إسلام ويب

مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي في القانون الذي يحتكم إليه الناس أن يكون مقدساً محترماً، وهذا لا يكون إلا لقانون وشريعة رب العالمين التي يتشرف الإنسان بتقديسها، وأما القوانين الوضعية فلا قداسة لها، بل فيها نوع من استرقاق الإنسان، وهذا ما لا ترضاه النفوس الأبية.

    1.   

    خطر وشناعة الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إخوتي الكرام! تدارسنا في العام الماضي مقدمةً طويلةً تعلقت بفضائل القرآن، وبطرق تفسير القرآن الكريم، وكانت تلك المقدمة تمهيداً لدروس التفسير التي بدأنا بها في العام الماضي، وفي هذه السنة نتدارس مقدمةً تعدل تلك الفائتة، وإن كانت ستأخذ محاضراتٍ أقل منها، وهذه المقدمة كما قلت: هي التحذير من المؤامرات والمكائد التي يكيد بها الأعداء لهذا القرآن العظيم، وقلت: إن تلك المؤامرات وتلك المكائد تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يدعو إلى إهمال القرآن ونبذه وراء ظهورنا، وقلت: إن كفر هذا القسم واضحٌ لكل أحد، وبينت حكم من لم يحكم بما أنزل الله، وإذا كان الأمر كذلك فلن نشتغل بعرض وساوس هؤلاء، فضلالهم معروفٌ لكل أحد، لكننا أمام فرقتين خبيثتين راجت أفكارهما عند كثيرٍ من السذج والدهماء والعامة من المسلمين، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن نقف عند كل فرقةٍ من هاتين الفرقتين وقفةً نضع الحق في نصابه.

    فالفرقة الأولى دعت إلى الفصل، والثانية دعت إليه وزادت عليه أخبث أنواع المكر، وكنا إخوتي الكرام مع الفرقة الأولى نتدارس خطرها وشناعتها، وقلت في الموعظة السابقة: إن فصل الدين عن السياسة يعني كفر الحكومة وعدم تقيدها بشريعة الله القويم، وبالتالي يعني كفر الأمة؛ لأن الوكيل إذا كفر فسيكفر الموكل ولا بد، والرضا بالكفر كفر، وقلت مما يوضح خطورة هذا الأمر ثلاثة أمور، وكل أمر قررته بأمرين، فأعيد ما تقدم على سبيل الاختصار:

    قلت: لم يخطر ببال حكومةٍ من الحكومات الإسلامية السابقة أن تدعو إلى فصل الدين عن السياسة، ما خطر ببالهم، ولا دار في خلدهم؛ لأن هذا يعني كفرهم، ولذلك ما دعوا إلى هذا ولا خطر ببالهم ولا تبناه أحد منهم، فهذا يعني أن يكفروا، ويعني أمراً ثانياً أن تكفر الرعية، ولذلك ما دعا إلى هذا أحدٌ من الحكومات الإسلامية السابقة.

    والأمر الثاني قلت: إن فصل الدين عن السياسة أعظم من فصل الدين عن الأمة لأمرين:

    الأول: أن الحكومة تستطيع أن تؤثر في الأمة دون العكس، فلا تستطيع الرعية أن تؤثر في الحكومة إلا إذا أزالتها.

    الثاني: لو أن الحكومة حايدت وتركت دين الله جل وعلا دون أن تعتدي عليه -وهيهات هيهات- فإنها عندما تفصل الدين عن السياسة إذا لم تحمل الرعية على الكفر فسيستغل الضالون المضلون هذا الأمر الذي تبنته الدولة وهو فصل الدين عن السياسة لحمل الرعية عن الكفر بأنواع المغريات، وأنواع المحن والشدائد، وضربت على هذا أمثلةً وبراهين.

    الثالث: قلت: إن الحكومة إذا فصلت الدين عن السياسة، فهي أخبث من الحكومة الأجنبية لأمرين:

    الأول: أن الحكومة الأجنبية لا تتدخل في الشئون الإسلامية الداخلية وتترك الرعية وما تدين، وليست الحكومة المرتدة تفعل ذلك.

    الثاني: أن الرعية تعلم أن الحكومة الأجنبية غريبةٌ عليها فستفكر بإزالتها وستزيلها عما قريبٍ ولا بد، وليس كذلك بالنسبة للحكومة الوطنية التي هي من جلدتنا وتتكلم بألسنتنا.

    1.   

    مقارنة بين شريعة رب البرية والقوانين الأرضية الوضعية

    إخوتي الكرام! بعد أن انتهينا من هذا قلنا: سنعمل مقارنةً -وهي موضوع موعظتنا في هذه الليلة المباركة إن شاء الله- مقارنةً بين شريعة رب العالمين والسياسة التي تنفصل عن هدي أرحم الراحمين.

    إذا فصلنا الدين عن السياسة.. فصلنا الدين عن الدولة سنضع القوانين الوضعية، فما منزلة تلك القوانين؟ وما منزلة شريعة أرحم الراحمين؟

    هؤلاء تستروا بأمرٍ خدعوا به الناس وقالوا: الدين شيءٌ عظيم، ينبغي أن يكون محله في القلوب فقط، وأما في خارج الحياة فدعوا هذا للعباقرة والفلاسفة ولمجلس الشعب ولمجلس الأمة، ولمجلس الوزراء، وللبرلمان، ولغير ذلك، دعوا هذا.

    قالوا: هو شيءٌ عظيم يتسترون أمام الناس بهذا، لكن هذا الفصل لو أخذنا به ولجأنا إلى القوانين الوضعية فإن هذا سيلقينا في قعر البحر.

    فصل ما أعزنا في الدنيا ولن يسعدنا في الآخرة، فيشقينا هذا الفصل في الدنيا قبل الآخرة، وما عند الله أشد وأفظع.

    إخوتي! في هذه الموعظة سنعمل مقارنةً بين الأنظمة الوضعية وبين شريعة رب البرية، وهذه المقارنة هي من باب المقارنة بين الدر والبعر، والنتيجة فيها معروفة، لكن لا بد من عرضها حتى يسلم هؤلاء لربهم، وإذا لم يحصل هذا منهم فلا أقل من أن تسلم الأمة من شرهم، إما أن يسلموا، وإما أن يسلم الناس من شرورهم، وأن يكونوا على بينةً من أمرهم.

    إن المقارنة بين شريعة رب البرية وبين القوانين الوضعية كالمقارنة بين الدر والبعر، كيف لا وهي شريعة رب العالمين، وهل يصح مقارنتها بترهات من خلق من ماءٍ مهين؟!

    هل يصح أن نقارن شريعة ربنا القهار بخرافات الإنسان الضلول الكفار؟

    لكن كما قلت: إن كثيراً من الناس يخفى عليهم ضوء النهار، فلا بد إذاً من إقامة البينة ليعتبر بذلك أهل الاعتبار.

    1.   

    المقارنة بين القانون الإلهي والقانون الوضعي من حيث القداسة

    إخوتي الكرام! ينبغي في القانون الذي يحتكم إليه الناس أن يوجد فيه خمسة أمور، إذا لم تكن هذه الأمور موجودةً في هذا القانون فلن يجرهم إلا إلى الخيبة والخسران والشقاء في الدنيا، وإلى العذاب والهلاك في الآخرة:

    أول أمرٍ من هذه الأمور الخمسة: ينبغي أن يكون القانون مقدساً، أن يكون القانون محترماً. وأي احترامٍ وقداسةٍ تكونان لغير هذا القانون، لغير شريعة الحي القيوم؟! أي قداسةٍ فوق هذا عندما نقول: هذه شريعة الله، هذا كلام الله؟! إن هذا يحترمه كل أحد، ويقدسه كل أحد، ولا يجد في ذلك غضاضةً ولا حرج، فهذا شرع ربه وهو عبدٌ لله جل وعلا، ولا غضاضة في أن يتذلل المخلوق لخالقه، إنما الغضاضة كل الغضاضة في أن يتذلل المخلوق لمخلوقٍ مثله.

    إن حكم الإنسان على غيره فيه نوع استرقاق، والنفوس الأبية تأبى تلك الخصلة الدنيئة، وعليه فعندما يشرع لنا من باض الشيطان في أذهانهم وفرخ، فهل تقبل النفوس الأبية صاحبة الغيرة والشهامة والشرف أن تلتزم بقانونٍ وضعيٍ وضيع، وضعه إنساناً مثلنا جهله أكثر من علمه؟!

    هل تقبل نفسٌ شريفةٌ كريمةٌ بهذا؟

    إن هذا امتهانٌ ليس بعده امتهان، ولكن عندما أقول لك: هذا حكم الرحمن تقول: سمعاً وطاعة.

    إذاً: لا بد من أن يكون القانون محترماً مقدساً، يقول المتنبي :

    تغرب لا مستعظماً غير نفسه ولا قابلاً إلا لخالقه حكما

    تغرب مستعظماً غير نفسه. أي: ليس لأحدٍ عظمة عليك، ولا تقبل حكم غير ربك جل وعلا.

    ولا قابلاً إلا لخالقه حكماً.

    تقديس الإنسان لشريعة ربه وكلام خالقه

    وهذا القرآن كلام الرحمن فهو محترمٌ، وهو مقدس، وليس بعد هذا الاحترام والتقديس احترامٌ وقداسة، كلام الله، كلام سيدنا، كلام ربنا، كلام خالقنا الذي أغدق علينا نعمه التي لا تحصى سبحانه وتعالى، فلا غضاضة إذاً عندما نأخذ بهدي هذا القرآن، بل في ذلك تشريفٌ ورفعةُ قدرٍ لنا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:41-42].

    ولذلك إخوتي الكرام! برز في هذا القرآن تعبيران يخاطب بهما ربنا الرحمن بني الإنسان، تعبيران شريفان جليلان:

    الأول: إضافتنا إليه سبحانه وتعالى، فهو ربنا وسيدنا، كثر في القرآن إضافة العباد إلى ربهم جل وعلا، فلا غضاضة إذاً ولا حرج في أن يأخذ العبد بشريعة سيده، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]، وقال سبحانه: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء:53] ، نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50] ، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    إذاً: العباد يضافون إلى ربهم فيقدسون ويحترمون شريعته ولا شك.

    ومما زادني عجباً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يَا عِبَادِي وأن صيرت أحمد لي نبيا

    عليه صلوات الله وسلامه.

    كم تتلذذ الأذن ويطير القلب فرحاً عندما يقرأ الإنسان كتاب سيده ويقول الله له: يا عبادي! يا عبادي! يا عبادي! يا عبادي!

    إذاً: هذا القانون مقدس، هذا القانون محترم، وهذا سيترتب عليه أمرٌ جليل يأتينا ذكره إن شاء الله بعد ذكر الأمر الثاني الذي برز في القرآن في مخاطبة الله لعباده، فإذا كنا عباداً لله وهو سيدنا، فالقضية المسلمة في ذلك أن نؤمن به، وأن نلتزم بشرعه، ولذلك يخاطب الله عباده بكثرةٍ في كتابه بوصف الإيمان، برز هذان الأسلوبان في القرآن إضافة العباد إلى الله في آياتٍ كثيرة، ومخاطبتهم بوصف الإيمان في آياتٍ وفيرة، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87]، في سورة المائدة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، يناديهم بهذا الوصف إذا كانوا عباداً له، فالواجب عليهم أن يؤمنوا به، وإذا آمنوا به فليلتزموا بشرعه، ولا يقحمون عقولهم في تحليلٍ ولا تحريم.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:87]، فهذا اعتداء وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87]، ولذلك كان ربنا جل وعلا إذا طلب منا أمراً لنقوم به أو نهياً لنتركه يذكرنا بوصف الإيمان الذي يدعونا للامتثال؛ لأننا نعلم أن ربنا ينادينا، وهذا الذي آمنا به وشرعه مقدسٌ عندنا، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:90-92].

    (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)؟ استفهام بمعنى الأمر. أي: انتهوا عن الخمر والميسر، لكن ربنا جل وعلا ما ساقه بصيغة الأمر، وكأنه يطلب منا أن نشاركه في علم مضرة هذا، وسنعطي الجواب نحن، نحن نعلم أنه يأمرنا بالانتهاء لكن عرض علينا بصورة استفهام، فنحن لن نجيب على السؤال، إنما سنجيب على ما يدل عليه السؤال. ماذا قال الصحابة؟ قالوا: نعم أم قالوا: انتهينا؟ قالوا: انتهينا. ولم يقل واحدٌ منهم: نعم، (فهل أنتم منتهون)؟ نعم، لا يقصد هنا السؤال، لكن هذا الأمر كأنه يقول: إذا كانت الخمر فيها هذه المضار وأنا بكم رءوفٌ رحيم، وأنتم عبادي فينبغي أن تتنزهوا عن ذلك لأنكم آمنتم بي. ما رأيكم في هذا؟

    أنت يا رب لا تريد منا مشورةً، ولا تريد منا استفساراً، تريد بهذا أمراً، فهمنا مرادك، فهذا جوابنا على سؤالك، وعلى استفهامك لنا (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)؟ انتهينا .. انتهينا .. انتهينا.

    وهكذا يقول الله جل وعلا في سورة النور: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ [النور:30]، انتبه لوصف الإيمان، فهم عباد الله وآمنوا به، وشريعته مقدسةٌ عندهم قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، (يغضوا) فعلٌ مضارعٌ مجزوم، ما الذي جزمه ولم يتقدم له جازم؟ قيل: إنه مجزومٌ بفعل أمرٍ محذوف وقع فعل (يغض) جواباً له فهو جواب الطلب، والتقدير: قل للمؤمنين غضوا أبصاركم يغضوا. سبحان الله! هذه هي استجابة المؤمنين.

    نعم، إن فعلهم متوقفٌ على أمره، قل لهم: غضوا يغضوا، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] ففعلهم متوقفٌ على أمرك، وعلى إشارتك؛ لأن كلام الله مقدسٌ عنده ما له شأنٌ جليل، وهذا أرجح مما ذهب إليه بعض المفسرين بأن الفعل المضارع هنا مجزومٌ بلا الناهية والتقدير: (قل للمؤمنين..) بلام الأمر، قل للمؤمنين ليغضوا أبصارهم. والجواب الأول فيه هذه النكتة وهو أولى، إن تقل لهم: غضوا يغضوا، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30].

    منزلة شريعة الله في قلوب الناس

    إذاً: هذا مقدس ومحترم، وله شأن، وأول أمرٍ ينبغي أن يكون في القانون وفي الدستور وفي النظام أن يكون مقدساً محترماً عند الرعية وعند الناس، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى منزلة شريعة الله في قلوب الناس، وكيف تعمل عملها، فثبت في الصحيحين وسنن النسائي والحديث في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ). أعمالٌ جليلة قاموا بها تقديساً لهذا القرآن واحتراماً لشريعة الرحمن، وإلا بإمكانهم أن يخرجوا عن ذلك؛ لأنه ليس عليهم رقابةٌ في هذه الأمور، إنما خشيةٍ في قلوبهم من العزيز الغفور، أولهم: (إمامٌ عادل)، بإمكانه أن يبطش، وأن يسفك، وعنده أسباب العظمة والكبر، لكنه يخشى الله جل وعلا.

    ( وشابٌ نشأ في طاعة الله ) قوته متكاملة تدعوه إلى طياشةٍ وانزلاقٍ هنا وهناك، فزمها بزمام التقوى، فهو عبدٌ لله آمن به.

    ( وشاب نشأ في طاعة الله، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ). سبحان الله! هذه المراقبة عندهم؟ نعم؛ لأن دين الله مقدس ومحترم، فتدعوه امرأةٌ هذا شأنها، ذات منصبٍ وجمال، فلا يخشى عقوبةً فلها شأن، ولا نفسه تنفر عنها فهي جميلة، فاكتمل إذاً الأمن من ملامة الناس وعقوبتهم، ولم يوجد في النفس ما ينفر عنها، لكنه يخشى الله جل وعلا، ( ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله )، وانظر لذاك، ذكر الله خالياً لا يراه أحد ففاضت عيناه.

    إذاً: هذا القانون مقدس محترم له شأن، وهذا ضروريٌ وجوده في القانون ليلتزم به الناس، ولئلا يحتال عليه هذا من هنا، وذاك من هناك، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن العبد لا يصل إلى درجة المتقين، ولا يتصف بحقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس؛ لأن هذا إذاً ينبغي أن يحتاط في أمور حياته خشية أن يقع في مكروهٍ وهو لا يدري، ثبت الحديث بذلك في سنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي الكبرى بسندٍ صحيح، عن عطية السعدي رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ).

    وثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما منصوصاً عليه قال: ( لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر ).

    أمرٌ شك فيه حلالٌ أو حرام؟ إذا كان الأمر كذلك فدعه واتركه، دعه واتركه من أجل تعظيم الله وتقديس هذه الشريعة، فإذا دار الأمر بين حظرٍ وإباحةٍ فغلب الحظر، و( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )، ومعنى حديث ابن عمر الموقوف عليه: ( لا يبلغ العبد درجةً من حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر )، ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان ، وثبت في مسند الإمام أحمد عن وابصة بن معبد رضي الله عنهما، عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ).

    إذاً: هذا الأمر الأول الذي يكون في شريعة الله.. في نظام الله.. في دين الله أنه مقدس، والإنسان يراقب قلبه ويكون في الخلوة خيراً منه في الجلوة؛ لأنه يعلم أن الله معه أينما كان، إذاً هذا شيءٌ محترمٌ مقدس.

    موقف الإنسان من القوانين الوضعية

    أما القوانين الوضعية الرديئة من الذي وضعها؟ بشرٌ وضيعون.

    هل يدعوك هذا لتقديسها واحترامها وتنفيذها أو يدعوك هذا للاحتيال عليها والخروج منها؟ أول من يحتال عليها من وضعها، ولذلك لا توجد الجرائم في بلدان المسلمين إلا من علية القوم ومن رجال القانون.

    من الذي يتاجر بالمخدرات التي يحرمها القانون؟ أهل الرتب الكبيرة، لهم سماسرةٌ وزبانية يتاجرون بهذا، وهكذا كل ممنوعٍ بالقانون يحتالون على القانون، أو أن المسئول على تنفيذه رجلٌ مغبون؛ لأنه أيضاً تحت رحمتهم، فيقولون: كف طرفك عن هذا، ونحن سنزاول هذا.

    إذاً: هذا حقيقةً نظامٌ لا يحترمه أحدٌ ولا يقدسه، ولذلك لم يربط بين الأمة ولم يسعدها في هذه الدنيا، ومن بابٍ أولى لن تحصل لهم السعادة في الآخرة، وقد أشار ربنا جل وعلا إلى وضاعة هذه القوانين الوضعية، فقال في كتابه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31].

    مفاسد القوانين الوضعية

    عندما وضعت القوانين الوضعية نتجت مفسدتان: المفسدة الأولى: أنها ليست مقدسة، وكل واحدٍ يحتال عليها.

    المفسدة الثانية: عندما خولنا رجالاً منا يضعون نظاماً لنا فقد جعلناهم أنداداً لربنا اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

    ثبت في سنن الترمذي وتفسير ابن جرير والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والأثر في معجم الطبراني الكبير وطبقات ابن سعد ، وهو بإسنادٍ حسن، وروي له شواهد من حديث حذيفة وغيره رضي الله عنهم أجمعين، ولفظ الحديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ( دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام وفي رقبتي صليبٌ من ذهب -وكان من العرب وقد تنصر ثم شرح الله صدره للإسلام- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اطرح هذا الوثن من عنقك. يقول: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يتلو قول الله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31]، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما عبدناهم. فقال: يا عدي! أوما كانوا يحلون لكم الحرام، ويحرمون عليكم الحلال فتطيعونهم؟ قلت: بلى يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه. قال: فهذه هي عبادتكم إياهم، عندما جعلتموهم نداً لله ).

    وأي ذلٍ أعظم من أن يتذلل الإنسان لإنسان بحيث يخوله أن يضع له نظاماً في حياته؟!

    أي استعبادٍ أعظم من هذا؟! وإنني لأعجب غاية العجب للصليبي الملعون فرح أنطون الذي ناقش الذي يقال له: الأستاذ الإمام محمد عبده وما استطاع أن يرد ذاك على هذيان هذا وضلاله.

    فرح أنطون يناقش محمد عبده في مجلة الجامعة فيقول له: إن قرآنكم يمتهن الناس؛ لأنه يخاطب الناس بلفظ العباد، وفي هذا جرحٌ لشعورهم، يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت:56]، نَبِّئْ عِبَادِي [الحجر:49]، يقول في هذا: جرحٌ لشعورهم، هلا أجبته أيها الأستاذ الإمام بأننا إذا كنا عبيداً للرحمن على حسب زعمك، فهذا جرحٌ لشعورنا وذلٌ لنا، فكيف سيكون الأمر إذا كنا عبيداً للعباد؟!

    كيف رضيت يا فرح أنطون أيها الصليبي الملعون أنت وأمثالك رضيتم بأن يتلاعب لكم القسس والرهبان في دينكم، وأن يضعوا لكم نظاماً، ثم خولتم رجال السياسة في تنظيم حياتكم، وقلتم: هذه كرامة لنا؟ ثم جئتم بعد ذلك إلى قول الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي [البقرة:186]، قال: هذه فيها مذلة للناس عندما يخاطبهم بلفظ العباد، أما الإنجيل يقول: خاطبهم بلفظ الأبناء: يا أبنائي، وأما في القرآن: يا عبادي، وهل يجتمع بنوة ورق؟! هل يجتمع؟! وهل يصلح أن يكون العباد أبناء لله جل وعلا؟! ( من ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه )، أنت إذا اشتريت ولدك إذا كان عبداً فبمجرد شرائه يعتق عليك؛ لأنه لا تجتمع بنوةٌ ورق، فنحن عبيدٌ لله أرقاء له، هل يصلح أن نكون أبناءً له؟! ولذلك نفى الله بنوة الملائكة له لعلة أنهم عبيدٌ له، يقول جل وعلا: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:26]، هؤلاء عباد له، فكيف يكونون أولاداً له؟! لا تجتمع بنوةٌ ورق.

    إذاً يقول: خاطب الله الناس في الإنجيل: يا أبناء الله ويا أبنائي، وأما في القرآن فخاطبهم بيا عبادي، وهذا امتهانٌ لبني الإنسان. يقول: ولذلك الإنجيل أعلى أسلوباً في مخاطبة الناس.

    أي إنجيل بعد أن حرفتموه وتلاعبتم به؟

    ثم كما قلت: إذا كانت مخاطبة الله لنا بلفظ يا عبادي فيها مساسٌ بكرامتنا أفلا يمس بكرامتنا أن نخول رجالاً مثلنا في وضع نظامٍ لحياتنا وأن نكون عبيداً لهم؟

    ألا رد الأستاذ الإمام على هذا الصليبي فرح أنطون بهذا؟

    كيف رضيت البشرية بعبادة بعضهم بعضاً وجعلوا هذا الحق للمخلوق مع أنه لا يستحقه إلا الخالق؟!

    تغرب لا مستعظماً غير نفسه ولا قابلاً إلا لخالقه حكما

    فإذاً: كيف يقبل حكم غير الله جل وعلا عليه؟! إن هذا أعظم مساساً بكرامة الإنسان، وهذا هو الذل الذي ليس بعده ذل.

    1.   

    مخاطر التشبه بالكفار

    إخوتي الكرام! وقد اعتبرت شريعة الرحمن أن من تشبه بشيءٍ من خصال أهل الكفر فهو منهم؛ لأن هذا التشبه يجعله ينسلخ من عبوديته لربه لعبوديته لهؤلاء بمجرد التشبه، فصار إذاً ذليلاً لهم وتابعاً لهم، فهو منهم ومعهم، وهذا يقرره نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، والحديث صحيحٌ وإسناده جيد كما قال الإمام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم في صفحة اثنتين وثمانين، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، عن ابن عمر وعن حذيفة ، ولفظ حديث ابن عمر في المسند، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحٍ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم )، فعندما تعطي الدنية لغير أهل ملتك، لغير شرع ربك وتقلدهم فهذا يدل على استعبادٍ حصل في قلبك، وأنك جعلتهم أنداداً لله: ( ومن تشبه بقومٍ فهو منهم )، فانظر لتعبير النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تشبه )، ولم يقل: من شابه قوماً فهو منهم؛ لأنه إذا فعل هذا لا بقصد التشبه والتقليد والتبعية، إنما فعله لأنه أرفق في حياته، أو لأجل الترف والبطر، أو لطلب النظافة أو غير ذلك، كما لو قال: سآكل بملعقةٍ وشوكةٍ وسكين. لم؟ قل: الحياة الغربية هكذا، ونحن لا نكون بشراً إلا إذا قلدناهم وحاكيناهم، قل له: هذا كفر. وإذا قال: إنما فعلت هذا؛ لأنه أنظف ليدي، أو من باب الترف والبطر، أو أرفق لي وأراه أيسر في الطعام، فلا حرج، فشتان بين من يشابه وبين من يتشبه، هناك يقصد بقلبه المشابهة، ولذلك هذا الحكم هو إخبارٌ عن حقيقته، هو قصد التشبه وسعى في ذلك، فالحكم إذاً المطابق لحاله أن نقول: هو منهم، هو يقصد هذا، ( ومن تشبه بقومٍ فهو منهم ).

    إخوتي الكرام! بعد أن قضي على دولة الإسلام، وهي آخر خلافةٍ إسلامية سنة ألف وثلاثمائة وثلاثٍ وأربعين، وهي الخلافة الإسلامية العثمانية، غيروا شريعة رب البرية، فالنكاح كان يعقد في المحكمة الشرعية، أو عند إمام المسجد أو المأذون الشرعي، فألغت الحكومة الكمالية المرتدة هذا، وجعلت النكاح لا ينعقد إلا في البلدية، في دائرة البلدية هناك، نكاحٌ مدني لا صلة له بالشريعة، فأفتى الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام عليه رحمة الله ونور قبره، وفي غرف الجنان أرقده، أفتى بأن هذا النكاح الذي يعقد في المحكمة في البلدية كفر، والذي يعقد نكاحه في البلدية لا يحل له هذا العقد زوجته، فهو سفاح، وإذا رضي بعقد النكاح في البلدية فهو كافر، فخالفه في أول الأمر أحد المفتين الصالحين الشيخ لوزاد أفندي مفتي كمولجنة، ثم قال له: ما اشترط فقهاؤنا في عقد النكاح غير: الشهود، والولي، والمهر، والإيجاب والقبول، وهذا حاصلٌ في النكاح الذي يعقد في دائرة البلدية، أي: في النكاح المدني، فقال الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله: إن هذا النكاح يعقد بصبغةٍ لا دينية، والنكاح الإسلامي عندما يعقد يذكر بين يديه حمد الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتذكر خطبة الحاجة، واعتاد الناس أن يقرءوا شيئاً من القرآن، وأن تحف بذلك المراسيم الشرعية، فإذاً ذاك نكاحٌ شرعي، وهذا نكاحٌ شيطانيٌ وضعيٌ غويٌ لا يحل المرأة لزوجها عندما يعقد عليها بذلك، وقال له: تلك المراسيم الشرعية وإن لم يشترطها فقهاؤنا لصحة النكاح فهي مشروطةٌ؛ لأنه ما كان يخطر ببال واحدٍ منهم أنه سيأتي على المسلمين يومٌ يتجردون فيه من الصبغة الشرعية، ويفعلون فيه هذه الأمور دون استحضار نعمة الله عليهم، وتشريع الله لهم، ما كان يخطر ببالهم هذا، ولذلك أول نكاحٍ مدنيٍ عقد به في تركيا قيل فيه: لا دخل لشريعة السماء بما يجري في الأرض.

    إذاً: هذه الصبغة الشيطانية تجعل هذا النكاح كفراً، وهو سفاحٌ لا يحل المرأة لزوجها، فالصبغة والمراسيم الشرعية وإن لم تكن شرطاً لصحة النكاح مشروطةً مذكورة فلا بد منها؛ لأن هذا معروفٌ بين المسلمين، معروفٌ بين المسلمين أنهم يفعلون هذا بالصبغة الإسلامية.

    ثم قال الشيخ مصطفى صبري : ولولا هذه الصبغة الإسلامية لما افترق السفاح عن النكاح الحلال، هذا فيه اتصال الرجل بالمرأة والسفاح كذلك، فلو أراد أن يعاشر الرجل امرأةً خليلةً عشيقةً له، وقال: لا فرق بين النكاح والسفاح. أما يكون ذاك حراماً؟ هذه المعاشرة المحرمة؟ قال: لا فارق بينهما، أنتم تشترطون أن يحصل اتصال المرأة بالرجل بشروطٍ معينة، أنا أفعلها، لكن بدون إيجاب وقبول بعقد النكاح، حصل مني مقصود النكاح مع المرأة. ألا يعتبر هذا سفاحاً واضحاً؟! إذاً هذه المراسيم الشرعية مقصودة.

    ثم قال الشيخ مصطفى صبري لهذا المفتي الذي رجع بعد ذلك عن قوله، وأفتى بأن هذا النكاح كفرٌ وردة، ومن أخذ به فهو كافرٌ مرتدٌ لا يحل له هذا العقد الزوجة التي عقد عليها في هذه المحكمة المدنية في دائرة البلدية، قال له: إن هذا النكاح عندما يفعل بالصبغة الشرعية، ويذكرون الله، ويصلون على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يجرون الإيجاب والقبول كأن ولي المرأة -كان أباً أو أخاً- يقول: أنا لا مانع عندي أن تكون ابنتي أو أختي فراشاً لك أيها الكفء الكريم. لماذا؟ لأن الله أحلها له، فهذا لو لم يكن مشروعاً لما قبلته ولو ملأتم لي الأرض ذهباً. فقال الشيخ مصطفى صبري : إن أصحاب الأنفة والحمية والغيرة لو لم يكن هذا مشروعاً لما رضي الواحد بأن يعطي ابنته أو أخته فراشاً لغيره، لكن بما أنه مشروع فيفعل هذا ولا غضاضة. هذا حكم سيدنا، وحكم ربنا، ولذلك يفعله الأب وهو مبتهج؛ لأنه يقيم شريعة الله، وإذا لم يكن هذا المعنى موجوداً تبقى النفوس البشرية منكسرة عندما يعقد النكاح بدون استحضار نعمة الله وإحلال الله له.

    قال له الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله: وهذا كالتسمية عند ذبح الحيوان، كأننا عندما نذبحه نقول: يا رب! أنت أحللت لنا هذا ولذلك تجرأنا على ذبحه، وإلا من الذي يحل لنا أن نذبح حيواناً وديعاً؟!

    وهل يجوز أن نذبحه لننتفع به لو لم يكن هذا حلالاً في شريعة الله؟! فكأننا عندما نقول: باسم الله نقول: اللهم منك وإليك، خلقته وأحللته لنا، فنحمدك على ذلك ونذبحه، ولو لم تشرع لنا هذا لما تجرأنا على ذلك. من الذي يبيح لنفسه أن يذبح حيواناً وديعاً ساكناً هادئاً لا تأتي منه مضرة من أجل أن يأكله؟ لكن باسم الله، إذاً لا اعتراض فالذي خلقنا وخلقه أحل هذا، وهو أحكم الحاكمين ورب العالمين.

    وهكذا عندما أعقد لابنتي على كفء كريم أذكر الله وأحمده وأصلي على نبيه عليه صلوات الله وسلامه، وهذا بمثابة نفي العار والحرج عني، إن قيل: كيف تعطي ابنتك وستجعلها افتراشاً ستفرشها لرجل؟ أقول: اتق الله، هذه شريعة الله ونحن عباده ونحن ملكه، وهو الذي أمرنا بذلك، سمعنا وأطعنا، ونتقرب إلى الله جل وعلا بهذا.

    و( من تشبه بقومٍ فهو منهم )، لأنه جعل قلبه عبداً لهم، فحكمنا عليه بما في قلبه.

    عندما أخبر علي علوبة باشا وكان وزيراً للمعارف للتعليم في بلاد مصر في حدود سنة ألف وثلاثمائة وخمسين للهجرة تقريباً، عندما أصدر أمراً إلى الجامعة المصرية بأن يكون الحراس على ملابسهم إشارات وعلامات آلهة الفراعنة، فكلية الطب الحراس فيها يضعون آلهة الطب، وكلية الزراعة آلهة الزراعة وما شاكل هذا!

    اعترض الشيخ الصالح عبد المجيد اللبان وكان عميداً لكلية أصول الدين في ذلك الزمان، وأفتى بأن ذلك كفرٌ بواح، وسكتت مشيخة الأزهر في ذلك الوقت عن مناصرته ومعاضدته، فجرى قرار وزير المعارف بلا استنكار، ونفذت الجامعات المصرية بأن يكون إشارات وعلامات الحراس والمسئولين آلهة الفراعنة، ثم بدأ بعد ذلك المطبوعون المتخاذلون المنهزمون يردون على هذا الشيخ الصالح عبد المجيد اللبان وقالوا: إن الإيمان الذي تزيله الصورة لا خير فيه. أي: حرجٍ إذا وضعنا على صدرنا صورة إله الطب، أو إله الزراعة، أو ما شاكل هذا، وإن هذا ليس من باب التقديس ولا العبادة إنما هذا رمزٌ لهذه الكلية، فرد عليهم الشيخ الصالح قائلاً: إذا كانت هذه الآلهة باطلة، وهي آلهة الفراعنة، فلا معنى لوضع صورهم على صدوركم، وليس معنى هذا إلا خسة وحقارة فيكم، آلهةٌ مزيفة تضعونها على صدوركم، وإذا كنتم تعتقدون أحقيتها واستحقاقها للألوهية فقد كفرتم، فأنتم وضعتموها لأجل أي شيء؟ أوليس للتقديس؟ للتعظيم؟ عندما توضع صور المسئولين في الدوائر ويجلس المسئول تحتها، لماذا توضع؟ أوليس للتقديس؟ أوليس للعبادة؟ من الذي جعل الرئيس فوقنا؟ هو عبدٌ من عباد الله، له حق الطاعة علينا إن حكم بكتاب الله وسنة نبيه عليه صلوات الله وسلامه، وقد قال خير خلفاء هذه الأمة وأول الخلفاء صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه: (وليت عليكم ولست بخيركم). ووالله إنك خيرنا وأفضلنا وأبرنا وأتقانا رضي الله عنك وأرضاك.

    (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أطعت الله فأعينوني، وإن عصيت الله فقوموني) هذا كلام أبي بكر (فإني متبع ولست بمبتدع). من الذي جعل لهذا قداسةً حتى نجعل صورته فوقنا ونحن نحتها كأننا نعبده من دون الله.

    وقد يقولون: لا نقصد التقديس. فنقول: ماذا تقصدون إذاً؟

    ولو أن أحداً أنزل هذه الصورة أما يضرب بالرصاص، ويقولون له: إنك حقرته وأهنته؟

    إذاً: ما يقصد منه إلا التقديس، وهؤلاء جعلوا صور آلهة الفراعنة على صدورهم، ثم قالوا: لا نقصد تقديسها، فماذا تقصدون إذاً؟ آلهةٌ باطلةٌ مزيفة، أنتم على زيفٍ أكثر منها، وإذا كنتم تعتقدون أحقيتها وسلامتها واستحقاقها للعبادة والألوهية فأفٍ لكم وتف ولا شك في كفركم.

    إخوتي الكرام! وقد يقول قائلاً في هذه الأيام: إن كثيراً من الأنظمة الوضعية كالنكاح المدني الذي التبس أمره على بعض المشايخ في ذلك الوقت ثم زال اللبس عنه، قد يقول: إنه لا فرق بين شريعة الله وهذا النظام الوضعي فعلام تعملون ضجيجاً؟

    ونحن نقول لهم: ليس في المسألة في أنه لا فارق بينهما، إنما المسألة المهمة التي نطلب الجواب منكم عليها: إذا لم يكن هناك فارقٌ بينهما فعلام تركتم الشرعي وأخذتم بالوضعي؟ أجيبونا، هذه الصورة الشرعية، وهذه الصورة الوضعية، فقلتم: الشرعي لا نريده، والوضعي هذا هو الذي سنشرعه للناس، فلما عارضناكم قلتم لنا: علام تعترضون ولا فارق بين الأمرين؟ فنحن نوجه إليكم هذا السؤال: إذا لم يكن هناك فارقٌ بين الأمرين فما السبب المقتضي لترك الشرعي إلى القانون الوضعي؟ لا سبب لذلك إلا الانسلاخ من الدين، وبغض وكراهية كل ما ينتمي إلى شريعة رب العالمين، وهذا هو الكفر بعينه.

    ولذلك إخوتي الكرام إذا كثرت الفروق بين شريعة الرحمن والشريعة الوضعية التي يضعها أتباع الشيطان، فإن تلك الفروق الكثيرة مانعةٌ لنا من الاستبدال عند كل مسلمٍ، وهذا معلوم، كيف سيترك شريعة الحي القيوم ويأخذ بشريعة هذا الملعون، والفروق بينهما كثيرةٌ كثيرة؟! فهذا يحرم الخمر وذاك يحلها، ويقول: إذاً الفروق واسعة لن نأخذ به، فإذا كانت الفروق كثيرة، إن ذلك يعتبر مانعاً من الاستبدال، وإذا قلت الفروق فإن ذلك يعتبر أمنع وأمنع؛ لأن الفروق إذا قلت فلا مبرر لنا في ترك الشرعي وأخذ الوضعي إلا قلة الحاجة للوضعي، والأمر الثاني: عدم مبالاتنا بالشرعي، وكلٌ منهما يدل على سفاهتنا وضلالنا، وإذا انعدمت الفروق بالمرة، فلا خلاف بين الشرعي والوضعي، فما يعرض عن الشرعي في هذا الوقت إلا من كان كفره كفراً صريحاً، وردته ردة قبيحة، وإلا إذا انعدمت الفروق.

    ما الذي دعاك لترك الشرعي والأخذ بالوضعي؟! صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138]؟!

    والخلاصة إخوتي الكرام! الأمر الأول وهو: احترام القانون وتقديسه، هذا لا يوجد إلا في شريعة الله جل وعلا، وكل قانونٍ على وجه الأرض مهما عظم واضعه لا يساوي بولة حمار، ووالله إن بول الحمار والكلاب والخنازير أطهر منه، فإذاً كيف سيكون ذلك القانون معتبراً عند الناس؟

    وأما هذا فكلام رب العالمين ننحني له، ونحن بذلك فرحين مغتبطين. ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير، وشعب الإيمان للإمام البيهقي ، والحديث جرى حوله شيءٌ من الكلام ففيه محمد بن مصعب الفرقصائي من رجال الترمذي وابن ماجه ، قال عنه الإمام أحمد : إنه ثقة. وخلاصة كلام الإمام الحافظ ابن حجر عليه في التقريب: بأنه صدوقٌ كثير الغلط. والحديث إن شاء الله في درجة القبول، ومعناه ثابتٌ في شريعة الله جل وعلا، ولفظ الحديث عن الأسود بن سريع رضي الله عنه ( أنه جيء بأسيرٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان مشركاً ) انظر للعزة النفسية وللكرامة الإنسانية، فقيل له: تب، فقال: لا أتوب إلى محمد، إنما إلى أتوب إلى الله. وضع الأمر في نصابه، يريد أن يتوب إلى ربه، وأن يقلع عن ذنبه، وأن يعبد ربه بعد ذلك مخلصاً له الدين، عرف الحق لأهله، فنحن عندما نقدس هذه الشريعة نعرف الحق لأهله، ونضع الأمر في نصابه.

    هل هناك شريعةٌ وضعيةٌ تستحق هذا؟ لا. إذاً لا يوجد نظامٌ وضعيٌ يعتبر مقدساً، وإذا أردت أن تقدس ذلك النظام فستجعل واضعه نداً للرحمن، ثم لا يوجد في نفسك ما يدعو إلى تقديس هذا حقيقةً، فقد تنفذه في الجهر، ثم تكر عليه وتخالفه في الخفاء والسر كما هو الحال في الأنظمة الوضعية.

    وأما في شريعة رب البرية فأنت أول ما تبحث عن طهارة سرك وقلبك؛ لأن الله ينظر إلى قلبك، فهل قصدت بهذا تعظيم الله وامتثال شرعه، أو قصدت شيئاً آخر؟! هو الذي يعلم ما في الصبغة.

    إذاً: هذه أول الاعتبارات التي ينبغي أن توجد في القوانين: أن يكون مقدساً، وإذا كان من عند الله فله قداسةٌ وله احترام، وما عدا ذلك لا قداسة ولا احترام.

    الأمر الثاني: الذي ينبغي أن يوجد في القانون: أن يكون مصوناً محفوظاً من العبث، أن يكون محترماً مقدساً، أن يكون مصوناً محفوظاً من العبث، لا تتلاعب فيه أهواء البشر، وقد اتفق عقلاء الأنام على أن أفضل حكمٍ وأعدله هو ما كان الحاكم فيه القانون والنظام.

    إذا كان القانون والنظام هو الحاكم، فهذا أفضل حكم وأعدل حكم، ولا ينبغي أن يحكم الأمة فردٌ يستبد كما هو الحال في السلطات المطلقة في الأنظمة الديكتاتورية، فلا يستبد إذاً واحدٌ برأيه، ولا ينبغي أيضاً أن يحكمهم جماعةٌ كما هو الحال في المجوس في الحكومة الدستورية في الحكومة الديمقراطية نسبةً إلى الفيلسوف ديمقراط فيلسوف يوناني ملحدٌ منكرٌ لوجود الله جل وعلا، فلا حكومة فردية استبدادية، ولا حكومة جماعية دستورية ديمقراطية يمثل الأمة جميعاً، إنما ينبغي أن يحكمهم القانون، فهذا أعدل نظام، وأحكم نظام، وأحسن الأحكام.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.