتاباً فيها ما يزيد على خمسين كتاباً من صحيح البخاري لا علاقة لها بالعبادات، ولا بالعقائد، ولا بالرقائق، إنما هي في المعاملات في البيوع والشركات، في العقوبات، في الحدود، في الجهاد، في الأسرى، في الفيء، في الجزية.

    تزيد كتب البخاري التي تتحدث عن هذا على خمسين كتاباً من سبعٍ وتسعين كتاباً في صحيحه وهو يقول: ثمانون آية فقط هي القوانين والباقي كله لا قيمة له! إذاً: القانون الذي يطالبون به؟

    وإذا كان القرآن ليس فيه حكم، ولا السنة فيها حكم، فما الذي فيه الحكم؟

    القانون الذي يطالبون به عبارة عن فقهٍ إسلامي، أي: من إنجاز عقول ناسٍ، القانون الذي يطالبون به هو الفقه، والفقه هذا فقه أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد ، هذا من عقول ناس، وقلت لكم: إخوتي الكرام! من زعم هذا في الفقه فهو كافر، فالفقه أحكام شرعية مأخوذة من أدلتها التفصيلية من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، والإجماع الذي أخذ من نص وبني على نصٍ شرعي وقياسٌ سويٌ سديد أن نلحق النظير بالنظير.

    هذا آراء، هذا أوهام، هذا أضغاث أحلام، ثم أكثر أحكام الفقه آياتٌ صريحة، وأحاديث صحيحة والاجتهادات التي هي من باب القياس وإلحاق فرعٍ بأصل أقل من القليل.

    إذاً كيف يقولون: هذا إنجاز عقول ناس؟

    وتقدم معنا إخوتي الكرام عند الأمر الثالث من المميزات في التشريع الرباني: أنه يسع لكل ما يقع في هذه الحياة، وقلنا: هذا الفقه معجزة لخير البرية عليه صلوات الله وسلامه، وضربت لكم أمثلةً حية على استنباط أئمتنا أحكاماً شرعية من نصوصٍ قرآنية قد يبدو في ظاهرها أنه لا دلالة فيها على هذا الحكم، لكن الله يؤتي الحكمة من يشاء، كما استنبطت الجارية أنه لا يجوز الاستثناء في اليمين بعد فترةٍ وبعد مضي برهةٍ من قصة العبد الصالح أيوب على نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما قال الله له: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44]، وهكذا غيره وغيره من أحكام شرعيةٍ.

    الرد على زعمه بأن الفقه الإسلامي من إنتاج عقول الأئمة

    ثم أريد أن أقول لهذا المخذول: الفقه الإسلامي من إنتاج عقولنا، من إنتاج أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك ، والقوانين الوضعية تقليدٌ للبلاد الغربية، من إنتاج عقول من يأكلون الخنزير ويشربون الخمور، وهم أحط من الخنزير عند العزيز الغفور.

    لو كان الفقه من عقول الناس والقوانين الوضعية من عقول الناس فأي الأمرين أحسن بالاتباع والاقتداء والتقليد؟ أيهما تتبع أجدادك وآباءك وأبناء ملتك ومن هم على ديانتك فتأخذ بآرائهم، أو أن تأخذ بآراء الغربيين من أمريكيين وبريطانيين وفرنسيين وغيرهم ممن غضب عليهم ربنا العظيم؟! أي الأمرين أحسن؟ هذا لو سلمنا لك أن الفقه من إنتاج عقولنا، لكن أنا أحار حقيقةً في هذه الأيام في مثل هؤلاء الذين لا على الله وعلى حسن اختياره عولوا، ولا على شخصيتهم اعتمدوا، ولا لأئمتنا اتبعوا، ولا بهم اقتدوا، إنما قلدوا من لعنهم الله وغضب عليهم.

    تفسيره للفرائض والأحكام والحدود تفسيرات متحرفة والرد عليه فيها

    يقول: وبالنسبة للعقوبات -لأنه قد يقول له في القرآن يوجد أحكام العقوبات من سرقةٍ وجلدٍ في الزنا وغير ذلك- قال: وبالنسبة للعقوبات فنحن أمام أربعة أحكام -أي في القرآن- قطع يد السارق، وجلد القاذف، وهي جريمةٌ ليست ذات أهمية.

    والله ما يقول هذا ابن حلال، ما يقول هذا إلا ابن زنا! عندما يرمى الإنسان بالزنا، هذه الجريمة ليست ذات أهمية؟! تقول له: يا زاني! يا ابن الزانية! هذه ليست ذات أهمية؟! الذي يعرف لهذا الأمر أهمية هو ابن الطهر والعفة، أما ابن العهر والسفاح فلا يبالي أن تقول له: إنه ابن زنا.

    يقول: وهي جريمةٌ ليست ذات أهمية، وجلد الزاني، وهي جريمة صعبة التطبيق، لا يمكن أن يطبق حد الزنا، وأصبح القائم هو التركيز على عقوبة السرقة.

    ونحن نقول: العدالة الاجتماعية والسياسة قبل تطبيق هذه العقوبة. أي: أخروا هذا لنحقق العدالة الاجتماعية والسياسية.

    ثم قال: إن الخلافة نظامٌ جاهليٌ غشوم أضر بالإسلام ولم يفده.

    ثم تحدث بعد ذلك عن الجهاد، وقال: نحن قلنا: إن الجهاد هو جهاد النفس، هذا هو الجهاد، أما بعد ذلك قتال الكفار، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39].

    انتبه بعد ذلك بماذا يختم مقاله! يقول: لكني لا أخاف من هؤلاء في مصر -أي: هذا الشباب، على تعبيره الطائش- إنما أخاف من الشيوخ الذين ينتمون للمنظمات الرسمية. أي: يدرسون في جامعات في كليات ولهم شأن، ويتحدثون في أجهزة الإعلام بطريقةٍ تؤكد وتمهد لجماعات الإسلام السياسي، ونحن نعرف أنهم أيدوا شركات توظيف الأموال، ورفضوا تنظيم الأسرة، وبعضهم يبرز انتشار المخدرات.

    وهذا لعله يقصدني بهذا كما ذكرت لكم في الموعظة الماضية ويقصد أمثالي، قلنا: إن القوانين الوضعية فيها منتهى السفاهة، حرمت المخدرات، وأباحت المسكرات، بعد أن حرمتها أيضاً حرمت المسكرات كما في أمريكا ألف وثلاثمائة وخمسين، بعد سنتين أباحتها شرباً وتجارةً وبيعاً وشراءً، ثم بعد ذلك المخدرات لا زالت محظورة، وقلت لكم: لن نموت حتى نرى قراراً عالمياً بأن المخدرات مسموحٌ بيعها، وشراؤها، والمتاجرة بها، وزراعتها كالخمر، ولذلك نحن نقول لهم: يا من طمس الله على بصيرتكم! كيف تبيحون الخمور وتحرمون المخدرات؟! هذه ضرر وهذه ضرر، وهذه تزيل العقل وهذه تزيل العقل.

    هل نحن نروج للمخدرات ونبررها؟ يتهمنا الآن بأننا نبرر، يقول: بعضهم يبرر انتشار المخدرات، فأحدهم قال في التلفزيون: إن الخمر محظورة في القرآن؛ لأنها تذهب بالعقل فوراً، في حين لم تذكر المخدرات؛ لأنها لا تذهب به فوراً، مما يعني أنه يبررها بشكلٍ غير مباشر. يعني عندما نقول: إن المخدرات ينبغي أن يكون حكمها كالخمر، يقول: إذاً نعني أنها نبررها وندعو إلى شربها.

    وأنا أقول له: عما قريب سيبررها قانونكم اللعين.

    يقول: ثمانين آية فقط في القانون، وبعد ذلك الآيات كلها هذه من باب التسلية وضياع الوقت فكيف يطالبنا هؤلاء بتحكيم القرآن؟

    وأنا أريد أن أقول لهذا المجنون الذي فقد عقله قبل أن يفقد دينه: إن هذا القانون حكمت به الأمة الإسلامية أربعة عشر قرناً، إلى سنة ألف وثلاثمائة وثلاثٍ وأربعين للهجرة، حكمت به في أحوالها الداخلية والخارجية، مع العدو والصديق، وما كان لها غير هذا القرآن، فكيف وسعها وكانت لها العزة والسيادة؟! وكيف الآن لا يسعنا كتاب ربنا جل وعلا؟!

    إن القرآن عدل لجميع المخلوقات، وإنصاف بين جميع المستويات، شاملٌ لجميع أمور الحياة، وهذا ما يراد منا الآن ألا نذكره فيقال: ليس في القرآن إلا بضعة آياتٍ تتحدث عن القوانين، والباقي كله من باب التسلية والعبث، فهذا كتاب تمائم وشعوذة، أما آيات الأحكام فثمانون آية، بقي معنا ستة آلاف ومائةٌ وعشرون آية كلها لا قيمة لها ولا وزن ولا اعتبار ولا دخل لها في شئون الحياة. هذا نموذجٌ من الضلال.

    إذاً إخوتي الكريم! لا بد لكون القانون صالحاً لتحكيمه بين الناس: أن يكون فيه عدالةٌ عامة وإنصاف بين جميع المخلوقات، وحكمةٌ في وضع الأمور في مواضعها، وهذا لا يوجد إلا في تشريع ربنا.. في كلام ربنا، وأما ما قاله المستشار العشماوي وغيره فهذا من باب السفاهة والضلال، وهم والله ولا أبعد إذا قلت: ما قرأ واحدٌ منهم ولا اطلع على كتابٍ من كتب أئمتنا في الحديث، ولو اطلعوا على كتابٍ من كتب أئمتنا في حديث نبينا عليه الصلاة والسلام لربما استحوا من هذه التصريحات، لكنهم يكشرون عن أنيابهم ويقولون: كفر ولا نريد الإسلام.

    الرد على القول بأن نصوص القرآن لا تصلح للحكم في هذا العصر

    أما اتهام الإسلام بأن نصوصه لا تصلح أن تحكم في هذه الأوقات، وأن نصوصه محدودةٌ لا تعالج شئون الحياة، فهذا هو الضلال، وهذا هو الخذلان، فالنصوص هذه كما قلت: تتسع لكل ما وقع ولكل ما يقع عن طريق استنباط الفقهاء والأئمة الأتقياء، وهذا الاستنباط ليس كما يقرر في القوانين الوضعية.

    انظروا لهذا الاستنباط الذي يفطر الأكباد في كتاب (مبادئ النظم)، وكنت ذكرته لكم إخوتي الكرام! وقد ألفه أربعةٌ من الدكاترة الذين غضب الله عليهم، جاء في صفحة اثنتين وثمانين في طرق التفسير الخارجية، أي: للقانون، وكيف يقضى بها؟! أولاً: حكمة النص: هي البحث وراء الكلمات من غاية السلطة المختصة وما ترمي إليه المصلحة المنشودة.

    أي: أن تبين حكمة النص.. مفاده.. أن يتعرف المفسر على العلة. ولذلك يقال على أهل القانون: فقهاء القانون، والقضاة: مفسرون وشراح، كأنهم يشرحون كلام الله ويفسرونه.

    قال: أن يتعرف المفسر على العلة. يوجد أيضاً علة في القانون كما هي العلة في الأحكام الشرعية التي اقتضت الحكم، فيفسر في ضوء هذه الحكمة ألفاظاً وردت بالنص.

    أي نص؟ لو بال عليه الإنسان لكان بوله أطهر من ذلك النص.

    يقول: فيفسر في ضوء هذه الحكمة ألفاظاً وردت بالنص قد تكون مبهمةً. يقول: مثلاً: القانون الجنائي في كثير من الأنظمة- هذا القانون الجنائي الوضعي لا الشرعي- أن القانون الجنائي في كثيرٍ من الأنظمة يجعل الليل في جريمة السرقة ظرفاً مشدداً للعقوبة، فما معنى الليل؟ لا بد الآن من فقهاء القانون يجتهدون؛ لأنهم الآن إن أصابوا فلهم لعنتان، وإن أخطئوا فلعنة.

    إخوتي الكرام! دعونا من إدخال شيءٍ من العبث في كلامنا، إن أصابوا فلعنتان، وإن أخطئوا فلعنة، وحقيقةً نقول والله كلاماً والله لو بكينا دماً لكان قليلاً، لكن القلوب ضرب عليها الغفلة، ونسأل الله حسن الخاتمة، وإلا مثل هذا الكلام الذي نقوله فيه بيان سفاهة هؤلاء، هذا يستدعي أن يتبسم الإنسان، يقول: لا بد الآن من تفسير الليل، فليجتهد فقهاء القانون في بيان المراد بالليل حتى تكون العقوبة مشددة مغلظة في السرقة، يعني بدل من أن يسجن شهراً، إذا سرق في الليل سيسجن أربعين يوماً، فما معنى الليل يا فقهاء القانون؟ اجتهدوا وفكروا واستنبطوا والتمسوا العلة، يقول هنا: يجب توخي حكمة النص، والواضح أن السلطة المختصة جعلت الليل ظرفاً مشدداً لسهولة ارتكاب هذه الجريمة في الظلام، فأراد النص تشديد العقوبة ردعاً للمجرمين الذين يباشرون ارتكاب جريمتهم في جنح الظلام، من هنا وجب تفسير الليل لا على أنه الذي يبدأ معه غروب الشمس وينتهي عند شروقها بمعناه الفلك، أي: عند علماء الفلك الليل من غروب الشمس إلى شروقها، ليس هذا معناه عند فقهاء القانون، لا بد من الاجتهاد، إنما معناه الليل الذي يسهل فيه السرقة، أي: عند انتشار الظلام وتخيم الظلام، وبذلك لو سرقت بعد المغرب بنصف ساعة لا يعتبر هذا ليلاً، تبقى العقوبة شهراً ولا تمد إلى أربعين يوماً، بل بمعنى الظلام، فقد لا يكون هناك ليلٌ بعد غروب الشمس إذا لم يكن الظلام قد أسدل سدوله، لا سيما في فصل الصيف، وهذا هو الذي يستخلص حقيقةً من حكمة النص.

    لا إله إلا الله! فقهاء ومفسرون، وعلة؟!

    أخبرني مرةً بعض إخواننا الصالحين في بعض البلاد العربية عن بعض الألوية في الشرطة برتبة لواء، يقول له: يا أخي قتلت نفساً، وما أعلم هل لي توبة أم لا؟ ثم حكى لي قصته، قلت: لم قتلت النفس؟ وماذا فعل؟ يقول: أنا أحكي لك القصة فاستمع، يقول: يوجد سارق، وأنا لواءٌ في الشرطة مسئولٌ في ذلك المكان، جيء إلي بهذا السارق أكثر من مائة مرة، ولا يوجد في النظام ما يردع السارق، يسجن شهراً ثم يخرج.

    يقول: هو في السجن يسرق، يقترف جرائم في السجن وليس خارج السجن، آذانا داخل السجن وخارج السجن، وبمجرد ما يخرج يسرق ويقطع الطريق ويعتدي ويعمل بلايا، يقول: بعد أن تكررت الحوادث قلت: أدخلوه علي فلما جاء حملته من النافذة وطرحته. أي: ألقيته على الأرض فمات، وعملت محضراً بأن هذا السارق قفز من النافذة ليهرب فمات. يعني سلمت من عقوبة القانون، لكن أريد أن أسأل: هل لي توبة وهل أنا مخطئٌ في قتله أم لا؟

    حقيقةً هذه هي القوانين الوضيعة، عندما يسرق ولا تقطع يده، يسجن شهراً فيسرق في السجن، ثم بعد ذلك إذا خرج تزداد سرقته، يا عبد الله لا تسجنه يوماً واحداً، إذا ثبتت السرقة بإقرارٍ أو شاهدين اقطعها وعلقها في رقبته وقل له: غفر الله لك ذنبك، امش إلى بيتك، بعد هذه القطع لا نريد أن نحقق معك، ولا ندخلك السجن لحظةً واحدة، تقطع يده وقل له: امض إلى بيتك على رجليك، ويدك في رقبتك، احملها إلى بيتك وادفنها في أي مكانٍ تريد، والله الذي لا إله إلا هو! لو نثرت الذهب الأحمر والأصفر أمامه لغض طرفه عنه بعد ذلك، ولو سرق فعندنا ما يطهره: نقطع رجله بعد ذلك من خلاف، يدٌ يمنى ورجلٌ يسرى، حتى إذا أراد أن يمشي يقفز، وإذا أراد أن يسرق لا تساعده بعد ذلك يده التي سرقت، فعندنا ما يطهره، لكن عندما يسجن شهراً ماذا جرى؟ يزداد جريمةً، وهذا هو الواقع.

    يقول هذا اللواء: هذا النظام الوضعي وضيع، لا يمكن أن يطهر المجرمين، فأنا ماذا أعمل؟ حملته وطرحته وقتلته، فهل لي توبة؟ قلت: يا عبد الله لا يجوز أن ترميه، لكن رحمة الله واسعة، عسى الله أن يتوب علينا وعليه، لا بد من أن تتوب بشروط التوبة، لكن لا يجوز أن تقتله، لكن انتبه هنا هو مسئولٌ برتبة لواء في الشرطة، يقول: لا أجد علاجاً لجريمة السرقة، السجن لا ينفع، ويزيد السارق عتواً وضلالاً، وهذا يأتي ويتفلسف يقول: لا بد من بيان حكمة النص، فالقوانين الجنائية تجعل السرقة في الليل ظرفاً مشدداً لتغليظ عقوبة السارق، فبدلاً من أن يسجن شهراً يسجن أربعين يوماً، لكن ما هو الليل الذي يتحقق فيه وصف الليل لتغليظ العقوبة؟ يقول: الآن لا بد من الاجتهاد والتفسير وإعمال الرأي وعرق الجبين، نقول: الذي يظهر أن واضع القانون أراد من الليل ليس الليل الفلكي من غروب الشمس إلى شروقها، إنما الليل الذي يصبح فيه خفاء -أي: شدة ظلام- فإذا سرق في شدة الظلام يترك، وأما بعد المغرب لا سيما في فصل الصيف لا يزال يبقى الليل في أوله مضيئاً، فلو سرق العقوبة لا تغلظ لا زالت شهراً.

    هذا قانون؟! وهذه حكمة؟! وهؤلاء فقهاء؟! وهذه علة؟! وهؤلاء مفسرون؟!

    قد أفسدوا في الأرض باسم صلاحها إذ بدلوا أحكامه بنظامٍ

    من أيها المجرم الملعون يا صاحب القانون من يخولك أن تغير قول الحي القيوم: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] في ليلٍ أو في نهار مطلقاً؟ ليس عندنا الآن ظرف يختلف عن ظرف، إذا ثبتت السرقة اقطع يده وعلقها في رقبته وقل: غفر الله لك، واجعلها آخر ذنوبك، في أمان الله، إلى أهلك سليماً راشداً، فتكون له عبرة طول حياته في بدنه وفي طرفه.

    1.   

    مما تميز به التشريع الرباني أنه أزال الفوارق بين جميع الطبقات

    الميزة الخامسة التي توجد في تشريع الله، ولا توجد كما لا يوجد ما سبقها في تشريعٍ من التشريعات: أن التشريع السماوي.. التشريع الرباني.. النظام الإلهي جنسيةٌ فوق الجنسيات، هو دينٌ ودولةٌ وجنسية، أزال الفوارق بين جميع طبقات البشرية، وصهرها في وعائه الواسع الطاهر النظيف، وجعلها لبنةً في بنائه العالي المنيف، فلا فضل لأحدٍ على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، وكل المؤمنون يلتزمون أمام هذا القانون.. أمام هذا الدستور، أمام هذا النظام، أمام حكم الرحمن يلتزمون به ويتساوون، ولا فضل لأحدٍ على أحد.

    إذاً: فيه مساواةٌ حقيقية، وفيه جنسيةٌ فوق الجنسيات، ثم هو مستغنٍ بنفسه عن غيره، ففيه كل ما تحتاجه الدولة، فإن تشريع الله جل وعلا جمع الأمور الثلاثة -كما تقدم معنا- درء المفاسد.. الضروريات، جلب المصالح.. الحاجيات، التحسينيات.. الجري على مكارم الأخلاق، وفصل بعد ذلك هذه الأمور إلى خمسة أحكام بها ربط ربنا جل وعلا الأنام ببعضهم، وجعلهم عبيداً له، عقائد، عبادات، معاملات، عقوبات، أخلاقٌ وآداب.

    إذاً جنسية تصهر جميع الجنسيات في وعائها النظيف الطاهر، تذيب جميع الفوارق، تجعل جميع الناس سواسيةً متساويين.

    في هذه الجنسية وفي هذا الدين وفي هذا النظام جميع ما تحتاجه الدولة فلا يحتاج المسلمون إلى تشريعٍ آخر عندما يدينون للحي القيوم، ويحكمون كلامه في شئون حياتهم. هذه الجنسية المعتبرة الشرعية لا توجد في قانونٍ من القوانين الوضعية.

    الرابطة الوطنية ومكانتها

    إن القوانين الوضعية الموجودة الآن أخذت بمبدأ الجنسية الوطنية، وهذه الفكرة هي التي تسري الآن في جميع الحياة في أرجاء المعمورة.. الوطنية، ويعنى بها ويراد بها اجتماع الناس تحت قوانين مشتركة.. اجتماع الناس في بقعةٍ من البقاع تحت قوانين مشتركة، واستفادتهم من حقوقٍ متساوية بشرط أن يكونوا في تلك البقعة.. في ذلك الوطن.

    إذاً: لهم نظامٌ خاص في ذلك الوطن، والنظام في هذا الوطن يختلف عن النظام في ذلك الوطن، وفي ذلك الوطن يختلف عن النظام في ذلك الوطن، إنما هؤلاء وطنية، الذي يربطهم نظامٌ خاص، ويستفيدون من حقوقٍ متساوية ما كان عندهم التابعية والجنسية والوطنية، الأنظمة الوضعية قامت على هذا، على تبني الرابطة الوطنية لا الرابطة الإسلامية، والدعوة إلى الوطنية كفرٌ بواح وردةٌ وخروجٌ عن الإسلام، فالله عقد إخاءً بين المؤمنين في محكم آيات القرآن فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وإذا كان الوطني شوعياً فهل هو أخونا؟ وهل له من الحقوق كما لنا؟

    نعم. في النظام له كما لنا، اليهودي والمجوسي والبوذي والنصراني والمسلم والدرزي والنصيري، وكل من ينتمي إلى هذه الوطنية في هذا الوطن يدخلون تحت قوانين مشتركة، لهم حقوق متساوية، هذا في هذا الوطن، ومن عداهم ليس لهم هذه الاعتبارات، ولا تلك الميزات، فهذه الميزات فقط لأهل هذا الوطن.

    هذه الرابطة الوطنية عدا عن أنها رابطة همجية تفرق بين البشرية وتجعلهم أصنافاً يتناحرون والله خلقنا من ذكرٍ وأنثى، وأبونا واحد، وأمنا واحدة، وربنا واحد، وإلهنا واحد، فالرابطة الوطنية لا تحقق العدالة بين المواطنين في وطنٍ ما، والسبب في ذلك:

    أولاً: أنها لا توحد بين القلوب ولا تربطهم، فأي أثرٍ يحصل بيني وبينك إذا كنا نعيش في بقعةٍ واحدة إذا كنت أنا مسلم وأنت كافر، فكري يخالف فكرك؟ أي أثر وأي ارتباط وأي تعاون؟ هل نتعاون أو نتعادى؟ نتعادى عندما تختلف الأفكار، وتتباين المشارب.

    إذاً: هذه الرابطة لا توحد بين القلوب، ثم بعد ذلك كما قلت: رابطةٌ فاسدةٌ لا توحد بين القلوب، ولا يحصل فيها عدل؛ لأنه في هذه الرابطة الوطنية سيبقى في هذه الرابطة وفي حكم ذلك الوطن اعتباراتٌ خاصةٌ لعليةٍ من القوم فيها، فالميمنة والميسرة تأخذ حكمها في مجلس الشعب وفي مجلس الوزراء وفي.. وفي.. وفي... ولذلك ظهرت الحصانة المزيفة التي تعرف بالحصانة الدبلوماسية في هذه الأيام، يعني عضوٌ في مجلس الشعب له حصانة، أمتعته لا تفتش، وسيارته لا تفتش عندما تدخل الحدود. من الذي يفتش؟ الوطني الذي ليس له هذه الحصانة، مهما كان شأنه، لم؟ يقول: هذا عنده حصانة، من الذي فضل هذا على بقية أفراده من يساوونه في الوطنية على حسب وطنيتكم؟ قال: هذا عضوٌ في مجلس الشعب، وهذا وزير، وهذا أيضاً له حصانة.

    من الذي يهرب المخدرات ويتاجر بها في الأرض في هذا الوقت؟! من عندهم حصانة، يأتي بسيارات هذه سيارة من له حصانة، من يجرؤ أن يمد يده لتفتيش سيارته، فيها كل بلاء باسم الحصانة، وأما من عداه فهذا ليس له حصانة وليس له كرامة، بل يهان ويداس.

    إذاً: ما ربطت بين القلوب، ثم بعد ذلك ما حققت العدل بين الوطنيين!

    هل عندنا في الإسلام حصانة لأحد؟ هل لأحد من خلق الله عندنا حصانة؟ لا يوجد عندنا حصانة لأحدٍ من خلق الله، وتقدم معنا إخوتي الكرام هذا في كلام نبينا عليه صلوات الله وسلامه: ( لو أن فاطمة بنت محمد -عليه وعليها صلوات الله وسلامه- سرقت لقطع محمد يدها )، ما عندنا حصانة لأحدٍ من خلق الله، فالمصيب نقول له: أحسنت، والمخطئ نقول له: أخطأت مهما كان شأنه.

    أما في القوانين الوضعية فمحسوبيات، ولذلك أهل القانون ومن يضعونه دائماً يضعون ما يساعد أمورهم في هذه الحياة على حساب المستضعفين.. على حساب الشعب الذين يسومونهم سوء العذاب.

    إذاً: الوطنية عدا عن أنها فرقت بين البشر وجعلتهم شيعاً وأحزاباً ودولاً ودويلات فرقت بين قلوب الوطنيين وما ربطت بين قلوبهم فأي معنىً يربط بيني وبينك إذا كنا ننتمي إلى وطنٍ واحد ونحن نختلف في الأفكار والمشارب والاتجاهات؟ ليس بيني وبينك أي رباط، ثم فيها أيضاً جورٌ على حساب الميمنة والميسرة، وعلى حساب العلية من القوم الذين لهم شأن لا يكون لغيرهم من الوطنيين.

    الرابطة الإسلامية مهيمنة على كل الروابط

    إن الرابطة الحقة التي تربط بين الناس أجمعين -بغض النظر عن كل اعتبارٍ فيهم -هي الرابطة الإسلامية، إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، وكل من قال: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله عليه الصلاة والسلام فله التابعية الإسلامية، وله حقوق المسلمين، وأخٌ لنا، له ما لنا وعليه ما علينا، ( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته )، كما ثبت في صحيح البخاري عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    الرابطة الإسلامية هي الرابطة الحقة، والسبب في هذا: أن الرابطة التي تجمع بين الناس إذا كانت رابطةً فكرية فهي رابطةٌ حقة، هي رابطةٌ قوية، إذا كانت هذه الرابطة دينية فهي قويةٌ شرعية، وإذا كانت هذه الرابطة ليست دينية -أي: رابطة بشرية- لكنها فكرية فهي قويةٌ مع أنها باطلة، ولذلك أخطر شيءٍ على النظام الإسلامي من الأنظمة البشرية: النظام الشيوعي أو النظام الرأسمالي الغربي الشيوعي؛ لأنه رابطةٌ فكرية، لا تنظر إلى لونٍ ولا إلى وطن، إنما من أخذ بأفكارهم فهو عضوٌ في جسمهم.

    ومن فضل الله على الأمة الإسلامية في هذه الأيام أن أعظم مناوئٍ للإسلام وهو الرابطة الفكرية، ولا يوجد رابطةٌ فكريةٌ على وجه الأرض تناوئ الإسلام إلا الرابطة الشيوعية.

    إن أعظم رابطةٍ فكريةٍ على وجه الأرض في هذه الأيام أذن الله بزوالها واندحارها وهي تتساقط كل يوم، ونسأل الله أن يكمل سقوطها، وأما سقوط المعسكر الثاني فهذا سقوطه يسيرٌ هينٌ سهل، لكن النظام الأول هو الذي حقيقةً كان المسلمون يخشون منه، لما له من أثرٍ وربطٍ بين الناس، فبشرنا الله في هذا الوقت فقال: ليس لكم دولة، وأنتم أذلة، ومستضعفون، انظروا إلى قهري وجبروتي، أعظم من يناوئكم حكمت بزوالهم، فشمروا عن سواعدكم لتزيلوا بعد ذلك المعسكر الثاني الذي هو أقل خطراً وضرراً من ذاك، ذاك أنا كفيتكم إياه، والبلاد الشيوعية الآن تتهاوى كل يوم، وتسقط دولةً بعد دولة، وبقعةً بعد بقعة، وجانباً بعد جانب.

    إذاً: الرابطة الفكرية رابطة قوية، ولا يوجد في الأرض رابطةٌ فكريةٌ ضالة إلا الرابطة الشيوعية، ولا يوجد رابطةٌ حقةٌ شرعية إلا الرابطة الإسلامية، وأما بعد ذلك الرابطة الغربية رابطة المنافع والمصالح، ولا يسلم على أحدٍ إلا من أجل دولار، فهذه سرعان ما تزول، ولا يثبت واحدٌ منهم، وحاله كما قال الله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14].

    فإن قيل: كيف استنسروا في هذه الأيام واستأسدوا؟ نقول: لما صار النسر بغاثاً، والأسد ذباباً استأسد الذباب، واستنسر البغاث، واليهود الذين غضب الله عليهم ولعنهم صاروا أقوى أمةٍ يتحدون الأرض. لم؟ لأنه لا يوجد أمامهم من يقابلهم وذلك لضعفنا، لكن زوال هؤلاء يسير.

    إن زوالهم أيسر من زوال المعسكر الشرقي النظام الشيوعي، فكفانا الله أقوى أعدائنا في هذا الوقت، ونسأله بفضله ورحمته أن يكفينا الأعداء الآخرين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إذاً: الرابطة الفكرية هي أقوى الروابط؛ لأنها هي سببٌ لتأسيس الوجدان المشترك بين جميع أفراد الجنس البشري، فكل من يدين بالإسلام يؤلف الإسلام بين وجداني ووجدانه، بين فكري وفكره، بين أملي وأمله، بين طموحاتي وطموحاته.. ففكرنا واحد، إلهنا واحد، ديننا واحد، قبلتنا واحدة.

    إذاً: نحن بنيانٌ مرصوص، وجسدٌ يشد بعضه بعضاً، وهذا لا يوجد في النظام الغربي، ولذلك النظام الإسلامي جنسيةٌ فوق الجنسيات، وهي جنسيةٌ حقةٌ دينية، إلى هذا أشار رب البرية، فقال جل وعلا في كتابه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    حفظ الإسلام لمكانة أهل العلم

    إخوتي الكرام! ولا ينبغي أن يرد إشكالٌ على هذا فيقول قائل: إن الإسلام جعل للعلماء منزلةً خاصة، وكرمهم، فإذاً جعل لهم كالحصانة الدبلوماسية في الأنظمة الوضعية. لا يقال هذا ولا يصح أن يقال، فإن هذا تكريم العلم لا الحكم، ليس للعلماء مدخلٌ في الأحكام في الحلال ولا في الحرام، وكل عالمٍ ينبغي أن يقول: هذا حلالٌ أو هذا حرام بناءً على نص لا على رأي، فهم لهم فضل في العلم لا في الحكم والتشريع، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن والعشرين صفحة سبعٍ وثمانين ومائة، يقول: من اعتقد أن لأحدٍ من جميع الخلق، علمائهم أو أمرائهم أو عبادهم خروجاً عن طاعة الله جل وعلا.. عن اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وأخذ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة فهو كافر.

    فمن زعم أن لعالمٍ أو لأميرٍ أو لعابد.. من زعم أن لواحدٍ من هؤلاء حق الخروج عن طاعة الله جل وعلا فهو كافر.

    إذاً: هذا امتياز العلم لا امتياز الحكم، ليس لهم منزلةٌ علينا في الحكم، وحصانتهم كحصانتنا، ( ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه ). إذاً: نحترمه لأنه صاحب فضل، كما نوقر صاحب السن، وكما نرحم الضعيف المستضعف الصغير، لا أن له حصانة خاصة، فالناس يتساوون: إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    ومما ينسب إلى علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال:

    الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء

    فإن يكن لهم في أصل عنصرهم شيءٌ يفاخرون به فالطين والماء

    ما الفخر إلا لأهل العلم

    تمييز العلم والفضل لا تمييز الحكم.

    ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء

    وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء

    ففز بعلمٍ تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء

    الرابطة الإسلامية في القرآن

    إذاً: هذه الرابطة الإسلامية هي سببٌ لتأسيس الوجدان المشترك، وهي جنسيةٌ فوق الجنسيات، صهرت جميع المخلوقات في إنائها الواسع النظيف، وجعلتهم لبنةً طاهرةً في بنائها العالي المنيف، وقد ذكرنا الله بهذه النعمة في كثيرٍ من آيات كتابه فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران:102-103]، بأي شيء؟ بهذه الجنسية، وبهذه الرابطة الشرعية، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103]، ولذلك جعل الله المؤمنين بعضهم لبعضٍ أولياء، يقول الله جل وعلا: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].

    فالدين كل الناس يتساوون فيه، وكل واحدٍ له من الحقوق ما لغيره: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92].

    وفي سورة المؤمنون يقول تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52]، وذكر الله هاتين الآيتين في هاتين السورتين فقط، وفي ذلك إشارةٌ فيما يدور في ذهني والعلم عند ربي: أن دين جميع الأنبياء واحد، ( الأنبياء إخوةٌ لعلات دينهم واحد )، وإن الدين عند الله هو الإسلام، فذكر الله هذا في سورة الأنبياء للإشارة إلى أن دين جميع الأنبياء واحد، ودين أتباعهم في القديم وفي الحديث وفي الزمن المتأخر واحد، في سورة المؤمنون يقول: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52]، وفي سورة الأنبياء يقول: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، فنحن يوجد إذاً بيننا ترابط ليس بين المؤمن وإخوانه المؤمنين الأحياء في هذه الأمة، لا، بل حتى بين الأحياء والأموات في هذه الأمة والأمم السابقة من عهد آدم عليه ونبينا صلوات الله وسلامه إلى ما سيأتي من مستقبل الزمن.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    إذاً: ننتمي إلى نسبٍ قديم، ونسبنا باقٍ عريق: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) لا ننتمي لحفنة من الوطن تعادي وتفرق بين البشرية، والأمة هنا إخوتي الكرام بمعنى الملة والدين، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون:52]، أي: ملتكم ودينكم واحد.

    إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، هذا دين الأنبياء، وهذا هو دين المؤمنين، فمن خالف هذا ليس من عداد المؤمنين، وهو كافرٌ بجميع أنبياء الله أجمعين عليهم صلوات الله وسلامه.

    ولفظ الأمة إخوتي الكرام يأتي بخمسة معانٍ هذا أولها بمعنى: الملة والدين، ويأتي بمعنى الجماعة، ومنه قول الله: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23]، ويأتي بمعنى الحين والزمن، وورد هذا في آيتين فقط من كتاب الله جل وعلا في سورة هود: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود:8]، أي: إلى زمنٍ محدود، وورد هذا في سورة يوسف وهو الموضع الثاني، ومنه قول الله: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45].

    والمعنى الرابع للأمة يأتي بمعنى القائد، الإمام المتبع الذي يعدل أمة: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل:120]، ويأتي بمعنى الصنف والنوع والشكل، ومنه قول الله جل وعلا: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38]، أجناسٌ وأنواعٌ وأصنافٌ تعرف ربها، وتهتدي إلى ما ينفعها في هذه الحياة، وكل أمةٍ من هذه الأمم تميز بين ذكرانها وإناثها: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ [الأنعام:38]، أي: أنواعٌ وأمثالٌ وأشكالٌ وأصنافٌ، أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38].

    الرابطة الإسلامية في السنة النبوية

    إخوتي الكرام! وهذا المعنى الذي قررته آيات القرآن أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وسأذكر ثلاثة أحاديث في تقرير هذا ثم أنهي الكلام وننتقل بعد ذلك إن شاء الله إلى موضعٍ آخر في المحاضرات الآتية.

    أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذه الرابطة، وإلى هذه الجنسية، وإلى مكانتها ومكانتها، ففي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه)، لا يظلمه، ولا يدع أحداً يظلمه، فلا تسلمه إلى شر، وكما أنك لا تظلمه يجب عليك أن تدفع الظلم عنه.

    هذه هي الجنسية، وهذه هي الرابطة الشرعية: ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربةً من كربات الدنيا فرج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله)، هذه هي الجنسية الشرعية الحقة، وهي الجنسية الإسلامية.. المسلم أخو المسلم، وإذا كان المسلم أخاً لك وجاء إلى بلادك لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا إلى تأشيرة دخول، ولا إلى تجديد إقامة ولا إلى شيءٍ من ذلك، وقد مضت الأمة الإسلامية على هذا أربعة عشر قرناً يتجول المسلم في بلاد الإسلام شرقاً وغرباً بكلمة التوحيد، لا يضم إليها تعريفاً آخر سوى لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، وهو يساوي من في كل بقعةٍ يذهب إليها، وإذا كان أكفأ منهم في أمرٍ من الأمور أسندت إليه مع أنه في الاصطلاحات الحديثة الخبيثة ليس بوطني، لكنه مصريٌ ذهب إلى بلاد الشام، وفيه من الكفاءة ما تجعله شيخ الإسلام في ذلك المكان، تسند إليه المشيخة لا إلى الشاميين؛ لأن هذا دين الله، وهم يتساوون أمامه، فلا دخل لوطنية ولا لغيرها من الأمور الشيطانية الوضعية: ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره )، وإذا لم تعطه حقوقه فقد ظلمته، وإذا ظلمت المسلم فخصمك رب المسلم، وهو أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى.

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أن المسلمين ذكوراً وإناثاً بمختلف طبقاتهم في درجةٍ واحدةٍ، ويتساوون أمام شريعة الله في هذه الحياة، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه بسند حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم )، وفي روايةٍ: ( ويجير عليهم أقصاهم )، أي: أبعد الناس في الدولة الإسلامية عن مركز الخلافة، إذا أجار لا يجوز للخليفة أن ينقض جواره.

    وقد ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين: ( أن أم هانئ في فتح مكة أجارت مشركاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أجرنا من أجرت يا أم هانئ ).

    قوله: (ويجير عليهم أقصاهم) أي: يجير عليهم أبعدهم عن مركز الخلافة، إذا أعطى جواراً فإياك أن تنقض جوارهم هذا مسلم، فكما للخليفة حق الإجارة والجوار وأن يمنحه لمن شاء فكل مسلمٍ له ذلك، هذا مسلم إذا أعطى هذا الحق فلا يجوز أن تنقضه، ولا أن ترده، ( هم يدٌ على من سواهم، تتكافأ دماؤهم ) وهم في درجةٍ واحدة.

    التحذير من ترك الرابطة الإسلامية والاستغناء عنها بغيرها

    ولذلك حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من ترك هذه الجنسية والانتماء إلى جنسيات أخرى مزيفة، ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، والحديث في درجة الحسن، عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا )، وورد في بعض الروايات: ( فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا )، أي: قل له: عض ذكر أبيك، وعض فرج أمك، باللفظ الصريح عن حقيقة اسم العورة دون كناية.

    إذا تعزى بعزاء الجاهلية، فما هو عزاء الجاهلية؟ قبيلة فلان، ووطن فلان، وجماعة فلان، وأراد أن يفرق بين المسلمين.

    من تعزى بعزاء الجاهلية ولم ينتم إلى الشريعة الإسلامية، وطننا، وهؤلاء وطننا، وهؤلاء وطننا، وأين دين ربنا؟ دين الله ضاع في هذه الوطنيات المزيفة، وطنيٌ لا يسوى حذاءً بالياً وهو أنجس من الشيطان له من الحقوق أكثر مما لشيخ الإسلام؛ لأن ذاك ليس عنده وطنية، وهذا وطني.

    أين التحاكم لشريعة الرحمن؟ وأين الجنسية التي أمرنا ربنا أن نحكمها في هذه الحياة، وألا ننتمي إلا إليها؟

    ( من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا )، قل له: عض متاع أبيك باللفظ المعروف، إذا صدرت منه تلك الكلمة.

    وقد تعزى بعض الناس في مجلسٍ بعزاء الجاهلية، وأنه من قبيلة فلان، وله نسبٌ وله اعتبارٌ ومكان فقال له أبي بن كعب : عض -باللفظ الصريح- متاع أبيك، فقالوا له: يا أبي ! كيف تقول له: أعضض كذا لأبيك؟ كيف يجري منك هذا وأنت صحابي؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوا بهن أبيه ولا تكنوا ).

    1.   

    مجمل ما تميز به الشرع الرباني عن التشريعات الوضعية

    إذاً هذه الأمور الخمسة في تشريع الله لا يوجد واحدٌ منها في التشريعات الأرضية الوضيعة:

    أولاً: أنه محترمٌ مقدس.

    الثاني: محفوظٌ من التغيير والعبث.

    الثالث: شاملٌ لكل ما وقع ولكل ما يقع في هذه الحياة.

    الرابع: فيه عدلٌ وإنصافٌ بين جميع المخلوقات، من إنسٍ وجنٍ، وحيوانٍ وجماد.

    والخامس: جنسيةٌ فوق الجنسيات. هذه المميزات الخمسة التي توجد في هذا التشريع السماوي الرباني الإلهي، لا يوجد واحدٌ منها -لا أقول: خمستها- لا يوجد واحدٌ منها في تشريعٍ وضعيٍ وضيع، فهل يجوز أن نفصل الدين عن الحياة؟

    وهل يجوز أن نفصل الدين عن السياسة؟

    وهل يجوز أن نفصل الدين عن الحكم؟

    إن من حاول ذلك يريد فساداً وإلحاداً في الأرض، ويريد إشقاء العباد، وهلاك البلاد، وماذا بعد الحق إلا الضلال! وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.