إسلام ويب

دواء القلوب المريضةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القلب هو المضغة التي في الجسد إن صلحت صلح سائر الجسد، وإن فسدت فسد سائر الجسد.

    وأمراض القلب جد خطيرة، لذا تعرض الشيخ حفظه الله لها، وعرض أسبابها وكيف تعالج، وبين أن ذكر الله هو أعظم أعمال القلوب والتي بها يبلغ النائم في فراشه درجة الصائم القائم، وللذكر فوائد عديدة تعرض لها الشيخ في أثناء الحديث عن القلوب ودوائها.

    1.   

    أسباب مرض القلوب

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها السامعون الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    نسأل الله لنا ولكم ثباتاً وقبولاً وهدايةً وسداداً, ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يزيدنا فقهاً في هذا الدين, وأن يجعلنا من المتمسكين والمتشبثين به, إنه ولي الهداية والقادر عليها.

    إخوتي في الله: عنوان هذه المحاضرة: (دواء القلوب المريضة).

    الأجسام تمرض ومرضها سهل يسير، وقد فتح الناس لها مستشفيات وعيادات وصيدليات, وقد قام الأطباء والممرضون والصيادلة بعلاجها, ولكن القلوب مرضها هو الخطير, وهو المدمر وهو المهلك وهو الذي ينتهي بصاحبه إلى نار تلظى.

    والأطباء هم الرسل عليهم الصلاة والسلام والعلماء المخلصون والدعاة النابهون, وسوف أستعرض معكم هذه الليلة في دواء القلوب المريضة مسيرة -إن شاء الله- في عناصر, وسوف يكون هناك في آخر المحاضرة تنبيه مهم أوجهه إليكم وإلى كل سامع، علّ هذا التنبيه أن يصادف قلباً أو سمعاً أو يصادف من يعيه ويعمل به إن شاء الله.

    لهذه المحاضرة عناصر:

    مرض القلوب على قسمين: (مرض شبهات - ومرض شهوات) وقد تحدث القرآن عن القسمين وعن المرضين وعن الصنفين.

    أسباب مرض القلوب, وهي ستة أسباب:

    السبب الأول: وهو أفتكها وأخطرها وأشنعها وألعنها وأبغضها: الشرك بالله.

    فهو الذي يمزق القلب, ويودي بصاحبه إلى نار جهنم خالداً مخلداً فيها, لا يخرج منها أبد الآباد, ولا يجد نعيماً ولا لذة ولا روحاً ولا رائحة خلود ولا نعيماً ولا قرة عين أبداً. الشرك -والعياذ بالله- قال تعالى فيه: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة:72].

    السبب الثاني: المعاصي.

    فهي تمرض القلب وتجعله محموماً لا يعي ولا يفهم.

    ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل      لم يهده الهاديان السمع والبصر

    بل تجعل القلب مضطرباً لا يسكن إلى شيء.

    السبب الثالث: الغفلة.

    وقد ذم الله أصحابها وأهل الغفلة هم الذين أعرضوا عن تعلم الوحي والذكر ومجالس الخير والتفقه في الدين فهؤلاء أهل غفلة وسوف يأتي تفصيل أمرهم إن شاء الله.

    السبب الرابع: الإعراض.

    وأهل الغفلة آخرون غير المعرضين, فأهل الغفلة الذين سمعوا الوحي والقرآن والخطب والمواعظ لكن على قلوبهم حجاب وغفلة ما استفادوا من هذا وما أفادوا وما نتج فيهم الخير فهؤلاء أهل غفلة, وأهل الإعراض هم الذين ما تعلموا العلم الشرعي ولا تفقهوا في الدين ولا سألوا عن أمور الدين، وسوف تأتي الأدلة والأحاديث والنصوص في ذلك.

    السبب الخامس: الاشتغال بالدنيا.

    بحبها وبصرف الوقت لها وسوف يأتي تفصيل ذلك.

    السبب السادس: كثرة المباحات والإسراف في المطعومات والملبوسات والمشروبات.

    ثم نصل إلى سهام تمزق القلوب، ونقف مع هذه السهام التي مزقت قلوب كثير من الناس, ثم ننفذ إلى آيات الدواء التي في القرآن والتي عالج الله بها قلوب المسلمين ورحم الله بها أرواح المؤمنين، ثم الأحاديث التي تحدث الرسول عليه الصلاة والسلام فيها عن هذا العلاج والدواء، وهو طبيب القلوب بأبي هو وأمي.

    ثم أخبار الذاكرين لله, وفي الأخير: الأنبياء وذكرهم, وفوائد الذكر ثم ننتهي إلى التنبيه الذي أشرنا إليه أولاً.

    1.   

    أقسام مرض القلوب

    أيها المسلمون: الله قسم مرض القلوب إلى قسمين وهذان القسمان ذكرا في القرآن:

    مرض الشبهة (النفاق)

    وهو مرض لا علاج له إلا أن يسلم صاحبه ويدخل إلى الإسلام وإلا فنار جهنم جزاءً موفوراً لا حل له ولا شفاعة من الأنبياء والرسل، وإنما جزاؤه أن يخلد في النار, وهذا المرض هو النفاق، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة:10] هذه في سورة البقرة، وهم المنافقون الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر وهم موجودون في كل قرية ومدينة وملة وعصر وزمان ومكان, فنسأل الله المعافاة من هذا المرض.

    وهذا المرض إذا دخل له علامات:

    1- تعطيل الصلوات جماعة وإن صلّى صلّى رياءً وسمعة: يُرَاءُونَ النَّاسَ [النساء:142].

    2- لا يذكر الله إلا قليلاً, بل يذكر شهوته وطعامه وشرابه وأصحابه وأحبابه وسكناه أكثر من ذكر الله، قال تعالى: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142].

    3- يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم, يمدحون الإسلام والصالحين والذكر، ويعلم الله ما في قلوبهم من بغض للإسلام والدين والمساجد والذاكرين، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206] فهذا المرض الفتاك ذكره الله بأنه مرض وهو مرض النفاق.

    قال ابن تيمية لأحد علماء المنطق من المنافقين: " تب إلى الله، أكثر من الذكر، قال: لا أستطيع, قال: ماذا تحس به؟ قال: أحس على قلبي بظلمات بعضها فوق بعض ".

    ويغلو هذا المرض في بعض القلوب إلى أن يصل بدرجة البغض إلى كل ما يمت إلى الإسلام بصلة حتى وصل الحال ببعض الزنادقة في القرن الخامس إذا سمع المؤذن يؤذن فقال: طعنة وسم الموت, وهذه القصة ذكرها ابن تيمية في كتاب الاستقامة.

    وبلغ ببعضهم إلى أن استهزأ بالقرآن، ومنهم: القاسم بن عبيد الله؛ وهو زنديق ملعون، أحد وزراء بني العباس, دخل عليه أحد العلماء فقال: ذكرني ببعض الحكم؟ فأعطاه آيات, قال: هذا من بقرتكم وآل عمرانكم، أعطنا من حكم سقراط وبقراط , لعنه الله, يقصد بقوله بقرتكم وآل عمرانكم سورتي البقرة وآل عمران, فكان جزاؤه اللعنة وسبب هذا المرض أنه أعرض عن القرآن وعن الوحي.

    الآن في شبابنا اليوم من لا يقرأ القرآن، ولا يقرأ الحديث، ولا يحضر دروس العلم ولا حلقات العلم، وعنده كتب أعداء البشر ككتاب بائعة الخبز كتاب مترجم أمريكي، وكتاب الإنسان لا يقوم وحده، وكتاب كيف تنهي يومك؟، وكتاب كيف تسيطر على عقلك؟ , فيبقى في هلوسه وفي هوس قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126] وقال: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124].

    بشرى لكم أيها الجالسون والسامعون! لا تزدادون جلوساً ولا حضوراً ولا سماعاً إلا وتزدادون معه إيماناً, ولا يزداد المعرض إعراضاً إلا يزداد كفراً ونفاقاً ولعنة, قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:125].

    أحد المناطقة من أهل الزندقة اعترض على شرع الله, واسمه ابن الراوندي وقد ذكرته كثيراً وكان فقيراً، وذكياً لكن ليس بزكي, ذكي العقل -تجد بعض الطلبة يحل المسألة الجبرية ويفهم المعادلات ويجيد حتى لغة الكفار الإنجليزية وغيرها بلبل لكن زنديق- يقول الذهبي في ترجمة ابن الراوندي: " ذكي وليس بزكي ", فيقول في آخر الترجمة: " فحيا الله البلادة بالتقوى، ولعن الله الذكاء بالفجور. وكان هذا الخبيث عند المسلمين يسمى الكلب المعفر، كان هذا الرجل يأكل كسرة خبز، فمر به أحد التجار من المسلمين عبد -وكلنا عبيد لله- مولى عنده خيول وبقر وإبل وغنم، فالتفت إلى السماء -يعني: يتكلم مع الله- قال: أنا ابن الراوندي الذكي من أذكياء العالم وهذا المولى تعطيه الخيول والإبل والبقر أين العدل؟ سبحان الله! ثم رمى الخبز في النهر, سبحان الله! كيف يصل القلب إلى درجة السخط والبغض حتى يتبلد صاحبه فيصبح كالحمار؟! قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    فقسم الله عز وجل الأمراض إلى قسمين: مرض الشبهات وهو مرض الزندقة والنفاق، نسأل الله العافية والمعافاة، وهذا يأتينا -الآن- في أدب الحداثة , أناس تستروا بالأدب وقالوا: حداثة وأسلوب تجديد في الشعر، وهم يريدون قلع الإسلام من جذوره، ويستهزئون بالقرآن وبالرسول عليه الصلاة والسلام وبالدين وبالمساجد, وهذه ثورة عارمة على ديننا ومقدساتنا وملتنا وبلادنا, فهؤلاء في مقام الزندقة وجزاؤهم السيف, ليس لهم حل إلا السيف أو يتولاهم الله بتوبة.

    مرض الشهوات

    وأما مرض الشهوات فذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في قوله: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] قال أهل العلم: هذا المرض هو مرض الشهوة, مرض الزنا وحب الفاحشة, والله يوصي النساء ألا يخضعن بالقول لأنهن إذا خضعن وترققن بالقول طمع المنافق, وطمع الذي في قلبه حب للفاحشة مهما كان ولو كان متأهلاً ومتزوجاً، لكن إذا سمع صوت المرأة ففي قلبه فاحشة وحب للشهوة، والعياذ بالله حتى يقول أحد الشعراء في كلام المرأة:

    وكلامها السحر الحلال لو أنه      لم يجن قتل المسلم المتحرز

    إن طال لم يملل وإن هي حدثت      ود المحدث أنها لم توجز

    هذا ابن الرومي عاش حياته على هذه اللخبطات, لخبطات بعضها فوق بعض, إنسان تجد حياته دائماً يكتب الشعر بعد صلاة الفجر وفي الليل وفي آخر الليل، حياته فقط يطبل ويزمر ويغني ويرقص! ويموت بحصيلة لا شيء؛ حيث قال سبحانه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    الخليل بن أحمد: أحد الصالحين من عباد الله، لكن من أذكياء الناس, بلغ به من ذكائه إلى أن يقول: لأضعن -إن شاء الله- حساباً -يعني: معادلات في الحساب- تذهب به الجارية إلى البقال فلا يظلمها -يعني: البنت الصغيرة تذهب إلى صاحب الدكان فلا يظلمها لأنها تعرف الحساب- فأخذ يتفكر في هذه المعادلات، ودخل وهو يتفكر فالتطم بالسارية في المسجد فوقع على قفاه فمات..! والخطأ منه ليس من السارية خطأ عليه (100%)؛ لأن السارية ما أخطأت ما مشت مكانه, كان هو الذي افترض علم العروض من 15 بحراً, كان يأتي في بيته فيقول: تن تن تن.. على التفاعيل, تن تن تن.. مفاعلتن مفاعلتن فعول.. مفاعلتن مفاعلتن فعول, فعولن فعولن فعولن, فعولن، مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن, حتى اكتشف خمسة عشر بحراً, فما هناك قصيدة تأتي إلا وتضعها على أحد بحوره، وقد اكتشف بعض الأدباء بعده البحر السادس عشر.

    هذا الأديب الذكي كان في بيته يتنتن على أصابعه ويضع علم العروض، فدخل ابنه فرآه يتنتن فذهب يولول ويصيح على أمه قال: جن أبي أصبح مجنوناً, فيقول لابنه:

    لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتني     أو كنتُ أجهل ما تقول عذلتكا

    لكن جهلت مقالتي فعذلتني     وعلمت أنك جاهل فعذرتنا

    يقول الخطيب البغدادي: توفي الخليل فرئي في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي, قالوا: بماذا؟ أبعلم النحو وبالعروض وباللغة؟ قال: لا. والله ما نفعني ذلك شيئاً، ما نفعني الله إلا بسورة الفاتحة كنت أعلمها عجائز في قريتي.

    الشبلي: أحد أئمة الصوفية، كان عنده أذكار هو وصوفيته وليس بذكر شرعي، وإنما يجلسون حلقات في المساجد يقولون من ذكرهم: حي حي حي..! أي: الله حي, وليس هذا بذكر شرعي, ذكر بدعي, فيأتون أحياناً فيتحلقون، لأن الله يقول: إِلَّا هُوَ [البقرة:255] فقالوا: "هو" هذا اسم الجلالة الأعظم, فكانوا يجتمعون ويقولون: هو هو هو.. هو هو.. قال بعض أهل العلم: هذا نباح كلاب وليس بذكر, توفي قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: طاحت تلك الإشارات وانمحت تلك العبارات، وما بقي لنا إلا سحرات أو ركعات في الأسحار، غفر الله لنا بها وهو الواحد الغفار.

    زبيدة امرأة هارون الرشيد أم الأمين ذهبت تحج وكانت قافلتها أولها في أول بغداد وآخرها في آخر بغداد , ذهبت تحج فرأت الحجيج في ظمأ وفي تعب وفي ضنك, فأجرت عين زبيدة التي تعرفونها الآن, وأنفقت عليها ملايين الآلاف من الدراهم والدنانير, وتوفيت, رآها ابنها أو أحد قرابتها وهي في هيئة حسنة -الحمد لله ما أتانا من فضل فمن الله وما أتانا من تقصير فمن أنفسنا- قال: يا أماه ما فعل الله بك؟ قالت: كدت أهلك وأذهب هباءً منثوراً, قال: بماذا؟ قالت: ما تشاءمت وما كاد يهلكني إلا عين زبيدة , قال: سبحان الله! أسقيت الحجيج وأرويتهم الظمأ وتهلكك؟ قالت: إني قصدت بها رياء الناس, قال: فماذا نفعك؟ قالت: نفعتني ركعتان في السحر كنت إذا أسحر الليل توضأت وخرجت في شرفات القصر فأشرفت فنظرت إلى النجوم فقلت: لا إله إلا الله أقضي بها عمري, لا إله إلا الله يغفر بها ربي ذنبي, لا إله إلا الله أدخل بها قبري, لا إله إلا الله أقف بها في حشري, فأنقذني الله بهاتين الركعتين. فهنيئاً لمن أخلص واجتنب النفاق والرياء والسمعة وكان على صراط مستقيم.

    الشاهد أن مرض الشهوة ومرض الشبهة يحدث لكثير من الناس: فأما مرض الشبهة فقد تكلمنا عنه, وأما مرض الشهوة ومرض حب الفاحشة يتصل بالهاتف بامرأة معصومة دينة فترخي صوتها فتقع الشهوة في قلبه, ويتمنى أن يفعل الفاحشة, يطرق الباب عليها فترخي صوتها فيطمع في الفاحشة, وهذا كالذئب الضروس العادي لا يعصمه إلا الإيمان, وقد سئل ابن تيمية عن مرهم ذلك, قال: المرهم أن تبتعد عن مواطن الريبة هذا أولاً, الثاني: أن تكثر الذكر, الثالث: أن تدعو وأنت في السجود: يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك.

    1.   

    تفصيل أسباب مرض القلوب

    الشرك والشك يجعل الإنسان حيواناً بلا عقيدة

    وهذا يمزق القلب حتى يصبح الإنسان ليس له قلب, ويعيش كالحيوان وكالبهيمة, قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] ويصبح الإنسان في درجة الحيوان بل الحيوان أشرف منه، فيعيش بلا عقيدة وبلا إيمان ويأكل ويشرب ويغني ويرقص ويزمر، لكن ليس له عقيدة، فحظه في الدنيا الهم والغم والرعب والهلاك، وحظه في الآخرة الخلود في نار جهنم، والعياذ بالله!

    قال نوح عليه السلام لابنه وهو في سكرات الموت: يا بني! لا تشرك بالله, أرأيت مثل من أشرك؟ قال: لا. قال: مثل من أشرك كمن أخذ سيفاً فقطع جسمه إرباً إرباً, وقيل في مثله وهذا في القرآن: كمن هوى من السماء فتخطفه الطير فتمزقه مزقاً مزقاً وقطعاً قطعاً أو تهوي به الريح في مكان سحيق.

    المعاصي تمرض القلوب

    إن المعاصي تستحوذ على القلب حتى تحجب عنه الرؤية ولا يسمع ولا يعي ولا يفهم ولا يعقل، فيصبح كتلة من لحم, فيه نبض من دم لكن لا يعي شيئاً، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13].

    والمعاصي قال عنها سبحانه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] والمعاصي بأقسامها تجتمع على قلب الإنسان حتى تفتك به فتكاً ذريعاً، فلا يحب الخير ولا الذكر ولا الدعوة ولا العلم ولا يتفقه في الدين, ويصبح رجلاً شهوانياً كالثور أو كالحمار أو أي حيوان, وقد ذكر الله صاحب المعاصي في القرآن، فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].

    الغفلة تصيب القلب بالمرض

    والغفلة -يا عباد الله- يعيشها الإنسان ولو كان في وسط المدينة وبين العلماء والدعاة, وتجد الإنسان مبهوتاً يسمع الذكر والموعظة والخطبة، ولكنه لا يتغير في سلوكه شيء, وهذا لأنه غفل عن ذكر الله عز وجل, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:97-98].

    ولهذا وصف أبو هريرة الرجل الغافل بأنه يدخل المسجد فيشدق الشيطان لحيه، فينظر إلى سقف المسجد ولا يذكر الله, وهذه صور كثيرة, قد تجد الإنسان يدخل قبل الصلاة بنصف ساعة, فينقر ركعتين -على كلام الشيخ كشك هبد بركعتين- يقول أحد الناس من جهة مصر من الصعيد تاب الله عليه فاهتدى فأخذ يصلي وعنده غنم, فلما صلّى الصلاة الأولى ماتت شاة بقضاء وقدر من الله عز وجل, صلّى العصر فماتت الثانية, صلّى المغرب فماتت الثالثة، صلى العشاء فماتت الرابعة، صلى الفجر فماتت الخامسة, الغنم بها مرض والرجل يظن أنها ماتت بسبب الصلاة, فترك الصلاة ولكن ما بقي إلا شاة واحدة فأخذت تقفز وتضبح وتصيح من الجدار وهي مربوطة بحبل فأخذ يسحبها ويجرها ويقول: اسكتي والله إن لم تسكتي وإلا أهبدك بركعتين!! يقول: تتوبين وإلا أهبدك بركعتين تلحقك بالدار الآخرة!!

    وبعض الناس يدخل المسجد يهبد بركعتين وهي من أثقل الأشياء عليه, حتى تجده متثاقلاً من الصلاة، الذي يقتني الغناء والطرب والموسيقى والمجلة الخليعة والمسلسل تجده يصلي، لكن يظهر عليه الاكتئاب والقلق والفتور والبرود؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول عن المنافقين: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] {سئلت عائشة: كيف كان صلى الله عليه وسلم يقوم لصلاة الليل؟ قالت: كان إذا سمع المؤذن وثب} وثباً -كالأسد- يقف واثباً عليه الصلاة والسلام, قال تعالى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] وقال: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص:45] أي: يأتون إلى الصلاة بحرارة, إنسان يأتي بارداً لا يقبل، ولله المثل الأعلى: لو أن مسئولاً جالس وأتاه إنسان يقدم له هدية أو معروضاً فأتاه فمشى مشية المتباطئ ثم نظر له ببرود ثم أعطاه باليسرى المعروض وهو على أمتار وما صافحه ولا سلم عليه, هذا يرده على وجهه ولا ينظر إليه ولا يلتفت -ولله المثل الأعلى- تجد من الناس من إذا أتى إلى المسجد فهو أول من يخرج وآخر من يدخل, فإذا دخل المسجد وقف في طرف الصف وحتى وقفته ليست معتدلة, ثم يضع يديه ويبدأ في تفكيره واحتكاكه وإخراجه لنقوده وشروده وفي مذكراته وإنهاء شغله فتطول الصلاة, وأول من يخاصم في المسجد هو إذا طوّل الإمام قال: حسبنا الله ونعم الوكيل! الدين يسر, الرسول يقول: {من أَمَّ منكم بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف والصغير وذا الحاجة} فيحفظ أحاديث الرخص، أما أحاديث العزائم فلا يحفظ منها شيئاً, فهذا يأتي إلى المسجد قال أبو هريرة: [[فإذا انتهى نظر أعلى السقف]] لا تجده يسبح أبداً، بل يأخذها فرصة إذا تكلم جاره معه تكلم, ولذلك تجد في المساجد من يتكلم بين الأذان والإقامة دائماً لا يقرأ ولا يسبح وإنما كلام دائم, يسلم، يا فلان! متى قدم ولدك؟ يتأخر هنا.. تزوجت ابنتك.. ماذا أتى لفلان؟ سمعت بأمطار.. وإلى الأسعار والأمطار، الأخبار، الأشجار، التجار، الفجار، كلها أصبحت في المساجد, وهذه علامة الغفلة عن الله وعن أمره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    عدم حب مجالس الخير يزيد في مرض القلب

    تدعوه إلى درس وإلى محاضرة قال: الحمد لله الناس عندهم خير وتعلموا، الإعلام يبث، والصحف تعلم، والتلفاز والراديو لم يعد هناك جهل!! سبحان الله! سعيد بن المسيب علامَّة التابعين وسيد التابعين يجلس مع مولى في المدينة يتعلم منه قالوا: ما لك وأنت عالم الناس تجلس معه وهو من تلاميذك؟ قال: لأن الله يغشى هذه المجالس بالرحمة فأريد أن يغشيني معهم, هم القوم لا يشقى بهم جليسهم, الله يقول لهذه المجالس: {انصرفوا مغفوراً لكم فقد أرضيتموني ورضيت عنكم, فتقول الملائكة: يا رب! إن فيهم فلاناً إنما أتى هكذا} لأن بعض الناس يأتي لا لغرض المحاضرة ربما يريد مفتاح السيارة ومفتاح زميله لكن تورط زميله في الصف الأول فينتظر متى يقوم, أو رأى السيارات اجتمعت وأغلقت عليه طريق سيارته ولا يخرج إلا في آخر الدرس فجلس، قال: {وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم}.

    وقف سفيان الثوري يوم عرفة فبكى, يوم الحج الأكبر يوم يتجلى الله للناس, فقال: [[يا رب! إنك تغفر للجليس بجلسائه اللهم فإني لا أعلم أفجر مني في أهل الموقف اليوم، اللهم فاغفر لي معهم]] سفيان الثوري؛ سيد التابعين، زاهد الدنيا, أمير المؤمنين في الحديث، يقول: إنه أفجر أهل عرفات!

    يقول عبد الله بن المبارك -وهذه ليست قصيدة الشافعي -:

    أحب الصالحين وأنا لست منهم      وأبغض الفجار وأنا أفجر منهم

    سبحان الله يا هذا التواضع!! ابن المبارك يقول أحد تلاميذه: سافرنا معه فرأيناه يقرأ كما نقرأ في المصحف, ويصلي كما نصلي, ويصوم كما نصوم, قلت في نفسي: سبحان الله! يصلي ابن المبارك كما نصلي، ويصوم كما نصوم، ويقرأ القرآن كما نقرأ القرآن، فلماذا رفعه الله علينا؟! قال: أتى ليلة من الليالي ونحن في غرفة فانطفأ علينا السراج, فذهبنا نلتمس السراج فأتينا به فلما أسرجناه فإذا دموعه من رأس لحيته, قلنا: ما لك؟ فأخذ يكفكف دموعه قال: والله تذكرت القبر بهذا البيت, فقال التلميذ: فعلمنا أن الله رفعه بالخشية.

    يقول الذهبي في كتاب قضِّ نهارك مع ابن المبارك -كتاب ذكروا عنه لكني ما رأيته مطبوعاً لكنه مكتوب في ترجمته: قض نهارك مع ابن المبارك - حج من خراسان فقال لأهل خراسان: من يريد منكم الحج؟ فأخبروه قال: من يريد الحج منكم فليدفع نفقته التي يحج بها, فدفعوا النفقة فوضع كل إنسان نفقته في صرة فأخذ نفقاتهم فوضعها في صندوق في بيته وأغلق عليها, وأخذ من ماله وكان تاجراً غنياً أغناه الله عز وجل فأنفق عليهم في طريق الحج حتى ذهبوا إلى مكة , ثم زاروا مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم, ثم قال: اشتروا لأصحابكم هدايا من أموالكم كأنه ينفق عليهم من مالهم, فاشتروا هدايا لأهلهم, فلما عادوا إلى خراسان ضيفهم جميعاً ثم أخرج الصندوق فوزع عليهم أموالهم جميعاً, قالوا: كيف وقد صرفناها؟ قال: الله يبارك للحاج في نفقته, وهو لم يصرف من أموالهم درهماً, والحجة الثانية حج بها من خراسان , كان أهل خراسان إذا خرج ابن المبارك يبكون كلهم من أطفال ونساء حتى اليهود, يقول:

    إذا سار عبد الله من مرو ليلة     فقد سار منها نجمها وهلالها

    إذا ذكر الأخيار في كل بلدة     فهم أنجم فيها وأنت هلالها

    خرج بهم فأصبح عند الكوفة يريد الحج، فخرجت امرأة ضعيفة مسكينة فأتت إلى مزبلة فوجدت غراباً أو طائراً ميتاً في المزبلة فأخذته, وذهبت إلى البيت فقال: الله المستعان! قم يا فلان فاسألها لماذا أخذت هذا الغراب؟ فطرق عليها الباب قال: لماذا أخذت الغراب؟ قالت: والله ما لنا طعام منذ ثلاثة أيام إلا ما يلقى من ميتة في هذه المزبلة, فرجع وأخبر ابن المبارك فبكى! وقال: سبحان الله! نأكل الفالوذج -وهي حلوى من الدقيق والماء والعسل- وهؤلاء يأكلون الغربان الميتة, عودوا بالقافلة واصرفوها لأهل هذه القرى وأخلف الله عليكم وأستودعكم الله في حجتكم في هذه السنة أي: لا حج, فصرفوا جميع القوافل بما عليها من ثياب وحبوب وزبيب ولحم وبر، وعاد بالجمال ليس عليها شيء إلى خراسان وترك الحج, فنام أول ليلة, ورأى قائلاً يقول في المنام: حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور, فرضي الله عنه وأرضاه وعن أمثاله من الصادقين المخلصين.

    وإنما تكلمت عن هذه النماذج لأنها دائماً توصلك إلى رضوان الله الواحد الأحد, وتقربك من طاعته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالغفلة تعتري القلوب يوم أن تعرض عن طاعة الله عز وجل، وتجدها في الناس بألسنتهم لا يحبون الذكر ولا استماع الخير ولا القرب من المذكرين والواعظين, يقول عطاء بن أبي رباح: [[مجلس الذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللغو]] كم جلسنا مجالس اللغو، كم استمعنا للغناء، كم ضعنا في حياتنا، مجلسك مرة واحدة هنا أو هناك في مجلس من بيوت الله يكفر عنك سبعين مجلساً من مجالس اللغو, فهنيئاً لكم، أنتم في روضة من رياض الجنة.

    الإعراض عن التفقه في الدين من دواعي مرض القلوب

    الإعراض عن تعلم العلم وعن التفقه في الدين وعن معرفة سنن سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام:

    تجد بعض الناس يعرف كل شيء إلا الدين, ويفهم كل شيء إلا أسرار الصلاة وأسرار عبادة الله عز وجل, ربما يستطيع أن يهندس السيارة وأن يخلعها وأن يشلحها مسماراً مسماراً, لكن إذا أتيت به إلى حديث قال: لا أدري أنا مهنتي لا أطلب الحديث, أنا لست مطوعاً! أنا خلقني الله هكذا اتركني آكل وأشرب والله عز وجل غفور رحيم, والله ينظر إلى أعمالنا وإن كنا مقصرين, ولا يغرك الذي يتكلمون ويتحدثون! نحن نعرفهم!

    فتجده معرضاً عن تعلم العلم، قال عليه الصلاة والسلام كما عند البخاري: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكان منها أرض إنما هي أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا, وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك كمثل من نفعه الله بما بعثني به فعلم وعلَّم, ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} رواه البخاري عن أبي موسى وهو عند مسلم أيضاً.

    والرسول عليه الصلاة والسلام قسم الناس في هذا الحديث ثلاثة أقسام:

    1- قسم علم وتعلَّم وعلّم الناس فهو في منزلة بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

    2- وقسم تعلم لنفسه وتفقه في الدين، فهو كالروضة الغنّاء أو كالغدير أو كالوادي الطيب الذي حبس الماء، فالناس يسقون أو يشربون منه لأنه في مكانه لا يأتيك منه إلا كلمة طيبة, إن زرته في بيته وجدت كلمة أو موعظة أو اهتداء أو أمراً حسناً, أقام بيته وأصلح شأنه، فله الشكر وله الثناء الحسن, لكن ما تعدى إلى الآخرين, وما وصل نفعه إلى الناس.

    3- وقسم لا نفع نفسه ولا انتفع به بيته ولا ولده ولا تفقه ولا تعلم ولا عرف أمور دينه ولا علم الناس, فهذا بمنزلة الأرض السبخة؛ انظر الأراضي الآن التي تأتي على شواطئ البحار المالحة، لو نزل المطر عليها صباح مساء ولو ألف سنة ما أنبتت ولا أثمرت.

    فنسأل الله أن يجعلنا من الأرض الطيبة وأن ينظر إلينا بنظر خير، فإنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين} والمعرض عن الله هو الذي لا يتعلم العلم, ولا يحضر مجالسه, ولا يستفتي العلماء ولا يتفقه في الدين, ويشمله قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126] يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: وهو من كفار قريش عندما أسلم فدخل في أستار الكعبة أو ثوب الكعبة فاستتر به رضي الله عنه وأرضاه قال: فخفت على نفسي فدخلت في ثوب الكعبة أستتر بستارها, فمرّ ثلاثة أو أربعة من المشركين كثيرة شحمة بطونهم قليل فقه قلوبهم, فيقول أحدهم للآخر: أتظن أن الله يسمعنا إذا تكلمنا؟ قال زميله له: إذا رفعنا أصواتنا سمعنا وإذا خفضنا لم يسمعنا -أي: الله عز وجل- هذا في الإعراض والغفلة.

    قال عمار بن ياسر: {أرسلني صلى الله عليه وسلم لأعلم أناساً في البادية في غدير الخضمات تجاه المدينة، فذهبت إليهم فعلمتهم القرآن والحديث والسنن, فإذا بأناس معرضة قلوبهم، ميتة أرواحهم لا يريدون القرآن ولا العلم ولا الذكر, إنما همهم رعي الإبل ومطاردتها، فأتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: دعهم, أي: ما أراد الله أن يسمعهم خيراً} حتى تجد من الناس من اهتماماته صباح مساء الدنيا وليس له هم ولو نصف ساعة في هذا الدين.

    الاشتغال بالدنيا من أسباب مرض القلب

    من أسباب مرض القلوب: الاشتغال بالدنيا وتقديمها على الدين, ونحن لا نقول: الدنيا حرام, ولا نقول للناس: لا تبنوا بيوتاً ولا تشتروا سيارات ولا تتزوجوا، هذا لا يقوله أحد من العلماء, وإنما نقول: يا أيها المسلمون! أعدوا العدة للقاء الله عز وجل, قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] وقال: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197].

    أترضى أن تكون رفيق قوم      لهم زاد وأنت بغير زاد

    فما هو زادك عند الله عز وجل؟ لكن أما كثرة الانصراف إلى الدنيا، أما إعطاؤها الاهتمامات والساعات الطويلة ليل نهار, وجعل الدين دقائق معدودة, فهذا من أسباب مرض القلب -والعياذ بالله- فيصبح القلب مريضاً, حتى تجد بعض الناس لا يرتاح للذكر في المجالس, يريد أن تحدثه عن العقار، عن البيع والشراء، عن الشركات السياحية، عن الصرافة، عن الأسعار، عن الأشجار، وعن الأخبار، لكن الدين لا يريدك أن تحدثه عنه, وهذا من غفلة القلب ومن الإقفال عليه ومن إعراضه عن مولاه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ حيث قال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

    كثرة المباحات والإسراف فيها تجعل القلب مريضاً

    فكثرة الأكل والشراب، وكثرة الضحك والخلطة بالناس، وكثرة المزاح والنظر والنوم كلها تجعل القلب مريضاً وتزيد من مرض القلب، شافى الله قلوبنا وقلوبكم.

    1.   

    الأسهم التي تمزق القلب

    النظر إلى المحرمات سهم من سهام إبليس

    أما السهام التي تمزق القلب فهي ثلاثة سهام, كل سهم إذا انطلق على القلب مزقه وأحرقه وقطعه تقطيعاً.

    إن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه سهم مسموم من سهام إبليس, من غض بصره أبدله الله حلاوة إيمان أو إيماناً يجد حلاوته في صدره, والنظر هذا قد يصيب الإنسان بنظرة واحدة تضيع عليه دنياه وأخراه, وقد ذكروا في تراجم بعض الناس أنه نظر إلى امرأة فأصابه مرض العشق فتولّه فترك الصلاة فأتاه المرض حتى مات على الفراش.

    وذكر ابن القيم: أن رجلاً نظر إلى امرأة لا تحل له، فتولّه قلبه، فأخذ يمرض..يمرض.. حتى حضروه في سكرات الموت -والذين ماتوا بالعشق كثير, حتى قال ابن عباس: [[أعوذ بالله من العشق]]-- فلما أتوا يقولون له: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ وحمام منجاب هذا حارة في بغداد طريق محبوبته هذه التي عشقها هناك.

    مجنون ليلى لما أعرض عن ذكر الله عز وجل وعن الرضا والسكون إلى الله أصابه الله بمرض العشق فمرض حتى مزق ثيابه ومات مرمياً في صحراء نجد , حتى يقول من ضمن أبياته:

    وأخرج من بين البيوت لعلني      أحدث عنكِ النفس بالسر خاليا

    وإني لأستغشي وما بي غشوةٌ      لعلَّ خيالاً منكِ يلقى خياليا

    فبكى حتى بكى له الناس, ثم مزق ثيابه ثم أكل بعض جسمه ثم مات, فهذه خاتمة سيئة وهو بسبب سهم النظرة.

    دواؤها: أن تغض بصرك، وأن تسأل الله العافية والمعافاة والسلامة، وأن تكثر المطالعة في كتاب الله عز وجل, وأن تصرف قلبك عن هذه الأفكار والوساوس والهموم.

    الغناء سهم فتاك

    وكم فتك الغناء في مجتمعاتنا من بيوت؟! وكم خرب من أسر؟! ولا إله إلا الله كم صرف من إرادات؟!! وكم عطّل من قلوب؟! وكم ضيع من شباب؟! يتمثل في الموسيقى, وفي الأغنية التي يصحبها الشريط أو الفيديو أو المسلسل أو المسرحية أو العرض أو حفلة سمر فيها غناء, ولذلك سَخَّر الشيطان بعض جنوده في شباب، فحملوا معهم أعواداً وقضوا لياليهم في طرب, رأيناهم بأم أعيننا ونصحنا بعضهم لكنهم كانوا يرون هذه النصائح أنها لا داعي لها وأنها من التدخل في شئون الغير, وأنها من الجرح لشعورهم.

    ولكن إذا بلغتهم النصيحة فقد بلغت, فكلامي لمن عرف مستقبله عرف حياته، فلا يصرف حياته في هذا الأمر, يلقون مقابلة مع بعض المغنيين: كيف شققت طريقك في الحياة..؟!! كيف حصّلت هذا المستوى الراقي..؟!! يسمونه نجماً وليس بنجم.

    الحاكمون وواشنطن حكومتهم     اللامعون وما شَعُّوا وما غربوا

    فيقولون: كيف لمع نجمك..؟! قال: بدأت من الصفر.. وشققت حياتي.. وصابرت وثابرت حتى بلغت إلى هذا المستوى..!! مستوى والله لا تحسد عليه!! مستوى الموت أحسن منه, مستوى عيب وخيبة وندامة وقلة مروءة, أفمستوىً أن تصبح طبالاً مزمراً مغنياً تصرف قلوب الناس عن هداية الله وعن القرآن الكريم وعن ذكر الله عز وجل إلى هذا المستوى؟! أي مستوى هذا؟!!

    فينخدع كثير من الشباب فيصبحون إلى هذا المستوى, فحذار حذار! من الغناء, والذي أنبه عليه في الآخير سوف يتجلى لنا في دورنا وفي مجتمعنا كمسلمين, لأن أمامي مئات الناس كلهم دعاة وأعلم بذلك إذا حملوا الحماس والغيرة، وهو الذي سوف أتحدث عنه بعض وقت إن شاء الله.

    الغيبة والنميمة تفتك بالقلب

    إن الغيبة والنميمة وما يدخلها من فحش ومجون وبذاء تفتك بالقلب وتضيع طريقه عن الله عز وجل قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وقال: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

    ووجد -أيها الإخوة الكرام- أن كثرة الكلام تقسي القلب قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[إياكم وكثرة الكلام بغير ذكر الله فإنها قسوة]] وقال علي: [[عجباً لكم! عندكم الداء والدواء ولا تستخدمون الدواء]] أو كلمة تشبهها, الداء الذنوب, والدواء ذكر الله عز وجل.

    1.   

    دواء القلوب

    ذكر الله أنفع دواء

    نأتي الآن إلى دواء القلوب وعلاج القلوب، وتعالوا نتعاهد سوياً ونضع الأكف بالأكف ونبدأ مسيرة التوبة والصدق مع الله عز وجل، فما هو العلاج؟

    أجمع العقلاء من علماء الإسلام أن أكبر دواء، وأحسن بلسم وأنه علم الولاية، وأنه النهر المضطرب بالماء العذب، وأنه الظلال الوارفة، وأنه البلسم الشافي بإذن الله هو ذكر الله, فتعالوا كما قال أحد العلماء لتلاميذه وإخوانه وأصحابه: تعالوا نتعاهد على ذكر الله صباح مساء قياماً وقعوداً وعلى جنوبنا قال تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191] وقال: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    دخل أبو مسلم الخولاني وهو أحد الصالحين من التابعين، وكان لا يفتر لسانه أبداً عن ذكر الله, يقول في بعض الآثار، وهو حديث لكن في سنده نظر: [[اذكر الله حتى يقول الناس: إنك مجنون]] وفي بعضها: [[اذكروا الله حتى يقول المنافقون: إنكم مجانين]] لأن الذاكر في المجلس أو في المكان تراه يتمتم فيقول الذي لا يعرف الذكر: هذا يتمتم ويهلوس, أو موسوس, أو مجنون.

    فـأبو مسلم هذا كان لا يفتر لسانه من ذكر الله وشفتاه أيضاً, دخل على الأسود العنسي الذي ادعى النبوة في صنعاء في اليمن , فقال له الأسود: أتشهد أني رسول الله؟ قال: كذبت عدو الله, رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام, قال: والله لأحرقنك بالنار -أو حلف بآلهته- فجمعوا له حطباً وأرادوا أن يلقوه فكتفوه وحملوه فقال: حسبي الله ونعم الوكيل, وقع في النار فإذا هي برد وسلام, ثم خرج من النار؛ فقال الأسود العنسي: هذا ساحر, أخرجوه من اليمن لا يسحر علينا الناس, ثم وصل إلى المدينة فاستقبله أبو بكر وعمر وعانقاه وقالا: [[مرحباً بالذي جعله الله كالخليل إبراهيم في هذه الأمة]].

    ودخل على معاوية بن أبي سفيان ومعاوية خليفة ومعه وجهاء الناس، فأخذ أبو مسلم يتمتم بذكر الله عز وجل, فقال معاوية: أبك جنون يا أبا مسلم؟ قال: بل حنون يا معاوية.

    ولذلك كان يقول أهل العلم في بعض السير والتفاسير: إن موسى عليه السلام لما أتى يطرق الباب على فرعون أتى يدعوه إلى الله عز وجل, أتى يبصره بالهداية, أتى موسى راعي غنم كان يرعى الضأن عنده عصا وإزاره ورداؤه من صوف, يقول الله: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24] قال أهل العلم: كان على سور فرعون ستة وثلاثون ألف حارس, فأتى موسى عليه السلام في الطريق فلما وصل إلى الباب الأقصى من باب القصر ضربه بالعصا بقوة, فقال له الحارس: أمجنون أنت؟ قال: عندي دواء المجانين, أنا لست مجنوناً لكن أتيت أحمل دواء المجانين, فقالوا لفرعون: عندنا مجنون عند الباب يضرب الباب ويقول: يريد أن يدعوك إلى إله ومعه أخ له, لأن موسى يقول: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:29-32] لماذا؟ قال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً [طه:33] بدواء القلوب التسبيح ونذكرك كثيراً [طه:34].

    فقال فرعون: أدخلوه نضحك عليه هذا اليوم, يريد أن يتمتع ويضحك على هذا المجنون, فدخل فكانت القصة.

    فالشاهد: أن دواء الجنون ودواء الإعراض هو ذكر الله عز وجل, ويقول سبحانه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب:35].

    متى يكون الإنسان المسلم من الذاكرين الله كثيراً؟

    أجاب ابن الصلاح ونقل جوابه كما في كتاب الأذكار أنه قال رحمه الله: من ذكر الله في الأذكار الشرعية صباحاً ومساء، وأدبار الصلوات، وعند الطعام وعند القيام من الطعام، وعند النوم، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند دخول المسجد والخروج منه وذكر السفر والأذكار الشرعية الثابتة فهو من الذاكرين الله كثيراً.

    وقال بعضهم: وقد نسب لـابن عباس، وهو في كتاب الأذكار: أن تذكر الله حضراً وسفراً، وفي حلك وإقامتك، وفي السراء والضراء, وقال بعضهم وهو اختيار الغزالي: ألا يزال لسانك رطباً من ذكر الله دائماً وأبداً.

    روى عبد الله بن بُسر والحديث للترمذي { أن رجلاً قال: يا رسول الله! وإن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله} وهذا أحسن الكلام وأجمع العبادة!

    وقال ابن تيمية في المجلد العاشر من فتاويه لما سئل عن أفضل الأعمال؟ "يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال, ولكن فيما أعلم أن أفضل الأعمال وهو شبه إجماع بين أهل العلم أنه ذكر الله عز وجل, قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ". ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الأحزاب:41-42] وقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق:39] وقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:24]. فوصيتي لنفسي ولكم أن تدخلوا ذكر الله في بيوتكم.

    وما هي الأذكار الشرعية؟ أدلكم على الأذكار للنووي وكتاب الوابل الصيب لـابن القيم , وكتاب الكلم الطيب لـابن تيمية , هذه الكتب الثلاثة سوف تدلكم بإذن الله على الأذكار صباح مساء، وإذا أخذها الواحد منكم فسوف يتعلم منها الذكر وسوف يكون -إن شاء الله- على بصيرة.

    1.   

    بعض الأذكار الشرعية

    ولا بأس أن أذكر بعض الأذكار؛ لأن منكم ربما يأخذ هذا الشريط الذي تسجل فيه هذه المحاضرة فيسمع أهله وقرابته وجيرانه وإخوانه.

    أذكار من السنة

    من الأذكار الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم التي كان يقولها ويرددها كثيراً وهو في صحيح البخاري عن شداد بن أوس -وهو سيد الإستغفار، وأوصيكم به- أن يقول: {اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} حديث صحيح.

    ومنها: الحديث الذي سنده حسن وهو يمحي أكثر الشرك أو جله ودقه وأكثره وأقله ولا يبقي من الشرك ذرة: {اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم}.

    ومنها: الحديث الثالث الصحيح الذي يجمع لك أفضل ما يقوله الناس في أيامهم ولياليهم وهو: {سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته} تقول هذا ثلاث مرات.

    ومنها: الحديث الحسن إذا قلته مرة أعتق الله ربعك من النار, وإذا قلته مرتين أعتق الله نصفك من النار, وإذا قلته ثلاثاً أعتق الله ثلاثة أرباعك من النار, وإذا قلته أربعاً أعتقك الله من النار, وهذا الحديث صحيح السند أو حسن تقول في الصباح والمساء وهو: {اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك} تقوله أربع مرات إذا أصبحت وأربع إذا أمسيت.

    وتقول إذا أصبحت ثلاثاً: {أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق}.

    وتقول إذا أصبحت ثلاثاً وإذا أمسيت ثلاثاً: {باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء هو السميع العليم}.

    وتقول إذا أصبحت ثلاثاً: {رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا}.

    وتقول ثلاثاً إذا أصبحت وثلاثاً إذا أمسيت: {اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور}.

    وإذا أمسيت تقول: {اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير}.

    والدعاء الثابت الصحيح: {اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره على مسلم}.

    ومن الذكر أن تقول: {أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه} ثلاث مرات, ومنها ثلاث مرات: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.

    أذكار من القرآن

    أما من القرآن فأوصيكم بآيات تقرءونها صباح مساء يعصمكم الله من الصرع, صرع الجان الذي يتلبس بكثير من الناس لقلة ذكرهم, ويعصمكم من الحوادث المزرية والانقلابات, ويعصمكم من المعاصي الكبار التي يقع فيها كثير من الناس لقلة ذكرهم, ومن الهموم والغموم والأحزان والمشكلات, فعليكم بالفاتحة, والخمس آيات الأول من سورة البقرة, وآية الكرسي, وآخر آيتين من سورة البقرة, وأول آل عمران, وآخر التوبة سبع مرات حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:129] وآخر الحشر هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر:23] إلى آخر السورة هذه الآيات, ومنها ألم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:2-3] وسورة الإخلاص ثلاثاً, وسورة الفلق ثلاثاً, وسورة الناس ثلاثا, إذا فعلت ذلك حفظك الله سراً وظاهراً وعلانية، وحفظ عليك إيمانيك لا يمسك جان ولا تأتيك -إن شاء الله- مصيبة أو كارثة تضيع عليك دينك, ولا تحدث وورطة أو يأتيك هم وغم وجرّب ذلك فهو دواء القلب من مرضه.

    أما الرسول عليه الصلاة والسلام فيوصينا بأذكار ويبين لنا فائدة الذكر ويقول للصحابة وهم في طريق مكة والمدينة: {سيروا هذا جمدان سبق المفردون, قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات} رواه مسلم , والذاكرون الله كثيراً الذي يذكرون الله دائماً وأبداً في كل مكان، وسوف أبين فوائد الذكر بحول الباري.

    ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم عند البخاري عن أبي موسى: {مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت} وقوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] أي: بذكر الله.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: {لَأَن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس} رواه مسلم وفي لفظ: {أو غربت}.

    ومنها: في البخاري قوله عليه الصلاة والسلام: {من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة؛ كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب، وكانت حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل بعمله أو زاد على ذلك} ومن قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربع رقاب: {من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت كزبد البحر} وعند الترمذي بسند صحيح: {من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة}.

    1.   

    فوائد الذكر

    وأسهل الأعمال ذكر الله عز وجل, فتعالوا إلى فوائده.

    ذِكر الله يرضي الرحمن ويطرد الشيطان

    الذِّكر ينمي الحسنات ويمحو السيئات

    فلا أرفع في الميزان يوم القيامة من ذكر الله, قال أبو الدرداء: [[من داوم على ذكر الله دخل الجنة وهو يضحك]].

    ذِكْر الله يشرح الصدر ويوسع القبر

    فإن قبور الذاكرين وسيعة وفسيحة, وصدروهم منشرحة طيبة, وروائحهم جميلة, ومبادئهم أصيلة, وعليهم هالة من النور؛ لأنهم ذكروا الواحد الأحد.

    ذكر الله يحفظ الأوقات ويجمع الشتات

    فلا يحفظ الوقت كذكر الله, تذكره في السيارة وفي الطائرة وفي السفينة وأنت جالس وأنت ماش وأنت على جنبك, وأما المصلي فإنه قد لا يصلي إلا في بعض الأحيان, قد لا يستطيع أن يصلي وهو على فراشه أو في الطائرة أو في السفينة، والصائم قد يشق عليه الصيام، والمنفق والمتصدق قد تشق عليه النفقة والصدقة, لكن هذا الذكر أسهل موجود وأغلى مفقود وهو أرفع شيء.

    فتعالوا نتواصى به ونستمر عليه, فإن الذاكر يغلب المنفق ويغلب الصائم ويسبق كل أحد من الناس؛ لأن أفضل العبادة ذكر الله تبارك وتعالى.

    ذِكْر الله يجلب أعظم الفوائد ويعين على الشدائد

    إذا صعدت الجبل فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله, وإذا حملت الثقل، وإذا أتتك ملمة ومدلهمة ومصيبة فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل! وإذا رأيت منظراً من مناظر الطبيعية التي أوجدها الله وخلقها أعجبك فقل: سبحان الله! وإذا رأيت نعمة في نفسك فقل: الحمد لله, وإذا تذكرت ذنباً فقل: أستغفر الله! وإذا أتتك مصيبة فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون! هذه جميعاً تعينك على الشدائد وتجمع لك أعظم الفوائد, ولكن أين من يتنبه؟!

    الذِّكر أسهل الأعمال ولكنه أشرف الخصال

    ما أسهل الذكر! وأنت على فراشك يمكن أن تسبق الصائم وتسبق المنفق والمصلي, وأنت على فراشك يمكن أن تغلب الذي يجهد نفسه في بعض الأعمال؛ لأنك ذكرت الله بحضور قلب, فعليك بالذكر.

    الدوام على ذكر الله حصن وحبل من الحق متين

    فلا تأتيك الوساوس، وما ظهرت الأمراض النفسية وفتحت المستشفيات إلا من قلة ذكر الذاكرين وإعراضهم عن الوضوء والصلاة، وقراءة القرآن والأذكار الصباحية والمسائية، وعن الدعاء؛ فأصيبوا بالهموم والغموم حتى بلغوا درجة الهلوسة والجنون، نسأل الله الحفظ والرعاية.

    التعود على الذِّكر يكسو الوجه جلالة ومهابة وحلاوة

    والذاكرون يوم القيامة وجوههم بيضاء نقية، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فوجوه الذاكرين عليها نضره, وفي الحياة يعرف الذاكر بذكره وهدوئه, ويعرف الشقي البعيد الذي لا همَّ له إلا الغناء ومجالس اللهو والزور بما عليه من قترة.

    هذا ما حضرني في هذا الباب وهي محاضرة "دواء القلوب المريضة" علّها أن تسمع ولعل الله أن ينفع بها , ولعل الله أن يجعلها معيدة لكثير من القلوب والأرواح إلى الله عز وجل.

    1.   

    الدعوة إلى الله وتعليم الجاهل أمور الدين واجب كل مسلم

    الأمر الأول: التنبيه الذي أشرت إليه في هذا المقام هو موجه إليَّ وإليكم، وهو خطأ مرتكب وتقصير حاصل, وقد كتب إليّ بعض الدعاة والإخوة وبعض طلبة العلم بما رأوا من تقصير كثير من الناس في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقد عمّ الجهل ولو أن هناك وسائل للثقافة وللمعرفة وللعلم ولكن هناك جهل مطبق, بل في بعض الأمكنة رأيناهم ووجدناهم لا يجيدون قراءة الفاتحة, وبعضهم ما عرف أن الغسل من الجنابة واجب إلا بعد ردح من عمره حتى تجاوز الخمسين, ووجد التقصير من كثير من الناس أنه يحمل معرفة ولو قليلة ولكنه يستأثر بها فلا يعلم بيته ولا جيرانه ولا يكون رسول خير إلى الناس, ويمر به الوقت الطويل ولا يكسب واحداً في ميزان الحسنات.

    فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لـعلي بن أبي طالب: (والذي نفسي بيده، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).

    أفلا تريد -أيها المسلم- أن تكسب رجلاً واحداً تهديه، كان عاصياً فتدله على طريق الاستقامة، كان منحرفاً فتدعوه إلى طاعة الله عز وجل, كان شقياً فترده إلى المسجد وإلى القرآن، هذا الذي نلمسه وهو تقصير حاصل, وأنا أعرف أن كثيراً من الإخوة عندهم التزام وعلم ومعرفة وقدرة ولكنهم لا يحملون غيرة ولا حماساً لها, أنا لا أقول: أن تتحدث، لكنك ربما تأتي بالناس إلى مجالس العلم إلى المحاضرات إلى الدروس, كأن تأتي بمجموعة من الشباب معك معرضين, أو تدعوهم لحضور درس أو محاضرة، فلعل الله أن يسمعهم الحق فيهتدوا فيكونوا في ميزان حسناتك: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    ومن الناس من يسكن في حي أو حارة أو قرية فلا يكون له أثر, يصلي مع الناس ويذهب إلى بيته ويقول: نفسي نفسي..!! وهذا تقصير حاصل، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (بلغوا عني ولو آية) ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] فالبيان أن تدعو وأن تدل الناس على دليل الاستقامة علّهم أن يكونوا في ميزان حسناتك.

    الأمر الثاني: وهو أنني أشرت في الدرس الماضي إلى أن هناك قرى مجاورة لـأبها وما حول أبها من البوادي وأرض تهامة وفيها من الجهل المطبق ما الله به عليم, وأمامي مئات الناس هنا والوسائل ميسرة، وقد أنعم الله علينا في هذه البلاد بنعمة رغد العيش, والأمن, وسهولة المواصلات, ذلك من فضل الله ثم بجهود ولاة الأمر فإنهم سهلوا طرق الدعوة والمواصلات وأمور الانتقال من مكان إلى مكان.

    فيا أيها الإخوة: كثير منكم ينزل بأهله إلى تهامة أو إلى البحر أو إلى البادية وكثير منكم يذهب في نزهة، ألا يجعل من مهمات هذه النزهة أن يعلم الناس ويفقههم في أمور دينهم, وهذا لا يكلفه كثيراً, قراءة الفاتحة, تعليم الصلاة, وتعليم الوضوء, وبإمكانه أن يعتق بهذا العمل رقبته من النار, وأن يضمن الجنة بهذا العمل, وقد رأينا ورأى الإخوة ممن نزل وشاهد من الدعاة وطلبة العلم شيئاً عجيباً لا يسكت عنه, جهل مطبق, اختلاط, وانتشار فاحشة الزنا, وترك الصلوات, وانتشار المخدرات, وكثرة اللعنات -نعوذ بالله من ذلك- بل لا يفهمون كثيراً من أمر الإسلام، كأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث في الجزيرة , فلما عُلِِّموا أخذ بعضهم بعد أن تاب يبكي.. يقول: كيف أنتم مجاورون لنا في أبها وضواحيها ولا تخبروننا بهذا؟ ذنوبنا وذممنا معلقة بكم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    فيا أيها الإخوة: انزلوا إلى هؤلاء وعلموهم, ونسقوا مع مكتب الدعوة فإنه يستقبل وينسق وعندنا إخوة هنا عصر كل جمعة ينزلون إلى القرى وهذه الأمكنة ليعلموهم ويقودوهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض, وما أعلم أن أحداً من الجلوس أمامه عذر مطلقاً, إن قال: لا أعرف الفاتحة فليس بصادق, إن قال: لا أعرف أن أصلي, فليس بصادق, وإن قال: لا أعرف أن أتوضأ فليس بصادق, بل الجميع يعرفون الأمور البسيطة الميسرة من أمور هذا الدين, لكن أين الغيرة؟ وأين الحماس؟ وأين نشر العلم؟!

    أصحيح أن في الجزيرة العربية أرض محمد صلى الله عليه وسلم مهبط الوحي أرض القداسات أرض الحرمين أناس لا يعرفون الفاتحة ولا الصلاة ولا يعرفون أن الاستغاثة بالأموات شرك؟ وأن هناك مشعوذين وسحرة وكهنة؟! أنتم المسئولون!! اللهم فاشهد.. اللهم فاشهد.. اللهم فاشهد.. أني قد أخبرت هؤلاء أن يكونوا دعاة وآمرين بالمعروف ناهين عن المنكر, هذه موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

    1.   

    الأسئلة

    حديث: من شغله القرآن عن ذكري

    السؤال: ما صحة حديث: {من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين

    الجواب: هذا الحديث رواه الترمذي وأخطأ ابن الجوزي رحمه الله خطأً بيناً حين وضعه في كتاب الموضوعات , بل هو حديث حسن. ومعناه موفق وحسن أيضاً؛ فإن من اشتغل بالقرآن كان أعظم ممن دعا الله وذكر الله بذكر مجرد؛ لأن قراءة القرآن أعظم في الأوقات المطلقة, فهو حسن ولم يصب ابن الجوزي حينما جعله في كتاب الموضوعات.

    سماع الشريط الإسلامي من الذكر

    السؤال: هل الاستماع إلى الشريط الإسلامي يعتبر من الذكر؟

    الجواب: نعم. هو من الذكر بحول الباري بل ما رجع كثير من الناس وخاصة الشباب إلا بواسطة الأشرطة وسماعها, وقد يجمع لك الشريط مادة هائلة من العلم؛ لأن المحاضر يجمع من كتب وثقافات وأمثلة ونصوص وبراهين فتسمعها وأنت رائق البال، وربما إذا كررته كان أحسن وأحسن حتى ترسخ المعلومات وتحفظ النصوص, بل من أعظم الذكر، ووصيتي لكم بسماعه وإهدائه للمسلمين لعل الله أن ينفع به.

    الأحاديث الموضوعة

    السؤال: سأل بعض الإخوة عن أحاديث أوردتها يقولون إنها ضعيفة؟

    الجواب: أقول لهم: نعم. ذكرت بعض الأحاديث التي أوردتها في الأذكار, لكن اعلموا أن فضائل الأعمال يقبل فيها الحديث الضعيف بثلاثة شروط:

    1- ألا يكون الضعف شديداً.

    2- ألا نعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله.

    3- أن يكون مندرجاً تحت أصل من أصول الإسلام.

    فهذه الأحاديث في الأذكار مندرجة تحت أصل, قال ابن تيمية في المجلد الثامن عشر من فتاويه وينقل عن الإمام أحمد أنه قال: " إذا أتى الحلال والحرام تشددنا وإذا أتت الفضائل تساهلنا ".

    فالأذكار لا بأس بالحديث الضعيف فيها بهذه الشروط الثلاثة التي أوردتها فليعلم ذلك.

    حكم شرب الدخان

    السؤال: ما حكم شرب الدخان؟

    الجواب: شرب الدخان محرم, وهو من الخبائث ويدخل في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] وخبثه ثبت بأمور: بإهلاكه للجسم، وبإضاعته للمال، وبنتونة رائحته، وبأنه كريه لمن شمه, ولما ثبت عنه من أمراض أنتجها, فهذا الدخان محرم، نص على تحريمه كثير من أهل العلم، ولا يدمن عليه إلا رجل واهم محروم من الخير إلا أن يتوب ويراجع حسابه مع الله عز وجل, والمتاجرة فيه محرمة, وبيعه للناس محرم, وإيجار الدكان أو المكان الذي يباع فيه أو المحل محرم، وأخذ الأجرة عليه ومزاولة البيع فيه حرام، فليعلم ذلك.

    وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وهدانا الله وإياكم سواء السبيل, وتولانا الله وإياكم في الدارين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.