إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [399]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    ترك القادر النفقة على الأهل والأولاد

    السؤال: ما حكم الشرع في نظركم في رجل يكنز الأموال الطائلة, ويبخل على زوجته وأولاده, حتى في الطعام واللباس بحجة أنه فقير لا يملك شيئاً, وهم يصدقون تلك الدعاوي الكاذبة, وعلاوة على ذلك فهم لا يسلمون من بطشه ولسانه؟

    الجواب: التوجيه الذي ينبغي أن يوجه إلى هذا الرجل إذا صح ما قيل عنه, هو أن يتقي الله عز وجل في نفسه وفي أهله, ويقوم بما أوجب عليه من نفقة على زوجته وعلى أولاده, فإن الإنفاق على الزوجة وعلى الأولاد من الواجبات، قال الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف )، ولا يحل له أن يبخل بما يجب عليه من ذلك, وهو إذا بخل به كان سفيهاً من الناحية الشرعية ومن الناحية العقلية، أما من الناحية الشرعية فإنه سفيه؛ لأنه ظلم نفسه بترك ما أوجب الله عليه، وكل من ترك ما أوجب الله عليه فقد ظلم نفسه، فإن النفس أمانة عند الإنسان يجب عليه أن يرعاها حق رعايتها, بفعل ما يقربه إلى الله عز وجل وترك ما يبعده من الله، وأما كونه سفيهاً من الناحية العقلية, فإن هذا المال الذي يدخره سوف يرجع إلى هؤلاء الذين بخل عليهم في حياته؛ لأن المال سيورث بعد صاحبها فيكون في هذه الحال وبالاً عليه ومآله لهؤلاء الذين بخل عليهم به في حال الحياة الدنيا، وهذا سفه, وليعلم أنه لن ينفق نفقة يبتغي بها وجه الله إلا أثابه الله عليها حتى ما يجعله في فيّ امرأته كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليعلم كذلك أنه لا ينفق نفقة لله عز وجل على أهله وعلى أولاده إلا أخلفها الله عليه، كما قال الله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] .

    وإذا علم هذا العلم وآمن به سهل عليه أن ينفق على زوجته وأولاده, أما بالنسبة للزوجة والأولاد فلهم إذا قدروا على شيء من ماله أن يأخذوا بقدر النفقة لهم بالمعروف وإن لم يعلم به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لـهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف, حين ذكرت له أنه شحيح لا يعطيهم من النفقة ما يكفيهم، وإذا لم يقدروا على شيء وامتنع من الإنفاق عليهم فإن لهم أن يأخذوا من الزكاة والصدقات؛ لأنهم في هذه الحال فقراء معدمون حتى وإن كان يمنعهم من أخذ الزكاة؛ لأن بعض الناس لا ينفق على أهله ولا يرضى أن يأخذوا من الزكاة، وهذا كما هو معلوم خطأ، لكن بالنسبة لهم إذا كانوا في حاجة وممن يستحقون الزكاة لأحد الأوصاف التي هي سبب الاستحقاق, فإنهم يأخذونها وإن كره من ينفق عليهم إذا كان ممتنعاً مما يجب.

    1.   

    أنواع الهدي وأحكامها

    السؤال: تقول: الذي أعرفه أن العمرة ليس لها هدي, ولكن في عمرة الحديبية ساق الرسول صلى الله عليه وسلم معه هدياً وعندما أحصر ذبح الهدي، السؤال: ما سبب سياق الهدي مع أنه كان ذاهباً للعمرة وليس للحج؟

    الجواب: الهدي نوعان: هدي واجب؛ وهذا لا يكون إلا في حق المتمتع أو القارن؛ لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196]، وهدي تطوع؛ وهذا يكون في حق المفرد في الحج وفي حق المعتمر وفي حق من لم يحج ومن لم يعتمر، فالمفرد له أن يهدي هدياً يتقرب به إلى الله, والمعتمر له أن يهدي هدياً يتقرب به إلى الله, ومن لم يحج ولم يعتمر وكان في بلد له أن يهدي هدياً يتقرب به إلى الله فيرسله إلى مكة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل هدياً إلى مكة وهو مقيم في المدينة, وكما أهدى الهدي في عمرة الحديبية، فالهدي نفسه عبادة يتقرب به إلى الله, ولكن قد يكون واجباً, وقد يكون مستحباً, فهو واجب على القارن والمتمتع, وسنة في حق المفرد في الحج والمفرد بالعمرة ومن لم يحج ولم يعتمر, وهناك هدي واجب من نوع آخر, وهو ما يكون بسبب الإتلاف, كالهدي الواجب في قتل الصيد، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95].

    1.   

    إتمام عمرة الحديبية والعمر النبوية وأفضل المناسك

    السؤال: هل أتم الرسول صلى الله عليه وسلم عمرة الحديبية أم لم يتمها؟ وكم عمرة اعتمر الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وما هي؟

    الجواب: عمرة الحديبية لم يكملها النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الأمر الواقع؛ لأن قريشاً صدوه عن المسجد الحرام, لكنه أتمها حكماً؛ لأنه ترك العمل عجزاً, ومن شرع بالعمل وتركه عجزاً عنه كتب له أجره، قال الله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100].

    وأما عمر النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كانت أربعاً: إحداها: عمرة الحديبية, والثانية: عمرة القضاء التي قاض عليها قريشاً, فإن من جملة الشروط التي وقعت بينهم في الصلح أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمر من العام القادم وقد فعل عليه الصلاة والسلام، والثالثة: عمرة الجعرانة, فعلها النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من غزوة حنين، والرابعة: العمرة التي في حجته في حجة الوداع, فإنه صلى الله عليه وسلم كان قارناً جامعاً بين الحج والعمرة في إحرام واحد, فهذه أربع عمر اعتمرها النبي صلى الله عليه وسلم وكلها كانت في أشهر الحج، فعمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة وعمرته مع حجته كان الإحرام بها في آخر ذي القعدة وإتمامها في ذي الحجة؛ لأن عمرة القارن تندرج في الحج وتكون أفعاله أفعال الحج، ولهذا كان القول الراجح أنه لا يلزم القارن طوافان وسعيان, وإنما يكفيه طواف واحد وسعي واحد, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف إلا طوافاً واحداً ولم يسع إلا سعياً واحداً، وأما طوافه حين قدم فهو طواف قدوم، وطوافه عند خروجه طواف وداع.

    مداخلة: لعلكم تحدثون المستمعين يا فضيلة الشيخ عن أفضل المناسك؟

    الشيخ: أفضل المناسك التمتع, وهو أن يأتي الحاج بالعمرة أولاً, ويتحلل منها ثم يحرم بالحج في اليوم الثامن، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه به وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولا أحللت معكم )، ولأن التمتع يجمع بين نسكين مع تمام أفعالهما, فإن المتمتع يأتي بالعمرة كاملة وبالحج كاملاً, ولهذا كان القول الراجح الذي عليه جمهور أهل العلم, أن على المتمتع طواف وسعي للعمرة, وطواف وسعي للحج, كما جاء ذلك في حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما؛ ولأن التمتع يحصل به متعة للحاج وتيسير عليه؛ لأنه بين العمرة والحج يتحلل تحللاً كاملاً, ويتمتع بما أحل الله له من محظورات الإحرام التي لو بقي على إحرامه لكان ممنوعاً منها, هذا إن لم يكن ساق الهدي، فإن كان الناسك قد ساق الهدي فإنه لا يأتي بالتمتع, بل يكون قارناً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأن من ساق الهدي لا يمكنه أن يحل حتى يبلغ الهدي محله كما قال الله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام:(إني سقت الهدي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر ).

    1.   

    الاشتراط في النسك.. معناه وحكمه

    السؤال: في حديث ضباعة بنت الزبيرعندما قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: (أريد الحج وأنا شاكية، فقال لها: حجي واشترطي )، فما معنى الاشتراط؟ وما حكمه؟

    الجواب: المعنى أنها تقول: إن حبسني حابس -أي: منعني مانع من إتمام النسك- فإنني أحل وقت وجود ذلك المانع، وإنما أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاشتراط؛ لأنها كانت تخاف ألا تتم النسك من أجل المرض, فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تشترط، وأما من لم يكن خائفاً من إتمام النسك, فإنه لا يشترط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا اشترطوا عند الإحرام هذا الشرط, ولهذا كان القول الراجح أن الاشتراط ليس بمستحب ولا مشروع إلا لمن كان خائفاً من عدم إتمام نسكه، وهذا القول هو القول الذي يجمع بين الأدلة، وأما من نفى الاشتراط مطلقاً, أو أثبت الاشتراط مطلقاً, فإنه لابد أن يقع في مخالفة لبعض النصوص، يقول بعض الناس: إننا في هذا الزمن خائفون بكل حال لكثرة حوادث السيارات, وجوابنا عن هذا أن حوادث السيارات بالنسبة لكثرتها ليس بشيء, فإن السيارات تكون بمئات الآلاف وإذا حصل من مئات الآلاف حادثة أو حادثتان أو عشر أو عشرون حادثة فليست بشيء, والحوادث كائنة حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم, فإنه صح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أن رجلاً وقصته راحلته يوم عرفة فمات )، وهذا حادث وجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فالمهم أن الحوادث محتملة حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يرشد الأمة إلى الاشتراط إلا لمن كان خائفاً.

    وقولي: إن مئات الآلاف من السيارات, هذه وقعت سبق لسان, وإلا فلا أظن أنها تبلغ مئات الآلاف لكنها تبلغ عشرات الآلاف.

    1.   

    آفة النسيان وأسباب تمكين الحفظ وتثبيت العلم

    السؤال: تقول: أريد أن أكون طالبة علم, ولكن سمعت أن آفة العلم النسيان فمن قائل هذه العبارة؟ وما هي الطريقة التي أتقي بها هذه الآفة؟

    الشق الثاني: ما الذي يعين على تقوية الحفظ وتثبيت العلم في القلب؟

    الجواب: لا أدري من قائل هذه الكلمة: آفة العلم النسيان, ولكن الواقع يشهد بذلك, والنسيان ذهول القلب عما كان معلوماً, وهو وارد على كل أحد, كل ينسى, حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني )، ولكن الناس يختلفون, وأسباب تمكين الحفظ قد تكون غريزة بطبيعة الإنسان, وقد تكون مكتسبة بعمل الإنسان, فأما الغريزة فلا حيلة للإنسان فيها بالحفظ, وبقائه في قلبه، فمن الناس من إذا حفظوا لم ينسوا إلا قليلاً, حتى إن بعضهم يقول: ما حدثت بحديث فنسيته, ومن الناس من يكون سريع النسيان, يحدث بالحديث في الصباح وينساه في المساء, ومن الناس من هو بين ذلك, وهذا الأمر الطبيعي ليس للإنسان فيه حيلة, اللهم إلا بسؤال الله عز وجل واللجوء إليه, فإن الله سبحانه وتعالى بيده ملكوت السموات والأرض وهو عز وجل قادر على أن يغير الطبيعة إلى ما هو أحسن.

    والثاني: المكتسب, وهو الذي يحصل بفعل العبد وذلك بتعاهد ما حفظه وتذكره دائماً, وألا يشغل نفسه بفضول الكلام, وفضول التفكير, ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعهد القرآن فقال صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها ). أو قال: (تفصياً من الإبل في عقلها ). فهذا الدواء وهو التعاهد وأن يكون الإنسان دائماً يفكر بما حفظ, ومن دواء النسيان أيضاً وهو مهم جداً التقوى والعمل الصالح، فإن الله تعالى يقول: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76]. وإذا كان الله تعالى يزيده هدىً فإن حفظ الهدى الذي معه من باب أولى, فكلما ما اهتدى الإنسان وعمل صالحاً أبقى معلوماته في قلبه وزاده من فضله, فإذا أردت أن تبقى محفوظاتك فعليك بتقوى الله والعمل الصالح كما تفيده هذه الآيات الكريمات: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76]، وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]، ويشهد لهذا قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13]، فإن هذا النسيان يشمل نسيان الذهول ونسيان الترك, فهذه من أسباب بقاء ما حفظه الإنسان, ومن الأسباب أيضاً أن يكثر المذاكرة بينه وبين قرنائه وزملائه فيما حفظ، فالأول المذاكرة من الزملاء والقرناء وتكون في كل وقت وفي كل مناسبة, والمذاكرة كما تبقي المحفوظ فهي أيضاً تشحذ الذهن وتقويه وتنميه, كما هو معلوم بالتجارب, وأما الثاني: وهو تطبيق المعلومات عملياً, فإن هذا أيضاً مما يثبت المعلومات ويبقيها، ولهذا قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل, وقيل: قيدوا العلم بالعمل, فإن الإنسان مثلاً: إذا علم ما يشرع في الوضوء وعمل به صار هذا العمل كالمذاكرة, وصار هذا العمل تعهداً منه لهذه المعلومات الثابتة في ذهنه, وكذلك ما يكون في الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأعمال التي علمها, فإنه إذا طبق ذلك عملياً صار في هذا تصفية لمعلوماته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994897367

    عدد مرات الحفظ

    717614948