إسلام ويب

من هم الأصوليون؟للشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأنبياء عليهم السلام أرسلهم الله عز وجل إلى أقوامهم ليدعوهم إلى عبادة الله سبحانه، فمنهم من آمن، ومنهم من كذب وآذى رسل الله بكثير من الاتهامات الباطلة، والادعاءات الزائفة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العلماء والدعاة سيبتلون كما ابتلي الرسل، وهاهم في عصر الابتلاء يتهمون بالرجعية والأصولية وغير ذلك من أنواع الادعاءات والإشاعات.

    وفي هذه المادة عرض لمنهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الإشاعات بالإضافة إلى ذكر خصائص أهل السنة والجماعة.

    1.   

    منهج أهل السنة في التعامل مع الشائعات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين.

    أما بعد:

    أيها الناس! فمن صفات أهل السنة أنهم يتثبتون من الشائعات، على حد قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] فإذا تبين الخطأ وعرف مَن هو صاحبه، ومَن وراءه، فهو على أحد قسمين:

    الأول: إما رجل استتر بخطئه؛ فمنهج أهل السنة أن يردُّوا عليه بخُفية، ولا يشهِّرون به، ولا يفضحونه على رءوس الأشهاد.

    الثاني: وإن أشهر خطأه، وأعلن تمرده، كان عليهم لزاماً أن يظهروا ردهم وأن يشهِّروا على الناس جوابهم، وكان لزاماً على أهل السنة ألا يكتموا الردود، ولا يكتموا الدفاع عن منهج الله؛ لقوله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] ويقول سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] كان لزاماً على علماء الإسلام ودعاته أن يبينوا ولا يخشون في الله لومة لائم، ويقولوا كلمة الحق فصيحة هادئة ناصعة.

    المسألة الثانية: دعاة الصحوة وعلماؤها منضبطون وحكماء، ضبطوا أعصابهم حين لم يستطع الدَّعِيُّ أن يضبط أعصابه، وتحكموا في عقولهم حين لم يستطع العميل أن يتحكم في عقله، وثبتوا في أماكنهم حين لم يستطع المتلبس بالنفاق أن يتحكم في موقعه.

    1.   

    واقع الحرب المعلنة ضد الملتزمين

    المسألة الثالثة: لقد أظهر البغاة من العلمانيين اليوم حربهم سافرة على أولياء الله، وشهَروا سيوفهم وردُودهم، وردَّدوا سخرياتهم في الصحف والمجلات وفي وسائل الإعلام، وليس لنا وسيلة إلا منبر محمد عليه الصلاة والسلام، نقف أمام الرأي العام لنحاكمهم تحت مظلة قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    ولا زال أحد كتابهم المرموقين وشعرائهم اللامعين الذي اكتسب سطوعاً ولموعاً، وما كان له أن يسطع ويلمع؛ لأن من لم يتجه إلى الله فلا سطوع له، ومن لم يحكِّم (لا إله إلا الله) فلا لموع له؛ لكن أبى إلا أن يسطع ويلمع، وليته سطع ولمع على حساب دنياه، وشهرته، ولكن ما كفاه ذلك حتى أخذ الملتزمين والصالحين جسوراً إلى أهدافه، وأخذهم عوابر إلى مخططاته، هذا الكاتب طالعنا في جريدة الشرق الأوسط يوم الجمعة العدد (4371) وهو يتحدث عن التغيرات التي يطمح إليها، تغيرات كيان الدين الإسلامي، وتغيرات المبادئ الخالدة، وتغيرات المنهج الرباني الذي شرفنا الله به؛ ولكنه بذكاء عجيب يأخذ إشارات وعمومات من الإسلام لينفث سُمَّه وحقده وحسده وضغينته، يقول في هذا العدد -وهو يطالب بتغيير في بُنية المجتمع، ومسيرته والتزامه-: ولم يكن من الطبيعي ولا من المعقول أن تتم هذه التحولات الحضارية الهائلة دون أن تتبعها تغييرات مادية وفكرية واجتماعية.

    أنحن أغبياء إلى هذه الدرجة؟!

    ألا نعرف اللغة العربية؟! ولا نعرف مقاصد الكلام، وماذا يريد أن يقول؟!

    يريد هدم الإسلام لَبِنَة لَبِنَة، وتدمير صرح الفضيلة، وهذا الكاتب والشاعر المشهور قرأتُ في مجلة الدعوة قبل ثمان سنوات مقابلة له قدمت في أمريكا، ظن أنها لن تصل إلينا؛ لكن الله أوصلها إلينا، فقد سئل عن حالنا -وهو من أبناء الجزيرة -: كيف حالكم في الجزيرة؟

    قال: ما رأينا النور منذ ثلاثة آلاف سنة إلى الآن! ونقول: أما أنت صدقت فلم ترَ النور إلى الآن، ولكن نحن والله رأينا النور، وعشناه وأبصرناه ومشينا فيه، وشربنا منه.. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    أما نحن -أيها الكاتب- فقد أتى محمد عليه الصلاة والسلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور.. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257]

    أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا     إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

    قد سرينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا     ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    عرضت مقولته على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز فقال: إن اعتقد ما يقول فقد ارتد عن الإسلام، وعليه أن يجدد إسلامه ويدخل في الدين من جديد.

    يقول في ذلك العدد: والحوار الذي يدور حول القضايا المفتوحة يجب أن يتم في جو هادئ بعيداً عن التشنج -اسمع الحكمة، واسمع العلم والمنطق- بعيداً عن التشنج والانفعال، بعيداً عن استعداء السلطة على الرأي الآخر، وبعيداً عن الاتهامات التي تلقى في أماكن الصلاة وبلا مبالاة.

    ما هو الحوار المقصود؟ حوارٌ بأن يجعل الشريعة مستعدة لأن نتفاوض عليها، وأن يؤخذ منها ما يُراد، ويترك منها ما يُراد: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] ثم يكون هو حكيماً ويكون هو أستاذاً ومنظراً وعالماً، ومن أين له العلم؟! وعجبتُ له كل العجب! ورأيتُ له مقالة سيئة وقد كتبت رداً عليها، ولكن لم ينشر.

    وأتاني والله عشرات من الشباب مجروحةً مشاعرهم، باكيةً عيونهم، متأثرةً أرواحهم؛ لأنه يلدغهم من حيث لا يشعرون، ثم يأتي بخنجره ويجزرهم علانية أمام العالم بحجة الحكمة والحوار والهدوء.

    ولو كان خصمي ظاهراً لاتقيته     ولكنه يا قوم يبري ويلسعُ

    هو لم يشهِّر، ولكنه لدغ ولسع، يأتيك يمدح العقيدة ثم يبث السم، يأتيك بالرسالة في الإسلام ثم يكبت الإسلام، يأتيك بالاستفاضة في المناهج الربانية ثم يدوس المناهج الربانية.

    أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بـ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:7-8] أن تحكم عقلك إن كان لا دين لك، من الذين يسحتقون هذه الردود وسط العاصفة! هو يكتب في عين العاصفة، وهو الذي يثير علينا العاصفة، أعدوٌّ من الخارج وعدوٌّ من الداخل؟! أيلدغنا في وقت حرِج مقابل الدبابات المعتدية الغاشمة الجاثية على حدودنا، ونقابل جيوشاً جرارة تريد مقدساتنا، فيتركنا في الوقت الحرج، فيغير علينا؟!

    وأسالك -يا أيها الكاتب- بالذي جعل لك عينين، ولساناً وشفتين، وهداك النجدين، أن تقف وتفكر؛ من الذين أسسوا العدل في العالم؟! من الذين خاطبوا العدل في النور، وأوصلوا الفتوح إلى الدور، وعمروا القصور بعدل في القصور؟! من الذين طهروا الشعوب؟! من الذين قضوا على الفجور والخمور والعُهر، إلا أبناء (لا إله إلا الله).

    دعوى الأصولية والرد عليها

    ويستمر الكاتب ولا ينتهي ويقول في العدد [4373] في جريدة الشرق الأوسط يوم الأحد مقالاً بعنوان: أيها الأصوليون الصداميون!

    اسمعوا وعوا، مَن هُم الأصوليون؟ أتدرون مَن الأصوليون؟ الأصوليون في دوائر المخابرات الغربية هم أبناء الجزيرة العربية، هم أبناء (لا إله إلا الله) هم أنتم أيها الساجدون المصلون المتوضئون الطاهرون! هم أنتم يا حَمَلة (لا إله إلا الله) يامن عبدت أكتافهم للسيوف عبر التاريخ!

    وكأن ظل السيف ظل حديقة     خضراء تنبت حولنا الأزهارا

    لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو     نصب المنايا حولنا أسوارا

    فيقول: الأصوليون، وكلمة (الأصوليين) سرت على كل من انتهج نهج الاستقامة والالتزام من شباب الصحوة في العالم الإسلامي، وأكثر من يحارب الأصوليين إسرائيل عليها غضب الله، وكذلك الغرب عليهم لعنة الله؛ لأن كلمة (الأصوليين) مشتقة من الأصل، والأصل هو الكتاب والسنة، وسُموا بذلك لأنهم ركَّبوا منهجهم على الكتاب والسنة، وأصلوه من (قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام) ويقف الأصوليون على حدود الجزيرة أمام دبابات صدام وطائراته وجيوشه، ويأتي هذا من الداخل فيلدغهم بحجة أنهم مع صدام، ونحن -والله- قبل الحادثة وبعد الحادثة نعرف من هو هذا الرجل صدام، عقيدته، ومنهجه، وولاؤه، وسيرته، وسلوكه، وما أحببناه يوماً وما واليناه يوماً، وإنما أعلنَّا حربه وعداءه.

    يقول: أيها الأصوليون! من أتباع عبد الله المؤمن مؤخراً -أي: صدام حسين، هل تعرفون الهدف الذي يسعى قائدكم إلى تحقيقه؟!

    قائدنا محمد عليه الصلاة والسلام وليس صدام حسين، ونبرأ إلى الله منه.. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فمَن هُم الأصوليون؟

    أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بالله أن تراجع حسابك، وأن تتأمل، وتتفكر في من هم الأصوليون؟ إنهم الذين حفظوا مبادئهم، يوم ضيعها غيرهم في شوارع الغرب، إنهم الذين لبسوا زِيَّهم الإسلامي يوم ارتدى غيرهم الزي الكافر، إنهم الذين توضئوا بالماء النمير، يوم توضأ غيرهم بماء الخمر في ليالي العُهر وفي آخر الليل، إنهم الذين بكوا من آيات الله البينات، يوم دندن غيرهم على الأغاني الماجنات.

    الأصوليون هم الذين يحمون المقدسات، ولا يسمحون لأي مستعمر أو غازٍ بأن يصل إلى المقدسات إلا على جماجمهم، والأصوليون يقدمون جماجمهم تسحقها الدبابات؛ لتبقى (لا إله إلا الله) ويقدمون أعناقهم تقطعها المجنزرات؛ لترتفع (لا إله إلا الله).

    إذا محاسني اللآتي أدل بها     كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر

    كيف نعتذر أمام رأي العالَم، يا أيها الكاتب! أما تعرف أن العالم الإسلامي به مئات الألوف من الأصوليين! بل ملايين من شباب الصحوة، كلهم يود أن يقدم روحه فداءً لـ(لا إله إلا الله) من مقدسات في الجزيرة العربية، ثم تأتي بشخطة قلم تلغي جهودهم وسطوعهم ولموعهم، وتحاربهم من الخلف في وقت شُغل فيه وُلاة الأمر والناس وشباب الصحوة بالعدو الخارجي، هذه والله لا يُقرها عقلٌ ولا نقل!

    فمَن هُم؟! مَن هُم الذين يتبعون صداماً؟! إنهم الذين يؤمنون بأفكار صدام العلمانية الكافرة، إنهم الذين لا يحترمون (لا إله إلا الله) يقول سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ [النساء:60] يزعمون ولا يعتقدون: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء:60] يتبجحون بالإسلام في المجالس والإسلام بعيد عنهم، ويتظاهرون بحب الإسلام وهم يذبحون الإسلام صباح مساء.. يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النساء:60]

    خطر العلمانيين على الإسلام والمسلمين

    ولَطالَما سمعنا هذا الكاتب وقرأنا له، وعندي له قصاصات وملفات ووثائق عن ماذا يريد، وكيف ينفث، وإلى أي حد سوف يصل إذا ترك له الميدان، إنه خطير على الإسلام والمسلمين، وخطير على القبلة.. يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60] لأن الشيطان يتولاه صباح مساء.

    يقول العلمانيون القدامى:

    وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى     بي الحال حتى صار إبليس من جندي

    يقول: كنتُ جندياُ مع الشيطان فتطورت في المراتب حتى صرت أدير الشيطان وأذناب الشيطان.. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ [النساء:61] تعالوا إلى القبلة، تعالوا إلى القرآن، تعالوا إلى (صحيحي البخاري ومسلم) تعالوا إلى المبادئ.. رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً [النساء:61] عجيب! أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ [النور:50] أي: ليس هناك إلا احتمالات ثلاثة:

    الأول: إما مرض خطير اكتسبوه من تراثهم الذي تعلموه، ومن مائهم الذي شربوه، ومن جلبابهم الذي لبسوه، حقدٌ على الإسلام، وعداء لأولياء الله.

    الثاني: أَمِ ارْتَابُوا [النور:50] أي: أم شكوا في مصداقية الرسالة، ومصداقية الرسول عليه الصلاة والسلام.

    الثالث: أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ [النور:50] أي: ويمكن أن يظنوا أن الله لا يريد بهم خيراً يوم أنزل لهم شريعة، ولا يريد بهم نصراً يوم أعطاهم هذه المبادئ، ولا يريد بهم فلاحاً ولا تطوراً يوم سنَّ لهم دستوراً، ويرون أن الدستور الإسلامي رمز التخلف والرجعية، والواجب الانقضاض عليه؛ لكن بذكاء كالذئب:

    ينام بإحدى مقلتيه ويتقي     بأخرى المنايا فهو يقظان نائم

    قال الله: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [النساء:62] كيف إذا أُخِذت رءوسهم بسيف ولي الأمر الذي يحمي رسالة التوحيد، فصلبهم بعد صلاة الجمعة وقطَّف رءوسهم؟!

    هذه مصيبة، لماذا؟ لأنهم يفسدون في الأرض، ويسعون فيها خراباً، ويدمرون معالمها، ومن أعظم ما ينتظرون: سيف العدل المشهور الذي أخذ رءوس قُطاع الطرق والمدبرين للفتن، والمروِّجين للجرائم، وهم أعظم من يروج الجرائم ويدبر الفتن، فجدير بالسيف أن يحصد رءوسهم.

    قـال الله سبحانـه: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء:62] أي: كيف إذا ابتُلوا بمصيبة؟! وكيف إذا أظهر الله عليهم الصف الإسلامي ثم جاءوا وقالوا: لا. إنما أردنا بالكلام والقصائد والمنشورات إحساناً وتوفيقاً بين الأمزجة وبين الردود، والله ما أردنا إساءة؛ ولكن أردنا أن نتحدث للرأي العام وأن نوافق بين المشارب والشرائح الاجتماعية!

    أبين الإسلام والكفر إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن (لا إله إلا الله) و(لا إله والحياة مادة) إحساناً وتوفيقاً؟!

    أبَيْن المسجد والخمَّارة إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن محمد صلى الله عليه وسلم وماركس إحساناً وتوفيقاً؟!

    أبَيْن أبي بكر رضي الله عنه وهتلر إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن عمر رضي الله عنه وصدام إحساناً وتوفيقاً؟!

    أتضحكون على لحى المسلمين؟! أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً [النساء:63] أي: حاول أن تردعهم قبل أن يُلقوا بالأمة في هُوَّة، وأن يصدموا الأمة على دمائها، وأن يضربوها على أكتافها ضربة مهلكة.

    يقول سيد قطب في الظلال وهو يعلق على أولئك: إنها حالٌ مخزية حين يعودون شاعرين بما فعلوا، غير قادرين على مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم بحقيقة دوافعهم، في الوقت ذاته يحلفون كاذبين أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت إلا رغبة في الإحسان والتوفيق، كيف؟! وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته.

    ثم يقول: إنهم يريدون اتقاء الإشكالات، والردود الاجتماعية، وكلام العلماء وفتاوي الدعاة، فيتفكرون في الثياب وهم ذئاب، ويتخذون العكاز وهم رأس المصائب.

    إن الإشكالات والمتاعب والمصاعب تنشأ من الاحتكام إلى غير شريعة الله.

    ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة، والاتجاهات والعقائد المختلفة، ما عندهم تميز وليس لهم باع في الشريعة، ولا يعرفون شيئاً، عندهم ذكاء وعندهم بيان لكن هذا لا يكفي وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].

    في هذا الوقت الحرج؟!

    أنحن أعداؤك؟! أنحن الآن الذين نقف ضدك؟! أما تكلمت؟! أما نظمت الأشعار؟! أما صبرنا؟! أما سكتنا؟! أما رأينا أشعارك تنفث سماً وفجوراً وعداءً للإسلام؟! وقلنا منطق الحكمة أن يُناصَح؛ ولكن:

    أخي جاوز الظالمون المدى     فحق الجهاد وحق الفدا

    أنتركهم يغصبون الجزيرة      أرض الأبوة والسؤددا؟!

    فشَهِّر حسامك من غمده     فليس له اليوم أن يُغمدا

    نفخت شموسنا غضباً علينا     وقد نسجت ثيابَكمُ يدينا

    وسيفك في بني الإسلام ماضٍ     وجذعك بيننا أضحى متينا

    تُغَنِّينا وتسخر إن عثرنا     كأنك ما دريت ولادرينا!

    كأننا لا نعرف المخططات! ولا نعرف الكلمات! وإننا مستعدون بلسان طلبة العلم والعلماء الحكماء الذين يعرفون التصرف وضبط النفس أن نحاورك الحوار علنياً أمام الرأي العام؛ ليثبت الصادق من الكاذب، والجاد من الهازل، والراشد من الضال.

    تُغَنِّينا وتسخر إن عثرنا     كأنك ما دريت ولادرينا!

    تُسر إذا أصبنا بالرزايا     مخادعة وتضحك إن بكينا

    توكلنا على الرحمن إنا     رأينا النصر للمتوكلينا

    وهل يُخذل جند الله؟! وهل يُضرب حزبُه؟! وهل يتقهقر أولياؤه؟! وهل يتعثر أنصارُه؟! بل هم الطليعة دائماً، والكوكبة النيرة؛ لأنهم يحملون فكراً سديداً سليماً.

    نداءات إلى أهل العلمنة

    إنا نطالب هذا الكاتب ورموز العلمنة جميعاً أن يتوبوا إلى الله، وأن يقدروا وُلاة الأمر، وأن يعرفوا أن من حق والي الأمر ألا يُخالَف فيما يُطاع الله فيه ورسوله، وألا يُعتدى على قداسة الدين، وحرمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ولا يُسخر بأولياء الله، ولا يُستهزأ بالقيم قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] ولعلنا نسمع منتقداً يقول: هذا ليس من الحكمة! فما هي الحكمة بالله؟! وكيف نفسرها؟! وأروني الحكمة، وأخرجوا لي الحكمة، إذا كان هذا يتكلم أمام الملايين ويهاجم الإسلام بطريقة علنية، ثم يُقال: اسكت، لا تتكلم، إن الحكمة تقتضي أن تسكت! هذا ليس بصحيح، وما علَّمنا علماؤنا ومن قبلهم ولا الكتاب والسنة ولا أسلافُنا ولا الصحابة ولا التابعون إلا منهج الحق، أن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم.

    أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا وبلادنا ومقدساتنا، إنه نعم الحافظ وهو المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    خصائص أهل السنة

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أيها الناس: نحن أهل (لا إله إلا الله) لنا مصادر عدة، لنا انتماءات خالدة، لنا خصائص ربانية لا يشاركنا فيها أحد، هذه نقف بها أمام أهل العلمنة، ونحن فخورون جداً أن نكون من أولياء الله إن شاء الله، وواثقين من مبادئنا.

    فمن خصائصنا:

    أولاً: أننا أمة وحي

    دستورنا وعقيدتنا وشريعتنا وسلوكنا وأخلاقنا من الوحي وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4] غيرنا وأعداؤنا يأخذون قوانينهم من التراب والطين ومن جزمات مستعمريهم، ونحن نأخذ عقيدتنا وشريعتنا من رب العالمين وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] أعلون عقيدة، ومنهجاً، وعبادة، وأخلاقاً، وسياسة، واقتصاداً، وإعلاماً، ما دمنا نتحاكم لشرع الله، فنحن أمة وحي.

    ثانياً: أن ولينا الله

    الله مولانا ولا مولى لهم ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] فمن مثلنا -المسلمين- من الناس، تولينا الله والله تولانا، وأحببنا الله والله أحبنا إن شاء الله، فنحن إذا ضاقت بنا السبل مددنا أكفنا بين يدي علام الغيوب، فاتصلنا به مباشرة وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] إذاً هذه الأمة ربانية، أمة خرجت من الصحراء؛ لكنها اتصلت برب الأرض والسماء، فأجلسها على الجوزاء.

    ثالثاً: أن قدوتنا محمد عليه الصلاة والسلام

    هل سمعت بقوم مثلنا قدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا     كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا

    فإما حياة نظم الوحي سيرها     وإلا فموت لا يسر الأعاديا

    رضينا بك اللهم رباً وخالقاً     وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا

    هل سمعت بقوم قدوتهم محمد عليه الصلاة والسلام يضلون، أو يُخذَلون، أو يتراجعون؟! لا.

    رابعاً: أننا أمة وسطية

    ولسنا متطرفين، فنحن لا نغلو ولا نجفو، بل نعرف كيف نتعامل مع الشريعة، ونعي صروحها، ونؤسسها في الناس، لا نغلو فنصبح مثل الذين غلوا في فعلهم فغضب الله عليهم، ولا نجفو فنصبح مثل الذين تمردوا على معالم الدين. بل ننطلق من منطلقات الإسلام الصحيح، ومن شاء فليحاور شباب الصحوة وعلماءها ودعاتها.

    خامساً: أننا أمة معطاءة

    رجاء شقيق عارض رمحه     إن بني عمك فيهم رماحُ

    معطاءة دائماً، يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {أمتي كالسيل، لا يُدرَى الخير في أوله أو في آخره} لم تعقم أرحام نسائنا، ولم تقف الأمهات عن إنجاب العظماء، فلا زال يلد فينا الزعماء الأبرار، والعلماء الأخيار، والأدباء، والشهداء، والصديقون، والدعاة، والصالحون، فنحن دائماً سوف نقدم:

    ثمنُ المجد دمٌ جُدنا به     فاسألوا كيف دفعنا الثمنا

    سادساً: أننا أمة الخلافة

    الله جعل هذه الأمة خليفة في الأرض، تتولى الخلافة، وتقود العالم، وتوجه البشرية من وسط الدنيا، من أم القرى مكة من الجزيرة، ومن حولها من العالم الإسلامي، فالخلافة لهذه الأمة التي تحمل (لا إله إلا الله).

    سابعاً: هذه الأمة وارثة

    وما معنى وارثة؟ أي: أنها سوف ترث العالم إن شاء الله، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنها سوف تتبوأ منزلتها، وتحكم بعقيدتها وشريعتها، ويُطوِّق الأرض عقلُها، ويحكم الكون برها وسلامها وخيرها وفضلها، فأبشروا! الغد لكم، والفجر لكم، والمنتظر لكم.

    يا أمة المجد قومي مزقي الحُجُبا     وأعلني في ليالي دهرك الشهبا

    أتذكرين صلاح الدين سفسطة     من غير بذل صلاح الدين قد ذهبا

    قبر العظيم إذا ما زاره ذنبٌ     رغا وأزبد لا حييت يا ذنَبا

    لو أخبروا عمر الفاروق نسبتهم     وأسمعوه الرزايا أنكر النسبا

    أبواب أجدادنا منحوتة ذهباً     وذي هياكلنا قد أصبحت خشبا

    من زمزم قد سقينا الناس قاطبة     وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا

    لكن أبشر هذا الكون أجمعه     أنَّا صحونا وسرنا للعلا عجبا

    بفتية طهر القرآن أنفسهم     كالأُسْد تزأر في غاباتها غضبا

    عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا     بتوبة لا ترى في صفهم جُنُبا

    عباد الله: صلوا على معلمنا صلى الله عليه وسلم، وأكثروا عليه من الصلاة والسلام في هذا اليوم، فإن صلاتكم معروضة عليه، فصلى الله عليه وسلَّم تسليماً أبداً ما دامت الليل والنهار جزاء ما قدم وما أنتج وأعطى للأمة، وارضَ اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.