إسلام ويب

ولقد جئتمونا فرادىللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما حقيقة الدنيا؟

    سؤال يطرح نفسه بنفسه على كل ذي لب، ما هي حقيقة هذه الحياة التي نعيش فيها؟

    بل نتفاخر في التسابق إليها، وتجد الإجابة في كتاب الله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ).

    والمتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته يجد العجب العجاب، من زهده في الحياة الدنيا وإقباله على الآخرة، وكذلك سلك أصحابه من بعده والتابعين على هذا المنوال.

    1.   

    كونوا من أبناء الآخرة

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إن السلام وإن أهداه مرسله      وزاده رونقاً منه وتحسينا

    لم يبلغ العشر من قولٍ يبلغه      أذن الأحبة أفواه المحبينا

    وفي النماص تحياتي مرتلة      غرست فيها بأشواقي رياحينا

    آخيتمونا على حب الإله وما      كان الحطام شريكاً في تآخينا

    سلاماً خاصاً وعاماً، فخاصاً لأرواحكم المؤمنة، ولأصالتكم ولطموحاتكم، فأنتم أبناء عمومة الأوس والخزرج.

    ومن يشابه أبَه فما ظلم

    حمية ونصرة لـ(لا إله إلا الله) أنا وأنتم أزديون، فخرنا ليس بالتراب والطين، وإنما بنصرة محمد والدين.

    أنا من الأزد، أنصار الرسول ولي      شفاعة الحب إني من محبيه

    دمي ودمعي مدادٌ في مدائحه      وفيض قلبي عصفوراً يناجيه

    أشكر أصحاب الفضيلة العلماء والقضاة والمشايخ، والشباب، وأشكر القلوب الحية، والعيون المبصرة، والآذان السامعة، التي أتت هنا لتجتمع ولتسمع لا إله إلا الله، يوم اجتمع أهل الباطل لسماع الباطل، ولسماع النغمات المزرية والكلمات الفاحشة، أتوا ليستمعوا كلمات من نور، قال تعالى: نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى [الأنعام94] فالقائل: الله، والمتكلم بها: الله، ومنزلها: الله، فقال الله: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] يقول البخاري في كتاب الرقاق من الصحيح: باب ما يحذر من زينة الحياة الدنيا، وقال الله عز وجل: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌٌ [الحديد:20] قال علي بن أبي طالب: [[ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].

    1.   

    حال العرب قبل وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

    يا معشر العرب: كنا قبل لا إله إلا الله نطوف بالوثن، ونسجد للصنم، لا أدب، ولا ثقافة، ولا حضارة، ولا فنون، ولا رُقِي لنا، فلما بعث الله فينا محمداً عليه الصلاة والسلام، أذن في آذاننا بلا إله إلا الله، فتوضأنا بماء التوبة، وأخذنا سيوف النصر، وفتحنا الدنيا وصلينا على ضفاف دجلة والفرات وسيبيريا والسند والهند، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].

    إن البرية يوم مبعث أحمد      نظر الإله لها فبدل حالها

    بل كرم الإنسان حين اختار من      خير البرية نجمها وهلالها

    يلبس المرقع صلى الله عليه وسلم؛ ولكنه يقود القلوب إلى الله، ويسكن بيت الطين، ولكنه يبني لأمته قصوراً في الجنة، ويلتحف قطعة من القماش لكنه يُلحف أمته نوراً من وهج الوحي. إن حقيقة الدنيا، لم يعرفها إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الناس في حقيقة الدنيا صنفان: أهل التصوف الهندي المذموم، وهؤلاء أعرضوا عن الطيبات على مذهب المسيحية النصرانية.

    وأهل الدنيا المتوغلون في دنياهم، عُبَّاد الشهوات" الراقصون على الملذات، مجلة خليعة، وأغنية ماجنة، ودُفّ ومزمار وطبلة، لا يعرفون الدعاء ولا الاستغفار، ولا الالتجاء إلى الواحد القهار، وتوسط أهل الإيمان، فعرفوا معنى الحياة، معنى لا إله إلا الله، ما معنى أن تكون عبداً لله؟ وكيف تقضي يومك وليلك؟ هذه معنى رسالته عليه الصلاة والسلام.

    يقول أهل العلم من أهل السير والتاريخ: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؛ ليأخذ مفتاح بيت المقدس الذي ضيعناه يوم ضيعنا لا إله إلا الله، بيت المقدس الذي ذهب منا حين أصبحت راياتنا -إلا ما رحم ربك- غير إسلامية، ونقول لـعمر:

    رفيق صلاح الدين هل لك عودة      فإن جيوش الروم تنهى وتأمر

    رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم     وجيشك في حطين صلوا وكبروا

    ذهب عمر على ناقة ومعه خادمه، وظن النصارى في بيت المقدس أن عمر سوف يأتي بموكب حار، وبعَرَمْرَم من الحرس، فأتى عمر بثوب قديم فيه أربعة عشر رقعة.

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته      والزيت أدم له والكوخ مأواه

    يهتز كسرى على كرسيه فرقاً      من خوفه وملوك الروم تخشاه

    خرج عمر على ناقته يركب ساعة وخادمه ساعة، واقترب من بيت المقدس، وخرج النصارى رجالاً ونساءً وأطفالاً على أسطح المنازل ينظرون إلى عمر بن الخطاب، إلى هذا الرجل الذي دوَّخ العالم وهزَّ ربوع المعمورة.

    كيف يأكل؟ وكيف يمشي؟ وما حرسه؟ وما ثيابه؟ وما لباسه؟ وإذا بـعمر يقبل على ناقة، فقال النصارى: ربما هذا الرجل يبشر بـعمر فلما علموا أنه عمر ارتفع بكاؤهم تأثراً، يقول أحد المسلمين لـعمر: [[يا أمير المؤمنين! لو أخذتَ حرساً وجنوداً؟ قال عمر: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] ويدخل عمر ويصلي في بيت المقدس ويفتحه بإذن الله، ببردته، وبعصاه وبدرته، وبإخلاصه وإيمانه، لأنه عرف الله.

    حقيقة الدنيا لم يعرفها إلا محمد عليه الصلاة والسلام، يقول سبحانه: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:116] يقول للناس، وبعض المفسرين قالوا: يقول لأهل الكفر، والصحيح العموم، لأنه لا مخصص، يقول الله للناس يوم القيامة: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:112-116] وفي ترجمة نوح عليه السلام الرسول والنبي الكريم، لما حضرته الوفاة، قال له محبوه: كيف وجدت الحياة؟ -وقد عاش أكثر من ألف سنة، منها ألف سنة إلا خمسين في الرسالة- قال: وجدت الحياة كبيت له بابان، دخلت من هذا وخرجت من ذاك.

    يقول أبو العتاهية وهو يخاطب المهدي الخليفة العباسي الذي كان يحكم ثلاثة أرباع العالم الإسلامي، خليفة كان يقف على رأسه الوزراء من البرامكة وأمثالهم، ولا يلتفتون إليه من هيبته وصولجانه وسلطانه في الدنيا، لكن سلبه الذي يفرق الجماعات، ويأخذ البنين والبنات، ويهدم اللذات، أخذه سُبحَانَهُ وَتَعَالى! وسبب موته عند بعض المؤرخين: أنه شرب ماءً بارداً فشرغ به فمات، فذهبوا به إلى المقبرة، فيقول أبو العتاهية:

    نُحْ على نفسك يا مسكيـ     ـن إن كنت تنوحُ

    لتموتن ولو عُمرت ما عمر نوحُ

    كل بطاح من الناس له يوم بطوحُ

    وهذا مصداق قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] وسبب نزول هذه الآية: أن أبا جهل يقول: يزعم محمد أن عند ربه ملائكة، تسعة عشر على النار، أنا أكفيكم بعشرة، وأنتم اكفوني بتسعة، فيقول سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى [الأنعام:94] مَن الذي خرج مِن الدنيا بأحبابه وخلانه؟ مَن الذي ذهب بالثياب والأصحاب؟ لا أحد أبداً، ولذلك يقول سبحانه في سورة أخرى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95].

    1.   

    كن في الدنيا كأنك غريب

    معنى الحياة: أن تصرفها في رضوان الله وطاعته.

    دقات قلب المرء قائلة له      إن الحياة دقائق وثوان

    فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها      فالذكر للإنسان عمر ثان

    وعند البخاري أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قال لـابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك]].

    وأراد عمر أن يولي والياً على حمص، فاختار سعيد بن عامر الجمحي من قريش، وكان عابداً زاهداً شاباً من شباب محمد عليه الصلاة والسلام، لا يملك إلا عصاه وثوبه، وصحفته وإبريقه، هذا الذي يملك من الدنيا. يقول أحد العلماء: " لما ملكنا الدين سخر الله لنا الدنيا، فلما ملكنا الدنيا وتركنا الدين، أخذت الدنيا من بين أيدينا". سُلِبت أراضينا، وأُخِذت مقدساتُنا، وكل يوم نُهْضَم في بلادنا، لأن الرايات التي قاتلت إسرائيل في فلسطين كان مكتوباً على بعضها.

    آمنت بـالبعث رباً لا شريك له      و بالعروبة ديناً ما له ثاني

    هذه راية البعث، فكان جزاؤهم، أن سُحِقوا ومُحِقوا وعادوا على أدبارهم.

    شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها      الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا

    ولكن لما وقف الصحابة بلا إله إلا الله فتحوا الدنيا. يقول الذهبي في ترجمة خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، أبو سليمان الذي كان يقرأ القرآن في الليل وفي النهار جهاد، يقول: لما حضر معركة اليرموك، خرج قائد الروم فقال لـخالد: [[يا خالد! ماذا جاء بكم؟ قال: جئنا لنهديكم إلى سبيل الله، أو نفتح الدنيا بلا إله إلا الله - أو كلاماً يشبه هذا - قال: أنا لا أسمع هذا الكلام، قال خالد: جئنا لنشرب دماءكم. -لما عرف خالد أن الأمر لا يصلح فيه المسالمة والمجاراة- قال: لنشرب دماءكم، قال قائد الروم: يا خالد! يزعم الناس أنكم تتوكلون على الله، لا يضركم شيئاً، فهذه قارورة مملوءة سماً، إن كنت صادقاً فاشربها - والعُهدة على الذهبي، ويقول: سند الرواية صحيح، وهذا لا بأس به عند أهل السنة إذا كان هناك مباراة مع أهل الباطل فأخذ خالد بن الوليد القارورة مملوءة بالسم، ثم قال: بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، فلم يصبه شيء]] وخاض مائة معركة لم تهزم له راية.

    تسعون معركة مرت محجلة      من بعد عشر بنان الفتح يحصيها

    و خالد في سبيل الله مشعلها      و خالد في سبيل الله مذكيها

    ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم      ولا رمى الروم إلا طاش راميها

    نُصِرَ بلا إله إلا الله، وبالإيمان، وبالصدق مع الله.

    أتى عمر فقال لـسعيد بن عامر، [[اذهب والياً على حمص، قال: لا. لا أتولى الولاية، الإمارة صعبة، والمناصب مغارِم لا مغانِم، قال: والله لتتولين لي إمرة حمص، أتضعون الخلافة في عنقي وتتركونني؟! فذهب واستعان بالله، وكانت امرأته تاجرة، قالت: يا سعيد! عندي مال، أريد أن تبحث لنا من يتاجر لنا فيه، فأخذ مالها، فتصدق به في سبيل الله، قالت: أين المال؟ قال: أعطيته من يعطينا في الدرهم عشراً إلى سبعمائة درهم، إلى أضعاف كثيرة]] قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

    و[[خرج ووصل إلى حمص، والتقاه أهل حمص، وهو يأكل قطعة من اللحم وكان على حمار فقالوا: أرأيت في طريقك الأمير الذي أرسله عمر، قال: أنا الأمير، قالوا: الأمير على حمار؟! قال: بلى. فنزل عندهم، وكان عمر يطوف على أمرائه وولاته، كل سنة يحاسبهم، فلما أتى إلى أهل حمص، جمعهم، وأجلس الأمير أمامهم، وقال: ماذا ترون في أميركم وواليكم؟

    قالوا: ما ننقم عليه إلا أربع مسائل.

    قال عمر: ما هي؟ ثم قال: اللهم لا تخيب ظني فيه!

    قالوا الأولى: لا يخرج علينا حتى يرتفع النهار، يعني: يتأخر على الدوام، يأتي حدود العاشرة.

    قال: هذه واحدة، وعمر عنده الدرة جاهزة، يخرج بها شياطين الإنس والجن من الرءوس.

    قال: والثانية.

    قالوا: وله يوم في الأسبوع لا نراه ولا يرانا.

    قال: والثالثة.

    قالوا: ولا يخرج لنا في الليل مهما طرقنا عليه بعد العشاء.

    قال: والرابعة.

    قالوا: يغمى عليه أحياناً إذا جلس في مجلس القضاء، لفصل الخصومات.

    قال: أجب يا سعيد بن عامر، اللهم لا تخيب ظني فيه.

    قال: يا أمير المؤمنين! اعفني.

    قال: والله لتجيبن.

    قال: أما قولهم: إني لا أخرج حتى يرتفع النهار، فأنا ليس لي خادم وامرأتي مريضة، فأصلح إفطاري وإفطار أهلي، ثم أفطر، ثم أتوضأ وأصلي ركعتين ثم أخرج.

    قال: هذه واحدة، وانسكبت دموع عمر.

    قال: والثانية.

    قال: أما قولهم: إني لا أخرج يوماً في الأسبوع، فليس لنا خادم، وامرأتي مريضة، فأغسل ثوبي وثوبها، في يوم من الأسبوع، فزاد بكاء عمر

    قال: والثالثة.

    قال: وأما قولهم: أني لا أخرج في الليل، فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي أصلي وأقرأ القرآن.

    قال: ولماذا يُغْمَى عليك في مجلس القضاء؟

    قال: لأني حضرت مقتل أحد المسلمين وأنا مشرك مع كفار مكة في مكة، وهو خبيب بن عدي، فسمعته يقول: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فكلما تذكرت ذلك الموقف وأني لم أنصره، أُغْمِي عليَّ. فارتفع صوت عمر بالبكاء]].

    هذا مفهوم الحياة عند السلف، ولذلك ذكرهم الله، وأحسن ذكرهم، وأعلى شأنهم، فهم أخلص الأمة قلوباً، وأعمقها علماً وعملاً، وأقلها تكلفاً، يقول سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] هذه نزلت في المترَفين.

    1.   

    صور من زهد السلف في الدنيا

    ويقول سبحانه: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2] لها سببان:

    قيل: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1]: تكاثركم في الأموال والأولاد، حتى ذهبتهم إلى زيارة المقابر، لكن ليس ككل الزيارات يقول الشاعر ابن عثيمين، شاعر الملك عبد العزيز رحمه الله، شاعر مفلق، رثى أحد العلماء يقول في قصيدة تسمى المبكية عند أهل العلم، يقول:

    هو الموت ما منه ملاذ ومهربُ      متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ

    نؤمل آمالاً ونرجوا نتاجها      وعلَّ الردى مما نرجيه أقربُ

    ونبني الزهور المشمخرات في الهوا      وفي علمنا أنَّا نموت وتخربُ

    إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا      وفي كل يوم واعظُ الموتِ يندبُ

    هذا الموت عجيب، فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لب فرحاً، وهو الذي كسر ظهور الأكاسرة، وقصر آمال القياصرة الذين بغوا وطغوا، فأرداهم ظلمهم في الحافرة.

    يقول أحدهم لما دخل على الخليفة المأمون، فرأى الهيلمان، ورأى الذهب والفضة، قال للمأمون:

    باتوا قلل الجبال تحرسهم      غلب الرجال فما أغنتهم القلل

    واستنـزلوا بعد عز من منازلهم      إلى مقابرهم يا بئسما نزلوا

    ويذكر الذهبي وابن كثير: أن أبا العتاهية دخل على هارون الرشيد، وقد بنى هارون الرشيد قصراً في الرقة -قصراً جميلاً بديعاً- فنظر إليه أبو العتاهية، فقال هارون الرشيد أمير المؤمنين: " ما رأيك يا أبا العتاهية؟ قال: شيء جميل، قال: أقلتَ فيه شعراً؟ قال: نعم. قال: ماذا قلتَ؟ قال: قلت:

    عش ما بدا لك سالماً      في ظل شاهقة القصورِ

    قال: هيه، أي: زِدْ، قال:

    يجري عليك بما أردت      مع الرواح وفي البكورِ

    قال: هيه، قال:

    فإذا النفوس تغرغرت      بزفير حشرجة الصدورِ

    فهناك تعلم مُوْقِناً      ما كنت إلا في غرورِ

    فبكى حتى أغمي عليه.

    والقصة عند الذهبي وابن كثير.

    والمقصود من هذا: أن هذه أمور مُسَلَّمات بها عند جمهور الناس، لكن تحقيقها في الواقع صعب، ولا ينقص الناس تحسين العلوم في الأذهان، لكن ينقصهم تطبيقها في الأعيان وفي الحياة، وهذا الذي ينقصنا، كيف نتعامل مع الرسالة التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام؟ أوتي إليه بكنوز الدنيا فقال: لا. قدم له ملك الدنيا، فقال: لا. ولذلك قـال - فيما صح عنه -: (إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل قال في ظل شجرة، ثم قام وتركها) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذه حقيقة الدنيا أنها قصيرة لاهية، تنتهي؛ لكن لا يعرف ذلك إلا المؤمنون.

    قصة ربيعة بن مالك الأسلمي

    يقول مسلم في الصحيح: {وفد شببة على الرسول عليه الصلاة والسلام -يعني: شباب، شببة جمع شاب- منهم ربيعة بن مالك الأسلمي، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألكم حاجة؟ وطلبوا حوائجهم، منهم من طلب ثوباً، ومنهم من طلب تمراً، ومنهم من طلب زبيباً، إلا ربيعة بن مالك، قال: أريدك يا رسول الله! بيني وبينك، قال: ماذا تريد؟ قال: أريد مرافقتك في الجنة. قال: أوغير ذاك؟ قال: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود}

    يقول: إن كنت مصمماً على الجنة، فأعني على نفسك بكثرة السجود، وكان الصحابة عازمين على الجنة، يقول ربيعة وهو من بني مالك بن سالم، أسرة من الأنصار يقول يوم أحد، والرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم عن المعركة في المسجد، يا رسول الله! لا تمنعني من دخول الجنة، والله الذي لا إله إلا هو، لأدخلن الجنة، فتبسم عليه الصلاة والسلام -والقصة عند ابن هشام - قال: بِمَ تدخل الجنة؟ قال بخَصلتين: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف -أي: يوم المعركة إذا التقت السيوف والرماح، لا أفر أبداً- فقال صلى الله عليه وسلم: إن تصدق الله يصدقك -إن كنت صادقاً أعطاك الله ما تمنيت وما سألت، وبالفعل كان صادقاً مع الله- فحضر المعركة ورآه عليه الصلاة والسلام مقتولاً شهيداً، وارتفعت روحه إلى الله، فمسح صلى الله عليه وسلم التراب عن وجهه وقبَّلَه، وقال: صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله.

    قصة عبد الله بن عمرو الأنصاري

    وبوب البخاري باب البكاء على الميت، وأتى بحديث جابر لكن رحم الله البخاري اختصره لأنه على شرطه، ولم يأتِ بالقصة لأن القصة ليست على شرطه، والقصة أن عبد الله بن عمرو الأنصاري، وهذا يسمى مكلم الله بلا ترجمان، كلم الله مباشرة بلا ترجمان، وأحدنا إذا كلم سلطاناً تمدَّح به سنة بالمكالمة، فكيف بهذا العبد الفقير أنه كلم رب العالمين، مباشرة بلا ترجمان.

    {أتت معركة أحد فاغتسل وودع أطفاله، وودع زوجته، ثم لما حضر المعركة وكسر غمده على ركبته -وهذا يسمى عند العرب: خطر، والمتأخرون يسمونه (خطر ممنوع الاقتراب) - فلما كسر غمده على ركبته، قال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فقتل في سبيل الله، بعد أن ضُرِب بأكثر من ثمانين ضربة، لكن في سبيل الله.

    إن كان سركم ما قال حاسدنا      فما لجرح إذا أرضاكم ألَمُ

    قال جابر: فأتيت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأنا أسأل عن أبي، ويبكي جابر، قال: كان الناس ينهونني، والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، قلت: أين أبي يا رسول الله؟ قال: هو ذا، قال: فأخذت أبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: ابْكِ أو لا تَبْكِ، والذي نفسي بيده يا جابر! ما زالت الملائكة تظلل أباك بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده يا جابر لقد كلَّم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان، وقال: تمن، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم لا يرجعون، فثمن، قال: أتمنى أن ترضى عني، قال: فإني قد رضيت عنك وأحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً}. نسأل الله رضوان الله.

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها      إلا التي كان قبل الموت يبنيها

    فإن بناها بخير طاب مسكنه      وإن بناها بشر خاب بانيها

    فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    يذكر أبو نعيم وأمثاله، في كتب السير أن عابداً من بني إسرائيل شابت لحيته في الثمانين من عمره، وبعض الناس يصل عمره إلى ثمانين سنة وهو مخرف، مطبل، مغنٍ، لا يعرف مِن ذِكْر الله ولا من القرآن ولا من الولاية ولا من الاتجاه إلى الله شيئاً.

    ويقبح بالفتى فعل التصابي      وأقبح منه شيخ قد تفتى

    وأقبح القبيح أن ترى شيخاً وهو يرتكب العظائم والقبائح، وهو دائماً مع اللاهين المعرضين عن منهج الله، أقبح الناس من شابت لحيته وهو مازال مصراً على المعصية، يقول ابن عباس في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] النذير: الشيب. يقول الإمام أحمد - قبل أن آتي بقصة الإسرائيلي- قيل له: ما وصفك للشيب؟ يعني: كيف تصف الشيب والشباب؟ قال الإمام أحمد: ما مثلت الشباب إلا بشيء كان في يدي ثم سقط.

    بكيتُ على الشباب بدمع عيني      فلم يغنِ البكاء ولا النحيبُ

    ألا ليت الشباب يعود يوماً      فأخبره بما فعل المشيب

    هذا العابد الإسرائيلي وقف أمام المرآة وكان عمره ثمانين سنة، أصلح في الأربعين الأولى، وخرب في الأربعين الثانية، بعضهم يصلح، ثم يدركه الخذلان، فيخرب عمره ويشطب حياته، وينتكس على رأسه والعياذ بالله، وقد وجد أن بعض الشباب في المجتمعات، يشكو أباه، يقول: مقصر في الطاعة، الابن عمره عشرون، والأب عمره سبعون، فسبحان من هدى هذا وأضل ذاك! ومن قرب هذا وأشقى ذاك! حكمة بالغة وقدرة نافذة فما تغني النذر، قال الإسرائيلي: يا ربِّ! أطعتك أربعين سنة، ثم عصيتك أربعين سنة، فهل تقبلني إذا عدت إليك؟ قال: فسمع هاتفاً يقول: أطعتنا فأحببناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإذا عدت إلينا قبلناك، قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] لكن بشرى للعالم أنا صحونا ورجع شبابنا، وشيوخنا، بشرى للدنيا كل الدنيا، أن شبابنا قد امتلأت بهم المساجد، وقد عافوا الغناء، وعادوا إلى القرآن، وملوا المقاهي والملاهي، وسبحوا بحمد الواحد الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    لكن أبشر هذا الكون أجمعه      أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا

    بفتية طهر القرآن أنفسهم      كالأسد تزأر في غابتها غضبا

    عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا      بتوبة لا ترى في صفهم جنبا

    عاد أبناء خالد وطارق وسعد إلى الله، والله إنه لا سعادة لنا إلا يوم أن نحكم الكتاب والسنة في حياتنا وفي تعاملنا، وأدبنا، وسلوكنا، هذه حقيقة الحياة، ولم يعرفها إلا الصحابة رضوان الله عليهم، أما غيرهم معرفتهم بحقيقة الحياة أمر نسبي، بقدر إيمانهم وصلاحهم، وقربهم من الله عز وجل.

    قصة عبد الله بن المبارك

    يقولون عن ابن المبارك وقد خرج من الحرم يريد الغزو في سبيل الله، وابن المبارك هذا رجل عجيب، هو زاهد وعابد ومحدث ومجاهد، وأنا اتلوا أخبارهم، ولو كنتم تعرفون ذلك، لكن قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف:111] وأولئك آبائي، لكن نتلو أخبارهم علها تكون درساً للقلوب.

    ابن المبارك يقولون عنه، أنه خرج في ذات يوم من خراسان للحج، وكان يسكن في مرو، فخرج بالقافلة، فلما وصل إلى الكوفة، ويريد بيت الله حاجاً، وإذا بامرأة خرجت من الكوفة، وأخذت غراباً ميتاً من مزبلة، فقال لمولاه: اذهب إلى هذه المرأة، واسألها لماذا أخَذَت الغراب الميت، فذهب إلى المرأة وسألها، قالت: والله ما في بيتنا قليل ولا كثير من قليل طعام، والله ما نأكل منذ ثلاثة أيام إلا ما يُلقى في هذه المزبلة من المَيْتَة، فعاد إلى ابن المبارك فأخبره فدمعت عينا ابن المبارك، فقال: نحن نأكل اللحم والفالوذج، وهم يأكلون الغربان الميتة، اصرفوا هذه القافلة بجميعها بحبوبها وزبيبها ولحمها وثيابها وجِمالها في أهل الكوفة، وعودوا لا حج لنا هذه السنة.

    وعاد إلى خراسان ونام أول ليلة، فرأى قائلاً يقول في المنام: حج مبرور وسعي مشكور، وذنب مغفور، يقال لـ ابن المبارك: لماذا تخرج إلى الجهاد وتترك الحرم؟ قال:

    بُغْضُ الحياة وخوفُ الله أخرجني      وبيعُ نفسي بما ليست له ثمنا

    إني وزنت الذي يبقى ليعدله      ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

    ومن شب على شيء شاب عليه، ومن عاش على شيء مات عليه، ومن قضى حياته في اللهو مات على اللهو.

    يقول ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: وكان هناك رجل مطبلاً ومغنياً ومزمراً -وبعض الناس حياته تطبيل وتزمير وعرضات ورقصات- لا يعرف من الذِّكْر شيئاً قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال:

    يا رب سائلة يوماً وقد تعبت      أين الطريق إلى حمام منجاب

    فمات عليها.

    ويقول ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين، قالوا لرجل من التجار، وكان هائماً بالتجارة، والتجارة ليست حراماً، لكن التجارة يوم أن تصد عن منهج الله، وعن الصلاة والاستقامة، والخوف من الله، ويوم أن توصل صاحبها إلى الربا والغش والخيانة والتكبر فلا حيَّاها الله، قال تعالى: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37] قالوا لتاجر: قل لا إله إلا الله، قال: "خمسة في ستة كم تصير" تصير إلى جهنم إذا لم تتق الله، أنت تصير برأسك إلى جهنم، إن لم تعد وتقل: لا إله إلا الله.

    قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    حياة السلف كانت مع الله، وكانت أموالهم لله، وكان إنفاقهم وسعيهم وكدهم لله، صحيح كان من السلف تجار وأغنياء، لكن مالهم كان بأيدهم، ونحن أموالنا في قلوبنا، وقف عليه الصلاة والسلام على المنبر وقال: {من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فسكت الناس. قال: من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فقام عثمان وقال: أنا يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اغفر لـعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض} حياة، ليس كـالتصوف الهندي، إن بعض الناس -الآن- يرى أن الدين كل الدين أن ينقطع عن الحياة وعن التجارة، والزراعة، والكسب، ويرى أن عكوفه في المسجد هي الحياة، لا. الحياة أن تكسب ولكن في رضوانه، وتنفقها في رضوان الله، وفيما يقربك من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    يقول ابن كثير: دَخَلَت المدينة قافلة عددها سبعمائة جمل، محملة بالحبوب والزبيب، فكانت القافلة لـعبد الرحمن بن عوف -أحد العشرة المبشرين بالجنة- فقال لتجار المدينة: [[من يشتري هذه القافلة؟ قالوا: نحن، قال: كم تعطونني في الدرهم، قالوا: نعطيك في الدرهم درهماً - أي: مضاعفاً - قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك درهمين، قال: وجدت من زادني، قالوا: ثلاثة، قال: وجدتُ من زادني، قالوا: نحن تجار المدينة، ولم يزدك أحد، قال: وجدت الله زادني في الدرهم عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، أشهدكم أنها في سبيل الله على فقراء المدينة، بزبيبها وحبها وثيابها وجِمالها في سبيل الله]] إنها الحياة يوم يعرفها الإنسان، فيتقرب بها إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ويجعلها طريقاً إلى الله.

    1.   

    حفظ الأوقات وضياعها بين السلف والخلف

    إن من المؤلم لقلوبنا ضياع أوقاتنا، وأعظم قضايا الساعة هي ضياع الأوقات، عند الكبار والصغار إلا من رحم ربك، نهب الأوقات أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) تجد الإنسان صحيح الجسم فارغاً، ولكن لا ذِكْر ولا قرآن ولا عِلْم.

    يَذكر الذهبي وابن كثير بأسانيد صحيحة: أن الإمام أحمد -إمام أهل السنة والجماعة - كان يصلي في اليوم والليلة من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة. يقول: كان ورد الإمام أحمد من غير الفرائض ثلاثمائة ركعة، يركعها لله.

    وكان خالد بن معدان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وذكروا عن غيرهم من الأئمة شيئاً عجباً، ومن أراد أن يطالع فليقرأ سير أعلام النبلاء، ليجد عبادة السلف، وليجد كيف أفنوا أعمارهم في طاعة الله، وكيف تقربوا إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    إن ضياع الأوقات معصية عصي الله بها في الأرض يوم لم يعرف قيمة الزمن؛ لأننا وجدنا الثقافة الغربية أتت إلى الجيل، وقالت: الحياة طفش وزهق، وكيف تقضي حياتك، ويومك، مثل ما يفعل دايل كارنيجي وأمثاله، يجعلون من اللهو هذا قضاء للحياة، وأن اللعب والتسلية والسباحة المفرطة، ومطاردة الحمام والدجاج، كلها تسلية للعبد، وكان أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام يقال للواحد منهم: مَن إمامك؟ فيقول: محمد، فيقال: ماذا تريد؟ فيقول: الجنة، فيقال: ما هي هوايتك؟ فيقول: الموت في سبيل الله، فيقال: أين بيتك؟ فيقول: المسجد. (دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر).

    في بعض الصحف المحلية، يُلْقُون مقابلة مع شباب في الثانية عشرة والثالثة عشرة، فيقولون له: ما هي هوايتك، فيقول: جمع الطوابع والمراسلة، وصيد الحمام.

    جمع الطوابع: هل هذه هواية المسلم؟ هل هذه حياة من آمن بالله؟

    المراسلة وجمع الطوابع وصيد الدجاج والأرانب: أهذه حياة من آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً؟ لا. هذه حياة كانت والديكارت، أذناب الشعوب أعداء البشر، الثيران الذين فهموا كل شيء إلا الإيمان، قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66] إذا علم هذا فإن مقصد الحياة حفظ الوقت.

    الأمر الثاني: تجديد التوبة دائماً وأبداً، يقول ابن عباس فيما يُؤثر عنه: [[اصبحوا تائبين، واجلسوا تائبين، فإنكم لا تنفكون من ذنب]] أو كما قال.

    وهذا حالنا، نروح ونغدو في الذنوب والخطايا، ولكن باب التوبة مفتوح، ينادينا الله سبحانه: يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم.

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا      واغفر أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضر يحل بنا      فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا      فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعة      فما سقطنا لأن الحافظ الله

    وجد بين الأجيال من بلغ الأربعين وهو لا يعرف المسجد، ومنهم من ألغى صلاة الجماعة من حياته، ومنهم من ألغى صلاة الفجر من برنامجه اليومي، هؤلاء ماذا يقولون في سكرات الموت؟!

    الأعمش سليمان بن مهران، راوي الصحيحين، الجهبذ العلامة شيخ الإسلام، لما حضرته الوفاة بكت ابنته، فقال لها: [[ابكي أو لا تبكي فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في الجماعة خمسين سنة]].

    وسعيد بن المسيب في سكرات الموت يقول: [[والله ما أذن المؤذن من أربعين سنة، إلا وأنا في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام]].

    عباد ليل إذا جن الظلام بهم      كم عابد دمعه في الخد أجراه

    وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم      هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

    لكن الحياة لما مالت عن منهج لا إله إلا الله، وعن تربية الكتاب والسنة، لأن بعض المقررات الدراسية درسناها ودرسها زملاؤنا كأنه في الرابع الابتدائي أو الخامس، درسنا (طه والطبلة) بدل أن يدرسونا طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] كان للطلبة طبلةٌ يُضرَب عليها، فحفظنا هذه فخرجت علوماً باردة ليس فيها تأثير ولا حرارة ولا نور، فأخرج الجيل صلاة الجماعة من حياته، وتخرج الجيل من الثانوية والجامعة ومهمته الوظيفة والسيارة والزوجة، وهل سمعت برجل يقول: أًريد الشهادة في سبيل الله؟ يقول أنس بن النضر رضي الله عنه في يوم أحد: [[إليك عني يا سعد بن معاذ! والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] فقاتل حتى قتل، ويأتي جعفر الطيار، ابن عم الرسول عليه الصلاة والسلام يوم مؤتة فيتناول السيف فيقاتل به، فيقطعون يمينه، وتتعلق يده اليمنى بجلدة من جلده فيضعها بين رجليه ويتحامل عليها حتى يقطعها، ثم يأخذ السيف باليسرى فيقطعونها، فيضم الراية على صدره، وهو يقول:

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها     كافرة بعيدة أنسابها

    علي إن لاقيتها ضرابها

    1.   

    أحوالنا مع حقوق الجار

    مَن الذي صرف الناس عن المسجد؟ من الذي جعل قضايا الناس دنيا؟ اهتمامات جانبية، وجدال يصل إلى السماء، والجار لا يسلم على جاره، حتى أهل قرى، الجار لا يعرف ما يقع لجيرانه ولا يسأل عنهم، بل لا يسلم على جاره ولا يسلم على أخيه من أجل قطعة أرض فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] هناك من لا يعرفون المواعظ، وخطبة الجمعة تمر عليه مر الرياح، ولا يستفيد منها، لأنه قطع رحمه، فأصم الله سمعه، وأعمى بصره، وأصبح قلبه مغلفاً، قطيعة الرحم هذه كادت السماء أن تتشقق منها، قطيعة الرحم ذنب من أكبر الذنوب وهو أكبر ما ابتليت به القرى والقبائل، بل يوجد في بعض القبائل أن من دساتيرهم الأرضية الطاغوتية حرمان المرأة من ميراثها، ويعدون المرأة إذا طلبت الميراث أنها تعدت على سلوم القبائل فيلومونها، وبعضهم حلف على ميراث قريبته وأخته يميناً فاجراً وسلبه.

    بل قد تجد البعض يسبحون ويصلون ويعتمرون، لكن الواحد منهم يبغض جاره أكثر من بغضه لليهود والنصارى، ويتمنى موتهم صباح مساء، يقول عليه الصلاة والسلام في الصـحيح: (والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) ما معنى أفشوا السلام بينكم؟ هل يعني سلام والقلب يغلي، ونحن نتقلب على فرشنا ونتمنى الموت لجيراننا وقبائلنا؟! أين الإيمان؟! أين أثر لا إله إلا الله؟! أين أثر رسالة محمد عليه الصلاة والسلام؟! يقول الله لرسوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ويقول له سُبحَانَهُ وَتَعَالى يمدحه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] ويقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]

    يدخل عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، ومع أن كفار مكة أخرجوه من داره، وضربوا بناته، وقاتلوه في أكثر من عشرين معركة، وسلبوا عقاره حتى بقية الدور باعوها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ترك لنا عقيل من دار، فيدخل صلى الله عليه وسلم، ويأخذ بحلق باب الكعبة منتصراً. وعنده جيش جرار قوامه عشرة آلاف مقاتل مدرعين بالسيوف، ويقف أعداؤه أمامه، فيقول: (ما ترون أني فاعل بكم، يقولون: أخٌ كريم وابنُ أخٍ كريم - الآن أصبح أخاً كريماً، أنسيتم الصحائف السوداء، الذبح والسفك والهجاء - فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم، وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء) عفا الله عنكم، اسمع يا تاريخ!

    اسمع يا دهر! فكان جزاؤه أن قام أبو سفيان يبكي ويقول: لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أحلمك! ولا إله إلا الله ما أبرك! فقـال الله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    ويُروَى عنه صلى الله عليه وسلم في أثر أنه قال: (إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني) هذا محمد عليه الصلاة والسلام، الرجل الذي عرف معنى الحياة فعاشها، أما هذه البغضاء التي طغت على قلوبنا، وأفسدت علينا الطاعات والنوافل، فنشكو حالنا إلى الله، ولن تنفع القربات حتى نزيل الضغينة والحقد والبغضاء من قلوبنا.

    1.   

    الألفة والتآخي بين المسلمين

    في الحديث الصحيح: (كان عليه الصلاة والسلام جالساً مع أصحابه في المسجد، فقال: يخرج عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فخرج رجل حذاؤه في يده اليسرى، ولحيته تتقاطر بالماء، فصلى ركعتين، وفي اليوم الثاني أخبر به صلى الله عليه وسلم، وهكذا في اليوم الثالث، فذهب معه صحابي وقال: أريد أن أبيت معك هذه الليلة، فبات معه، فوجد صلاته كصلاة الناس، وعبادته كعبادة الناس، وذكره كذكر الناس، فبعد ليلتين قال: ما أردت إلا أن أرى عملك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنك من أهل الجنة، فماذا كنت تعمل؟ قال: ما أنا بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن والله ما نمت ليلة من الليالي وفي قلبي غش أو غل أو حقد على أحد) هي القلوب التي وعت لا إله إلا الله فصلحت.

    في الأعياد نرى كثيراً من القرى لا يزور بعضهم بعضاً بسبب قطعة من الأرض، أو بسبب مجرى ماء، أو بسبب طريق أو شجرة، أو مبلغ زهيد من المال؛ لأن (لا إله إلا الله) لم تتمكن من القلوب، قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103]

    إن من أعظم إبداعاته في الرسالة ومن روعته في منهجه، يوم أتى بتأليف القلوب في الأرض، الله تعالى يقول: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] يقول أحد المفكرين العصريين -وهو معروف صاحب تاريخ رجال من التاريخ - يقول: نحن العرب مثل قرون الثوم، إذا كشفت القرن ظهر لك قرن آخر، والناس في القرى والقبائل -عموماً- كل يريد الزعامة على الآخر، وكل يريد أن يكون له الحق والتقدمة، وعندما أتى صلى الله عليه وسلم، لم يكن للعرب مُلْك ولا رئاسة ولا إمبراطورية، كلهم فوضى، فأتى بالبسمة الحانية، وبالمعانقة، والبشاشة، وبالقول اللين حتى جمعهم، قال الله عنهم: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] يقول أبو تمام:

    إن يختلف ماء الغمام فماؤنا      عذب تحدر من غمام واحد

    أو يفترق نسب يؤلف بيننا      دينٌ أقمناه مقام الوالد

    هذا الدين أتى بـبلال من الحبشة وهو عبد رقيق، فأدخله في الإسلام فيصبح سيداً من السادات، وأبو جهل كان يَعُدُّ بلالاً لا يساوي فلسين، وكأنه مثل الدابة تماماً، فلما أسلم بلال أصبح سيداً من السادات، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: (دخلت الجنة البارحة فسمعت دف نعليك يا بلال! فماذا كنت تصنع؟ قال: ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ركعتين) هنيئاً لـبلال الجنة!

    يقول ابن القيم في كتاب مدارج السالكين، قيل لـسلمان الفارسي: [[مَن أبوك يا سلمان؟ قال: أبي الإسلام. قيل: ومَن هو إمامك؟ قال: محمد. قيل: وما هو بيتك؟ قال: المسجد. قيل: وما هي عصاك؟ قال: التوكل. قيل: وما هو زادك؟ قال: الزهد]]. (دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء وترعى الشجر، حتى يلقاها ربُّها) سلمان الفارسي كان فارسياً، لكن رفعه الله بالتوحيد والإيمان، جلس مع أسر عربية تفتخر بالقبائل، وهذا من عيوبنا أن نقدس الناس بحسب أعراقهم وأنسابهم، لا على حساب الدين، والله يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] ونحن نقول: أكرمنا فلان بن فلان، ويتمادح كثير من الناس في المجالس، بأنه ذبح أنفساً معصومة، والله عز وجل قد ذكر ذنب قتل النفس، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل امرئٍ مسلم، لكبهم الله في النار على وجوههم) وصحح مثل هذا الألباني وغيره وقال: (ولزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلم) لأن بعضهم يقول: قتلت عشرة، وبعضهم قتل عشرين ويخبر بدستوره الأسود في الجاهلية، ولو أنه تاب واستغفر؛ لكان خيراً له عند الله عز وجل، قيل لـسلمان: من أبوك؟ قال:

    أبي الإسلام لا أب لي سواه      إذا افتخروا بقيس أو تميم

    أبي الإسلام، أنا عشت لهذا الدين , وأموت لهذا الدين، وهذه حياة المؤمن التي يريدها الله عز وجل، أما هذه البغضاء الحالقة، كما يقول عليه الصلاة والسلام: (لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) وفساد ذات البين من أشر ما يمكن، وهو الذي يهدم الجماعات، ويشتت الأسر، ويقطع البركة، ولعل من يتدبر القرآن ويسأل الله الثبات يهديه سواء السبيل، قال تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134].

    صور من حياة السلف في الأخوَّة

    يقول ابن كثير وغيره: كان لـعبد الله بن الزبير مزرعة في المدينة، ابن حواري الرسول عليه الصلاة والسلام، وبجانب المزرعة مزرعة لـمعاوية، وهو خليفة في الشام في دمشق، فأتى عمال معاوية فدخلوا في مزرعة ابن الزبير فغضب ابن الزبير - وبينه وبين معاوية شيء مِن قبل! لكن أتت هذه وفتحت باله - فلما دخل عمال معاوية في مزرعة ابن الزبير كتب ابن الزبير رسالة حارة ساخنة لـمعاوية، يقول فيها: يا بن آكلة الأكباد، إما أن تمنع عمالك من دخول مزرعتي وإلا سوف يكون لي ولك شأن - ابن الزبير واحد من الرعية رَدَّ على الراعي، والراعي سلطان وخليفة، فأخذ معاوية الرسالة - وكان من أحلم الناس - فقرأها، وقال لابنه يزيد: يا يزيد! ما رأيك في هذه الرسالة؟ - ماذا ترى أن الجواب؟ - قال: أرى أن ترسل جيشاً أوله في المدينة وآخره عندك يأتون برأسه - وكان معاوية يستطيع أن يفعل ذلك، ولكنه فعل خيراً من ذلك زكاة وأقرب رحماً - فكتب رسالة يقول فيها: يا ابن حواري الرسول عليه الصلاة والسلام، ويـ ابن ذات النطاقين، السلام عليك، أمَّا بَعْد: فلو كانت الدنيا بيني وبينك لهانت، إذا أتتك رسالتي هذه، فخذ عمالي إلى عمالك، ومزرعتي إلى مزرعتك. فأتت الرسالة إلى ابن الزبير فبكى حتى بل الرسالة بالدموع، وذهب وقبَّل رأس معاوية فقال: لا أعدمك الله رأياً أحلك في قريش هذا المحل.

    حياة السلف كانت على القرآن ولكننا نتنازل في كل شيء إلا مع أقاربنا وأرحامنا وأصهارنا وجماعتنا.

    أسد عليَّ وفي الحروب نعامة      فتخاء تنفر من صفير الصافر

    ومن معاني الحياة التي أتى بها عليه الصلاة والسلام: أن حياة العبد محسوبة عليه، وعند الترمذي بسند صحيح: {لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:... وذَكَرَ: وعن عمره فيم أبلاه}.

    الدقائق والثواني أين صرفتَها؟ أين ذهبتَ بها؟ ماذا فعلت يوم كذا وكذا؟ قال تعالى: وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49] فنسأل الله لنا ولكم الثبات، وأن يجعل حياتنا في مرضاته.

    1.   

    عاقبة المعاصي

    أيها الناس: ومما أفنى حياتنا، ونحن نعيشها - ولعلها خفت -: مسألة التهالك في الطرب، والإسراف في اللغو واللعب على حساب الدين، بل بعضهم يحفظ من القصائد مائة قصيدة أو أكثر، ولكنه لا يحفظ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] ويعيش معها ويكررها، وأنا أقول: تناشد الشعر ليس حراماً، فالرسول عليه الصلاة والسلام تناشد الشعر واجتمع، وكان الصحابة يتناشدون؛ لكن قضاء المجالس والتجمعات في طرب ولهو وغفلة وإعراض عن منهج الله، فإنه لمنذر بقسوة القلوب، ونسيان علام الغيوب، وكثرة الذنوب، وإن هذا لعلامة اللهو واللغو.

    مر الحسن البصري بشباب يرقصون يوم العيد، قال: [[إن كنتم مقبولين فما هذا عمل الشاكرين، وإن كنتم مطرودين، فما هذه توبة المحرومين]] ومعنى كلامه، أي: إن كنتم قبلكم الله، فلماذا لا تشكرون الله، قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] وإن كنتم مطرودين فلماذا لا تبكون على خطاياكم، فنحن أحد رجلين، إما رضي عنا وأصلحنا فالواجب أن نزيد من شكره سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وإما أننا أناس غضب الله علينا وخذلنا، فالواجب أن نبكي على خطايانا.

    قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] والبلدان التي حولنا، كانت أنعم منا وأرغد وأسعد، لكن كفرت بمنهج الله، كانت المرأة عندهم تخرج كالسلع، تسام في الفنادق والحوانيت، وفي الليالي الحمراء، وكان الخمر يباع عندهم مثل ما يباع الماء ولا يزال، لا قرآن ولا سنة، يقول شاعر بعض البلدان المجاورة يوم مهرجانهم:

    هبوالي ديناً يجعل العرب أمة     وسيروا بجثماني على دين بُرْهُمِ

    سلام على كفر يوحد بيننا      وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ

    ويصفقون له، ويحملونه على الأكتاف، فأراهم الله ما هي جهنم، وأيقظهم الله على أصوات الصواريخ، ودكدك منازلهم بأصوات المدافع فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    1.   

    عاقبة الكفر بالنعم

    يقول سيد قطب في في ظلال القرآن يتحدث عن سورة سبأ، وينتقل بنا القرآن إلى قرية نائمة من قرى اليمن إلى سبأ، هذه قرية سبأ قرية رغيدة، مثل هذه المنطقة الجنوبية، هواء طلق، وماء عذب، وأطيار تزغرد، وحدائق غنَّاء، وبساتين وارفة، ونعمة من كل ما سألنا الله أعطانا، ونعمة الجو نعمة لا تُنْكَر، يقول الله لبني إسرائيل وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ [الأعراف:160] يمتن الله عليهم ويقول جوهم طيب، درجة الحرارة عندهم معتدلة، يقول: وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ [الأعراف:160] يقول الله عن تلك القرية الآثمة، قرية سبأ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15] أسلوب القرآن بديع، يقول بعضهم: " يا ليت الناس يذوقون ما أذوق - وأظنه سيد قطب يقول في سورة الرعد - ليتهم يفهمون ما أفهم من هذا الأسلوب البديع، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15] يذكر في التفسير: أن كل رجل من سبأ كان عنده بستانان، عن يمين بيته وعن يساره، العذق الواحد لا يحمله إلا فرسان، يقولون: كانت تذهب المرأة بالمكتل على رأسها، فيمتلئ من كثرة ما يتساقط من الثمار والشجر، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15] اسمع الأسلوب: فَأَعْرَضُوا [سبأ:16] كيف أعرضوا؟ يقولون: أدمج سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وعمم وأطلق الإعراض ولم يفصل؛ لأن إعراضهم أكبر من أن يُتَحَدَّث عنه، أعرضوا عن طاعة الله، أعرضوا عن تحكيم شرع الله، أعرضوا عن قبول الهداية، صموا وعموا: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:16-17].

    وقد ورد من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (كان فيمن كان قبلكم ثلاثة، أقرع وأبرص وأعمى، أراد الله أن يمتحنهم وأن يبتليهم، فأرسل الله إليهم ملكاً من الملائكة، فأتى الأقرع، قال: ماذا تريد؟

    قال: أريد شَعَراً جميلاً فقد قذَّرني الناس، فسأل الله أن يمنحه شعراً جميلاً فأنبت الله الشعر على رأسه.

    قال: ماذا تريد من المال؟

    قال: قال الإبل - الرجل مغرمٌ وعاشق للإبل - فسأل الله له، فرزقه ناقة عشراء فولدت حتى ملأت وادياً.

    ثم ذهب إلى الأبرص، وقال: ماذا تريد؟

    قال: جلداً حسناً، ولوناً جميلاً فقد قذَّرني الناس.

    قال: اللهم رد عليه لونه وجلده، قال: ماذا تريد من المال؟

    قال: البقر.

    قال: اللهم ارزقه بقرة، فرزقه الله بقرة حاملةً، فوضعت فملأت وادياً من الأبقار.

    وذهب إلى الأعمى، قال: ماذا تريد؟

    قال: أن يرد الله عليَّ بصري.

    قال: اللهم رد عليه بصره. قال: ماذا تريد من المال؟ قال: الغنم. فرزقه الله شاة حتى ملأت وادياً.

    ثم أتى المَلَك في صورة مسكين -امتحان من الله- عليه ثياب رثة، وفي حالة بائسة، فوقف أمام الأقرع -الأول- فقال: أنا رجل مسكين انقطعت بي السبل ولا معين لي إلا الله، ما تعطيني هذا اليوم، أسألك بالذي رد عليك شَعَرك والذي منحك هذا المال، أن تعطيني هذا اليوم.

    قال: الحقوق كثيرة، والمال مالي، وورثته كابراً عن كابر.

    قال: كأني بك كنت أقرعاً وفقيراً.

    قال: لا. لم أكن أقرعاً ولا فقيراً.

    قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، فصيره الله إلى ما كان.

    ثم ذهب إلى الأبرص.

    قال: لا. المال مالي ورثته أباً عن جد والحقوق كثيرة.

    قال: كأني بك كنت أبرصاً وفقيراً.

    قال: لا. لم أكن أبرصاً ولا فقيراً.

    قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، فصيره الله إلى ما كان.

    ثم ذهب إلى من كان أعمى فسأله، قال: أما أنا فقد كنت أعمى فرد الله عليَّ بصري وكنت فقيراً فأغناني الله، أما اليوم فوالله لا أشكرك على شيء تركته، خذ ما أردت واترك ما أردت، المال مال الله.

    قال: أنا رسول الله أخبرك أن الله رضي عليك، وسخط على صاحبيك). وهذا شكر النعم.

    أسأل الله لي ولكم الثبات والسلامة والهداية والرشد، وأسأل الله أن يصلح منا الظاهر والباطن، وأن يصلح ولاة أمورنا، وأن يوفقهم، ويهديهم سواء السبيل، وأن يرزقهم البطانة الصالحة الناصحة، التي تدلهم على الخير، وتخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، وأسال الله لنا ولكم الستر في الدنيا والآخرة، والعون والسداد، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.