إسلام ويب

خصائص أهل السنة والجماعةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تعطلت المفاهيم والمناهج وأسدل أهل البدع ستار البدع والزيغ والفساد على هذه الأمة، فوجب على أئمة الإسلام أن يبينوا المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة، وخصائص مذهبهم.

    وفي هذه المادة بيان لخصائص منهج أهل السنة والجماعة.

    1.   

    أسباب الحديث عن خصائص أهل السنة والجماعة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

    عنوان هذا الدرس: خصائص أهل السنة والجماعة.

    من هم أهل السنة والجماعة؟

    إنهم أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وتلاميذه وطُلابه.

    إنهم هداة الحق، الساعون وراء الحقيقة.

    إنهم الباحثون وراء النور الذي بعث به رسول الهدى عليه الصلاة والسلام.

    أهل السنة والجماعة: هم الذين على ما كان عليه رسول الهدى عليه الصلاة والسلام وأصحابه.

    أهل السنة والجماعة: هم الذين تعبدوا الله بالكتاب والسنة، فإمامهم: محمد عليه الصلاة والسلام، ودستورهم: الكتاب والسنة، وبيوتهم: المساجد، وقدوتهم: السلف الصالح، وسفينتهم: سنته عليه الصلاة والسلام، وعصاهم: التوكل، وأكلهم: الزهد، وديدنهم: حسبنا الله ونعم الوكيل: (دعها فإن معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى يلقاها ربها).

    قيل في أهل السنة: هم القرون المفضلة. وقيل: هم أهل الحديث والأثر. وقيل: هم أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام.

    والصحيح أنهم أصحابه عليه الصلاة والسلام، ومن سار على منهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

    أيها الإخوة الكرام! أيها الأجلة الصفوة! سبب اختياري لهذا الدرس وعنوانه، ثلاثة أسباب:

    معرفة عقيدة أهل السنة والجماعة

    السبب الأول: حتى نكون على بصيرة بمذهب وخصائص أهل السنة والجماعة؛ لأنها الفرقة الناجية، فأمته عليه الصلاة والسلام ثلاث وسبعون فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهم: أهل السنة والجماعة، فلزم عليكم أن تدرسوها دراسة علمية أكيدة متبصرة متعمقة، حتى يسأل الإنسان نفسه: هل هو من أهل السنة والجماعة حقاً؟

    فكان لزاماً على طلبة العلم والدعاة أن يبينوا مذهب أهل السنة والجماعة وخصائصهم للناس؛ حتى يعلم الإنسان ويسأل نفسه إذا سمع هذا المنهج الرباني: هل أنا من أهل السنة والجماعة أم لا؟

    اتهام المنافقين للدعاة بالتطرف

    السبب الثاني: أني سمعت بعض المنافقين يتهمون الدعاة وطلبة العلم بالتطرف، وهؤلاء الذين يطلقون التطرف ويصفون الدعاة وطلبة العلم وشباب الصحوة المباركة بالتطرف؛ لا يعرفون من دين الله شيئاً، وهم كما قال الأول:

    إن كنت أدري فعلي بدنة     من كثرة التخليط اسمي من أنا

    فأحدهم لا يعرف نواقض الوضوء، ولو سألته عن شروط الصلاة لا يعرفها، ولو تناقشت معه في أبسط حقائق الدين لا يجيدها، ربما يعرف في العلم المادي البحت -علم ظاهر الحياة الدنيا- لكنه في علم الدين لا يعرف منه شيئاً.

    فيأتي إلى الدعاة فيصفهم بالتطرف والتزمت والرجعية، وأنهم يريدون السوء للناس، فأردت أن أصف لكم منهج الدعاة الذي يدعون إليه ويعلمونه الناس من على المنبر، وفي الحلقة، وفي المجمع العام، وفي الدرس، وفي الكتب والأشرطة، ثم أقول لهؤلاء: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61]. أهم أتباع محمد عليه الصلاة والسلام أهل التطرف؟! أهم الذين يخشى من جانبهم؟! أهم الذين يُوردون إيرادات لا تصح في العقل ولا في النقل؟!

    كثرة الدعاوى

    السبب الثالث: أننا في فترة كثر فيها الخلط والمرج، وكثرت فيها الدعاوي.

    وكل يدَّعي وصلاً بليلى     وليلى لا تقر لهم بذاكا

    وكل يرى أنه من أهل السنة، وأنه المؤيد بنور من الله، وأن غيره مخطئ.

    فـالرافضة يرون أنهم على الصواب، والخوارج يرون أنهم هم المصيبون، وكذلك المرجئة والقدرية، ولكن هذه دعاوى:

    والدعاوى ما لم يقيموا عليها     بينات أصحابها أدعياء

    وهذا موثق من الله، أسائل به كل طالب علم، وكل أستاذ في مدرسة، وكل خطيب في مسجد، وكل شيخ في قبيلة، وكل رجل صالح؛ أن يسمع هذا المنهج، ثم أشهد الله وأشهد ملائكته وحملة عرشه، ثم أشهدكم أنّا ندين الله بمذهب أهل السنة والجماعة لا نخرج عنه قيد أنملة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأن من خرج من الدعاة فإنما هو متأول يُؤجر على اجتهاده، أو مخطئ يعود إلى رشده إذا بصر بالحق.

    1.   

    خصائص الفرقة الناجية

    وخصائص الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة هي:

    تقديم النقل على العقل

    أولاً: من خصائصهم: أنهم يبدءون بالشرع ثم يخضعون العقل له، عملاً بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1] فلا يقدمون العقل، وإنما يقدمون النقل، فيقفون أمام قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، خجلين راهبين خاشعين ولو قطعت أعناقهم، فهم أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، يقفون أمام الكتاب والسنة، ولا ينظرون لقول أحد من الناس كائناً من كان، ومحمد صلى الله عليه وسلم يحتج بقوله ولا يحتج لقوله، وغيره عليه الصلاة والسلام يحتج لقوله ولا يحتج بقوله.

    فيرون أنه لو أتت المسألة فيها: قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام انتهى الأمر... وليس لهم خيرة، ولا منأى، وليس لهم عذر أن يتركوا: قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام لقول أحد من الناس.

    كان عمر وهو من سادات أهل السنة والجماعة يقف أمام الآية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: [[كان عمر رضي الله عنه وأرضاه وقافاً عند كتاب الله، إذا تليت عليه الآية لا يتجاوزها، كان جُلَّاسه أهل القرآن كباراً أو صغاراً]] فهؤلاء جلساء عمر:

    أعف سهر العيون فكل نوم     لغيرك أيها المولى حرام

    وأسمعني حديث الوصل سبعاً     رضيت لك السرى والناس ناموا

    طرق عيينة بن حصن على عمر الباب، وعيينة شيخ القبيلة، لكنه يجهل الدين، وعمر متنور بنور الله، فقلب عمر وكلامه نور وتتلمذ في مدرسة النور:

    ولو أنه حسن فريد عذرته     ولكنه نور وثانٍ وثالث

    طرق الباب عيينة بن حصن -وهو أعرابي لا يفهم الدين- قال عمر: من؟ قال: ائذن لي وافتح الباب! أنا الكريم ابن الكريم ابن الكريم، قال عمر: كذبت، أنت الخسيس ابن الخسيس ابن الخسيس، الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وفتح له الباب، وقال: هيه يا عمر! لا تحكم فينا بالعدل، ولا تعطينا الجزل، فأخذ عمر الدرة؛ ليخرج الشياطين من رأسه، فقال الحر بن قيس وهو غلام قريب لـعيينة من أبنائه: يا أمير المؤمنين! لا تعجل، فالله يقول: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] وإن هذا من الجاهلين.

    فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله.

    كان عمر يُخضع رقبته للحق، خرج يصلي بالناس الجمعة في ثوب واحد -لا يملك من الدنيا إلا ثوباً- ومعه عصا يريد أن يرتقي المنبر؛ ليعلم الأمة الخالدة المفاهيم الخالدة والمبادئ الأصيلة، وفي الطريق سال ميزاب بدم دجاج على ثيابه قبل الخطبة بدقائق، فغضب -وكان رجلاً طوالاً لا يقوم له خصم- فاقتلع الميزاب وأنزله في الأرض، وعاد إلى البيت وغيَّر ثيابه، وصعد المنبر، وخطب الناس، فلما خرج الناس وإذا الميزاب المقلوع ميزاب العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال العباس: [[من قلع الميزاب؟ قال عمر: أنا. قال: ولم؟ قال: تذبح الدجاج وتسيل دمه على الناس، وهذا تأكيد من عمر لأنه الحاكم، قال العباس: والله الذي لا إله إلا هو! ما ركب ذاك الميزاب في هذا المكان بيده إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فدمعت عينا عمر، وقال: أسألك بالله أهو رسول الله الذي بناه بيده؟ قال: إي والذي نفسي بيده! قال: والذي نفسي بيده! لأبركن لك في الأرض، ولتصعدن من على كتفي بأقدامك، ولتعيدن الميزاب مكانه]].

    لله درك! ولله ما أقواك! وما أحسنك! هذا هو الوقوف عند قال الله وقال الرسول عليه الصلاة والسلام، الاحترام المطلق، لا كوقوف العبيد عند السادة، أوامر البشر يوقف لها وتؤخذ بعين الاعتبار والتسليم والاحترام، أما قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام فأصبحت عند كثيرٍ من الناس من المهانة بدرجة حتى إنه لا يعبأ بها.

    قال عليه الصلاة والسلام للناس وهو على المنبر: {يا أيها الناس! اجلسوا} وكان ابن رواحة -الذي باع روحه من الله- على الرصيف خارج المسجد، فسمع كلمة: اجلسوا! فجلس في الشمس على الرصيف، قال الناس: مالك يـ ابن رواحة؟ قال: إني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: اجلسوا! فجلست -انتهى الأمر- فهم يدينون -أولاً- بالنقل، ويحترمون قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، ويخشون من هذه الكلمات العجيبة.

    وسأل سائل الإمام أحمد وهو في مرض موته عن حديثٍ فقال: أجلسوني! فلا ينبغي أن أُسأل عن حديث وأنا مضطجع.

    وكان الإمام مالك يمشي في الطريق، فسألوه عن حديث، فقال: لا أجيب حتى نجلس. فجلس؛ احتراماً للحديث.

    أن العصمة ثابته للنبي صلى الله عليه وسلم وليست لأحد من أمته

    الخصيصة الثانية: أنهم ليس لهم إمام مُعظَّم يأخذون كلامه كله ويدعون ما خالفه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كل إمام دونه عليه الصلاة والسلام يؤخذ من كلامه ويرد، وكل إمام دونه يُعرض كلامه على كلام محمد عليه الصلاة والسلام، فكلامه صلى الله عليه وسلم ميزان، وبضاعته كلها تعرف فتشترى، وبزه معروف طاهر طيب، أما البزوز غير بزه ففيها نظر، وكل بضاعة تخرج وليس خاتمه -مكتوب على البضاعة محمد صلى الله عليه وسلم- فاعرف أنها بضاعة مزجاة ينبغي أن تُرد على صاحبها.

    يقول الإمام مالك: [[ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر]].

    وقال الشافعي حديثاً فقالوا له: أتأخذ بالحديث؟! قال: سبحان الله! أرأيتني يهودياً أو نصرانياً؟! أيُّ سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا رددت كلامه عليه الصلاة والسلام.

    وقال أبو حنيفة: "إذا عارض قولي قول الرسول صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط".

    وقال سفيان الثوري: "ما أتاك عن محمد صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس، وما أتاك من أهل بدر فعلى العين والرأس، وما أتاك عن بقية الصحابة فعلى العين والرأس، وما أتاك عن غيرهم يُخالف قولهم فارمِ به في الحش". والحش عندهم: دورة المياه.

    وقال الأوزاعي: "لا تلتفت لقول قائل كائناً من كان إلا قول الرسول عليه الصلاة والسلام".

    من زار بابك لم تبرح جوانحه     تروي أحاديث ما أوليت من منن

    فالعين عن قرة والكف عن صلة      والقلب عن جابر والسمع عن حسن

    وقال الشافعي: "إذا تبين لي الحديث، ووصلني وعلمت صحته، وأخذت بقول غير الحديث؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب". أي: رفع القلم.

    قال شيخ الإسلام -أيد الله مسيرته ومنهجه، ونوَّر الله ضريحه، وقدس روحه-: "إن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره عليه الصلاة والسلام، بل كل أحد من الناس يُؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أهل السنة وسط بين فرق الأمة

    ومن خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم وسط بين فرق الأمة.

    فإن الله جعلهم في أفكارهم ومعتقداتهم وعباداتهم وأخلاقهم وسلوكهم وسطاً، والله جعل الأمة الإسلامية وسطاً، قيل: خيار، وقيل: وسط بين المتطرفين، فلا تطرف، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].

    وأنا أنقل بعض النقولات؛ علَّ من عنده رغبة في مراجعة الأدلة والنقولات أن يعود إليها في مظانها، وغالباً ما أنقل من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، أو إعلام الموقعين، أو بعض الكتب التي أشير إليها.

    قال شيخ الإسلام: وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق، فهم في باب أسماء الله تعالى وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يُلحدون في أسماء الله، فإنهم نفوا أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى، وبين المشبهة الممثلة الذين مثلوا الله سبحانه وتعالى بخلقه، فهؤلاء جعلوا الله عدماً، وهؤلاء جعلوا الله كالمخلوقات.

    فـأهل السنة توسطوا، فأقروا في الأسماء والصفات ما ورد في الكتاب والسنة، وأمروها على ظاهرها بلا تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل مع الإيمان بمعناها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    وتوسط أهل السنة بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة، فـالخوارج أخرجوا أهل الكبائر من الإيمان، فعندهم شارب الخمر كافر في النار، والزاني كافر، والمعتزلة أنزلوهم في منزلة بين المنزلتين -لا كافر ولا مؤمن- وخلدوهم في النار.

    وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فقالوا: لا يزال صاحب الكبيرة ما لم يستحلها في دائرة الإيمان، فاسق بكبيرته تحت رحمة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، لكنه لا يزال مؤمناً ويستدلون على ذلك بأدلة:

    منها: أن الله عز وجل قال في المتقاتلين وهم من المؤمنين: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9] ثم قال سبحانه وتعالى بعدها: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] فلم يسلب عنهم الإيمان.

    وأنا أسمع أن بعض الناس يقول: الدعاة يُكفِّرون الناس، ووالله! ما سمعت طالب علم يُوثق بعلمه وبنقله وبعقله كفر أحداً.

    نعم! ينهى عن المعاصي والفجور، وعن التهكم بالدين، لكن أما أنه يكفر الناس بالذنوب فلا! وليس هذا منهجاً يُرتضى؛ لأن الدعاة -الآن- وطلبة العلم والعلماء هم الذين يُعلِّمون أبناء المسلمين في الجامعات والمدارس والمحاضرات والندوات، فكيف يقولون هذا القول المبتدع الذي لا يرضاه مسلم؟!

    وأهل السنة -أيضاً- وسط بين القدرية والجبرية.

    فـالقدرية قالوا: لم يقدر الله أي شيء، والله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، فمجيئك إلى المسجد عند القدرية لا يعلمه الله حتى تأتي -تعالى الله عن ذلك- فيقولون: ما سبق علمه ولا سبق تقديره.

    والجبرية يقولون: العبد مجبور على فعل المعصية، ففرعون مجبور عندهم ومعذور على الكفر، وكذلك إبليس معذور عندهم.

    وتوسط أهل السنة فقالوا: لا. للعبد مشيئة، ولله مشيئة، قال الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]. وللعبد اختيار لكنه تحت اختيار الله، والعبد واختياره مخلوقان خلقهما الواحد الأحد، فهذا هو الاختيار السليم السديد وهو الوسط.

    وأهل السنة وسط -أيضاً- بين الرافضة والناصبة، فـالرافضة هم الذين رفضوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولعنوهم وتبرءوا منهم، وكفَّر بعضهم الشيخين، ورموا عائشة بالفاحشة، وقابلهم الناصبة.

    ثم إن الرافضة ألهوا أهل البيت، حتى إن بعض الفرق ادَّعت أن علياً إلهاً، أو نبياً، أو خيراً من الأنبياء، وادّعوا أن الأئمة معصومون أو أفضل من الأنبياء.

    وقابلهم الناصبة فسبوا أهل البيت، ولعنوا علياً من على المنابر، وتبرءوا منه، وقالوا: بكفره، واستحلوا دمه.

    وتوسط أهل السنة فأقروا لأهل البيت بالحب والولاء، وعرفوا منزلتهم واحترموهم، وقدَّروا الصحابة، وتوسطوا؛ قال الله: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].

    عصمة الله لهم عن تكفير بعضهم البعض

    ومن خصائص أهل السنة: عصمة الله عز وجل لهم عن تكفير بعضهم بعضاً.

    قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق ص(361) قال: "أهل السنة لا يكفر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير، فهم أهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، ولا يوجد فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير لبعضهم البعض، وتبرؤ بعضهم من بعض، كـالخوارج والرافضة والقدرية، قال: حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد، فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضاً، وكانوا بمنزلة اليهود والنصارى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113].

    فـأهل السنة يختلفون في مسائل؛ ولكن يبقى الود بينهم والحوار والمناقشة والجدال بالتي هي أحسن، ولا يغضب بعضهم على بعض، وهذا في اختلاف التنوع الذي لا يوجب التكفير.

    وهم -أيضاً- لا يُسارعون في التكفير -كما ذكرت- فالتكفير أمره خطير، وأحذِّركم من تكفير المسلمين والمتأولين إلا من ظهر كفره، وبان عناده وإلحاده، فإن التكفير أضيق من ثقب الإبرة، ولا يقدم عليه إلا متهور، أعاذنا الله وإياكم أن نحكم على أحد من أهل القبلة بالخلود في النار.

    سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ومن خصائص أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كان بعض بني أمية ينصب العداء لـعلي رضي الله عنه ولبعض الصحابة، وكان منهم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قبل أن يبين له الصواب، حينما كان تلميذاً عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة، فسمع عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر ينال من علي، فأجلسه أمامه، وقال: يا عمر! متى علمت أن الله غضب على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟

    قال: ما علمت -و علي من أهل بدر.

    قال: متى علمت أن الله غضب على أهل بيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟

    قال: ما علمت -و علي من أهل بيعة الرضوان.

    قال: فلماذا تسب علياً؟

    قال: أتوب إلى الله، والله! لا أسبَّنه ولأحبَّنه، أي: لأحبنه من الآن.

    فـأهل السنة قلوبهم سليمة للصحابة، وأما أهل البدع؛ فإنهم يتناولون أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تناولاً ويقعون في أعراضهم، بل إن بعضهم يكفرهم ويستهزئ بهم، عليهم غضب الله.

    قرأت عن بعض فرق المبتدعة في خراسان أن مبتدعاً خبيثاً منهم كان له فرسان، سمى أحد الفرسين: أبا بكر، وسمى الثاني: عمر، فأخبروا أحد العلماء، فقال: انتظروا سوف يقتله الفرس الذي اسمه عمر، لا يقتله إلا عمر؛ لأن عمر قوي، قالوا: فأتى يوماً من الأيام في الصباح يريد أن يضع العلف للفرسين؛ فرفسه الفرس الذي سماه عمر فقتله، وهذا أمر موجود في التراجم.

    انظر إلى امتهانهم لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام!! الشيخان العظيمان، قطبا الإسلام، وبطانة التوحيد، وسفينة الوعي، يتهمونهم بهذه التهمة وهذه التسمية الباطلة.

    فـأهل السنة يقول فيهم سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] وأنشد ابن القيم قصيدة يمدح فيها الصحابة ويحييهم ويلوم نفسه على أنه مُقصِّر في حبهم، ويتمنى أن يلقاهم ولو في المنام، ويسأل الله عز وجل أن يجمعه بهم في دار الكرامة، ويُعاتب نفسه على التقصير في الحب، يقول فيها:

    أما والذي شق القلوب وأوجد الـ     ـمحبة فيها حيث لا تتصرم

    وحمّلها جهد المحب وإنه     ليضعف عن حمل القميص ويألم

    لأنتم على بعد الديار وقربها     أحبتنا إن غبتم أو حضرتم

    سلوا نسمات للرياح تحملت     محبتكم والله يدري ويعلم

    وكنت إذا ما اشتد بي الشوق والجوى     وسارت بنات الحب بالحب تقسم

    أعلل نفسي بالتلاقي وقربه     وأوعظها لكنها تتكتم

    إلى أن قال:

    أسائل عنكم كل غادٍ ورائح     وأومئ إلى أوطانكم وأسلم

    هؤلاء أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء أحباب الله من خلقه وأكرم الناس، قدَّموا جماجمهم من أجل لا إله إلا الله، وسالت دماؤهم من أجل مبادئهم حتى ارتفع دين الله، فما أبقوا قلعة إلا فتحوها بالتوحيد، وما أبقوا مبطلاً إلا ذبحوه، ليبقى التوحيد لله، وليخسأ كل فاجر رعديد.

    قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم: {لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه}. ويقول: {الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم} رواه الترمذي.

    فالحذر كل الحذر أن يسب الصحابة، بل يعرف لهم منزلتهم فإنهم أهل القبلتين، وأهل البيعتين، وأهل القيامتين، وأهل المنزلتين، وأهل الولايتين، وأهل الهجرتين، وأهل الجهادين.

    هم أهل بيعة الرضوان، وأهل العقبة، وأهل بدراً، وأحد، والخندق، والمنازل الشريفة في الإسلام، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وألحقنا بهم، وجمعنا بهم في دار الكرامة.

    و أهل السنة يُفضِّلون الصحابة بعضهم على بعض كما ورد في السنة، فأفضلهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ثم بقية العشرة، ثم من حضر بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم السابقون قبل الفتح، ثم من أتى بعد الفتح، وهكذا: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:3].

    و أهل السنة يشهدون لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فيشهدون لـثابت بن قيس بن شماس بعد العشرة، ثابت الخطيب المصقع، الذي دمغ خصوم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخطب، وسبب الشهادة له بالجنة: أنه كان يرفع صوته بالخطب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينصر الدين، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [الحجرات:3] فأغلق عليه بابه، وجلس في البيت يبكي ثلاثة أيام بلياليهن، قال عليه الصلاة والسلام: أين ثابت بن قيس بن شماس؟ قالوا: ما رأيناه، قال: التمسوه، فالتمسوه، فوجدوه وراء الباب يبكي -لم يأكل ثلاثة أيام- قالوا: يا ثابت! اخرج، قال: أنا من الهالكين. قالوا: لماذا؟ قال: الله يمدح الذين يغضون أصواتهم وأنا لم أغض صوتي وكنت أرفع صوتي في الخطب. فأخبروا الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: أخبروه أنه من أهل الجنة - وفي رواية أخرى-: أخبروه أنه شهيد وأنا على ذلك شهيد، فأخبروه، ففتح الباب وهو يبكي ورمى روحه على الرسول صلى الله عليه وسلم:

    جاءت إليك حمامة مشتاقة     تشكو إليك بقلب صب واجف

    من أخبر الورقاء أن مكانكم     حرم وأنك ملجأ للخائف

    وحضر ثابت بن قيس بن شماس اليمامة، فلما تولَّى الصحابة؛ لأنه أتاهم هجوم عسكري مسلح مباغت -من بني حنيفة- متماسك كالجبل يزحف زحفاً، وكان قائد المعركة أبو سليمان خالد بن الوليد بيَّض الله وجهه، فأزاحوا صفوف الصحابة؛ لأن الصحابة لم يتهيئوا في الصباح حتى كشفوا المعسكر إلى مخيم خالد، فدخلوا مخيم خالد، فأخذ خالد البُرد وائتزر به، وقام وأخذ السيف وكسر غمده على ركبته، ثم أخذ يضرب في أعداء الله، ويفلق هاماتهم، فولَّى بنو حنيفة أمامه، ويقول شاعرهم:

    أبنو حنيفة شدوا طال نومكم     إن الخليفة عوَّاد بعواد

    يا من يرى خالداً بالبرد معتجراً     تحت العجاجة مثل الأغطف الغادي

    أمَّا ثابت فحفر لقدميه حفرتين، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء -أي: الكفار- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -أي: من فر- وثبت حتى قتل في سبيل الله.

    فهذا شهيد من الشهداء، وإنما ذكرت قصته استطراداً، وهذه القصص تسري في دماء الموحدين وأهل السنة والجماعة بركاناً ثواراً هادراً يملأها بالمثل يوم تحب الله ورسوله.

    موقف أهل السنة من التأويل

    ومن خصائصهم رفضهم للتأويل.

    والتأويل على ثلاثة أقسام:

    أولاً: التأويل بمعنى: التفسير، كما قال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه.

    فالتأويل معناه: التفسير. يعلمون تأويله: أي: تفسيره، والتأويل عند ابن جرير يعني: التفسير، يقول: قال بعض المؤولة: يعني: المفسرة والمفسرون.

    ثانياً: ما يئول إليه الشيء، أي: ما تئول إليه حقيقة الشيء ويرجع إليه الأمر.

    ثالثاً: التأويل عند المتأخرين -وهذا المذموم الذي ذمه أهل السنة - وهو: صرف الألفاظ والنصوص عن ظاهرها.

    والتأويل شر الأبواب التي دُخل منها على الإسلام، فبالتأويل ذُبِحَ الصحابة في موقعة الجمل، وفي صفين وتقاتل ابن الزبير وعبد الملك.

    بالتأويل دخلت القرامطة والنصيرية والإسماعيلية والباطنية.

    بالتأويل دخل التتار وذبحوا المسلمين في العالم الإسلامي.

    بالتأويل فتح بعض المبتدعة للصليبين الطريق لدخول بلاد الإسلام واحتلت.

    بالتأويل نحي القرآن والسنة عن حياة الناس.

    والآن أصبح القرآن الذي حكم البشرية خمسة عشر قرناً؛ منزوياً في حياة الناس، وأصبح لا يحكم إلا في مناحٍ من مناحي الحياة الجزئية، لا يدخل في ضمائر الناس، ولا في عقائدهم، ولا يحكم أفكارهم، ولا يحكم أقلامهم، ولا يتحاكمون إليه في كل صغيرة ولا كبيرة، إنما أصبح -عند بعض الناس- كالمتحف يتفرج فيه، وأصبح تزجية للأوقات، فإذا افتتح شيء وقبل أن يقص الشريط بدءوا بآيات من القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:24] رأيت الجمع أمامك والقارئ يقرأ يقولون: كذا، لأنهم متأثرين، والمعنى: لا نستجيب، فإلى الله المشتكى.

    واسمع ابن القيم ماذا يقول في أعلام الموقعين (4/251) قال: وبالجملة: فافتراق أهل الكتابين، وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إنما أوجبه التأويل، وإنما أُريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير وهلمَّ جرا... بالتأويل، وإنما دخل أعداء الإسلام بالتأويل... إلى أن قال: وهل دخلت طائفة الإلحاد من الحلولية والاتحادية إلا من باب التأويل مضادة ومناقضةً لحكم الله في تعليم عباده البيان الذي امتن الله سبحانه وتعالى على عباده به.

    فأصبح القرآن والسنة عند بعض الناس طلاسم، وأصبحوا يرون أنه يعزل من الحياة.

    يقول ابن القيم في موضع آخر: أصبح القرآن والسنة في زماننا -أي: في القرن السابع، فكيف بالقرن الخامس عشر- قال: أصبح مثل الخليفة عندنا لا يملك إلا السكة -أي: كتابه اسمه على النقد، والخاتم والخضيب والبردة- أما تسيير الأمور فهي للسلاطين، فنحي القرآن والسنة من حياة الناس، وهذا الذي نعاه أهل السنة والجماعة وطالبوا به، ويلحون بالمطالبة به، ويقدمون دماءهم رخيصة ليبقى هذا المفهوم السائد.

    الإيمان قول وعمل يزيد وينقص

    ومن خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم يعتقدون أن الدين والإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

    وهم مع ذلك لا يُكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج؛ بل أخوة الإيمان ثابتة مع المعاصي.

    وبعض الطوائف ترى أن الإيمان اعتقاد فقط..!! مثل المرجئة، فلا تضر الكبائر ولا يدخل العمل، وبعضهم يرى أنه نطق واعتقاد، وبعضهم يرى أنها معرفة فقط أو تصديق، وأهل السنة يقولون: الإيمان قول باللسان؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    واعتقاد بالجنان: أن يعقد قلبك على الميثاق وأن تعتقده حقاً مثل الشمس في رابعة النهار.

    وأن تعمل بالجوارح والأركان: فتارك الصلاة كافر؛ لأنه ترك شيئاً من الإيمان عند أهل السنة، فالإيمان عندهم: قول وعمل واعتقاد، بخلاف المبتدعة؛ فإنهم كفروا صاحب الكبيرة وأدخلوه النار، وبعضهم كـالمرجئة يقول: لا يضر، حتى تارك الصلاة عندهم لا يخرج من الإيمان، وإيمانه مثل إيمان أبي بكر وعمر.

    فسبحان الذي هدى أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.

    اتباع آثار الرسول ظاهراً وباطناً

    ومن خصائص أهل السنة: اتباعهم آثار الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بليالٍ، حيث قال: {عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ}. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وهو حديث صحيح.

    هذه وصيته عليه الصلاة والسلام.

    وله حقوق علينا، منها: أن نحبه حباً يغلب حبنا لأطفالنا ولأهلنا ولأمهاتنا وآبائنا، وحبه يسري في دمائنا، وحبه يغلب على أنفسنا؛ حتى تتمنى أنت أنك قطعت بين يديه في سبيل الله، وتتمنى أن الشمس المحرقة إذا أرادت أن تصل إلى جسمه تصل إلى جسمك أنت.

    فديناك يا ليل السهاد الذي سرى     بجسمك دوماً في محاجرنا يسري

    تصل إلى درجة خبيب بن عدي، وتفقد نفسك وأنت خصيم نفسك وشاهد عليها: بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14-15].

    فاسأل نفسك يا عبد الله وخاصم روحك، وقد جعل الله من نفسك على نفسك سلطاناً، وقف مع نفسك خصماً وتأمل!! هل أنت تحبه صراحة؟

    هل تسعى لما فعل خبيب بن عدي الشهيد البطل لما رُفِعَ إلى المشنقة وقدم على الموت، وأتت السيوف تنوشه من كل جهة، والرماح تقطعه في حرارة الشمس، وهو يقول لكفار قريش: [[اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فقال أبو سفيان: يا خبيب! أتريد أن محمداً مكانك]] لأنهم يرون أن الذي ورَّط خبيباً هو محمد عليه الصلاة والسلام، والله إنها من أحسن الورطات، ومن أشرف وأعظم المنجيات.

    يذكرون أن رجلاً جاهلاً نصح ابنه فقال له: لا تدع إلى الله، وقد كان بعد كل صلاة يقول: عن أبي هريرة.. عن أبي هريرة فقال: يورطك أبو هريرة، قال: لا يورطني إن شاء الله، فتكلم ابنه فسُجن، وهذا سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال:30] وسبيل أحمد ومالك والشافعي وابن تيمية والعز بن عبد السلام، فتلك طريق ممضية، فلما سجن قال له أهله: أخرج ابننا، قال: يخرجه أبو هريرة. الذي ورطه أبو هريرة فيخرجه أبو هريرة.

    فلما ارتفع خبيب إلى المشنقة، قال: أتريد أن محمداً مكانك وأنك في أهلك ومالك؟ قال: [[لا والذي نفسي بيده! ما أريد أن محمداً عليه الصلاة والسلام تصيبه الشوكة وأني في أهلي ومالي منعماً، السلام عليك يا رسول الله]] وكان خبيب في مكة والرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة، الشيخ في المدينة والتلميذ في مكة، لكن الأرواح تسري، وتقطع المنازل، وتصل إلى القلوب، وتأتي على المسافات والجبال، قال: [[اللهم أبلغ رسولك ما ألقى الغداة]] يقول: أخبره بما وجدت وبما لقيت وبما تعرضت له.

    يا من يعز علينا أن نفارقهم     وجداننا كل شيء بعدكم عدم

    إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا     ألَّا تفارقهم فالراحلون همُ

    إن كان سركم ما قال حاسدنا     فما لجرح إذا أرضاكم ألم

    ووصل الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في نفس اللحظة، فأخذ يلتفت وعيناه تهراقان بالدموع، ويقول: {عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب! إلى الجنة} يريد صلى الله عليه وسلم أن يوصل تلاميذه إلى الجنة.

    إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا     كفى للمطايا طيب ذكراك حاديا

    وإني لأستغشي وما بي غشوة     لعلَّ خيالاً منك يلقى خياليا

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالسر خاليا

    فإما حياة نظم الوحي سيرها     وإلا فموت لا يسر الأعاديا

    رضينا بك اللهم رباً وخالقاً     وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا

    هذا منهج أهل السنة، أتريد حياة غير حياة هؤلاء؟!!

    وهم يحبونه عليه الصلاة والسلام ويموتون في حبه، ويتمنى الواحد منهم أن تتفجر به القنبلة لترتفع سنته ومنهجه في الأرض، وأتباعه ذهبوا إلى أفغانستان يجددون العهد، عهد بدر وحنين.

    تلك العصا من تلكم العصية     وهل تلد الحية إلا حية

    فتفجرت بهم دبابات الملحدين الحمر، فولوا الأدبار خاسرين خائبين يوم رأوا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: ها قد عدنا إلى العالم، ورجعنا من جديد، وأتينا ننصر الرسالة الخالدة، كلما مات جيل أتى جيل:

    نبني كما كانت أوائلنا تبني      ونفعل مثلما فعلوا

    حبهم ليس مفتعل! فهم يحبونه حباً يسري في الدماء، تسقط شعرة منه عليه الصلاة والسلام فيتقاطعوها عند الجمرة يوم حلق رأسه وكاد الناس يقتتلون عليها، يأخذون القدح الذي شرب فيه فيتسابقون أيهم يشرب من الموضع الذي شرب منه، يبصق فيأخذون البصاق، فيتمسحون به على وجوههم، لكنه حب ليس بتأله، واتباع وليس بعبودية له؛ لأنه هو الذي علمهم لمن تكون العبودية.

    يا قاتل الظلم ثارت هاهنا وهنا     فضائح أين منها جندك الواري

    طه إذا ثار إنشادي فإن أبي     حسان أخباره بالشعر أخباري

    منهج أهل السنة في آيات وأحاديث الصفات

    ومن خصائصهم: أنهم يمرون أحاديث وآيات الصفات على ظاهرها بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.

    قال الشوكاني رحمه الله في الرسائل السلفية، وتسمى التحف في مذاهب السلف ص: (4-5-6) "والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا رحمهم الله -وأرشدنا إلى الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم- يمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يتأولون، وهذا المعروف من أقوالهم وأفعالهم والمتقرر من مذاهبهم لا يشك شاك في ذلك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزع بينهم نازع، أو نجم في عصرهم ناجم؛ أوضحوا له أمره؛ وبينوا له أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك له في المجامع والمحافل". انتهى كلام الشوكاني.

    المقصود: لا تقول: كيف ولا تشبه ولا تعطِّل: {ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل} قل: آمنا وسلَّمنا، قل كما قال الشافعي رحمه الله: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله".

    لا تقل كيف استوى كيف النزول     أنت لا تعرف من أنت ولا كيف تبول

    فينبغي أن يقف الإنسان خصيماً لنفسه، ويتفقد نفسه وروحه؛ لأنه إذا لم يتلق المناهج -الآن- من طلبة العلم والعلماء الذين يظهرون للناس مذهب أهل السنة والجماعة فأين تلقي بابنك؟ وأين يتوجه؟ وممن يأخذ الفكر؟

    إذا كان بعض الآباء يُحذِّرون أبناءهم من المحاضرات والدروس العلمية بحجة التطرف فمن أين يأخذون علمهم؟ ومن أين يأخذون منهج أهل السنة والجماعة؟ ومن أين ينجون؟ وهل هناك باطل يقال؟ هل رئي منكر يعرض على الناس؟ إن كان هناك باطل أو منكر فليكشف، وليوجه الدعاة وليناصحوا. فطيلة ما يجلس الداعية في هذا المسجد سنوات طويلة وفي الدروس والمحاضرات ولم يتلق مرة من المرات رسالة ولا قصاصة، نقول: إنك انحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة. فهذا فضل من الله وتسديد، وإنما نقول هذا من باب: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما توجبه الشريعة

    ومن خصائص أهل السنة والجماعة: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الجهاد في سبيل الله، وبذل الدعوة للناس، والاحتساب في سبيله، وبيع الجماجم، وهي جمع جمجمة، ويرون أن قطع الجمجمة في سبيل الله من أحسن ما يكون، ويرون كما قال فديوي الوهباني:

    دوس المخاطر ولا تخشى عواقبها     الموت واحد وانعم بالخطر جالي

    وهذه من أسهل ما يكون، وأن قطعها في سبيل الله أحسن الأمنيات.

    ويرون كما دخل ابن التمار على المأمون فقال المأمون: والله لأقطعن رأسك، فقطع ابن التمار زراره ورماه في وجه المأمون وقال: والله الذي لا إله إلا هو! إن قطع رأسي أهون عندي من قطع هذا الزرار.

    ويروون أن ابن نوح لما دخل على أحد الخلفاء فقال له: والله لأشرعن في دمك -يعني: أسبح- قال: والله ما صليت الفجر اليوم إلا وتمنيت أنَّ الله يرزقني الشهادة على يديك.

    ويرون أن من أحسن ما يكون للعبد هو الموت في سبيل الله، وأنه ألذ المطالب، وأحسن وأسهل وأهنأ من الماء البارد، وأن أحدهم إذا صلى قال: اللهم ارزقني الشهادة! حتى إن بعض السلف الصالح كانوا يأتون إلى بيوت بعض السلاطين ويأمرون وينهون من باب: [[قل الحق ولو كان مراً]] فلا يخافون ولا يجبنون، وأهل السنة والجماعة أشجع من أهل الأراضي، والعمارات، وأشجع من أهل الشعير، وأهل الضأن، وأهل الفحم الذين يتضاربون بالمشاعيب وبالهراوي والفئوس على فحمهم وشعيرهم، فهؤلاء إذا قطعت رءوسهم لا تقطع على الأراضي ولا على البطحاء، بل تقطع من أجل (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

    وان دندن الطبل في الحراب دندنا     بآيات حقٍ علي وبلال دندنها

    وهذا البيت من عقيدة أهل السنة، لكن لا تظنوه من البخاري أو مسلم فهذا بيت شعري.

    فقد رأيتم أنهم يأمرون وينهون ولا يخافون في الله لومة لائم، ويبلغون دين الله كما قال سبحانه: وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب:39] فإذا خوفهم مخوف، قالوا: هوِّن عليك! معنا القوي وأنتم ضعاف، ومعنا الغني وأنتم فقراء! ومعنا الباقي وأنتم فانون: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36]. وهذا كلام الله سبحانه ومن الذين دونه؟ هم كل من سواه، ويعلمهم الله، ويقول: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [آل عمران:173] يقول: زادهم إيماناً وقوة: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174] والله يقول في أوليائه وأعدائه: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:79-80] ويقول سبحانه عن قدرته وقدرة البشر: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] ويقول عن دسائس البشر وعن مكره جزاء مكرهم: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] ويقول سبحانه وتعالى عن حزبه وحزب أعدائه: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52].

    و أهل السنة والجماعة أشجع من الثوريين العرب، وأشجع من الناصريين، والبعثيين، والاشتراكيين، والماركسيين بدرجات، بل الواحد منهم يسيل دمه قبل أن يلقى الهوج، شجاعة وإقداماً.

    أحد الصحابة في أحد سمع الهاتف، فاخترط سلة السيف، وأخرجه من الغمد، وقال:

    وليس على الأعقاب تُدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا تقطر الدما

    تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد     لنفسي حياة مثل أن أتقدما

    ثم رمى بنفسه وقتل.

    وكان صلى الله عليه وسلم يشهد العاصفة بنفسه ويخوض المعركة، وهناك فيلم أوروبي اسمه بدر الكبرى وفيه قال: واضطر محمد أن يخوض المعركة بنفسه بعد أن اشتدت العاصفة، وكان صلى الله عليه وسلم يدير المعركة قبل نشوبها، لكن إذا اختلطت وسمع صرير السيوف والرماح، طمر بنفسه وسط الهول، حتى يقول علي رضي الله عنه: {كنا نتقي بالرسول صلى الله عليه وسلم إذا اشتد بنا البأس فيكون أقربنا من القوم}.

    أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة     أدبت في هول الردى أبطالها

    وإذا وعدت وفيت فيما قلته     لا من يكذب فعلها أقوالها

    ومثل هذه القصيدة، قصيدة اسمها (الشجاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم) ألفها السبط ابن الجوزي يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم، واسمع مطلعها ما أحسنه يقول:

    قد زلزلت دنيا الهوى زلزالها     وقال سلطان الغرام مالها

    هذه دنيا من؟ دنيا محمد صلى الله عليه وسلم.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم علَّم الناس أن يبيعوا أنفسهم من الله، أي: لا تبع نفسك بغير الجنة.

    يقولون: أخذ ابن المبارك تلميذاً له، قال: أوصني؟ فقال لتلميذه: لا تبع نفسك بغير الجنة.

    والجنة أن تموت في سبيل الله، وأن يرزقك الله الشهادة في أي مكان، ولا تخف من أحد؛ فإن نواصي العباد بيده سبحانه وتعالى، لا يضر ولا ينفع إلا هو كما قال صلى الله عليه وسلم: {ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك إلا بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف}. يقول بعض الفضلاء في معنى: رفعت الأقلام وجفت الصحف، يقول: رفعت الأقلام بالقتلى، من يموت قتيلاً ومن يموت ميتاً، ووضعت الأقلام من يموت حبطاً تخمة من الدهون في غرفة الباطنية، فهؤلاء رفعت فيهم الأقلام، والذين يموتون في سبيل الله رفعت فيهم الأقلام، والذين يتقاتلون على أكياس الشعير رفعت فيهم الأقلام، والذي يقتل ابن عمه على قطعة الأرض رفعت فيه الأقلام، ويجتمع سيد الشهداء حمزة يوم القيامة المقتول على كيس شعير لا يساوي سبعة عشر ريالاً!! يوم العرض الأكبر، وهذا قتل وهذا قتل؛ لكن ذاك قتل وهو سيد الشهداء وأسد الله في أرضه، وذاك لا يساوي فلساً.

    ترك الخصام والجدال في مسائل الحلال والحرام

    ومن خصائصهم: ترك الخصام والجدال والمراء في مسائل الحرام والحلال.

    قال ابن رجب رحمه الله في كتابه: فضل علم السلف على علم الخلف: ومما أنكره أئمة السلف: الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام -أيضاً- ولم يكن ذلك من طريقة أئمة الإسلام، وإنما حدث ذلك بعدهم، كما أحدثه فقهاء العراقيين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتب الخلاف، ووسعوا البحث والجدل، والله يقول: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]. فـأهل السنة لا يريدون الخلاف، ولا يحبون الجدل، ولا يتقولون في شرع الله، ويحبون الاجتماع، وأن يكون القول قولاً واحداً، ويحبون الألفة، ويتشاغلون بالقرآن والسنة، أما أهل البدع فيشتغلون بالجدل ويتركون العمل: {وما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل}.

    ومن خصائص أهل السنة: أن ما يقولونه من الكلام في النصوص إنما هو بفهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة. أي: أنهم يفهمون الدين كما فهمه أبو بكر وعمر -رضوان الله عليهم- والصحابة، ففهمك اجعله كفهم الصحابة -رضوان الله عليهم- فلا تأت بفهم جديد، ويسمى هذا التجديد والتطوير في المناهج، والافتراء والتغيير، ويسمونه: إعادة البناء، كما سماه الروسيين (البروستريكا): إعادة البناء، فليس عندنا إعادة بناء: [[اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم]] {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} انتهى الأمر:

    سلم قيادك للرسول محمد     وارض بسنته مع الأقوام

    فإذا رضيت بذلك نجحت في الدنيا والآخرة.

    كان معنا درس مع طلبة العلم في آداب قضاء الحاجة، وإذا الأحاديث أكثر من ثلاثين حديثاً، فمحمد صلى الله عليه وسلم يُعلِّمك كيف تدخل دورة المياه وكيف تخرج؟ وكيف تقضي حاجتك أو تستقبل أو تستدبر، وماذا تفعل؟ هل سمعتم بشرع كهذا؟! وهل سمعتم بمعلم أرقى من هذا المعلم؟! عليه الصلاة والسلام.

    المحافظة على الجمع والجماعات

    ومن خصائص أهل السنة: محافظتهم على الجمع والأعياد والجماعات، ولا يدعونها لأوهى الأسباب، فهم يحضرون الجمع مع الناس، ويصلون الأعياد والكسوف والاستسقاء والجماعات في المسجد، ويحبون اجتماع الكلمة، ويحضرون الندوات والمحاضرات، ويفرحون إذا كثر الجمع الخيِّر، ولكن المنافقين يغضبون من هذه الجموع، ويرون اجتماعهم أنه سوء وشر وتطرف، وأنه ليس من الخير والحكمة والمصلحة، فانظر! كم الفرق بين الواديين والحسين والمنهجين؟! وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].

    فـأهل السنة والجماعة يحضرون الجمع، قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (3/280): ومن أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يُصلَّون الجمع والأعياد والجماعات، ولا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم، فإن كان الإمام مستوراً لم يظهر منه بدعة -أي: الإمام الذي يصلي بهم- ولا فجور، صليت خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره.

    ولذلك أقول: لا يجوز لك أن تأتي إلى إمام يصلي، وتقول: ما عقيدتك؟! ما دام ظاهره الإسلام فاسكت، فالمستور يُصلى وراءه، ويجاهد وراءه، ويطاع في طاعة الله، ولا نخرج عليه ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان.

    والإمام يُطاع حتى لو كان يشرب الخمر ولو زنى ولو سرق إذا كان له بيعة، لكننا إذا رأينا كفراً بواحاً فلا، وإنما يجاهد معهم ويصلى وراءهم، ويدعو لهم بالصلاح والاستقامة وبحسن البطانة، فهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، ولا يشقون عصا الطاعة، ولا ينثرون الدم، ولا يشوشون ولا يؤلبون الناس، وإنما ينصحون؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة! قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم} والحديث صحيح. وقال أحمد: "لو أعلم أن لي دعوةً مستجابة لجعلتها لإمام المسلمين.

    فمن هديهم أنهم يدعون إلى اجتماع الكلمة، ويريدون استتباب الأمور حتى يكون الدين كله لله.

    وقد ذكر أهل العلم أن ابن مسعود صلَّى خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد كان أميراً في العراق وكان يشرب الخمر، وفي مرة صلى بهم الصبح أربعاً، قام إلى الثالثة فقالوا: استعنا بالله، وتوكلنا على الله، ثم قام إلى الرابعة، فقالوا: استعنا بالله، يمكن أن الوحي نزل عليه، فلما فرغ من قراءة الفاتحة وقال: ولا الضالين، قالوا: آمين، قال:

    من لجسم شفه طول النوى     ولعين شفا طول السهر

    جسد لفف في أكفانه     رحمة الله على ذاك الجسد

    ثم التفت! قال: أزيدكم؟ قالوا: ما زلنا معك في زيادة.

    انظروا الصلاة ما أحسنها! وهذا في قرن الصحابة، فما رأوا الخروج عليه، قالوا: حفظك الله وهداك وأصلحك، إنما نرفع أمرك لـعثمان، فرفعوا أمره لـعثمان، فقال: تعالوا به! فأركبوه على جمل فوصل المدينة، فقال عثمان: يا علي! نفِّذ حد شرب الخمر ثمانين جلدة، وكان علي صاحب المهمات، فهو متدرب على قطف الرءوس، وعلى الضرب رضي الله عنه، يده حامية، أما عثمان ففيه حياء ووقار حتى إنه لا ينظر للناس، أما علي فهو قاطف رءوس الملحدين، يدبغ في الدماء دبغاً رضي الله عنه، ولا يرهب من الحدث، قلبه أقوى من قلب الأسد، فهذا أبو الحسن الذي قيل فيه:

    عفاءٌ على دنياً رحلت لغيرها     فليس بها للصالحين معرج

    كدأب علي في المواطن كلها     أبي حسن والغصن من حيث يخرج

    قال: قم يا علي! فاجلده، قال علي: قم يا حسن -ابنه شاب- اجلد الوليد، قال الحسن وهذا في صحيح البخاري: ولِّ حارها من تولى قارها -يعني: دع عثمان ما دام تولى الخلافة يتولى مسئوليتها- فتبسم علي، وقال لـعثمان: اجلده أنت. فأرسل عثمان فجلد ثمانين، فما خرج أهل السنة على هؤلاء، وإنما دعوا لهم بالصلاح والاستقامة.

    ومن هؤلاء: الحجاج بن يوسف فقد صلى وراءه ابن عمر في منى، وكان الحجاج سفاكاً، يلعب في دماء الأمة، سجن مائة ألف، وكانت السجون مكشوفة، مثل سجون جوزيف استالين في روسيا، الذي يقول فيه خالد محمد خالد: فزت حياً وميتاً يـ استالين. بل خاب حياً وميتاً، إلى النار وبئس المصير!!

    فهذه السجون مكشوفة، فإذا اشتد الحر خرج الحجاج يُصلي في المسجد، فإذا سمعوا بمرور الحجاج بكوا وتصايحوا وتضاغوا علَّه يرحمهم، قال: اخسئوا فيها ولا تكلمون. ومع ذلك صلى وراءه ابن عمر؛ لأن نقض الطاعة بمثل هذه الأمور لا يصح، فالأمر ما وصل إلى هذا الحد، بل يُدعى وتقوم الأمور، فهذا معتقد أهل السنة.

    وصلى الصحابة خلف ابن أبي عبيد وكان متهماً بالإلحاد.

    وصلوا خلف يزيد بن عبد الملك وكان عنده مولى يسمى قبيحة فسماه الناس عبد قبيحة -أي الخليفة- كان يملأ بركة من العطر والطيب، ثم تضرب القيان له، ويشرب الخمر، ثم يقول: أريد أن أطير، أين أطير؟ قالوا: طر إلى البركة، فطار بثيابه إلى البركة، ولذلك ناصحوه؛ لكنه مات شر ميتة، فقد جلس مع قبيحة يأكل العنب، فنشب العنب في حلقه فغص بها فمات.

    لقد ذهب الحمار بأم عمرو     فلا رجعت ولا رجع الحمار

    فهذا من الأمثال التي مرت في التاريخ.

    الصبر على الابتلاء

    ومن خصائصهم: أنهم أعظم الناس صبراً على أقوالهم ومعتقداتهم.

    وسأل قيصر -ويُسمى هرقل كما في صحيح البخاري -: أبا سفيان عمن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم: هل يرجع أحدهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟

    قال: لا.

    قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.

    هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا يرجعون عن معتقداتهم ومبادئهم ولو قُطِّعت رُءُوسهم، مبدؤهم ثابت، وكلامهم ثابت، وشجاعتهم متواردة؛ لأنهم يعلمون أنهم على الحق، ويقيس الإنسان نفسه بهذا؛ لأنه يوجد من بعض الناس لو خاف من شيء فعل كل شيء من أجل بقائه، لو أتى خَوفٌ وحُذِّر الناس من صلاة الجماعة، والله لا ترى أحداً يصلي إلا القليل، وتُترك المساجد بلاقع، فيقول أحدهم: أيطير رأسي من أجل صلاة الجماعة؟!

    وبعضهم -في بعض الحوادث- قد يحلق لحيته حتى لا يُعد من المتطرفين، ويسبل ثوبه، ويسمع الغناء، ويدَّعي أنه داشر من أجل أن يبقى رأسه، ولكن الرسول ربَّى جيلاً من الناس، فيسحب بلال على الرمضاء فيقولون له: عد عد، فيقول: أحد أحد، من هو (أحد أحد)؟ إنه الذي على العرش استوى، وتقطع اللحوم منهم ويبقى الواحد منهم صابراًِ محتسباً لا يحوله عن دينه شيء.

    قال أبو بكر لما أرسل إلى بني حنيفة خطاباً هائلاً يقول: [[والله! لأذهبن عنكم وساوس الشيطان بـخالد بن الوليد، والله! لأحاربنكم بأناس -الموت إليهم أحب من الحياة- يحبون الموت كما تحبون الحياة]] فأطلق عليهم خالداً، وتلكم النخبة المثقفة التي تثقفت بإياك نعبد وإياك نستعين، فذبحوا بني حنيفة ذبحاً.

    قال شيخ الإسلام في نقض المنطق (42،43) وفي الفتاوى (4/50،51): أما أهل السنة والحديث فما يعلم من أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم أنه رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وتعرضوا لأعظم الشدائد والكربات فلا زالوا يثبتون.

    قال مالك: "لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء". والمعنى: لا تفرحوا لأحد عاش معافى ولم يصبه بلاء، أي: افرحوا لمن أصابه بلاء وفتنة في هذا الدين؛ فإنه إن شاء الله بمنزلته وحبه عند الواحد الأحد.

    إن من خصائص أهل السنة أنهم يصبرون على أقوالهم ومعتقداتهم ولا يرجعون عنها ولا يستسلمون للباطل مهما كان، والله يقول: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3] وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] وقال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    التصديق بكرامات الأولياء

    ومن خصائص أهل السنة: تصديقهم بكرامات الأولياء.

    والكرامة يمنحها الله للمستقيم على الكتاب والسنة، يؤيد بها دينه، وقد أكرم الله كثيراً من الصحابة بشيء من ذلك؛ كتكثير الطعام لـأبي بكر، وكرؤية عمر الجيش من مسافات، وكتسبيح الآنية والحصى لـأبي الدرداء ولغيره من الصحابة، وكنزول الغيث مباشرة على العلاء بن الحضرمي... وغيرهم من الصحابة، وهذه من كرامات الأولياء.

    قال ابن تيمية في الفتاوى (3/156): ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سلف الأمم في سورة الكهف وغيرها... إلخ.

    بركة عمل وعلم أهل السنة والجماعة

    ومن خصائصهم: ما قاله شيخ الإسلام: "أنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، فقد بارك الله في أعمالهم وبارك في علومهم.

    وأقول لكم في المناسبة! إن طلبة أهل السنة والجماعة الذين يدرسون في المساجد، ينال أحدهم في السنة الواحدة من العلوم ما يستطيع أن يكون عالماً -إن شاء الله- بعد أن يكون عنده قاعدة وأصول مشتركة لا بد منها وحد أدنى لابد منه، وهذا من بركة علم أهل السنة والجماعة، والله يقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17] وقال سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:66-68].

    تعظيم الأمة لهم

    ومن خصائص أهل السنة والجماعة: تعظيم الأمة لهم، واعترافها بفضلهم.

    فهم معظمون، والله عز وجل حببهم إلى الناس. قال الإمام أحمد: بيننا وبين أهل البدعة الجنائز.

    فجنائز أهل السنة كثيرة، وحضور دروس أهل السنة كثير عددهم، يحضر لهم كالغمام، والألوف المؤلفة تحبهم؛ لأنهم على السنة، وأهل البدع والانحراف ودعاة العلمنة والمنافقين لا يحبهم أحد، ولا يحضر لهم الناس إلا جبراً رغبة فيما عندهم من مال أو رهبة من أوامرهم وسياطهم، أما أهل السنة فلا يملكون شيئاً من الدنيا، وليس عندهم قوة، ولكن جبل الله القلوب على حبهم، وجعل حبهم كالماء البارد يشربونه، وهذا علامة صدقهم إن شاء الله.

    لقد شيع الإمام أحمد أكثر من مليون مسلم، وشيع شيخ الإسلام أكثر من مائة ألف مسلم، وكادت دمشق تنقلب أولها على آخرها في الجنائز، عطس البربهاري في بغداد فشمته أهل بغداد إلى السوق، وهذا موجود في ترجمته، يقولون: كان في مجلس علم فعطس، فقال: الحمد لله! قيل: يرحمك الله، فقال أهل السوق الذي بجانب المسجد في دار السلام: يرحمك الله، وهذا من علامة القبول إن شاء الله.

    أما أهل البدع فلن تجد لهم أساس، ولا يحبهم الناس ولا يجتمع لهم، ومهما حاولوا من الشارات والتلميع فإن الله يقول: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36] والله يقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] ويقول سبحانه وتعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18].

    وقد ذكرت من خصائصهم: حب قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    التورع وعدم التسرع في الفتيا

    ومن خصائصهم: تورعهم في الفتوى، فلا يصدرون الفتاوي إلا بعلم وتأمل وتأكد، ويدفع بعضهم إلى الآخر الفتوى، ولا يستعجلون ويخافون، ويقولون فيما لا يدرون: لا ندري! حرجاً من أن يقعوا في الملمات.

    قال علقمة: [[كانوا يقولون: أجرؤكم على الفتيا أقلكم علماً]] وقال ابن مسعود: [[إن الذي يفتي الناس بكل ما يستفتونه لمجنون]].

    وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: [[أعلم الناس بالفتاوي أسكتهم، وأجهلهم بها أنطقهم]]. فهم يتحرزون من الفتيا ولا يتسرعون، ويخافون من الله ويراقبونه ولا يفتون إلا بدليل أو بأمر واضح.

    الإيمان بأن الجنة والنار موجودتان مخلوقتان

    ومن خصائصهم: أنهم يعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان موجدتان الآن، وليستا معدومتين ولا ينشئهما الله يوم القيامة كما زعمت القدرية والمعتزلة فإن هذا قول باطل. قال الشيخ حافظ الحكمي:

    والنار والجنة حقاً وهما     موجدتان لا فناء لهما

    فهذه من صفاتهم.

    وأنت عليك أن تعرض نفسك على هذا المنهج وعلى خصائص أهل السنة والجماعة؛ لترى هل أنت منهم حقيقة؟ وإن لم تكن منهم فراجع نفسك وابكِ على ما سلف وتب إلى الله، واعلم أن الأمة المحمدية ثلاث وسبعون فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهم هؤلاء الذين سمعت أوصافهم وأخبارهم؛ عسى الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة.

    1.   

    الأسئلة

    نصائح لنجاح حفلات الأعراس

    في الصيف القادم بعد موسم الامتحانات سوف يكون موسم للزواجات، نسأل الله أن يتممه بالخير وأن يصلح منا الظاهر والباطن، وقد وصل إلي ما يقارب عشرين دعوة زواج، ولي اقتراح! أما من استطاع حضوره فهذا وارد، وأما إذا تعارض موعدان فهذا فيه مشقة، وعلى الدعاة حضور هذه الزواجات، وعدم الاعتذار، لكن هناك وجهات نظر أعرضها عليكم:

    منها حفظكم الله: أنه لا يُؤيد أن يتخذ الزواج -من باب خوف الملل- محاضرة من أوله إلى آخره، فلو نوَّع البرنامج لكان أحسن، من كان عنده زواج فليأخذ هذه الفقرات ويعرضها على الناس، وليعرضها على طلبة علم، أو على مخيم صيفي، أو على ثانوية متوسطة يقومون بهذا البرنامج، كأن يكون البرنامج مدته ساعة أو ساعة ونصف فقط ولا يزيد.

    فيبدأ هذا البرنامج بآيات من كتاب الله، ثم أحاديث من كلامه عليه الصلاة والسلام، ثم قصيدة عربية ولا بأس بقصيدة نبطية، ثم نشيد إسلامي يقدمه مجموعة من الطلبة، ثم نكات وطرائف، ثم مجلة، ثم ترجمة صحابي، ولا بأس بلعبة رياضية أمام الناس، ولا بأس أن يأتي كبير السن ويجعل له عشر دقائق أو ربع ساعة يتحدث عما كان عليه الناس وما أصبحوا فيه من النعم والخيرات، ثم يتحدث عن توجيه للزوجين وللمجتمع. فهذا الذي أُرشحه.

    الثاني: على الدعاة أن يختاروا الموضوع المناسب في الزواج، فلا يأتون بموضوع عذاب القبر ولا الموت، لأن الناس في حياة وليسوا بعزاء، ولا يبكي الناس فيتركون العشاء ويتباكون في طرف المخيمات، بل يشجعهم ويضحكهم ويسليهم ويعرض لهم قضايا هامة تنفعهم، فلكل مقام مقال:

    ووضع الندى في موضع السيف بالعلى     مضر كوضع السيف في موضع الندى

    الثالث: أقترح على المتزوج أن يستصحب هدية للحضور، وهي أشرطة إسلامية ما بين مائتين إلى ثلاثمائة شريط يصرفها، وقيمتها سهلة ويسيرة من التكاليف الباهضة التي تصرف -أحياناً- في غير طاعة الله، فيأخذ مائتين إلى ثلاثمائة شريط مع كتيب مع كل شريط ويقدمه للحضور، لكل فرد هدية، وسوف ينفع الله بها نفعاً كثيراً، وأرجو أن يكون في الحساب.

    الرابع: أرى كذلك -وهذه وجهة نظر أعرضها عليكم وما نحن إلا إخوة بعضنا يستفيد من بعض- أن الزلفة والزير والحفلات الشعبية التي يصحبها المعازف محرمة، وهذه فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أنقلها عنه، وأنا متأكد مما أقول، سمعتها من فمه مباشرة، وهو مرجعنا في الفتيا، وهو عالم البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً، وشيخ الإسلام في هذا العصر:

    إذا قالت حذام فصدقوها     فإن القول ما قالت حذام

    قال: دلت النصوص على تحريم ذلك. وأتى بروايات وهي مشفية، فلا نريد أن يعود الناس إلى الوراء، بل يجددوا من أفكارهم وثقافتهم وإيمانهم، ولا يعبثون بعد أن يأكلوا نعم الله، فيقومون يتراقصون على الزيرة والزلفة فهذا من الخطأ. أما النساء فلا بأس أن يجتمعن على دفٍٍ يضرب بالأيدي، ولا بأس أن يرقصن بشرط ألا يخالطهن الرجال، ولا يكون عندهن آلات لهو كالأشرطة الغنائية، فإنها خمر العقول، وهي محرمة بإجماع أهل العلم.

    وقد أصدرت هيئة كبار العلماء في بلادنا فتوى بخصوص تحريم الغناء.

    ومن الرأي أيضاً: ألَّا يُؤخر العشاء على الناس -وهذا من الاستملاحات ما دام ذكر الزواج- فإن بعض الناس لا يقدم مؤدبته إلى ما يقارب الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وقد ملَّ الناس وليس له ذلك، بل يحصر البرنامج، ومباشرة بعده يقدم للناس أكلهم وطعامهم.

    ثم يُراعي عدم التبذير، فيحاول معرفة عدد الحضور وعدد ما يقدم لهم من الطعام.

    ومن الملاحظات أيضاً: أن هنا قسم استقبال الولائم تحت جمعية البر، فمن عنده وليمة كبرى وخاف أن يفسد الطعام أو أن يبذر؛ فليتصل بهذه وينسق معها، ويأتون بسياراتهم ويأخذون ما بقي من ولائم ويوزعونها على الفقراء الذين لا يجدون اللحم من شهر إلى شهرين. وهذا أمر معلوم.

    وملاحظة أخرى: كثير من الدعوات تأتي لإلقاء محاضرات إلى بعض المناطق، والداعية لا يستطيع بمفرده أن يتنقل في كل منطقة، فوصيتي لطلبة العلم في كل منطقة أن يحرصوا على أخذ الشريط، كل جديد بجديده، وكل موضوع بموضوعه، وينزلونها إلى قراباتهم وجماعاتهم؛ ليكونوا أئمة لهم في الخير، فإن الله ينفع بها، وهذا شيء يريح الداعية، ويعمم النفع والفائدة للناس بإذنه سبحانه وتعالى.

    الدعوة إلى المساهمة في الخيرات

    السؤال: يتسائل كثير من الإخوة عن البرنامج الصيفي.

    الجواب: سوف يكون هنا -إن شاء الله- الدرس العلمي لطلبة العلم بعد كل فجر وبعد كل مغرب، أما الدرس -الآن- العام فسوف يستمر بإذن الله عز وجل.

    وسوف يراعى في الموضوعات مسألة المخيمات؛ لأن المنطقة منطقة محببة إلى الناس بما منحها الله من جو طيب، وبما منح أهلها من خير وفضل واستقامة وكرم، فأصبح الناس يتوافدون إليها بالألوف، ولا أقول هذا مبالغة.

    أحياناً قد تجد في اليوم الواحد ما يقارب ستة وعشرين مخيماً، ينزلون دفعة واحدة من كل نواحي البلاد، فنصيحتي أن يُستغل هؤلاء في التوجيه وأن نكون دعاة لهم مؤثرين، وأن نقدم لهم الخير، وهذا أنتم لا توصون عليه؛ فإنه قد ظهر من حسن أخلاقكم ومن كرمكم ما بهر الناس، وقد وصل الإنسان إلى المنطقة الشرقية والشمالية والوسطى والقصيم والغربية، فوجد الثناء العطر على أهل هذه المنطقة -وهذه من نعمة الله- في أخلاقهم وفي بذل خدماتهم، حتى تجد الواحد منهم إذا مر بفرقة لا يعرفها من الطلبة أو من الشباب المصطافين أتى بخزان ماء وقرَّبه إليهم، وعرض خدماته عليهم والخيمة والسيارة ودعاهم إلى بيته، حتى أصبح يتحدث بكرمهم الركبان:

    يقولون معن لا زكاة لماله     وكيف يزكي المال من هو باذله

    تراه إذا ما جئته متهللاً     كأنك تعطيه الذي أنت سائله

    ولو لم يكن في كفه غير روحه     لجاد بها فليتق الله سائله

    أقول هذا وأنا واثق مما أقول... بل كانوا يخبروننا في كثير من المجالس في غير هذه المنطقة من المناطق الأخرى عن صفات الكرم عند أبناء هذه المنطقة، ويقول أحدهم: نزلنا في الليل بجانب بيت، فخرج علينا صاحب البيت وبعد أن نصبنا خيمتنا أقسم لندخلن بيته، فأدفأنا وعشَّانا وأنامنا في بيته... وكان كالخادم لنا. يقول أبو بكر في الأنصار، والأنصار هم من الأزد، وأنتم من سلالة الأنصار:

    جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت     بنا نعلنا في الشارفين فزلَّت

    هم خلطونا بالنفوس وألجئوا     إلى غرفات أدفأت وأظلت

    أبوا أن يملونا ولو أن أمنا     تلاقي الذي يلقون منا لملت

    ولانقول ذلك تعصباً؛ لكننا أمة نقول للمحسن: أحسنت. وللمسيء: أسأت، فنشكركم من الأعماق، فقد قدم الصالحون منكم صورة جميلة من أعظم الصور عن هذه المنطقة، حتى المحافظة على الزي الإسلامي، وتحجبت المرأة، يقول بعضهم: أنزل في كثير من المساجد فلا أرى امرأة كاشفة أبداً.. الكلام الوقور.. الشباب الناشئ.. المحاضرات التي يحضرها المئات من المستقيمين الملتزمين.. حسن الخلق.. كرم الضيافة.. وهذا كله أحسن ما يُعمِّق حب هذه المنطقة.

    وتعلمون أن كثيراً من المناطق ودعاة دول الخليج قد أصبحوا -الآن- يدعون في المحاضرات -وقد استمعت إلى أشرطة- أقوامهم إلى أن يزوروا هذا المنطقة ليزوروا أهلها ويروا جوها وجمالها، فعسى الله أن يكون لكم هذا منزلة عند الله وقربة.

    وإنما المقصود الزيادة في هذا، والاستمرار عليه والاحتساب، خاصة في هذه المواسم؛ حتى نخفف عن الناس آلامهم؛ لأن بعضهم لا يعرف الطريق، وبعضهم لا يستطيع أن ينزل، وبعضهم تنقص الخدمات عنده وبعضهم ينقطع، وبعضهم يأتي وقد يكون فقيراً صاحب عائلة، فأرجو منكم -ولا توصون على هذا- البذل والعطاء والتضحية والإصلاح بما تستطيعون وتوزيع الشريط الإسلامي والكتيب. والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.