إسلام ويب

مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المنادين بفصل الدين عن الدولة هم أحد رجلين: إما ملحد مبغض لهذا الدين وأهله، وإما جاهل مقلد، حمله جهله على المطالبة بما فيه خسرانه في الدنيا والآخرة، وسواء كان من هؤلاء أو أولئك فقد تدرج من ينادي بذلك ابتداء بالدعوة إلى تجرد الحكومات والحكام عن الدين، وانتهاء بالمناداة بتغيير دين المحكومين، ثم تكون ردة تشمل الجميع.

    1.   

    طرق المجرمين في إقصاء كتاب الله وشرعه

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين!

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد:

    إخوتي الكرام! في بداية مدارستنا لتفسير كلام ربنا جل وعلا في هذه السنة المباركة إن شاء الله قلت بأني سأقدم بين يدي الدروس مقدمةً تنفعنا وتبصرنا بأحوالنا وعواقب أمورنا، وقد كنت في العام الماضي ذكرت مقدمةً طويلةً حول فضائل القرآن، وفي هذه السنة -كما قلت- سأستعرض مخططات أهل الإجرام في القضاء على نور القرآن.

    إخوتي الكرام! إن المجرمين العتاة لهم طرق كثيرة في القضاء على كلام الله وكتابه جل وعلا، وهذه الطرق على كثرتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو ثلاث طرق:

    الطريقة الأولى منها تدعو إلى إهمال القرآن ونبذه وراء ظهورنا. وهذه سنهمل الكلام عليها، فكفرها وإلحادها واضحٌ مشهور، فحكم من لم يحكم بكتاب الله جل وعلا واضح.

    وأما الطريقتان الأخريان فخبيثتان ملعونتان ينبغي أن نقف عندهما؛ لأن كل واحدةٍ منهما قد تخفى على كثير من الناس، وواقع الأمر أنها قد خفيت ولبِّس الأمر على كثير من المسلمين.

    إذاً: الطريقة الأولى قالت: إن الدين شيءٌ عظيمٌ كريم، لكن محله قلوب المكلفين، فلا داعي أن يظهر في الحياة، ولا في الأنظمة، ولا في القوانين، ودعوا إلى فصل الدين عن السياسة، وإلى فصل الدين عن الحكم.

    وأما الطريقة الثانية فدعت إلى الفصل مع المكر، فقالت: إن هذا الفصل الذي يشهده العالم في هذه الأيام هو شريعةٌ ربانية.

    إذاً: هناك فصلٌ مع مكر، وهناك فصل مع تلبيس الأمر على الناس بأننا لا نقصد بهذا امتهان دين الله، فهذا شيءٌ عظيمٌ عظيم لكن الدين محله القلب كما جاء في أقوال الضالين، وأما هذه الحالات فمشتركةٌ بيننا كما قال الضال المضل سعد زغلول: الدين لله، والوطن للجميع.

    سنناقش هاتين الطريقين إن شاء الله، ونبدأ بالطريقة الأولى.

    الطريقة الأولى: الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة

    إخوتي الكرام! الذين فصلوا الدين عن السياسة أرادوا بذلك تجريد الحكومة من الدين، وقالوا: لا مانع من أن يحكم المسلم حكاماً كافرين لا يؤمنون بالحي القيوم. لا مانع على الإطلاق؛ لأن الدين هذا فيما بينهم وبين ربهم، وأما أمور الحياة فينظمها مجلس البرلمان ومجلس الأمة، ومجلس الشعب والوزراء والنواب وما شاكل هذا، فيريدون إذاً من فصل الدين عن السياسة بالتعبير الظاهر الواضح المكشوف: تجرد الحكومة عن الدين، وعدم اشتراط الإسلام في الحاكمين. هذا هو الذي قصدوه.

    ثم قصدوا شيئاً ثانياً يترتب على هذا وهو: القضاء على دين المحكومين، فعندما تجرد الأمة عن الدين تسل هذه الفئة بعد ذلك سيوفها المسمومة المسلطة على الأمة من أجل أن تخرجهم من دين الله أفواجاً، فتجردت عن دين الله، ثم أرادت تجريد الأمة عن دين الله، وليس المراد من الفصل كما يتوهم كثير من البله أن يكون الحكام في جانب والدين في جانب، فالسياسة في جهة والدين في جهة، وكل واحدٍ له حقوقه المرعية. لا ثم لا، المراد من الفصل: أن يكون الدين طوعة الحاكمين وتحت رحمتهم، وفي حمايتهم، ووصايتهم، فإن شاءوا أخذوا بشيءٍ منه، ويمنون على المسلمين بذلك، وإن شاءوا نبذوه وطرحوه، فليس المراد كما قلت: هذا له حقوقه وهذا له حقوقه، لا.

    إن هذه الرئاسة المشرفة على الأمة كل ما في هذه الأمة يدخل تحتها وتحت سلطتها، ومن جملة ذلك الدين الذي تدين به الرعية، وكثيراً ما يبغي السيد على المسود، والرئيس على المرءوس.

    فالدين إذاً سيكون تحت حماية ورعاية ووصاية الحاكمين الذين يحكمون شئون المسلمين، ولا يشترط فيهم الدين. وباختصار: يراد من فصل الدين عن السياسة تجرد الحكام من الدين، ثم تجريد الأمة وإخراجهم من دين رب العالمين، وهذا الأمر لا شك في أنه خطيرٌ خطيرٌ خطيرٌ صريح.

    ويكفي برهاناً على ذلك أن نقف عند ثلاثة أمور ليتبين لنا خطورة هذا الأمر الضال الخبيث الذي زين لنا في هذا الوقت باسم فصل الدين عن السياسة.

    مما يدل على خطورة الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة أن ذلك يفضي إلى الردة

    الأمر الأول الذي يقرر خطورة هذا الأمر وفظاعته ونكارته: حكمت الأمة الإسلامية ما يقارب أربعة عشر قرناً، منذ أن أسس نبينا صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية، إلى أن قضي على آخر خلافةٍ إسلامية وهي الخلافة العثمانية سنة (1343هـ) ألفٍ وثلاثمائة وثلاثٍ وأربعين للهجرة، حكمت الأمة الإسلامية من قبل حكامٍ مختلفين، فيهم الصالح والطالح، وفيهم العادل والظالم، لكن ما خطر في بال واحدٍ منهم في يوم من الأيام ولا دار في خلده ولا في ذهنه ولا فكر في نفسه بأن يفصل الدين عن الحياة .. عن السياسة، وأن يعلن أنه لا يشترط في الحاكمين أن يلتزموا بدين رب العالمين.

    ما خطر هذا ببال أحدٍ منهم على الإطلاق، لماذا؟ لأنه مهما وجد في الحاكمين السابقين من مقصرين وظالمين فهم لا زالوا ضمن حظيرة الإسلام ودائرة الإيمان، فهم لا يريدون لأنفسهم الردة عن دين الرحمن، ويعلمون أن الدعوة إلى هذا ردة ومروقٌ من الدين وخروج، فكيف إذاً سيخرجون عن دين الله بقولهم: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة. والدين هذا شيءٌ عظيم في قلوب الناس لا دخل له في أحكام الناس، ولا في أعمال الحكومة؟!

    هذا ما خطر في بال أحدٍ من الحاكمين لأنه: يعتبر ردة منهم، وكل واحدٍ منهم يضن بدينه أكثر من ضن البخيل بماله، وهو مؤمن، وكونه يظلم ويفسق ويتجاوز حدود الله كما يقع كثيرٌ منا في كثيرٍ من المعاصي، وفي الحديث: ( كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون )، ولو قدر أنه لم يتب ولم تمحو حسناته ذنوبه فمآله بعد ذلك إلى الجنة إذا ختم له بالإيمان؛ لأنه لم يستحل ذلك الظلم وذلك العصيان، ولم يخرج من شريعة الرحمن.

    إذاً كان كل واحدٍ من السابقين يعي هذا، وأن القول: بأن الدين منفصلاً عن السياسة ردةٌ من الحكومة، فما ادعى هذا أحدٌ من حكام المسلمين السابقين.

    وإذا أردت أن تخفف العبارة، ولا تقل: إن هذا يعتبر ردةً من الحكومة، وحرباً من الحكومة على دين المحكومين فلا أقل من أن تقول: إن فصل الدين عن السياسة يعني استقلال الحكومة عن دين الله. هذا أقل ما يقال فيها، هي مستقلةٌ عن دين الله، فلها أحكامها كما أن الدين له أحكامه، لكنها لا تعتدي عليه ولا تريد إزالته، وهذا لا شك يعتبر كفراً بواحاً، والإسلام لا يقر نظاماً من الأنظمة الوضعية، بحيث ترفع إلى مستواه ويقال: هذا النظام لنا الحق في أن نحكم بما فيه. فالإسلام لا يقر هذا، ولا يرضى به، وتأبى عزة الله وعزة الإسلام هذا، قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].

    إذاً: إذا أردنا أن نخفف العبارة، فالمراد استقلال الحكومة عن دين الله، وعدم تقيدها بأحكام الله.

    وواقع الأمر ليس كذلك، فالمراد من فصل الدين عن السياسة: أن تتجرد من الدين، ثم أن تخرج الأمة من دين رب العالمين، وهذا شنيعٌ فضيع.

    وهذا الأمر الذي لم يخطر ببال أحد من الحكام السابقين؛ لخطورته وفظاعته يوضح خطورته أمرٌ آخر مرتبطٌ بالأمر الأول، وهو: أن الحكومة إذا تجردت من دين الله، لو قدر أنها لم تعتد على دين الله، لو قدر -وهذا مستحيل- فسيعتدي على دين الله ويزيل دين الله جل وعلا المفسدون في الرعية تحت ستار الحرية، وإذا أردتم تحققاً من هذا فما أظن أن واحداً منكم يخفى عليه ما تشهده البشرية ويشهده العالم في هذه الأيام.

    انظروا إلى هذا الخبيث المجرم صلاح شاهين كيف يتحدى ألف مليونٍ من المسلمين! صلاح شاهين يرسم في مجلة الأهرام -وهو الرسام الكاريكاتوري فيها- صورة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ويطلق عليه (محمد أفندي)، ثم يرسمه بأنه يركب حماراً ووجه نبينا عليه الصلاة والسلام إلى مؤخرة الحمار، وظهر نبينا عليه الصلاة والسلام إلى رأس الحمار، إشارةً ورمزاً إلى التخلف والرجعية، وأن هذا قد مضى وانقطع، ثم يصور تحت الحمار ديكاً وحوله تسع دجاجات ويقول: (محمد أفندي زوج التسعة).

    هل هذا يقع لو علم أن الحكومات ستحاسبه على هذا الكفر وهذا الضلال؟! لا. هو لا يستطيع أن يعرض بطاغوتٍ من طواغيت البشر، لكن أفضل البشر، بل أفضل العالمين يعرض له بما يندى له الجبين تحت ستار الحرية!

    إذا تكلم الإنسان في هذه الأيام على حاكمٍ نصرانيٍ كافر يحاسب، وإذا أراد أن يتهجم على خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه فيقال له: بارك الله فيك، ونعم ما فعلت، محمد أفندي زوج التسع.

    إذاً: الحكومة عندما ترتد سترتد الأمة بلا شك، لأن الحكومة هي موكلةٌ من قبل الرعية، وهي وكيلتها، فإذا ارتد الوكيل سيرتد الموكل، والرضا بالكفر كفرٌ ولا شك، وهذا الأمر يبين لنا خطورة فصل الدين عن السياسة.. خطورة تجرد الحكام من دين الرحمن، فعدا عن كفرهم ستكفر الرعية بعد ذلك، ولو قدر أنهم ما بغوا على دين الله فإن الرعية ستبغي على دين الله وتعتدي. هذا الأمر الأول الذي يقرر لنا خطورة الفصل.

    تجريد الحكومة عن الدين أخطر من تجريد الأمة منه مع وجود الحكومة الدينية

    الأمر الثاني إخوتي الكرام: من تأمل حقيقة فصل الدين عن السياسة علم أنها أشنع وأفظع وأخبث من فصل الدين عن الأمة، لو جردنا الأمة عن الدين لكان أيسر من أن نجرد الحكومة عن الدين، لماذا؟ لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: إذا قدر أن الأمة تجردت عن الدين والحاكم المسلم ماذا يفعل بها؟ يردها إلى رشدها وصوابها، وقد حصلت ردةٌ عامةٌ بعد موت نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ولم تقم الجمعة بعد موته عليه الصلاة والسلام إلا في ثلاثة مساجد: في مسجد مكة، والمدينة، ومسجد جوافة في البحرين، وبقيت المساجد عطلت فيها الجمعة والجماعة وأعلنوا ردتهم، فمن الذي ردهم إلى حظيرة الإسلام؟ الخليفة المسلم الذي يؤمن بالرحمن.

    فإذا جردت الأمة عن الدين، والحاكم لم يجرد فيعيدها إلى الدين طوعاً أو كرهاً، لكن لو حصل العكس والحاكم تجرد فمن الذي سيرده إلى رشده؟ لا يمكن للأمة أن ترده إلا بعزله أو قتله، وهذا لا شك يكلفها ما يكلفها، ويجعل الأمة تخوض في الدماء إلى رقابها، بينما هناك الأمر أيسر وأسهل بالنسبة إذا لم يرتد الحاكم ولم يفصل دين الله عن السياسة، ولذلك ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والأثر في تاريخ بغداد كما عزاه إليه الإمام السيوطي في الدر المنثور في الجزء الرابع صفحة تسعٍ وتسعين (4/99) عند قول رب العالمين في سورة الإسراء: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80]، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (والله إن الله ليزع بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن). إن الله ليزع، أي: ليخيف ويردع بالسلطان أعظم مما يردع بالقرآن.

    ويؤثر هذا الأثر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام أجمعين.

    وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80]، أي: قوةً أنصر بها دينك، ومكني في الأرض، فدينٌ بلا سلطان ضائع، وسلطانٌ بلا دين ظالمٌ جائر، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80]، قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: (السلطان المسلم من أعظم نعم الله على عباده، فبه يحفظ الله الدين، وبه يردع الله المفسدين). هذا معنى كلامه عليه رحمة الله ورضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: إذا ارتدت الحكومة تقويمها صعبٌ صعب، وإذا حصلت الردة في الرعية ما أيسر أن تعدل، ولذلك إخوتي الكرام عندما قضي على خلافة الإسلام في تركيا وحولت من دولةٍ إسلاميةٍ إلى دولةٍ إلحادية تحت اسم العلمانية، ما الذي حصل؟ اضطهد دين الله، وعذب وقتل أولياء الله، وحوربت شعائر الإسلام، فالتي تتحجب تضرب وتزج بالسجن، والذي يعفي لحيته يؤذى، والذي يلبس العمة والطربوش وشعائر المسلمين تعلق له المشنقة، إنما ينبغي أن يلبس القبعة البروش .. شعار النصارى، وإما أن يكون حاسراً.

    إذاً: هذا الذي حصل عندما فصلت الحكومة نفسها عن الدين، ولو كان العكس وانفصلت الرعية لردها الحاكم بسهولةٍ ويسر، ففصل الدين عن السياسة، وتجرد الحكومة من الدين، وعدم اشتراط الدين في رجال الحكم أفظع من ردة الأمة، وهذا مما يبين لنا خطورة فصل الدين عن السياسة.

    وعليه ما قاله الشيخ المراغي وقد أفضى إلى ما قدم: من أنه لا تلازم بين ردة الحكومة وانفصالها عن الدين، وفصل الدين عن السياسة، وأنه لا تلازم بين ذلك وبين فساد الرعية وضلالها وكفرها فقد ترتد الحكومة وتكفر، وتبقى الرعية مسلمةً كما حصل في تركيا غير صحيح. فهذا الذي حصل أن حصل عكسه، وذلك عندما فصل الدين عن السياسة فأعظم شيءٍ مقدس عندنا وهو الله يهجى ويسب، والقرآن يمتهن ويداس، ونبينا عليه الصلاة والسلام ينتقص في وسائل الإعلام، فأي كفر بعد ذلك أعظم من هذا؟ ولا تتمعر وجوهنا، ولا نسل سيوفنا بعد ذلك لإزالة هذا المنكر؟!

    إذاً: هذا الذي حصل في الدولة الكمالية التركية عندما انفصلت عن الدين. إذاً ففصل الدين عن السياسة وتجريد الحكومة من الدين أعظم بكثيرٍ من فصل الدين عن الأمة، ومن تجريد الأمة عن الدين.

    إخوتي الكرام! أو ليست الحكومة هي التي تسير شئون الناس؟

    من الذي يشرف على مناهج التعليم؟

    ومن الذي يشرف على وسائل الإعلام؟ ومن الذي يراقب بعد ذلك الحياة الاجتماعية بما فيها من أمورٍ نسائية وغيرها؟ من؟ أو ليست الحكومة؟

    فعندما لا تلتزم الحكومة بدين الله فولدي وولدك، وأخي وأخوك سيتربى على المناهج الكفرية، ويكون عدواً لنا شئنا أم أبينا. أو ليس كذلك؟

    وسائل الإعلام عندما لا تديرها حكومةٌ تخشى الرحمن ماذا سيخرج فيها؟ كل شهوةٍ تزرع فساداً في القلب، ويخرج فيها كل ضلالٍ يزرع شبهةً في القلب كما هو الحاصل.

    المرأة بعد ذلك عندما لا يوجد حكومةٌ تردعها وتوقفها عند حدها ماذا يكون حالها؟ تخرج وأفخاذها مكشوفة، وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ( مائلاتٌ مميلات )، وقد قال بعض الشيوخ: رأيت بعيني -والحمد لله الذي عافاني من رؤية هذا- يقول: رأيت امرأةً تمشي في الأسواق العامة بلا سراويل، وتلبس ثياباً فوق جسمها شفافة من القمصان الداخلية التي تلبسها النساء، وهي في الشارع تمشي في وسط الناس في بلدةٍ يزيد عددها على الملايين من بلدان المسلمين بهذا القميص الشفاف، سوءتها المغلظة من الأمام والوراء بادية.

    هل هذا يوجد عندما تتقيد الحكومة بشرع الله؟! لا والله.

    ولذلك أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن هذا الصنف إذا وجد فيقارنه صنفٌ آخر لا يلتزم بدين الرحمن، والحديث في المسند وصحيح مسلم ، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( صنفان من أهل النار لم أرهم: رجالٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس )، وهم رجال الخيانة والغدر الذين يقال لهم: رجال الأمن، رجال المباحث والمخابرات الذين ليس همهم إلا مطاردة المؤمنين والمؤمنات، سياطهم مسلطة على ظهور المؤمنين، وأما أمام الكافرين فخنوعٌ وذلةٌ أمامهم ( رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ).

    والصنف الثاني الذي يلازم هذا: (ونساء كاسيات عاريات، مائلاتٌ مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ). هذا نتيجة فصل الدين عن السياسة، وإلا أليس من العجب الذي يفري القلب أنك ترى في بلدان المسلمين من إذا عملت مخالفةً مروريةً تضبط ليس عن طريق الشرطة بل عن طريق الرادار، وهذا موجودٌ في كل قارعة طريق، وامرأةٌ تكشف عن فخذيها وظهرها وبطنها مكشوفان، ولا يقال لها: يا أمة الله! استتري، ولا كلمة يقال لها؟!

    هذه هي نتيجة فصل الدين عن السياسة، ونتيجة فصل الدين عن الحياة!

    هذه المرأة بالله عليكم إذا خرجت وأفخاذها مكشوفة، وسلم منها عبدٌ رحيم لأنه جاوز الأربعين، وليس عنده زوجة بل عددٌ من الزوجات، أيسلم منها الشباب؟ أريد أن أعلم أيسلم؟ أما أضلت الحكومات الناس عندما تركت هذه المنكرات تنتشر بينهم؟ هذه هي نتيجة فصل الدين عن الحياة، ولذلك لو فصل الدين عن الرعية لكان أيسر وأخف من أن تنفصل الحكومة عنه؛ لأن الرعية إذا انفصلت ويوجد من يراقبها سيأخذ على يديها، ويأطرها على الحق أطراً، وإذا انفصلت الحكومة وجردت من دين الله جل وعلا فهذه هي قاصمة الظهور، ولذلك ما يقوله هذا الشيخ: (إنه لا تلازم بين انفصال الحكومة عن دين الله، وانفصال الأمة عن دين الله، فالأمة تبقى شقية، وإن كفرت حكومتها) هذا كلامٌ بعيد خيالي لا وقوع له ولا وجود.

    الأمر الثاني الذي يقرر الأمر الثاني: نقول: إن الحكومة عندما تنفصل عن دين الله، ولا تتقيد بشريعة الله، إذا لم ترهب الأمة من المعصية، ولم تقصرها عن الضلال فسيستغل الملحدون المفسدون تحت ستار فصل الدين عن الحياة أن يتلاعبوا بدين الله جل وعلا كما يريدون، وهذا هو الواقع، وقد رأيت كثيراً من الصحف والمجلات وبعضها يشرف عليها من لا أعلم بماذا أصفهم وحسابهم عند الله جل وعلا، يشرف عليها أناس تكاد تكون لحية بعضهم تصل إلى سرته، ويكتب في تلك المجلات ما هو كفرٌ بواح من عشقٍ حرام، ومحاربةٍ للإسلام.

    إذاً: إذا لم ترهب الحكومة الرعية على الكفر ولم تقصرها على ذلك، فالمفسدون بعد ذلك سيفسدون في الأرض، ولا يوجد من يردعهم، وبذلك نعلم خطورة فصل الدين عن السياسة.

    عظم أمر الصلاة والجهاد في الإسلام ودور الحكومة في تحقيقهما

    إخوتي الكرام! إن أهم أمور الإسلام على الإطلاق أمران، ومن تأمل أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام رأى أن أكبر نسبةٍ من أحاديثه تدور حول هذين الأمرين:

    الأول: أمر الصلاة.

    والثاني: الأمر الذي عطل منذ أن ضيعت الخلافة الإسلامية: الجهاد في سبيل الله، فالصلاة عمود الإسلام، والجهاد ذروة سنامه.

    إخوتي الكرام! هذان المعنيان يتحققان بدون حكومةٍ إسلامية تلتزم بشريعة رب البرية؟

    انظروا كيف كان نبينا عليه الصلاة والسلام يغرس هذين المعنيين في قلوبنا عند زيارتنا لبعضنا إذا مرض أخٌ لنا في الله، إذا زرناه نتوسل إلى الله جل وعلا بالدعاء بأن يكتب له الشفاء، لماذا؟ ليصلي هذا العبد، وليجاهد في سبيل الله.

    ثبت في سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان بسندٍ صحيحٍ كالشمس عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا عاد أحدكم أخاه - وكان مريضاً - فليقل: اللهم اشف عبدك، ينكأ لك عدواً، ويشهد لك صلاةً ).

    ( اللهم اشف عبدك، ينكأ لك عدواً )، أي: يفقأ عينه، ويقطع رقبته، ويذله ويعز دينك، ويشهد لك صلاةً. وهل يتحقق الجهاد بدون وجود حكومةٍ تؤمن برب العباد؟! ( اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً، ويشهد لك صلاة )، هذان المعنيان لا يمكن أن يوجدا إلا في حكومةٍ تلتزم بالإسلام، ولذلك إخوتي الكرام! استنبط الصحابة رضوان الله عليهم من عهد نبينا عليه الصلاة والسلام في مرض موته إلى أبي بكر بالصلاة بالأمة استنبطوا من هذا بأنه هو إمام المسلمين، وهو خليفة النبي الأمين عليه صلوات الله وسلامه بعد موته، وهو إمام الحرب؛ لأنه إمام الصلاة، فهو إمام الحرب وإمام الحرب هو إمام الصلاة، ويجمع هذين الأمرين بين عمود الإسلام وبين سنام الإسلام، ورحمة الله على الإمام ابن القيم عندما يقول في كتابه الفوائد في صفحة ثلاثٍ وسبعين في منزلة صديق هذه الأمة أفضل الصديقين، يقول: (والله ما أحببناه لهوانا، ولا نقول في غيره: هواناً)، والله ما أحببناه لهوانا، أي: لميولنا الذاتية النفسانية.

    (ولا نقول في غيره هواناً)، أي: نقصاً ومنقصة، فكل الصحابة أطهارٌ أبرار، وهذا خيرهم وأبرهم. (بل أخذنا بقول علي وكفانا: رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟!).

    إن المصحف والسيف مقترنان، ولا يفرق بينهما إلا ملحدٌ غضب عليه الرحمن، وتجريد الحكومة من الإسلام تفريقٌ بين المصحف والسيف والسنان، فالله يقول في سورة الحديد: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25]، وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديد، نزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط، ومع الكتاب حديدٌ من أجل نصرة هذا الكتاب.. سيفٌ ومصحف.

    يروي الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن والعشرين صفحة أربعة وستين ومائتين أثراً عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وكرره في مجموع الفتاوى في الجزء الخامس والثلاثين صفحة خمسٍ وستين وثلاثمائة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهذا الأثر بحثت عنه فلم أجد أحداً خرجه إلا الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق كما عزا إليه ذلك الإمام السيوطي في الجامع الكبير في جمع الجوامع، وفيه مائة ألف حديث عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه في الجزء الثاني صفحة تسعٍ وثلاثين وثلاثمائة، عن عمرو بن دينار ، قال: ( خرج جابر بن عبد الله رضي الله عنهم، وفي إحدى يديه مصحف، وفي الأخرى السيف، فقال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا -يعني بالسيف- من أعرض عن هذا وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الحديد:25].

    قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: سيوف المسلمين تنصر هذا الشرع، وهو الكتاب والسنة، ثم روى الحديث المتقدم، وذكر الآية التي قرأتها من سورة الحديد، فمن خرج عن الكتاب والميزان قوتل بالحديد، والكتاب والعدل متلازمان، والكتاب هو المبين للشرع، فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع، ومن حكم بالشرع فقد حكم بالعدل، ولا عدل إلا بالشرع.

    إذاً: سيوف المسلمين تنصر هذا الكتاب ليقوم الناس بالقسط، فإذا تجردت الحكومة عن الدين، وفصلت السياسة عن الدين، ماذا سيكون حال المسلمين؟! ضياع ذروة سنام الإسلام، وبالتالي فقدان عمود الإسلام، ونحن في حياةٍ من شاء أن يصلي ومن شاء ألا يصلي، أستغفر الله! من شاء ألا يصلي فله الجوائز والإعزاز، وإذا صلى يضيق عليه، ويقال في ثكنات الجيش: لا إله في ثكنات الجيش، وإذا أردت أن تعبد ربك فاذهب إلى المسجد، هذا جيش وليس بمعبد. الكهنوت والكنيسة هذه تذهب إليها في المسجد.

    إذاً: الصلاة عطلت، وعمود الإسلام ذهب، وذروة سنامه ضاع، بل وصل الأمر في بلدان المسلمين أن الجندي إذا صام وعلم أنه صائم يعذب عذاباً حتى يفطر، هذا هو الحال عندما تجردت الحكومة عن الدين، وعندما فصلت السياسة عن الدين.

    إذاً: عندما ترتد الحكومة فهذا أعظم الارتداد، فهي إذا لم تقصر الأمة والشعب على الكفر ولن يقع ذلك. فسيوجد في الأمة عتاة يسوقون الناس إلى الكفر عن طريق المغريات والشهوات والمسكرات والمخدرات، وكل رذيلةٍ من أنواع الرذائل تحت ستار الحرية.

    إخوتي الكرام! وصل الأمر في الأنظمة الوضعية أن الزنا بالتراضي حلال، لا حق لوالدٍ ولا لأخٍ ولا لأحدٍ من خلق الله أن يعترض، وإذا اعترض الوالد يزج به في السجن، لكن بشرط أن تكون البنت جاوزت الثامنة عشر من العمر، فوق الثامنة عشرة ليست صغيرة، إذا كانت صغيرة فلربما خدعتها، وليس عندها بعد ذلك رضاءٌ بهذا، لكن إذا جاوزت هذا فلا حرج، ولا اعتراض عليها من قبل أحد، وإذا كانت مزوجة، والرجل مزوجاً لا يباح لأحدٍ منهم الزنا إلا برضا زوجه، فالزوج إذا استأذن زوجته بالزنا فلا دخل للقانون في ذلك. هذا في الأنظمة الوضعية وفي البلاد العربية، والزوجة إذا استأذنت زوجها ورضي فلا حرج، ولو زنى الزوج بدون رضا الزوجة واطلعت عليه فلها أن تقيم الدعوى، وغاية عقوبته سجن ستة أشهر. هذا في قوانين البلاد العربية.

    يسجن ستة أشهر، هذا أقصى عقوبة، وقد يصدر الحكم ويوقف القاضي تنفيذه إلى فترةٍ غير محددة، قد يموت زوج الزانية ولا تنفذ فيه العقوبة، ثم إذا رفعت الدعوة شكايةً على زوجها، فلها أن تسقط الدعوى متى شاءت ما لم تنفذ العقوبة، ولو شرعت لتنفيذها حكم عليه بثلاثة أشهر وسجن يوماً، ثم بعد ذلك تأثرت لفراق زوجها بمكالمةٍ في التلفون: أسقطت حقي عن زوجي. يفرج عنه مباشرةً. هذا في زنا الزوج.

    وغاية عقوبة الزوجة إذا زنت سنتان، وقد يوقف القاضي التنفيذ، وللزوج أن يسقط هذه العقوبة متى شاء.

    وأما إذا لم تكن الأنثى مزوجةً، ولم يكن الرجل مزوجاً فلا حساب على واحدٍ منهما إذا وقع هذا باختياره.

    أو لا يندى جبين الإنسان بهذا؟ عهر يباح في القانون، وأنت عندما تكون في أسرةٍ مسلمة، ويمتد بعض العتاة فساده إلى بعض أولادك من ذكورٍ وإناث ماذا تعمل؟ ترى ابنتك تزني ولا تستطيع أن تتكلم، أما قصرت؟!

    إذاً: الحكومة والرعية والقوانين الوضعية، الأمة على الضلال والكفر بغير اختيارها، إن ردة الحكومة أفظع من ردة الأمة، وهذا مما يقرر لنا خطر فصل الدين عن السياسة.

    فصل الدين عن الدولة يتيح للحكومة المرتدة التدخل في جميع شئون أفراد الأمة من المسلمين

    الأمر الثالث: إن فصل الدين عن السياسة كما قلت لم يخطر ببال حكومةٍ من الحكومات السابقة؛ لأن هذا يعتبر ردة، وإذا فصلت الحكومة الدين عن السياسة، ولم يشترط في الحاكمين الدين يعتبر هذا ردة، وهم مرتدون. فلبيان خطورة هذا أقول: هل الحكومة المرتدة أشنع أم الحكومة الأجنبية الغاصبة المعتدية؟ أيهما أفظع؟

    إن الحكومة المرتدة أفظع من الحكومة الأجنبية المغتصبة المحتلة من وجهين:

    الوجه الأول: الحكومة الأجنبية لا تتدخل في شئون الرعية الدينية، بل تحكمهم حكماً عاماً، وتمتص خيرات البلاد، لكن أمورهم الدينية فيما بينهم تتركهم يحتكمون إلى شيوخهم، وإلى محاكمهم الشرعية دون تدخلٍ في تشريع نظامٍ أجنبيٍ عن هذه الرعية.

    أما في الحكومة المرتدة فليس الأمر كذلك، فهي تتدخل في كل جزئيةٍ من جزئيات الحياة، هي عندما فصلت الدين عن السياسة، طرحت كلام الله وحديث نبينا عليه الصلاة والسلام وراء الظهور وتحت الأرجل، وما بقي بعد ذلك إلا قانون نابليون أو غيره من قوانين الكفار تحكم في رقاب المسلمين، فالحكومة المرتدة إذاً أشنع من الحكومة الأجنبية، وهذا مما يبين لنا خطر فصل الدين عن السياسة.

    الوجه الثاني: أن الحكومة إذا كانت حكومةً وطنيةً لا تتقيد بالشريعة الإسلامية سترتد الأمة تدريجياً ولا بد، لم؟ لأن الحكومة -كما قلنا- تعتبر وكيلةً للرعية، ونائبةً عنها، لا سيما إذا كانت تحكمها عن طريق البرلمان ومجلس الشعب.

    إذاً: هذه الحكومة هي من الشعب ومن الرعية، فهي تمثل الأمة، والأمة ستقتدي بعد ذلك بهذه الحكومة المسئولة عنها، فستكفر كما كفرت -ونسأل الله جل وعلا أن يلطف بأحوال المسلمين- بخلاف الحكومة الأجنبية، فالرعية لا تزال ترى أن هذه الحكومة الأجنبية معتديةً غاصبةً جثمت على صدور المسلمين، فلا بد من إزالتها وقطع رقبتها، وستزيلها عما قريب، والأمر هذا الذي حصل في الحكومات عندما اغتصبت، لكن إذا جاء بعد ذلك عدوٌ من جلدتنا، ويتكلم بألسنتنا، هذه هي الخطورة التي تفطر القلوب والأكباد، ولذلك ثبت في صحيح البخاري ، والحديث في صحيح مسلم أيضاً في سنن ابن ماجه ، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: ( قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن كنا في جاهليةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، وهو الإسلام، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم)، والشر الذي حصل بعد الخير الذي أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام ما حصل في خلافة علي رضي الله عنه، وما حصل قبله عند مقتل عثمان رضي الله عنه، وجاء علي وشغلت الأمة بالخلافات الداخلية مدة خمس سنين، وهذا حقيقةً شر أخر الأمة عن الفتوحات، وجعل بأسها بينها في تلك المرحلة الزمنية، ونسأل الله أن يغفر لهم، وأن يلطف بالمسلمين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    قال: ( فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم ). سيأتي خيرٌ بعده ( وفيه دخن )، والدخن هو تغيرٌ في اللون الأصفر، كدرةٌ أو صفرةٌ وغبش في اللون الأصفر، أي لونٌ يخالف اللون الأصلي، فلا يوجد صفاء ونقاء في الخير الذي يأتي بعد الخير الذي أتى به نبينا عليه صلوات الله وسلامه ( نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قومٌ يهدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي )، وهذا الذي حصل بعد أن زالت الخلافات الداخلية، وثبتت الخلافة الشرعية لـمعاوية رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام، وسمي العام بعام الجماعة أربعين للهجرة، لكن حصل في الأمة في ذلك الوقت إلى أن قضي على الخلافة الإسلامية العثمانية ما حصل من انتشار بدع وفسادٍ ومعاص، لكن الخير هو العام، ويبقى شوائب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وفيه دخن )، ليس كالخير الصافي في حياته وحياة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ( قلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ )، خيرٌ فيه دخن سيأتي بعده شر؟ ( قال: نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها. قلت: صفهم لنا يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه. قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا )، حقيقةً إن الحكومة الأجنبية أيسر من الحكومة المرتدة الوطنية فهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ( قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم إمامٌ ولا جماعة؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ).

    ومما يوضح لنا أن الحكومة الكافرة الوطنية أشنع وأخبث من الحكومة الأجنبية: ما ثبت في حديث الدجال ، والحديث في صحيح مسلم وغيره وهو حديثٌ متواتر، عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر الدجال خفض فيه ورفع ) بالتثقيل والتشديد والتخفيف، خفض خفضه، رفع رفعه، خفض فيه ورفع، خفض فيه ورفع، واللفظان يحتملان معنيين، إما خفّض في صوته عليه الصلاة والسلام، وخفض في صوته بعد أن أكثر من الكلام في شأنه؛ لأنه تعب عليه صلوات الله وسلامه من الكلام، فخفض صوته ليتدارك قوته، وليجمع قواه، ثم رفع وبدأ ينادي بأعلى صوته بعد ذلك محذراً من فتنة الدجال، خفّض وخفض، أي: حقّر من شأن الدجال، فهو أعور مكتوبٌ على جبينه كافر، لا يسخر له إلا الحمار، رجسٌ على رجس، هو حقير، وشأنه وضيع، ورفع، هو مع حقارته فتنة عظيمة، يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتطوى له الأرض كطي الأديم، ويمر على الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كأعاسيب النحل. إذاً مع حقارته ووضاعته فتنته عظيمة، خفّضّ ورّفّع، خفَضَ ورفَعَ عليه صلوات الله وسلامه ( فارتاع الصحابة رضوان الله عليهم من الدجال حتى ظنوه في طائفةٍ من النخل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال )، هذا الذي خشيه علينا نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر من خشيته من الدجال هو الحكومة الوطنية الكافرة، كما ثبت في مسند الإمام أحمد بسندٍ جيد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ، قالوا: من يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه؟! قال: الأئمة المضلون ).

    ولفظ الإمام يطلق على صنفين: يطلق أصالةً على الإمام الحاكم، ويطلق على الإمام العالم، وإذا فسد هذان الصنفان فسد الناس، وإذا صلحا صلح الناس، فإذا كان راعيها حراميها، وهاديها معاديها، كيف سيكون حال الأمة؟!

    صنفان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء، ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال. قالوا: من يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه؟ قال: الأئمة المضلون).

    إخوتي الكرام! بهذه الأمور الثلاثة، وكل واحدٍ منها تفرع إلى أمرين، يتبين لنا خطورة فصل الدين عن السياسة، ولا يدعو إلى هذا إلا ملحدٌ خبيث، أو جاهلٌ أعمى القلب خسيس، وإلا إذا كان يدرك محتوى هذه الدعوى يعلم أنها مناقضةٌ لدين المولى، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!