إسلام ويب

واجب الأمة عند نزول الغمةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر بعين البصر والبصيرة إلى حال الأمة الإسلامية، يجد أنها تعيش الضعف والذل والهوان، وما ذاك إلا للبعد عن منهج الله، والخواء العقدي، والتلوث الفكري، ونسبة الخطأ إلى الغير، وعدم الجدية في السير إلى الله، والفرقة الحزبية المقيتة، ونقض العهود والمواثيق، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    فما هو السبيل إلى إعادة مجد الأمة؟

    وما هو واجبنا في ذلك؟

    هذا ما تجدونه بين أيديكم في هذه المادة.

    1.   

    حكم توثيق المحاضرات بالفيديو

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وقبل أن أبدأ، هناك مسألة ولعلها ليست غريبة عليكم، وهذه من المسائل التي يكثر السؤال عنها، وهي: الفيديو والتصوير في المحاضرات، والذي أقتنع به أنه لا بأس بأن ينقل الصوت الإسلامي عن طريق الفيديو بعد تأمل واستقراء، وقد سألت سماحة الشيخ/عبد العزيز بن باز مباشرة بالهاتف، وقد تكرر هذا في كثير من المجالات، وكان معي الشيخ/سعيد بن مسفر، وأجاز فضيلته ذلك للمصلحة التي تكمن فيه، وعلم الله أنه لا مجال للإنسان في أن يرد النصوص إذا صحت عنده، ولا يجوز له بحال من الأحوال أن يقف ضد كلام المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    لكن هذا الفيديو، رأينا أنه وسيلة من وسائل الدعوة، أنا أريد أن يدخل الفيديو الإسلامي البيت الذي كان يدخله الفيديو المهدم، ليسمع به أهل البيت: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] ليسمعوا فيه قول الله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2] ليسمعوا من خلاله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    ثم لا أحجر على أي أحد من الناس أن يعترض على هذا، فهو اجتهاده، أما أن يأتي ويدعي أني عارضت النصوص، ورميت بها عرض الحائط فمعاذ الله، بل أجعل وجهي على التراب يوم يأتي النص من المعصوم عليه الصلاة والسلام، ثم أحاول أن أجد له مخرجاً، لا يكون هذا أبداً، ودونه قطع الرءوس والجماجم، وإسالة الدماء، وهذه مسألة أحببت أن أذكرها لكم، وما سمحت بهذا الفيديو إلا بعد تأكد وتيقن من مصلحته في نقل الدعوة والتأثير في الناس، وكما قيل: ليس الذكي الفطن الذي يعرف الخير من الشر، فجل الناس يعرفونه، لكن الذكي الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين.

    عناصر هذه المحاضرة: (واجب الأمة عند نزول الغمة):

    أولاً: أخطاؤنا: الخواء العقدي، التلوث الفكري، نسبة الخطأ إلى الغير، عدم الجدية في الالتزام، خلل في الصف.

    ثانياً: الذنوب الكبرى التي تعيشها الأمة: الإعراض؛ الترف؛ نقض الميثاق؛ نسيان الذكر؛ عدم التآمر والتناهي.

    ثالثاً: العقوبات والمثلات: موت القلوب؛ السنين والقحط، الهلاك الظاهر، الريح، الصيحة، الغرق، الخسف، انطماس الهوية، التخلف الحضاري.

    رابعاً: أسباب الإنقاذ: أين العلماء؟ بناية الحصون المهدمة، إعادة بناء المناهج، تحدي شبح الموت.

    خامساً: الفرج من الله: ويكون ذلك بصدق اللجوء إليه، والتوكل على الواحد الأحد الذي لا يموت، والتوبة النصوح، ونصرة الله في الأنفس والحياة.

    السادس: التعلق بمصادر العزة: الولاية الكبرى لنا وليس لغيرنا، القدوة الخالدة إمامنا وشيخنا وليس غيره، ميراث الوحي، أمة الخلافة في الأرض.

    سابعاً: واجبنا نحو الجيل العائد إلى الله: حماية السلوك بالمنهج الرباني، إظهار محاسن الدين للأمة، الذب عن أعراض الصالحين، ربط الجيل بالعلماء، فتح مجالات التأثير للدعاة.

    أيها الإخوة الكرام: نحن نعيش حدثاً عالمياً، وأصبح مصير الأمم بيد رجل واحد، ينتظر منه أن يقول الكلمة الحاسمة في مصير الشعوب، أن يقول نعم أو لا.

    وأصبح الناس ينتظرون إلى هذا التاريخ الموقوت، والموعد المسمى، وكأنهم ينتظرون القيامة، قال تعالى: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1-2] وأصبح الأطفال يحسبون لخمسة عشر يناير ألف حساب، ويعيشونه في أذهانهم، وفي بيوتهم، وفي أيامهم ولياليهم.

    متى كنا أمة تخاف الموت، ومتى كنا نسلم أرواحنا على أكفنا.

    أرواحنـا يا رب فوق أكفنا     نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    أما كان أنس بن النضر يقول: [[إليك عني يا سعد، والذي نفسي بيده، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد؟]] أما كان المجاهد الصنديد العقدي الموحد في المعركة يلبس أكفانه ويتوضأ، ويبيع نفسه من الله؟! من الذي شهد على المبايعة؟ ومن الذي وقع على المعاهدة؟ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] أليسوا أجدادكم يا حملة التوحيد؟ أليسوا آباءكم يا أهل لا إله إلا الله؟ وسوف يتكرر الجيل الذي لا يخاف الموت متى التزم بمبدأ إياك نعبد وإياك نستعين، وقد رأينا زملاءكم وكثيراً منكم ممن ذهب إلى أفغانستان يقدم جمجمته لجنزرة الدبابة، فتشدخ رأسه في سبيل أن تبقى لا إله إلا الله، وينسحب الملاحدة الروس وهم كُثر؛ لأن الذي واجههم صف لا إله إلا الله، قال تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160] ولكن أخطاءنا انكشفت لنا مع الأحداث:

    جزى الله الشدائد كل خيـر     عرفت بها عدوي من صديقي

    وجزى الله الكوارث، يوم تنتج للأمة معرفة الخطأ.

    مصائب قوم عند قوم فوائد

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].

    وعند البخاري من كلام معاوية رضي الله عنه وأرضاه في باب الأدب: [[لا حكيم إلا ذو تجربة]] ومن لدغته التجارب عرف وتيقن وأبصر، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) بل يكفيه لدغة واحدة لينتبه للمصير.

    1.   

    أخطاء الأمة الإسلامية

    وقد اكتشفنا من الأخطاء التي تعيشها الأمة الشيء الكثير، منها:

    الخواء العقدي

    نحن أمة عندها لا إله إلا الله باللسان، والادعاء ويوم أن أتت الأزمة ظهر الخواء العقدي الذي تعيشه الأمة في ضميرها ومقدراتها، وكان هذا خطأً معلوماً، ودفعنا ضريبته ونتائجه وديونه من دمائنا وعرقنا وأموالنا، بسبب الخواء العقدي في أمة حسبنا الله ونعم الوكيل، ولم تكرر الأمة نفسها وتاريخها مرة ثانية في هذه الأحداث، وإنما كانت خائفة مذعورة، لا تدري إلى أين تلتجئ، والله تعالى ذكر أولياءه وقال فيهم: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    والمطالع للمنهج العقدي للرسول صلى الله عليه وسلم في (الفتح الرباني) وهو يعرض العقيدة على أصحابه، فإذا المجلس الواحد يجعل الصحابي يشتري الجنة في جلسته، ويقول: الله أحب إليه من كل شيء.

    وخذوها قاعدة: إن الله سبحانه تعالى إذا أراد أن يرسل رسله عليهم الصلاة والسلام، يترك الرسول أربعين سنة، هل سمعتم برسول بعث قبل الأربعين؟ لا.. لماذا الأربعون تسمى أربعين الذكريات وأربعين المصائب وأربعين الابتلاء:

    وماذا يبتغي الشعراء مني     وقد جاوزت حد الأربعين

    أنا ابن جلا وطلاع الثنايا     متى أضع العمامة تعرفوني

    فسن الأربعين هي درجة أن يصاب الرسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمصائب والكوارث والجوع والقحط، حتى يعلم أنه لا إله إلا الله، فإذا علم الرسول أنه لا إله إلا الله، ولا نافع ولا ضار ولا محيي ولا مميت إلا الله، ولا كاشف للبلوى إلا الله، أرسله الله للناس ليخبرهم أنه لا إله إلا الله.

    أما قبل أن يتأهل نفسياً ليقود الأمة والشعب، فلا يمكن أن يرسله الله حتى يتأهل بلا إله إلا الله.

    ومن يطالع في مسند أحمد بن حنبل يجد هذه الأحاديث:

    عن أبي العالية عن أبي بن كعب، رضي الله عنه، قال: { قال المشركون: يا محمد! انسب لنا ربك -أي: اذكر لنا أباه وجده، تعالى الله عما يصفون- فسكت عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]}.

    وكان صلى الله عليه وسلم يجلس هو والصَّحابة، وفيهم الأعراب والعلماء، وفيهم القادة والزعماء، وفيهم الشعراء والأدباء، فيقول: {يضحك ربك، فيقول الأعرابي: لا نعدم من رب يضحك خيراً}.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: {يد الله ملأى سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص مما في يمينه شيء}.

    ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى الصحيح: {إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع له عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل} هذه العقيدة المستشرية التي يناقشها صلى الله عليه وسلم، ويعرضها في إعلامه مع أمته، ومع شعبه، وجيله، ربى منهم شباباً يقفون على الماء يطلبون الشهادة، ويمتطون على الخيول يقدمون جماجمهم للموت.

    فالأمة -الآن- قليلاً ما تعيش مسألة العقيدة، وسمعت بعض الناس يقول: (دائما تقول عقيدة عقيدة، الرحمن على العرش استوى، انتهى الأمر، لا.. عقيدة حتى نموت، ونلقى الله عز وجل، عقيدة تمضي في الدم، نناقشها في كل مجلس ونعيدها ونكررها، والعقيدة ليست المسائل الخلافية بين أهل السنة والأشاعرة أو المعتزلة مع الجهمية المعطلة، لا.. العقيدة أعظم من ذلك، هي كل القرآن كما يقول ابن تيمية: كل القرآن.

    أيها الإخوة الكرام: من تدبر قوله تعالى يوم أرسل الله رسوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:91 ] قال البخاري: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وربى جيله على ذلك، ومن تدبر النصوص، يرى أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يملأ الصحابي بالمعتقد.

    من تداجي يا بن الحسين أداجي     أوجهاً تستحق ركلاً ولطما

    كم إلى كم أقول ما لست أعني     وإلى كم أبني على الوهم وهما

    كان أبو الحسن يعيش التوحيد حتى في المعارك، ذكر عنه أنه في صفين كان ينعس على البغلة وهو يبارز الأبطال، وقبل المبارزة بدقائق كان ينعس من النوم، من ينعس؟! أطفالنا الآن أكثرهم لا ينامون من الخوف والهلع، وبيننا وبين المعركة ألف ميل؛ لكن هكذا يربى الناس على الخوف من الموت، والهلع والجبن، فمقصودي أن علياً رضي الله عنه كان يقول: [[والذي نفسي بيده لو كشف الله لي الغطاء ورأيت الجنة والنار، ما زاد على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]] إيمانه قوي بلغ القمة، من أخمص القدمين إلى مشاش الرأس.

    التلوث الفكري

    مصادر العلم عند المسلمين أصبحت ملوثة، ليس هناك قناة واحدة تستمد الأمة منها تصورها العقدي، الذي يذكره مثل سيد قطب في معالم في الطريق.

    كان السبب في قوة إيمان الصحابة أنهم كانوا لا يأخذون الخبر والتفكير إلا من الكتاب والسنة، ما هي مكتبة أبي بكر وعمر؟ هل تجد فيها كتباً إذا دخلت؟ لو دخلت بيت عمر لوجدت المصحف معلقاً في ناحية من البيت والسيف في الناحية الأخرى، المصحف يفتح به العقول، والسيف يفتح به القلاع والجماجم.

    ولذلك تنورت أفكارهم، وأثَّروا في العالم تأثيراً عظيماً.

    مايكل هارف، يقول عن عمر في كتاب: الأوائل (ص166): كان لهذا الرجل أعظم تأثير في تاريخ الإنسانية، إذ فتحت معظم الأقاليم في عهده. بماذا؟

    بلا إله إلا الله والسيف، بالبردة الممزقة، وببطنه الذي كان يقرقر من الجوع فيخاطبه ويقول: [[قرقر يا بطن أو لا تقرر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].

    فماذا فعلنا في تاريخ الإنسانية، وقططنا تشبع من لحوم الدجاج، وتموت حبطاً في القمائم والزبالات؟!! ماذا أثرنا في تاريخ الإنسان؟ لا شيء؛ لأن مصادر التلقي أصبحت كثيرة: مسلسل مهدم وفيديو مخرب وأغنية ساقطة ومجلة خليعة؛ آية تدخل بين آلاف المسلسلات، حديث يدخل بين عشرات الأغنيات.

    فأصبح الناس يتلقون من هنا وهنا، وأصبح كثير من المبهوتين فكرياً يقولون: ساعة لربك، وساعة لنفسك.

    وأصبح بعضهم يقول: مرة نغني ومرة نقرأ، مرة نبكي ومرة نضحك.

    فأصبح الدين شذر مذر في حياتهم، وهذا هو التلوث الفكري، والمتأمل في القرآن يجد أن الله عز وجل يعيد الصحابة إلى مسألة قد تكون بسيطة عندنا، وينبه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104].

    والمقصد من هذا ألا تشابه الكفار بالتلفظ بكلمات موهمة ومشابهة لكلماتهم، فكيف بمن اعتقد اعتقاداً كاعتقادات الكفار، أو حمل فكراً كفكر أعداء الله عز وجل، وقد كان عليه الصلاة والسلام يريد الأمة أن تكون مستقلة في فكرها ومظهرها، وفي كل شيء.

    وكان اليهود لا يصلون بالنعال، فقال صلى الله عليه وسلم: {خالفوهم فصلوا في النعال} {فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر} حديث صحيح.

    إذاً فالمخالفة مقصودة، ويوجد كتاب لـابن تيمية هو كتاب: (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) وذلك حتى تكون أنت بتفكيرك مستقلاً عن تفكير هؤلاء الضائعين التائهين، ترى كل أهل الأرض مخطئين إلا أنت، وكل من على المعمورة على باطل إلا أنت وحدك يا مسلم، لأنهم إذا أخذوا عقيدتهم من التراب والطين، أخذت عقيدتك من رب العالمين، وإذا أخذوها من الشياطين، أخذتها من لافتة إياك نعبد وإياك نستعين.

    مكامن التلوث الفكري أن يخرج لنا أناس يسيئون إلى المعتقد وينالون من الرسالة، من أنتج هذه القنوات التي أوصلت إليهم الثقافة، وهناك صحيفة من الصحف، في الصفحة اليمنى فتوى لأحد العلماء ويسأل على السحَّاب للمرأة هل يصلح من صدرها أو من ظهرها؟

    هل يجوز -يا فضيلة الشيخ- أن يكون سحَّاب المرأة من ظهرها أو من صدرها؟ قال الشيخ -وجزاه الله خيراً وقد أصاب- لا بأس بهذا إذا لم يكن فيه مشابهة للكافرات، لا بأس أن يكون السحاب من أمامها أو من خلفها، وفي الصفحة اليسرى لدغ لشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وشباب الصحوة، وأهل لا إله إلا الله، وتعجب من هؤلاء لا يسألون إلا عن عدة الحائض والغسل من الجنابة، والسحَّاب من أمام أو من الخلف!! أما مسألة لا إله إلا الله أو المنهج الرباني، وإعادة الأمة إلى الله، ومسألة النبوة والولاية الكبرى فلا يسألون عنها!! هل سمعت أنهم يسألون عن مسألة الولاء والبراء، أو التوكل على الله، أو استقلالية الأمة، أو منهج الأمة الرباني، أو الحاكمية؟! لا يسألون!!

    وأعظم الأسئلة في السحّاب والحيض والجنابة، وأنا لا ألوم الشيخ، ولكن ألوم نفسي..

    لترم بي المنايا حيث شـاءت     إذا لم ترمِ بي في الحفرتين

    نسبة الخطأ إلى الغير

    وتجد أن الأمة الإسلامية الآن تنسب الأخطاء إلى الغرب، ولو تناطح حماران في ساحل العاج، لقالوا: إسرائيل وراء هذين الحمارين!! ولو أتى شاب لقال: حسبنا الله على اليهود، هم الذين سُلِّطوا علينا، هم الذين أثروا علينا في منهجنا، وأثروا علينا في حياتنا!!

    ومعناه أننا لم نخطئ والغرب فقط هو الذي يخطئ.

    أيها الإخوة! نحن أثرنا في الآخرين أكثر مما أثر الآخرون فينا، أقولها وعندي وثائق تشهد على ذلك، من الذي دوخ الشعوب؟ ومن الذي أسقط الحكومات الجائرة كسرى وقيصر، وحكومة الهند؟ وكثير من الحكومات الشرقية؟ المسلمون.

    والدليل على أننا أثرنا في العالم، أنه ما من بلد من البلدان إلا وفيه أقلية مسلمة، وفي سنة من السنوات في أيام الحج، كان عدد الحجاج من روسيا ألف حاجٍ خرجوا من موسكو يقولون: لبيك اللهم لبيك...لبيك لا شريك لك لبيك... إن الحمد والنعمة لك والملك... لا شريك لك. خرجوا من جانب جرباتشوف.

    يا إخوة: لقد أثرنا في العالم بل نكسنا عروشاً، وحكمنا دولاً، وسحقنا مستعمرات، وفتحنا قلاعاً.

    فلماذا أصبحنا في انهزامية؟ إننا ندافع فقط. يقول العسكريون: أفضل طريقة للدفاع الهجوم.

    أصبح كثير من الكُتَّاب عافاهم الله، فقط يردون، يسمع بالمسألة وهو جالس في البيت، فإذا سمع شبهة قام لها.

    لماذا أنت لا تدمغ الباطل؟ لماذا لا تبدأ بالهجوم الكاسح بكتبك وبرسائلك وبأشرطتك؟ قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18].

    وهناك رسالة لأحد الكتبة يناقش فيها مسألة الملاعق هل لها أصل في السنة أن يأكل بها أم لا، ثم ينتقل إلى الكبك بعد عشر صفحات، ويقول: لا بد أن نرى الكبك، ما هو أصل إدخالها على المسلمين؟

    الأمة تدمر في عقولها ومناهجها، ونحن في مسألة الكبك والملعقة.

    أنأكل بالملعقة أو بالسكين، أو نأكل بالشوكة؟ مسألة، لكن هل نخصص لها كتاباً مجلداً أو مطبوعاً؟! لا ألوم أحداً، ولكن ألوم نفسي.

    فالمسألة الآن: نسبة أخطائنا إلى الغير، وهذا من انهزاميتنا وتقهقرنا، بل كثير من الأخطاء صارت منا نحن، وأعلم أن كثيراً مما يقوله الشباب أن الأعداء كانوا وراء ذلك الحادث، وأولئك كانوا وراء تلك الحادثة وليس هذا بصحيح، ونقول لهم: هل يوجد لديكم وثائق؟ أعطونا، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] ويقول سبحانه: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [البقرة:111] ليس هناك دليل.

    فالانهزام الذي أصاب الأمة أن تنسب الخطأ إلى غيرها.

    مشغوفة بخلاف لو أقول لهـا     يوم الغدير لقالت ليلة الغار

    عدم الجدية في الالتزام

    يوجد في الجيل من التزم التزاماً ظاهرياً وهو مشكور على فعله، ولكن لا يعني ذلك أن هذا هو الالتزام المطلوب في الكتاب والسنة، والله عز وجل يقول: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12].

    قال أهل العلم: القوة فعل المأمور واجتناب المحذور، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف:170] أي: يأخذون الكتاب بقوة وميراث النبوة بحرارة، وليس التزاماً بارداً.

    عندنا شباب ملتزمون شكر الله سعيهم، يربون لحاهم ويقصرون ثيابهم، ويستخدمون سنة السواك وهذا أمر مطلوب، ولكن يوجد الخلل في قضية العمل، كخلف الوعد، فقد وجد أن كثيراً من الشباب يخلف وعده، وكعدم بر الوالدين، وقد شكا بعض الآباء والأمهات من عدم طاعة الولد لهم وهو من شباب الصحوة، وعدم قيام الولد بحقوق الأهل، كنشر الكلام بين الأحبة، والإفساد بين الأصدقاء، وهذا كله ينافي جدية الالتزام الذي يطلب من الأمة أن تعيد تصحيح مسارها إليه، وهذه مهمة الدعاة والمربين، أن يجتهدوا في فتح مغالق الأمة من هذا الجانب، جانب التربية الإسلامية الحية الموروثة عن معلم الخير عليه الصلاة والسلام.

    الخلل في الصف

    وأعزوه إلى الحزبية المقيتة التي عاشتها الأمة في بعض شرائعها، وهذه الحزبية أثبتت فشلها مع الأحداث، وهي ليست مستعدة لتقود الأمة، أو تقوم بتحريك أفكارها، أو تقوم بمتطلباتها، ونحن أكبر من أن نعيش حزبية، فالإسلام أرحم وأكبر من أن يعيش الحزبية، والإسلام عظيم، يرحب بي وبك، ويرحب بالداعية الوعظي، والداعية العقدي، والداعية المربي، والداعية الذي يهتم بالفكر، يمكن أن يأخذنا تحت مظلة لا إله إلا الله، دون أن تأخذ لك خلية دوني وتطردني، وما ذنبي أنا وأنا أخوك؟! فوجد أن الحزبية أثرت في الغيبة والنميمة، والظن في الآخرين حيث لا مجال للشك، وهذا خلل يجب على من يعرفه إيقافه عند حده، لكن بالحكمة والموعظة الحسنة.

    1.   

    الذنوب الكبرى

    الإعراض عن منهج الله

    الأمة تعيش إعراضاً، ولو ادَّعت أنها ليست معرضة، فليس كل من ادعى شيئاً صادقاً.

    قال ابن عباس في الحديث الصحيح: {لو أعطي الناس بدعواهم لادعى أناس دماء أقوام وأموالهم}.

    وقال ابن القيم: (لو ترك الناس لدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي).

    الخلي الذي ينام ولا يحب، لا يوجد عنده هيام ولا عشق، والشجي هو هذا الموله وكم عندنا من شجيين لكنهم يعيشون الوله والهيام، يعيشون الحب، ويتكلم أحدهم بأغنية أمام الملايين، ويدعي أن حب محبوبته قتله وصرعه، وأصبح شهيد الفن، وهذا الشجي الذي يعيش الحرقة، والخلي غير الشجي، ويقول أبو الطيب المتنبي في مقطوعة رائعة له، وقد أساء في بيت من الأبيات يقول:

    القلب أعلم يا عذول بدائه      وأحق منك بجفنه وبمائه

    ثم يقسم بمحبوبه، أعوذ بالله من الخذلان ومن هذا التلوث العقدي

    فومن أحب لأعصينك في الهوى      قسماً به وبحبه وبهائه

    والشاهد الذي نريده هو قوله:

    لا تعذل المشتاق في أشواقه     حتى يكون حشاك في أحشائه

    وهؤلاء الشهوانيون يعذلون الدعاة الغيورين في هذا الجانب، يقولون: لماذا يغضب الداعية لأنه يرى مجلة خليعة، أو يسمع أغنية ماجنة؟ ما هذا الغضب والتهور؟ وما هذا التشدد والتشنج؟

    أقول له:

    لا تعذل المشتاق في أشواقه     حتى يكون حشاك في أحشائه

    فقصدي أن الأمة تعيش إعراضاً عن الله عز وجل، وكيف الإعراض؟

    الإعراض عن أخذ المنهج كله جملة وتفصيلاً، أو تأخذ بعض ما يعجبها، وتترك ما لا يعجبها، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن الإعراض الكلي المطلق: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سبأ:16].

    الترف

    وكم أترفت الأمة! والترف سبيل إلي إحباط الشعوب، وليس وسيلة حية في إحيائها، بل هو من النكبات في حياة الأمة، يقول سبحانه: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الاسراء:16].

    كان آخر سلاطين بلاد الأندلس، وهو من آل الأحمر، فلما مات هذا السلطان أتى ابنه وكان مدلالاً، يعيش مع الموسيقى الإيطالية الحالمة إلى الساعة الثانية ليلاً، وكأس الخمر سهل عنده، كالوتر ولعب البلوت والكيرم، وكانت أمه عصامية تنصحه قالت: يضيع سلطانك بهذه الطريقة، فرفض، وفي لحظة من اللحظات اكتسحه الأسبان فأخذ يبكي عند الباب، فتقول أمه:

    ابك مثل النساء مجداً تولى     لم تحافظ عليه مثل الرجال

    وابن عباد كان عنده سبعمائة جارية في القصر، وكان إذا أراد بناته أن يخرجن من القصر إلى القصر فرش لهن الكافور والطيب، ومشين على الكافور والمسك إلى القصر الثاني، ولما أتى الترف اكتسحه ابن تاشفين، وابن تاشفين مسلم، فماذا كان حاله؟ سجن هو، وأتت بناته يزرنه حافيات ليس عليهن إلا ثياب ممزقة، فلم يجدن حتى الحجاب، فلما رأى بناته، كاد ينصدع قلبه، فبكى بكاءً مريراً، وأنشد قصيدة حارة ساخنة يقول:

    فيما مضى كنت بالأعياد مسـرورا     فساءك العيد في أغمات مأسورا

    ترى بناتك في الأطمار جائعةً     يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

    يطأن في الطين والأقدام حافية      كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

    وهذا نتيجة الترف والضياع الذي تعيشه الأمة، ترف في البيوت، وترف في كثرة المباحات، وترف في تجاوز حدود الله عز وجل، حتى وهنت الأمة وأصبحت لا تستطيع أن تجاهد، ولا أن تدافع عن نفسها، وقارن بين الشعوب التي أصيبت، ما هو موقفها من الأحداث؟ مثل بعض الشعوب لما أصيبت لم نر منها جهاداً وما رأينا وقوفاً صامداً.

    والبعض مثل أهل أفغانستان لما استولت الشيوعية على الحكم في كابول خرجوا في اليوم الثاني من مسجد جامع بالكلاشنكوف وهم يرددون:

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    والجزائريون سحقوا فرنسا، والرئيس الفرنسي لما رأى أهل الصحوة في الجزائر يقتربون من الحكم، أنذرهم، فأرسلوا له رسالة فقالوا: إن كنت تريد أن نلقنك درساً ثانياً فتعال، فأخذ لسان حاله يقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

    تعدو الذئاب على من لا كلاب له     وتتقي مربض المستأسد الضاري

    نقض الميثاق

    نقض الميثاق على مستوى الفرد والجماعات موجود في الأمة باطراد، أن يتوب تائب وأن يعود عائد، أن يأتي يصلى في الصلاة يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ثم يخرج من المسجد فيشهد شهادة الزور، ويسمع الأغنيات الماجنة، ويقتني المجلات الخليعة، ويعق والديه، ويقطع أرحامه، هذا هو نقض الميثاق، قال الله فيه: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] ونقض الميثاق على مستوى الأمة أن تدعي تحكيم منهج الله عز وجل ثم لا تحكمه ولا تقوم بمنهجه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا أمر خطير وقعت فيه الأمة، فنعوذ بالله من الخذلان.

    يقول الحسن البصري وهو واعظ ومربٍ شهير، يقول لأحد الشباب يراه في المعصية دائماً، قال: يا بني! اتق الله، تب إلى الله، قال: سوف أتوب، قال: يا بني! إن موسى رافق الخضر عليهما السلام، فخالف موسى الخضر ثلاث مرات، فقال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78] وأراك تخالف الله في اليوم عشرات المرات، ألا تخشى أن يقول الله لك: هذا فراق بيني وبينك؟!

    وهذا أمر صعب أنذركم إياه، أن يقول الله للواحد منكم: هذا فراق بيني وبينك، فمن يقبلك إذا رفضك الله؟ ومن يؤويك إذا طردك الله؟ ومن يرحمك إذا عذبك الله؟

    نسيان الذكر

    والقرآن يؤكد على تذكر المعلوم أكثر من تأكيده على تعلم المجهول، وسوف يأتي شرح هذا، والمقصود بنسيان الذكر أن تنسى الأمة الذكر في العمل، ربما تحفظ القرآن، وربما تشيد بالقرآن، وربما تتسابق بالقرآن، ولكن لا يوجد العمل بالقرآن، والحياة مع القرآن فيها قصور عند الأمة.

    خذ على سبيل المثال: من يسافر في الطائرة من مدينة إلى مدينة هنا في البلاد، يلمح ما يقارب مائتي راكب، يجدهم كلهم يقرءون الصحف، وقراءة الصحف شيء ضروري لمعرفة الواقع، لكن هل رأيت راكباً -وقد تعمدت أن أنظر في ذلك، ولكن ما رأيت- يقرأ قرآناً أو يفتح مصحفاً، أو عنده كتاب حديث؟ وإنما طوال الرحلة يقرأ الصحيفة يقرؤها بشحمها ودمها ولحمها، حتى إعلانات الإسمنت يقرؤها وإعلانات العطور، وما فيها من مسابقات وفوائد وطرائف ولطائف، الله أعلم بها، فنسيان الذكر موجود في حياة الأمة، وبعضهم جعل يوم الجمعة للذكر فقط، يقرأ سورة الكهف للبركة، لأننا أصبحنا مثلما قال أحد المفكرين -سلم الله يده ورفع منزلته-: أصبح القرآن هذا الذي أتى إليه أحمد بن بلا فركله من الجزائر، وأتى إليه محمد على جناح فركله من باكستان، ومصطفى كمال أتاتورك ركله من تركيا، أصبح هذا القرآن يصلح للقراءة على المصروع فقط.

    ووجدنا بعض الشباب لا يصلي في المسجد، ويشرب الدخان ويتهتك في الحدود، فإذا أصابه صرع أتى إليك قال: يا شيخ! أريد أن تقرأ عليَّ، الآن احتجت إلى القرآن؟!

    إن الواجب على الأمة أن تقرأ القرآن قبل أن يأتيها الجن، وألا تقرأه فقط للجن، بل تقرؤه للحياة، يصلح للزواجات والحفلات وتفتح به الندوات، وهو قرآن الحياة، قال الله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    عدم التناصح والتناهي

    مر بالأمة وقت لا تأمر فيه ولا تنهى، بل القليل من يأمر وينهى، وأصبح عند الأمة في وازعها وشعورها أن هناك خجلاً من الرأي العام، إذا قلت للمرأة السافرة: اتقي الله وتحجبي، وهذا يختلف في المناطق كثرة وقلة بسبب الغيرة، وبسبب الحماس والعلم، قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79].

    وعند ابن حبان بسند صحيح عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أبا ذر! قل الحق ولو كان مرا} والحق مر يذهب بالرءوس والدماء.

    فنحن بحاجة إلى أن نعلن الآن أننا أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن بالحكمة التي يرضاها الله، لا نأمر بمعروف ونأتي بمنكر أكبر أو ننهى عن منكر ونأتي بمنكر أعلى وأقبح منه.

    يقول أحد العلماء: (ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر بلا منكر) وهذه هي الحكمة التي أتى بها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام.

    وعند أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي ذر، قال: {بايعني رسول الله خمساً، وعقد علي سبعاً، وأشهد علي تسعاً، أن أقول الحق ولا أخاف في الله لومة لائم} ولذلك تجد أبا ذر دائماً لا يرهب أبداً، يقول الكلمة ولو كانت ستودي برأسه أو بمستقبله، ومن قرأ ترجمته عرف ذلك، يقول فيه القائل:

    أطرد الموت مقدماً فيولي     والمنايا أجتاحها وهي نعسى

    لاطفوني هددتهم هددوني     بالمنايا لا طفت حتى أحسَّا

    أركبوني نزلت أركب عزمـي     أنزلوني ركبت في الحق نفسا

    1.   

    العقوبات والمثلات

    ما هي عقوبة الله التي حلت بالأمم؟ تسمع بعض الناس يقول: الحمد لله، وجدت بعض المعاصي في الناس لكن ستر الله ولم يعاقبنا.

    يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: قال أحد علماء بني إسرائيل ممن عصى الله: (يا رب! كم أعصيك وما عاقبتني؟) فأوحى الله إليه: يا فلان!كم أعاقبك وما تشعر! قال: بماذا عاقبتني؟ قال: أما منعتك لذة مناجاتي وحلاوة عبادتي؟

    هذا من أعظم العقوبات، لكن الشخص لا يحس.

    يقول المتنبي:

    من يهن يسهل الهوان عليه     ما لجرح بميت إيلام

    تأتي لمقتول وتطعنه بخنجر فلا يحس، فأصبحت الأمة في شعورها مقتولة مطعونة في أعز ما تملك، في لا إله إلا الله، في قلبها وأصالتها، وفي عمقها ورسالتها، حتى يجد الإنسان أن هناك عدم تميز بين المسلم والكافر، بل بعضهم يميز الكافر، ووالله لقد ركبت مع بعض الناس، وقد رأوا أحد الشباب قصير الثوب وطويل اللحية، فيقول لهذا الرجل: أنا أرى هذه اللحى وهذه الثياب منظراً غير حضاري، فقلت له: وما هو المنظر الحضاري عندك؟ فسكت. فقلت: المنظر الحضاري عندك أن يبول الإنسان واقفاً، مثلما يفعله الإنسان في لوس أنجلوس! والمنظر الحضاري عندك أن يغسل الكلب بالصابون ويركِّبه في السيارة؛ والمنظر الحضاري عندك أن يقبل الرجل المرأة في المطار! هذا منظرك الحضاري! أما منظر هؤلاء الذين تسننوا بسنة محمد عليه الصلاة والسلام، الذي تركته أنت وأمثالك، وواليت أعداء الله عز وجل وشابهتهم، فهذا هو الخزي والعار، وقد كان هذا في كلام طويل، أو بمعنى هذا الكلام.

    فالأمة تمسخ في هويتها بسبب أنها لم تعش أصالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا سيأتي الكلام عليه.

    ويروى أن عابداً من بني إسرائيل كان يعبد الله في قرية، فأنزل الله جبريل ليخسف بالقرية، فوجده يصلي فسأل الله فيه، فقال: به فابدأ، فإنه لم يتعمر وجهه غضباً لي، فلعل الأمة تدفع ديونها الباهضة التي تركتها في الأيام السالفة، ونسيت وابتعدت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

    موت القلوب

    أن يموت القلب ولا يحيا مع الكتاب والسنة، وألا يتأثر، ونعرف كثيراً من الناس يرتكب المنكرات كالجبال -ونعوذ بالله من الخذلان- ولا يتأثر ولا ينزعج.

    وقد ذكر ابن الأثير في كتابه الكامل: أن عبد الملك بن مروان، قال لـسعيد بن المسيب: يا أبا محمد أصبحت أعمل السيئة لا أساء بها، وأعمل الحسنة لا أسر بها، قال سعيد بن المسيب: الآن تتام موت قلبك، أي: الآن مات قلبك كله.

    وذكر ابن الأثير عنه أيضاً أنه لما بويع بالخلافه قال: والذي لا إله إلا هو، لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد هذا اليوم إلا ضربت عنقه بالسيف.

    عبد الملك يقول عنه الذهبي في الترجمة: أول ما بويع بالخلافة، فتح المصحف وقرأ طويلاً ثم طبق المصحف وقال: هذا آخر العهد بك، قال الذهبي: اللهم لا تمكر بنا، وأنا أقول تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134] ولكن نستفيد العبر من الماضين.

    من أكبر العقوبات التي أُصبنا بها -لم نصب بصواريخ ولا بزلزال ولا ببراكين- أننا أصبنا بموت القلوب، حتى إن الإنسان يرى الفواحش أمام عينيه ويضحك بملء فيه، ولا يتأثر تماماً، وهذا هو الموت العظيم.

    السنين والقحط

    السنين والجدب والقحط الذي ينزل بالناس بسبب ذنوبهم، أذكر أنا استغثنا الله خمس مرات، ولم ينزل الغيث في بعض النواحي، بسبب الذنوب والخطايا، يخرج من لم يحضر صلاة الفجر، ويخرج المرابي وأمواله في البنوك الربوية، ويخرج من سهر إلى آخر الليل على الغناء وعلى المخالفات الشرعية، ويخرج من يغتاب، ويحضر هذا المصلى، ويقول المرابي: يا رب، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!

    الهلاك الظاهر: الريح، الصيحة، الغرق، الخسف

    وقد يكون من أسباب الهلاك الجيوش المدلهمة الجائرة التي تعتدي على الشعوب وتمزقها.

    وكل شيء بقضاء وقدر     والليالي عبر أي عبر

    وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] وما سلط الله على ظالم إلا أظلم منه، وهذا أمر معلوم، والله عز وجل ذكر ذلك في كتابه فقال: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

    انطماس الهوية

    أن ترى المسلم، فلا تميز بينه وبين عدو الله، لا تجد عليه سمات النور ولا سمات اتباع السنة، ولا هوية إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يحمل جوازاً ونفوساً اسمه محمد بن علي بن سعيد، لكنك لو بحثت عنه، وجدت في داخليته أنه يحمل جورج بن طوسون بن عفلق، فالاسم لا يكفي، وقضية التابعية لا تكفي، الأمة الإسلامية عددها اليوم مليار.

    عدد الحصى والرمل في تعدادهم     فإذا حسبت وجدتهم أصفارا

    كان عدد إسرائيل مليونين والعرب آنذاك مائة مليون، وأخذتهم طولاً وعرضا حتى يقول شاعر العروبة كما يدعي نفسه، وقد أصاب في القصيدة، قال:

    واليوم تسعون مليوناً وما بلغوا     نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب

    فأطفأت شهب الميراج أنجمنـا     وشمسنا وتحدت نارها الخطب

    هذا قبل أن تدخل الصومال الجامعة العربية وقد أصبح الآن العدد مائتي مليون.

    المؤمن ظاهراً وباطناً لله عز وجل، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] نريد أن نربي جيلاً إذا دخل عليك في مكتبك تعرف أنه مسلم، لا تعرف أنه متأثر بالغرب، أو الشرق، أو عليه انطماس في الهوية، أو عليه طابع وخاتم المتخلفين عن منهج الله.

    التخلف الحضاري

    ومنها التخلف الحضاري، ولا أعني به أمور الدنيا، فهذا مما يجب علينا أن نقدمه، لكن هناك تخلف حضاري أعظم من أمور الدنيا، عدم معرفة الأدب الحضاري الذي أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلا فنحن متخلفون في الحضارة المادية، فالطباشير عندنا مستوردة وكذلك الأستاذ والكرسي والماسة وليس عندنا شيء.

    لم نقدم للبشرية شيئاً، نحن علينا أن نأكل ونشرب ونلبس، لكن الحضارة الدينية الموروثة عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم، حضارة الإيمان، حضارة لا إله إلا الله، يتحراها الناس منا في الأدب، والغرب مخفقون في عالم الروح، قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [النمل:66] عندهم عالم الشهادة لا عالم الغيب، عندهم عالم الجسم لا عالم الروح، عندهم عالم المادة لا عالم ما وراء المادة، ونحن عندنا الجانبين، لكن حين هدينا الإنسان للنور وأسمعناه كلمة الحق، وقدمنا له نموذجاً حضارياً عن حياتنا وجلوسنا وطعامنا، والرسول صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئاً، ولا ترك الإسلام شيئاً، والله يقول له يوم عرفة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] هل كان عند الرسول صلى الله عليه وسلم يوم قال الله: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي هل كان عنده صوامع غلال؟ هل كان عنده مستشفيات؟ هل كان عنده خطوط مزفلتة؟ هل كان عنده خطوط مواصلات وهاتف؟ ويقول الله له: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ينام ولا يشبع من خبز الشعير ثلاثة أيام، ويقول الله له: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يلبس الممزق من الثياب، ويقول الله له: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يسكن بيت الطين ويقول الله له: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يضع الحجر على بطنه ويشده عليه الصلاة والسلام، ويقول: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فأي نعمة؟ إنها نعمة الإنقاذ، نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، نعمة أن يعرف الإنسان ربه، معرفة طريق الهدى، والاستقامة، وتحرير الإنسان من أن يسجد للطاغوت أو للجزمة أو للوظيفة أو للسيارة، أن يكون مشرقاً حياً، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257] وقال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد:1-2] أي نعمة أن يدخل ربعي بن عامر ممزق الثياب على رستم، وعلى رستم تاج من ذهب، فيدعوه إلى لا إله إلا الله، ويضحك منه رستم ويقول: تفتح الدنيا بالرمح المثلم والفرس العقور؟! فيقول ربعي الشاب المخلص: نعم. [[جئنا كي نخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

    1.   

    أسباب الإنقاذ

    العلماء والدعاة

    أول ما يوجه الكلام للعلماء والدعاة، فهم أهل الميثاق قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] ومعنى الآية أي: البيان العام في الاعتقاد، والشرائع الربانية، والأحكام المأخوذة عن معلم الخير عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:195-160].

    ونعيش دقائق مع ابن تيمية وهناك شريط اسمه أسرار العبقرية عند ابن تيمية، آخذ منه جزءً هو الفرق بين ابن تيمية وغيره من العلماء:

    إن ابن تيمية جعل الدنيا على التراب؛ ليرضى عنه الواحد الوهاب، ورفض كل شيء لتبقى لا إله إلا الله، ولم يساوم شيخ الإسلام أبداً على ذلك وهذا هو الفارق بينه وبين غيره من العلماء، وتجدون من يكتب عن ابن تيمية مثل أبي الحسن الندوي يشير إليه، وحيا الله أبا الحسن فقد أشاد بهذا الاكتشاف، اكتشف الديناميت في حياة ابن تيمية اسمعوا إلى هذه الجمل:

    يعيش ابن تيمية عقلاً نوَّاراً، يريد ابن تيمية أن يكون كالشمس تسطع تسطع، وكالنجم يلمع يلمع، وكالسيل يهدر يهدر، يعيش ابن تيمية استقلالية فكرية، يحارب الإقطاع والرأسمالية، ويحارب الخنوع لغير الله، واستبداد البشر بالبشر، يعيش بمفهوم العصر (البروسترويكا) والانفتاح، أو إعادة البناء، انشغل التاريخ بـابن تيمية؛ لأن ابن تيمية انشغل بالله.

    ويقول أحد الكتبة مثل كاتب كتاب المسار محمد أحمد الراشد: (بقدر انشغالك بالله ينشغل الناس بك، وبقدر انشغالك بالناس لا ينشغل الناس بك) فـابن تيمية انشغل بالله فانشغل الناس به، حتى أن من يقرأ المجلد الرابع عشر من (البداية والنهاية) يجد التاريخ وراء ابن تيمية، وكأنه لا يوجد في الدنيا إلا ابن تيمية، دخل ابن تيمية، خرج ابن تيمية وقف ابن تيمية، جلس ابن تيمية، تكلم ابن تيمية، خطب ابن تيمية، يعيش ابن تيمية.

    وهذه من الاستقلالية الجميلة التي يعيشها ابن تيمية، ولذلك كان ابن تيمية قوياً كأشد ما تكون القوة، حياً كأشد ما تكون الحياة، وقد فتح جبهات في حياته، في الرد على الجهمية المعطلة، والخرافية والمعتزلة والأشاعرة والحلولية والاتحادية والظلم، والاستبداد، وكان خطيباً مفتياً واعظاً، مجاهداً، مربياً، ومعلماً، ومدرساً، وشيخاً، وهذه تسمى منافذ القدرة عند ابن تيمية، ومن عاد إلى الشريط وسمع الكلام عن ابن تيمية يستفيد إن شاء الله.

    وأقول: إن الأمة ما زالت بخير ما دام فيها علماء يخافون الله عز وجل، ويبينون للأمة ما التبس لها من أمر دينها، وهم أهل الميثاق.

    بناية الحصون المهدمة

    عند الأمة الإسلامية حصون مهدمة من داخلها، وهناك كتاب عنوانه (حصوننا مهددة من داخلها) للدكتور محمد محمد حسين شكر الله سعيه، وقد أجاد كل الإجادة، ورفع الله منزلته بهذا الكتاب، وكما سبق أننا ننسب الخطأ إلى غيرنا دائماً، ولدينا حصون هدمت من الداخل، وعلينا أن نعيد البناء، ونعيد التوجيه والتركيز، ونعيد بأنفسنا رد الخطأ والغلط، ونصحح المسار، وهذه الأخطاء في المناهج العقدية، وفي المناهج التربوية، وفي المناهج التعليمية أخطاء تعيشها الأمة، لا يتعامى عنها إلا أعمى، قال تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد:19] ومن الأخطاء في المناهج التعليمية أن يكون القرآن حصة إضافية، أو أن يكون جزئياً وليس أصلياً في المواد الدراسية، حتى تقدم بعض المواد البشرية عليه، وأنا أعرف من الطلاب من يعرف الجغرافيا معرفة مفصلة دقيقة، ولا يعرف عن كتاب الله عشر معشار هذا، وإلى غير ذلك من القضايا.

    إعادة بناء المناهج

    وذلك بأن تكون مناهج مؤثرة، عقدية مستمدة من (قال الله، قال الرسول عليه الصلاة والسلام) تجد من الطلاب من يدرس ثماني عشرة مادة، وسبع عشرة مادة، لكنه ضعيف في كل المواد، ويقول: ولا بد من المواد الأخرى، ولا بد من مواد الحياة، ولا بد أن ندرس التكنولوجيا والتاريخ والتربية وعلم النفس، لكن المواد الأصيلة في حياة الأمة (التفسير والحديث والفقه) فلا حرج في تركها.

    وأين نحن من الرسول صلى الله عليه وسلم؟! فقد كان يربي الصحابي سنة فيخرج عالماً، أرسل معاذاً إلى اليمن عالماً مجتهداً مطلقاً وعنده مجموعة أحاديث، لكنه عاش (قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم) حتى شبع وروي ورأى النور، أما التجزئة، أن يحفظ بعض السور أو بعض المقاطع من الآيات، ويركب عليها بعض الأحكام، ويفرح الطالب يحذف المنهج، ويقول: يا أستاذ فتح الله عليك، لو تحذف هذه الصفحات قبل الامتحان، فيحذفها، ولو أعطيتنا رءوس أقلام عن الأسئلة، فنحن أذكياء نعرف قبل أن تكمل، فيعطي، ولو تركت حفظ هذه المادة، قال: أتركها لكم على العين والرأس، فيخرج جيلاً مثقفاً، ونحن لا نريد جيلاً مثقفاً، فالكافر أحياناً أكثر ثقافة من المؤمن، لكن نريد جيلاً عالماً.

    تحدي شبح الموت

    متى كان أبناء طارق، وأحفاد صلاح الدين وعمر يخافون الموت؟ متى كان اليهود يركبون طائرات (ميراج إف خمسة عشر) ويتحدون كرامة الأمة وميراث الأمة؟! متى كانت الأمة إذا شعرت بالزعزعات تذهب إلى الأرز والسكر والفوانيس تشتريها من الأسواق وتتكمم بالكمامات؟! سبحان الله!

    أليس جدكم عقبة بن نافع هو الذي وقف على المحيط الأطلنطي على فرسه، يقول: [[والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضت بفرسي هذا البحر لأرفع لا إله إلا الله]] أليس عقبة هو الذي تكلم مع الحيات والعقارب والوحوش في صحراء أفريقيا، وقال: ادخلي جحورك فإنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟! أليس عبد الله بن عمرو ضرب ثمانين ضربة بالسيف وكان يقول:

    [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فمن فتح العالم إلا أنتم؟!! وقد كان الصحابي إذا سمع الصوت يخرج بالسيف، لكن لما خانت الأمة حيَّ على الصلاة، خانت حيَّ على الكفاح.

    من خان حيَّ على الصلاة     يخون حيَّ على الكفاح

    تنتظر ممن لا يصلى الفجر جماعة أن يذهب إلى الجبهة يكافح العدو، أو ينصر مقدساته أو يحمي عرضه، أو يرفع لا إله إلا الله؟! أتنتظر ممن يسمر إلى الثانية في منتصف الليل على البلوت والكيرم وهوايته جمع الطوابع والمراسلة أن يكون قوياً شجاعاً يلبس كفن الموت؟! لا.

    ولنا في اليمن آية: أرادت بريطانيا قبل سنوات أن تحتل اليمن الشمالي، وكان عندهم أثارة من عقيدة، لا زالت أمة لم تفسد إلى هذا المستوى، فزحفت الدبابات من عدن تريد اليمن الشمالي، فقام أحد العلماء وطلب الخطبة في الجامع الكبير بـصنعاء -الجامع هذا يحضره ألوف مؤلفة من اليمنيين- وأخذ الخطبة بصلاة الجمعة، وافتتحها بـ الحمد لله منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، ثم بدأ بالخطاب في قصيدة إلى بريطانيا يقول:

    يا بريطانيا رويداً رويدا      إن بَطشَ الإله كان شديدا

    كانت الطائرات في أثناء الخطبة تضرب صنعاء.

    إن بطش الإله أهلك فرعون       وعاداً من قبلكم وثمودا

    لا تظنوا هدم المدائن يوهي      عزمنا أو يلين بأساً صلودا

    إن تبيدوا من البيوت بطياراتكم      ما غدا لدينا مشيدا

    فلنا في الجبال تلك بيوتٌ     صنعتها أجدادنا لن تبيدا

    ثم التفت إلى الطيارين وقال:

    فالنزال النـزال إن كنتم ممن     لدى الحرب لا يخاف الجنودا

    يقول: انزلوا في الأرض إن كنتم شجعان.

    لتروا من يبيت منـا ومنكم     موثقاً عند خصمه مصفودا

    ما خضعنا للترك مع قربهم في     الدين منا فكيف نرضى البعيدا

    الأتراك مسلمون وما خضعنا لهم، فكيف أنتم يا وجوه الخواجات، ويا وجوه العمالات والخيانات؟!

    ما خضعنا للترك مع قربهم في     الدين منا فكيف نرضى البعيدا

    وهم في الأنام أشجع جيش     فاسألوهم هل صادفونا فهودا

    ثم يقول: ويلتفت بدعوى إيمانية للناس.

    يا بني قومنا سراعاً إلى الله     فقد فاز من يموت شهيدا

    سارعوا سارعوا إلى جنة قد     فاز من جاءها شهيداً سعيدا

    والبسوا حلة من الكفن الغالي     وبيعوا الحياة بيعاً مجيدا

    وأفغاني ضرب بيته بقذيفة فأخذت القذيفة البيت بما فيه، وتسعة أطفال وزوجته، أتدرون ماذا فعل؟ يقولون: أخذ الرشاش وذهب إلى الجبهة يقاتل، وبترت قدمه بعد أن قتل أربعة عشر شيوعياً، وهكذا ربى الرسول صلى الله عليه وسلم الإنسان، على أن يتلقى الموت في أي لحظة، والله يقول: قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور:31] وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة:52].

    اليمنيون لما خرجوا من المصلى لبسوا الأكفان، وأخذوا الرشاش، ودكوا بريطانيا وأسقطوا الطائرات بهذا السلاح الرشاش، وانهزمت بريطانيا أمامهم.

    والشعوب يوم تؤمن بلا إله إلا الله لا يغلبها أحد.

    لماذا يخاف أطفالنا؟ نحن نخاف لثلاثة أسباب:

    الأول: الضعف العقدي عندنا وعدم التوكل. نقول بألسنتنا التوكل، لكن التوكل ضعيف، التوكل ليس موجوداً.

    الثاني: أراد بعض الناس أن يحسن، فارتكب خطأ فاحشاًكمن ينشر الآن تضخيم حاكم العراق، وفي ذات مرة رسموه وأسنانه كالخناجر، وعيونه تقدح شرراً، حتى أغمي على الأطفال في البيوت، وهذه حرب معنوية ساحقة، ومن الحكمة أنك لا تهول في شأن عدوك وتضخمه، وفي كل ملف تجد: سوف يقتل الناس هذا السفاك، ورأيت صورة لو ترونها -تمر دائماً باستمرار- يحمل خنجراً يقطر دماً، وهذا رعب، وقد فعلوه مع مناحم بيجن، وصفوه أنه ارهابي في دير ياسين، ويقتل حتى أغمي على الناس من ذكره، وهذا ليس بصحيح، لا قوي ولا عظيم إلا الله؛ قال تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160].

    والأمر الثالث: أنه لا بد أن يغطى الفراغ عند الناس، فراغ الهاجس، الأمة تعيش وساوس، والذي لا يشتغل بالحق يشتغل بالباطل، والمؤمن كما يقول عمر: [[إذا فرغ غفل]] فلا فراغ عند المؤمن، وأكثر الأمراض عند بعض الشباب من هذه الوساوس، أنه لا يقرأ القرآن، ولا يحفظ الحديث، ليس عنده عمل أو كسب، فيبقى في بيته حتى تأتيه الخطرات، ويتصور الموت ليل نهار، وكأنه قد مات، الجبان يموت في اليوم ألف مرة والشجاع لا يموت إلا مرة واحدة في عمره.

    وابن القيم يرى في زاد المعاد أن من أسباب انشراح الصدر سعة البال وشجاعة القلب.

    يا إله الخلق بل يا ذا الجلال     يا خفي اللطف يا رب النوال

    قد دهتنا كربة ليس لها     غيرك اللهم يا مرسي الجبال

    صدق اللجوء إلى الله

    اللجوء إلى الله أن تفوض الأمر إليه (حسبنا الله ونعم الوكيل) يقولها إبراهيم: وهو بين الأرض والسماء كالقذيفة في المنجنيق وقد اقترب من النار، فيقول له جبريل: ألك حاجة؟ -تصور الخطورة، وتصور الموقف، إبراهيم في الهواء كالطائر، يرمى بالمنجنيق، وسوف يصل بعد دقائق إلى النار، فيقول له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. وأما إلى الله فنعم. فلما اقترب قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعل الله النار برداً وسلاماً، والرسول صلى الله عليه وسلم في غار ثور يطوقه الكفار، فيرى أبو بكر قدم كافر فيقول: {يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، قال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما} وموسى في البحر يقول: إن الله معنا، فانتصر عليه السلام في البحر، وسوف تتكرر هذه دائماً كلما عادت الأمة ملتجئة إلى الله، مستغفرة منيبة تائبة.

    وصلاح الدين الأيوبي ذاك البطل، أشكره وأسأل الله أن يجمعنا به في دار الكرامة، صلاح الدين كردي، قال تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] إذا أصبحت الأمة العربية تربي الصقور، ومغرمة بـ(ما يطلبه المستمعون) أعطيت الرسالة سواء كانوا أتراكاً أو هنوداً أو أفغاناً أو أكراداً، الأكراد الذين سُحقوا بالكيماوي وأصبحوا كورق الخريف، وأصبحوا هشيماً كالأظافر إذا اقتلعت، ولم يغضب أحد ولم ينكر أحد، هذا صلاح الدين منهم. فهل تعلمون ماذا فعل صلاح الدين، يقول وهو شاب: والله لا أتبسم حتى أفتح بيت المقدس وصدق والله، متى بدأت معركة حطين؟ بدأت في الثانية عشر ظهراً، يعني خمسة عشر يناير عند صلاح الدين الثانية عشر ظهراً، ليست الثانية عشر ليلاً، عنده في الثانية عشر ظهراً قال: إذا صعد الخطباء على المنابر بدأت بالهجوم، لماذا؟ قال: لأكتسب دعاءهم، وكان عند الخطباء خبر أنه سوف تقوم حطين، وهي من أشهر المعارك، بل هي أم المعارك، تأخذ الأخضر واليابس، فلما صعد الخطباء على المنبر، بدأ (باسم الله) يقولون له، وكان في الكتيبة الثانية، وكاد الجيش أن يتزعزع، وكان يقول: وا إسلاماه، وا إسلاماه -وقيل إنها لـقطز - هذه (واإسلاماه) هي من صلاح الدين، وبدأ الهجوم، وسحق المشركين والصليبيين سحقة لم يسمع الدهر بمثلها، وفي يوم الجمعة الثانية دخل بيت المقدس، وأذن مؤذن وبكى الناس من الفرح، وكان صلاح الدين الكردي القائد العسكري قبل المعركة قد قرأ من سورة الأنفال قليلاً، وقبل المعركة قال: أسمعوني من كتاب موطأ الإمام مالك، وكان هو شافعي المذهب أشعري المعتقد، لكن أشعريته على العين والرأس ما دام أنه ليس ملحداً ولا علمانياً، ولا صليبياً ولا صهيونياً، وإنما هو مسلم يحمل لا إله إلا الله، أتى هذا الرجل فقال: اقرءوا موطأ الإمام مالك، فقرءوا في الكتاب قليلاً، ثم أبتدأ الهجوم، وفي الصف الأول، كان يصلي الجمعة، وقام الخطيب شمس الدين الحلبي، فافتتح الخطبة افتتاحاً هائلاً- الخطبة مكتوبة - ثم قال يحيي القائد:

    تلك المكارم لا قعبان من لـبن     وهكذا السيف لا سيف ابن ذيزن

    وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا     وهكذا يعصف التوحيد بالوثن

    إلى آخر ما قال...

    فلما التجأ إلى الله نصره الله.

    التوكل على الله

    وسوف تنصر الأمة كلما عادت إلى منهج الله عز وجل وتوكلت عليه، قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] كل الناس يموتون إلا الله.

    إن الاتصال بالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في طلب الشفاعة مباشرة بغير واسطة من خلقه، ولو أنه جعل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبلغين وواسطة في التبليغ، فلم يجعلهم واسطة في رفع الحاجات، قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] وفي الصحيح أن الصحابة قالوا: {يا رسول الله! أربنا بعيد فنناديه أم قريبٌ فنناجيه؟} فأنزل الله عز وجل قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] وهذا من البلاغة بمكان، وأسرع ما يمكن أن تكون الدعوة مستجابة يرفعها الله فوق الغمام، إذا كانت دعوة المظلوم المضطهد، ويقول الله: {وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين}.

    كانت الأمة ربانية تتصل بالله مباشرة يوم سلمت قيادها لله، يقف صلى الله عليه وسلم في بدر، ويقول: {اللهم وعدك الذي وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك} فنصره الله.

    وموسى على البحر وفرعون بستمائة ألف مقاتل وراءه وبنو إسرائيل يقولون: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] فيقول: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] حسبنا الله ونعم الوكيل.

    هذا هو شعار الأمة: الدعاء، والاستغفار، والتوكل على الواحد الأحد، والاتصال به مباشرة، فهو الناصر ولا ناصر غيره، قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].

    التوبة النصوح

    التوبة النصوح: رأينا الناس في الأحداث حرصوا على إصلاح أمور دنياهم، وإصلاح وضعهم المعيشي، ولكن لم نسمع بعودة الناس إلى الله عودة جادة، وهذا وقت القربات، ووقت أن يراجع الناس حسابهم مع الله عز وجل، قال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [بالأنعام:43] يقول سبحانه عن قوم صالحين وكانوا مسيئين فصلحوا في الكربة، قال: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:147] محمود بن سبكتكين الذي فتح الهند، كان قبل المعركة الهائلة التي دارت رحاها في شرق الكرة الأرضية، هل تعلمون كم كان جيش محمود بن سبكتكين؟ كان ألف ألف مقاتل أي: مليون.

    هذا محمود بن سبكتكين أعطاه ملك الهند كالأسطوانة وهي أصنام كبيرة من الذهب، قال: أعطيك هذه وعد عن بلادي، قال: تعطيني ماذا؟ قال: أعطيك هذه خذها لك، وعد عن بلادي، قال: عجيب! تريد أن يدعوني الله يوم القيامة: يا مشتري الأصنام؟! والله لأكسرنك ولأكسرن هذه الأصنام، ليدعوني الله يوم القيامة: يا مكسر الأصنام، فكسر رأس الملك على رأس الصنم، فيقول محمد إقبال:

    كنا نرى الأصنام من ذهـب     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنزاً وصاغ الحلي والدينار

    إياز كان خادمه، فالتفت يستشيره يقول: ما رأيك يا إياز نأخذ الأصنام، ونعود عن بلادهم بلا قتلى، وبلا خسائر في الأرواح؟ قال: إياز: دع الله يدعوك يوم القيامة: يا مكسر الأصنام، قال: صدقت، وهذا الذي في نفسي، ويقول محمد إقبال:

    محمود مثل إياز قام كلاهما     لك بالعبادة تائباً مستغفراً

    العبد والمولى على قدم التـقى     فارحم بوجهك عبد سوء في الثرى

    إلى آخر ما قال.

    والمقصود هنا أن العودة إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى نجاة.

    ونور الدين محمود استغفر الله كثيراً قبل الهجوم وتاب وأناب، وقالوا: مرغ وجهه في التراب، ونقل بعض المؤرخين، أنه كان يقول في السجود: اللهم اغفر لعبدك الكلب محمود، وهذا كان من كثرة التواضع في معاركه، كان يقولها أيضاً، ليزداد من التواضع فنصره الله نصراً كاسحاً، ما سمع الدهر بمثله، نصره سبحانه في الأنفس والحياة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد:7] نصره سبحانه في الأنفس وفي تطبيق شرعه، وإقامة البيوت على منهجه، والتأثير في المجتمع، وإعادة الناس إلى رب العالمين، والنصر الأكيد هو العمل بأسباب النصر، أما أن تبقى الأمة مكانها تراوح، ولا تزداد قرباً من الله، فهذا علامة الفشل والهزيمة، وعلامة أن يغشاها العدو والعياذ بالله، نصر الله في الأنفس بتحكيم شرعه في الحياة وبتطبيق منهجه في الناس والتأثير فيهم.

    1.   

    التعلق بمصادر العزة

    ليس لأمة في هذه الأرض مصادر عزة مثل ما لهذه الأمة الخالدة من مصادر العزة، ومنها:

    الولاية الكبرى لله عز وجل

    من هو ولينا ومعتصمنا؟ إذاً إلى من نلتجئ؟ غيرنا يلتجئ إلى كيانات، ونحن نلتجئ إلى الله، ولما ذكر الله الكفار والمؤمنين، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] فولايته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حقة نحقها ونتشرف بها، وقال تعالى في أوليائه: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] الذين حملوا السجود والركوع، وحملوا لا إله إلا الله، وأسلموا قلوبهم لله، واستقبلوا الكعبة كل يوم خمس مرات، هؤلاء أولياء الله، يستمدون طاقتهم وكلامهم ومنهجهم من الواحد الأحد، ولينا الذي على العرش استوى، ولينا الذي حكمه في قوله كن فيكون، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] فلا نريد ولاية غير ولاية الله، وهذه أسباب القوة في العالم الإسلامي، وليس لأمة ما لنا في هذه الولاية الحقة، فنسأل الله أن يجعلنا من أوليائه.

    فإما حياة نظَّم الوحي سيرها      وإلا فموت لا يسر الأعاديا

    رضينا بك اللهم رباً وخالقاً     وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا

    القدوة الخالدة محمد عليه الصلاة والسلام

    الرسول صلى الله عليه وسلم شيخي وشيخك، وأستاذي وأستاذك، لكن متى يكون؟ إذا جعلته إماماً لك في الحياة والصلاة والأخلاق والسلوك، يقول عليه الصلاة والسلام: {والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار} ويقول فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام: {لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به} ويقول فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام: {من رغب عن سنتي فليس مني} ويقول: {خذوا عني مناسككم} ويقول: {صلوا كما رأيتموني أصلي} فهذا هو القدوة والإمام المعتبر لنا.

    ميراث الوحي

    بمعنى أن الأمة لها تميز عن سائر الأمم، في أن مصدر حياتها وعلمها وفخرها وحي من السماء، قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2] قرآن وسنة تتلقى، وليس عند الأمم كما عندنا قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] إذا تعامل الناس مع البشر وقبلوا حثالات أفكار البشر، فنحن نأخذ دستورنا من كلام رب البشر، ومن كلام خير البشر صلى الله عليه وسلم، فهذا هو من مصادر العزة، التي متى تركتها الأمة وقعت في حمأة الرذيلة، وسقطت على رأسها في العار والبوار والدمار في الدنيا والآخرة، ولا يصلح حالها ما دامت تتخلى عن الوحي أو شيء من الوحي، قال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] والعجيب أن هذا الوحي لا يقبل التجزؤ؛ بل يأخذ جملة أو يترك جملة، وحي يؤخذ في الحياة وفي منافذ الدنيا، وفي كل مشاريع الحياة الدنيوية، وفي كل صغيرة وكبيرة، أعظمها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ولا يترك منه شيء.

    أمة الخلافة في الأرض

    نحن أمة الخلافة في الأرض، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110] والله يقول عن هذه الأمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] متى نكون شهداء على الناس؟ إذا أحسنا العمل بالمنهج الرباني، وأن نؤثر في الناس، وأن نصدق في حمل راية التوحيد كما أتى بها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، نكون أمة شهيدة على الناس إذا صدَّرنا الإيمان للعالم ولم نبق محصورين في الدفاع فقط، كلما هوجمنا دافعنا، ننتظر الهجوم في عقر دارنا، أن يأتينا الغزو الفكري والتلوث العقدي، ونبقى ندافع، هذا لا يكون أبداً، والأمة الآن ليست برائدة، وليس لها مكان في عالم الدول الخمس دائمة العضوية، التي تملك حق الفيتو، فكلها دول كافرة، وهي التي تدير أمور الشعوب شرقاً وغرباً، ولا يأتي قرار في الشعوب إلا من تحت تصرف هذه الدول الخمس، فأين الأمة الوسط؟ وأين الأمة الشهيدة؟ وأين الأمة المعطاءة؟ وأين الأمة التي قال الله عنها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]؟ انظر إلى التعبير أُخرجت! كأنها مادة وكنز، كأنها مادة حية أخرجت من تحت التراب، خرجت بلا إله إلا الله، خرجت من الصحراء تحمل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أمة كانت ميتة، تعبد الصنم، وتغني لليلى، وتسجد لقيس، وتشرب الخمر في الحرم، فأنزل الله عليها لا إله إلا الله، ودستورها السماوي، فخرجت تخطب على منابر الدنيا بلا إله إلا الله، وتنقذ الشعوب.

    من غيرنا هدم التماثيل التي     كانت تصورها خرافات الورى

    حتى هوت صور المعابد سُجداً     لجلال من خلق الوجود وصورا

    أهو أنا وأنت؟ لا. بل خالد وسعد، وطارق وصلاح الدين.

    عمر في بردته أربع عشرة رقعة، ويغمى على كسرى وقيصر إذا ذكر، وعمر رضي الله عنه وأرضاه يتحدى الموت من على المنبر، ويفاوض ملوك العالم على أن يسلموا، قالوا: نعطيك بعض الأرض، قال: لا. ليس لكم حكم في الأرض، سلموا، فسلموا، وتركوا الكراسي للا إله إلا الله، يدخل سعد بلا إله إلا الله، فيقول: الله أكبر، فينصدع إيوان كسرى، ويبكى سعد بدموع الفرح، ويقول: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان:25-28].

    1.   

    واجبنا نحو الجيل العائد إلى الله

    حماية السلوك بالمنهج الرباني

    حماية سلوكهم بالعلم أن نسوسهم بقال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، لا نبقى أمة فكرية عاطفية حماسية فقط، لا بل نكون على أثارة من علم، الطبيب يتعلم، المزارع يتعلم، الفلاح يتعلم، التاجر يتلعم، والمسئول يتعلم الدروس، يسمع الشريط الإسلامي، يستفيد كل واحد منهم بآية في اليوم أو حديث، فيكون أمة تتفقه في الدين، وفي الصحيحين: {من يرد الله به خيراً يفقه في الدين} أي: العلم: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9] هذه الأمة تعيش ثقافة ولا تعيش علماً، ثقافة موسعة تعرف الأمطار والأخبار والمجريات، ولكنها لا تعيش علماً مؤصلاً مرشداً إلا في القليل النادر.

    إظهار محاسن الإسلام للأمة

    الثاني: إظهار محاسن الإسلام للأمة، لا نأتي بالإسلام ونصفه فقط بجوانب وهي كمالية، بعض الناس إذا أراد أن يتحدث عن الإسلام يأتيك بالحدود، قطع يد السارق، ورجم الزاني، وجلد شارب الخمر، وهذا أمرٌ على العين والرأس، وبعض الناس إذا أراد أن يتحدث إلى النساء، يفتتح كلمته قال: السلام عليكن ورحمة الله وبركاته، يقول عليه الصلاة والسلام: {إنكن ناقصات عقل ودين}!

    هذه بشرى للنساء!

    هو من الأحاديث، لكن متى قال ذلك عليه الصلاة والسلام؟ أما قال في النساء شيئاً غير ذلك؟! أما قال يوم عرفة: الله الله في النساء! يوم المؤتمر العالمي، يوم أعلن حقوق المرأة من على عرفة أما قال: {الله الله في النساء! إنهن عوان عندكم}؟ أما قال: {خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي}؟ أما وقف مع المرأة؟! أما دافع عن حقوقها؟! أما احترمها؟! أما عاش معها أباً وزوجاً وأخاً وابناً؟! أما رزق من البنات أكثر من البنين؟! فلماذا إظهار الإسلام على هذه الصورة؟! إن العرض للإسلام لا بد أن يكون في إطار جميل حتى يقبله الناس، وتجد بعض الناس يأتي إلى مغاصات وإلى مغارات وهي موجودة في الدين، وهي كلها من الحب والعدل، وكلها من الحق نقبلها، لكنه يأتي عليها، فيجعلها كأنها إجحافات على البشر، بسوء عرضه، ولو أن نيته صحيحة في إظهار محاسن الدين، ومن محاسنه تحرير الإنسان، ومن محاسنه أن أفاض الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى على الإنسان بإنقاذه له من ردهات الرذيلة.

    ومن محاسن وفضائل الإسلام أثر الإسلام على الكون، العدل في الإسلام، إيجاد حقوق المرأة، التآخي، الشورى والكرم في الإسلام، ورحمة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا ذكر آية الرجاء ذكر آية الخوف، تجد مناهج بعض الناس أن خطب الجمعة عنده كلها خوف!! يتحدث عن سوء الخاتمة، لماذا لا يتحدث عن حسن الخاتمة؟ يتحدث في عذاب القبر، لماذا لا يتحدث عن نعيم القبر؟ يتحدث في النار عشر خطب، فأين الحديث عن الجنة؟ يتحدث في أخذ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للعصاة، ولماذا لا يتحدث عن رحمة الله للتائبين؟ منهج القرآن لا بد أن تأتي بخطبة من هنا، وخطبة من هنا، وأن تقرن بين الحق في نسق عجيب.

    فوضع الندى في موضع السيف بالعـلا     مضر كوضع السيف في موضع الندى

    الذب عن أعراض الصالحين

    وواجبنا أن نذب عن أعراض الصالحين، وأن نتصدى للهجمات الباغية الغوغائية الطاغية الظالمة التي يتعرض لها شباب الحق، ويتعرض لها علماء الإسلام، ويتعرض لها دعاة لا إله إلا الله، ونذب عن أعراضهم.

    وربط الجيل بالعلماء؛ فلا بد للعلماء أن يحملوا عقول الشيوخ، وللشباب أن يحملوا التوقد، والحماس الإيماني، فيجتمع هذا وهذا، فنُكَوِّن مساراً خالداً، فعلم بلا عاطفة جياشة وحماس كالأديم الميت، وحماس بلا علم هوج، ونريد أن نربط بين الاثنين ليكون المسار صحيحاً.

    فتح مجال التأثير للدعاة

    وفتح مجالات التأثير للناس: أن يكون الشباب والدعاة هم المؤثرون في مستقبل الأمة، وهم أهل الحق، أهل لا إله إلا الله، وأما الذين أثروا في الأمة تأثيراً سيئاً فلا ينبغي لهم أن يقدروا، ولا ينبغي أن يكون لهم الكلمة، كمثل من يصدر الزندقة، أو يصدر المجون، والغناء الفاحش، أو يلعب على الأمة بمسلسلات مهدمة، وهي تعيش مرحلة استنفار، وميراث نبوة.

    وهذا ما أريد أن أبينه، وأختتم هذه المحاضرة شاكراً لكم حسن إصغائكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    ظاهرة الإصرار على المعاصي

    السؤال: في هذه الأيام تزاحم الناس على شراء المواد الغذائية مع إصرارهم على الذنوب والمعاصي كبيرها وصغيرها؟

    الجواب: من الجانب الشرعي لا بأس بأخذ الحيطة والحذر، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71] والرسول عليه الصلاة والسلام صح عنه: {أنه ادخر قوت سنة لزوجاته صلى الله عليه وسلم} فلا بأس أن تأخذ رزقاً بشرط ألا تحتكر أرزاق المسلمين، لقد قال عليه الصلاة والسلام: {لا يحتكر إلا خاطئ} إذا بلغت درجة أن تحتكر على المسلمين وتغلي الأسعار فلا يجوز هذا، أما إذا توفرت المواد، وليس فيها إجحاف بالأمة، فلا بأس بأخذ كفايتك من المواد لأوقات الخطر، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {اعقلها وتوكل} وبارز صلى الله عليه وسلم بدرعين، وأخذ الأسباب لا يعارض التوحيد، ولكن المخيف والعجيب أن يكون بعض الناس مهتماً ببطنه، وببيته ومطبخه، ولا يتهم بلقاء ربه ومصيره ومستقبله مع الله.

    وقد قال الشاعر:

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته؟     أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    وقال آخر:

    أتكلم الفصحى أمام عشيرتي     وأجيب لكن ما هناك جواب

    لولا العباءات التي التفوا بها     ما كنت أعلم أنهم أعراب

    يعني أنها مهدمة من الداخل، ومزخرفة من الخارج.

    لما لبسنا الملابس الغالية، واستولينا على كثير من الدنيا لم نؤثر في العالم ألبتة، ولما كنا نلبس البرد الممزقة والرماح المثلمة، خطبنا في قرطبة وصلينا في سمرقند، وفتحنا قندهار، واستولينا على ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.

    محافظة المجاهد على صلاة الجماعة

    السؤال: ما حكم الذي يجاهد في سبيل الله ولا يصلي في بيوت الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟

    الجواب: إن كان قصده أنه يترك الصلاة مطلقاً فهو كافر لقوله صلى الله عليه وسلم: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ من تركها فقد كفر} بين الكافر والمسلم ترك الصلاة، وإنه كان قصده أن يتركها جماعة، فهذا فاسق عند المحدثين؛ لأنه ترك واجباً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار} وأنا أجزم جزماً قاطعاً أن الذي لا يصلى الصلوات في جماعة بلا عذر شرعي في المسجد، أنه لا يجاهد لوجه الله وإعلاء كلمة لا إله إلا الله في المعركة.

    من خان حيَّ على الصلاة     يخون حيَّ على الكفاح

    الحث على التوبة والصبر والتوكل على الله

    السؤال: هل الأفضل أن نعظ الأمة ونوصيهم بالصبر والتوكل، أم نأمرهم بالتوبة والرجوع إلى الله؟

    الجواب: بل كلا الأمرين، تأمرهم بهذا وهذا، وهذا مستلزم لهذا، والتوبة في أول الطريق وفي آخره، والتوكل في آخره وفي أوله، وعليك أن تأمرهم بهذا وهذا، وأنت مأجور مشكور.

    ظاهرة دراسة النظريات الجنسية

    السؤال: نحن ندرس في قسم التربية علم النفس، وفيه نظرية تقول: أن الإنسان لا يعيش إلا لتلبية الرغبة الجنسية، (نظرية فرويد) الذي يرى الجنس هو المؤثر في الناس ونقسم بالله أن المدرس قال لنا هذه النظرية، وكيف نربى ونحن ندرس مثل هذا؟

    الجواب: هذا مما ينبه عليه، وهذا من الخطأ، وواجب على الأستاذ أن يتقي الله عز وجل، فإن الله لم يخلق البشر للجنس، فهم ليسوا عصافير ولا دجاجاً، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وهذا هو المقصد، وأصبح هذا اليهودي يصدر النظريات لنا، ويصدر المناهج، والله المستعان!

    حكم الاستهزاء باللحية

    السؤال: ما حكم الاستهزاء باللحية؟

    الجواب: حكم الاستهزاء باللحية كفر، لأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولأن فيها أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] ولا يفعل هذا إلا من في قلبه مرض.

    حكم استماع الأغاني

    السؤال: ما حكم استماع الأغاني الغير موسيقية؟

    الجواب: لا أدري كيف الغير موسيقية، الغناء محرم كله، وإن كان قصده النشيد الذي لا يصاحبه دف، ولا طبل، فيجوز بثلاثة شروط، ألا يكثر منه، ألا يصاحبه آلات عزف، ألا يكون مجوناً ولا بذاءً ولا فحشاً.

    وأما الغناء المقيت، هذا الموجود المركب، فهو محرم بالإجماع، وينقل الإجماع على تحريمه كثير من العلماء.

    ظاهرة الإرجاء وخطرها

    السؤال: بعض الناس يحلق اللحية ويشرب الدخان ويتهاون في الصلاة، ويقول: إن الإيمان في القلوب؟

    الجواب: لم يصدق، وهذا على مذهب المرجئة، ولو كان يحب الرسول عليه الصلاة والسلام ويحب الله، لاتبعه في سنته.

    يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه     فالخلف يحرم في دنيا المحبينا

    إلى أن يقول:

    خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز بها     أوفاطرحها وخذ عنها الشياطينا

    همسات في آذان الكُتَّاب

    السؤال: هل من كلمة إلى الكتاب الذين يهدمون العقيدة ويشككون الناس في دينهم؟

    الجواب: أقول لهم: اتقوا الله، وعودوا إلى الله، وقدروا ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: أن العالم الآن كله يبحث عن دين، حتى على مستوى الملاحدة الشرقيين، فإن المعسكر الشرقي يبحث عن إله، وجرباتشوف في البروسترويكا بعد الصفحة اثنين وخمسين يبين أنه اعتنق المسيحية، يبحث عن دين، فوجد دين الإلحاد قد أثبت فشله، وانهار من وسطه، أن عقيدته لم تعد تؤدي دورها في الحياة، وقد سبق في بعض المحاضرات أن بعض الطلبة من عدن في جنوب روسيا كتبوا رسائل، يقولون: إنهم يريدون الأشرطة الإسلامية أن تنشر هناك، فقد تأثروا بعد أن ذهبوا ملاحدة من عدن وأسلموا هناك.

    فالنور يكتسح العالم، وأهل الجزيرة أولى أن يشاركوا في هذه الصحوة العارمة، وأن يعودوا إلى الله عز وجل.

    الأمر الثاني: أن يعرفوا أن هذه الجزيرة قدرها الإسلام، وأن فيها صخرة يتحطم عليها رأس كل زنديق وملحد، وأن الله لا يوفق من عارض لا إله إلا الله، وسوف يخزيه ويفضحه أمام العالمين.

    الأمر الثالث: أن في الأمة كتبة، وفي الأمة شعراء وأدباء مؤمنين، فأين عطاؤهم؟ وأين بذلهم؟ أنا أنظر أحياناً في كثير من الأسابيع إلى صحف من أولها إلى آخرها، فلا أجد إلا شعراً حداثياً أو نبطياً، ولا يوجد شعر إيماني، وليس هناك شعراء مؤمنون، أين القصائد الرائعة للمؤمنين؟ حسان؛ محمد إقبال، ولكثير من شعراء الدعوة، فليتقوا الله في ذلك، وهذا يحتاج إلى أن تبذلوا منطق المشاركة.

    الدعوة إلى الله في الوقت العصيب

    السؤال: كيف نوجه أهلنا في المدن والقرى في هذه الأيام من أيام الإجازة، مع العلم أنهم كلهم أصبحوا يحسبون لخمسة عشر يناير ألف حساب؟

    الجواب: هذا كما يقول تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:57-58] وطريقة الدعوة إلى إقناعهم حسب القواعد التالية:

    أولاً: حاول أن تستخدم وسيلة الحب، إذا أحبك أهل القرية والجيران والأهل فقد ضمنت نجاحك في الدعوة، والرسول صلى الله عليه وسلم سيطر على أفكار الناس بالحب، كانوا يحبونه، ولذلك انظر الصحابة، يقول جرير بن عبد الله: [[ما زال رسول الله يتبسم في وجهي حتى أصبح أحب إلي من أهلي ومالي]] وعمرو بن العاص أسلم وفي قلبه شيء، قال: [[فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبسم وينظر إلىَّ حتى ما كدت أملأ بصري من حبي له]] أو كما قال، ومسألة الحب شيء قوي، أن تحبب نفسك إلى الناس، وتحبب نفسك إلى والديك، وهذه يفشل فيها كثير من الناس، تجده يريد أن يؤثر على والديه بالدعوة، لكنه في جانب التعامل معهم مخفق، لا يحضر عزيمة معهم، لا ينقل والده إلى المستشفى، لا يشتري لهم حاجاتهم من السوق، لا يقف معهم، لا يواسيهم، إنما يأتي يأمر وينهى، يأتي واعظاً وخطيباً في البيت، افعلوا كذا، اتركوا كذا، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] وهذا هو الحب، قيل لـابن المبارك: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال.

    ثانياً: حاول ألا تصدعهم بالمسائل جملة، وإنما تدريجياً، فإنه لما أرسل صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن، قال له: ابدأ بلا إله إلا الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وهكذا.

    ثالثاً: يجب أن تتحلى بالصبر، وأن تكون واسع البطانة قوي النفس، ولا تستعجل أن تلبى لك المطالب دفعة واحدة.

    الأذكار الخرافية

    مشاركة: هل صحيح أن من قال عند المصائب والنوازل: يا لطيف أربعة آلاف وأربعمائة وأربعاً وأربعين مرة،لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:58] ألفاً ومائة وإحدى عشرة مرة، وبسم الله الرحمن الرحيم خمساً وخمسين مرة رفع عنه البلاء؟

    الجواب: هذه هي الخرافة بعينها، وهذا هو كلام الضائعين، وأنا أقول: لا بد أن نتوكل على الله، ولا بد أن نعود، لكن هذه إدخال البدع، وإطفاء نور السنة بسبب هذا الكلام ليس بوارد، وليس صاحبه محقاً، وأهل البدع لا ينصرون بالأزمات، فطريق محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا به: يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، أستغفر الله الذي لا إله إلا هو، حسبنا الله ونعم الوكيل، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أما الأعداد فمن أين؟ قال تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] ويقول صلى الله عليه وسلم: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد}.

    فوصيتي أن يتنبه الشباب إلى هذه المنشورات، لا حياها الله ولا بياها، ولسنا بجبناء إلى هذه الدرجة، أن نبلغ دعوتنا بالدس وبإعطاء الأوراق في الجيوب، لا.. لسنا بأقلية، ولسنا بأكثرية، ولكننا كلنا أمة مسلمة، والشارع مسلم، وباستطاعتك أن تقول كلمة الحق، وأن توصل القرآن والحديث للناس، أما المنشوارت فهي أسلوب الجبناء الهالعين، وليس عندنا دسيسة، ولسنا متهمين حتى نعطي أفكارنا وأسرارنا بالمنشورات، ومبادئنا تعلن كل جمعة من هنا من على المنبر، نعلنها للعالمين من على المنارة (الله أكبر) فوصيتي ألا يتجه الشباب إلى وسيلة المنشورات والترويج لها، وليست بصحيحة، وليس عليها أثارة من علم، وقد تسيء إلى الدعوة وإلى الدعاة أكثر مما تعود على الدعوة وعليهم بالنفع.