إسلام ويب

دروس من سورة طهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تناول الشيخ قصة موسى عليه السلام من سورة (طه) ذاكراً بعضاً من صفات موسى عليه السلام.

    وعرض قصة النداء لموسى في الطور وما وقع فيها من معجزة العصا واليد وإرساله إلى فرعون تأييد الله له بهارون، وتذكيره سبحانه لموسى بما أنعم الله عليه من قبل.

    وتحدث عما وقع بين موسى وفرعون، مبيناً حفظ الله لموسى عليه السلام وتسديده في جوابه لفرعون.

    1.   

    وقفات مع موسى عليه السلام

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكـر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالميـن نذيراً، الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريـكٌ في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.

    والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، كسر الله به ظهور الأكاسرة، وقصر بدعوته آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إلهي لا تعذبني فإني     مقرٌ بالذي قد كان مني

    وما لي حيلةٌ إلا رجائي     وعفوك إن عفوت وحسن ظني

    فكم من زلة لي في البرايا     وأنت علي ذو فضلٍِ ومنِّ

    يظن الناس بي خيراً وإني     لشر الناس إن لم تعف عني

    أيها الكرام: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    حديثنا عن موسى عليه السلام، وعن دعوته الهائلة التي طرقت العالم، وعن قصصه العجيبة، وموسى عليه السلام له قطاع كبير في القرآن حتى قال بعض العلماء من السلف الصالح: كاد القرآن أن يكون لموسى، ما تكاد تقرأ سورةً إلا وتسمع قول الله يقرع أذنيك، ويصادف قلبك: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى [هود:96] وموسى عليه السلام كانت دعوتـه على المستويات جدلية علمية، وعملية ميدانية، وحربية عسكرية، وموسى عليه السلام ذكر -كما أسلفت- في القرآن كثيراً، وذكر في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم طويلاً.

    صح عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما قرأ سورة الكهف مع قصة موسى والخضر، وانتهت القصة بقول الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78] قال صلى الله عليه وسلم:(رحم الله موسى! لوددنا أنه انتظر حتى يقص علينا من خبرهما).

    شدة حيائه عليه السلام

    موسى وآدم يتحاجَّان

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما أنه قال:{تحاجَّ آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته أخرجتنا من الجنة بمعصيتك؟} يلومه ويعتب عليه في هذه المعصية، لا على القضاء والقدر.

    ولذلك يقول ابن تيمية: ويل للجبرية، ظنوا أن موسى عليه السلام قدرياً، وما كان قدرياً، فقال آدم عليه السلام: {أنت موسى الذي كلمك الله، وكتب لك التوراة بيده، وأنجاك الله أتلومني على شيء قد كتبه الله علي، بكم وجدت الله قد كتب علي هذا قبل أن يخلقني؟، قال: بأربعين عاماً، قال: فلم تلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني، فقال عليه الصلاة والسلام: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى} أي: غلبه بالحجة.

    ونعيش مع موسى عليه السلام في سورة طه، في أول لقاء بين الله عز وجل وبينه، لقاء الكلام مباشرة، ولم يكلم الله- عز وجل- أحداً من الناس مباشرة بلا ترجمان إلا موسى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [طه:9].

    الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، فبعد أن افتتح الله السورة وأتى بكلام عجيب عن التوحيد والعقيدة، قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [طه:9] لا، والله ما أتاه، ومن أين يأتيه وما قرأ، وما كتب، ولا تعلم، ولا درس إذ هو أُميِّ! قال: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً [طه:9-10].

    لم يذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة طه قصة موسى -وقصته طويلة وهي منثورة في كتاب الله- كما ذكرها في سورة القصص يوم خرج إلى أهل مدين بعد أن قتل نفساً، هارباً إلى الله، وضاقت به الدنيا بما رحبت، وخوفه البشر بسوطهم وبسيفهم، ولكن:

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً     فإنه الركن إن خانتك أركان

    يا واهب الآمال أنت     حفظتني ورعيتني

    وعـدا الظلوم علي كي      يجتاحني فنصرتني

    فانقاد لي متخشعاً     لما رآك منعتني

    فإذا خفت من شيء، فاعتصم بالله، وإذا دهتك من الدواهي أمور، فاعتصم بالله، وإذا ضاقت بك الحيل، فالتجئ إلى الله، وإذا كثرت عليك المشكلات والصعوبات، فرد أمرك إلى الواحد الأحد، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50].

    وفي كتاب الزهد للإمام أحمد بسند حسن، قال: لما لقي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عبده موسى بعد أن سقى للجاريتين وتولى إلى الظل، قال: يا رب، فقير غريب مريض جائع -يشكو حاله- قال الله عز وجل: يا موسى، الفقير من لم أكن أنا مغنيه، والغريب من لم أكن أنا مؤنسه، والجائع من لم أكن أنا مطعمه، والمريض من لم أكن أنا طبيبه.. ثم شرفه الله بالدعوة.

    بداية نبوته عليه السلام

    قال تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [طه:9] هل أتاك يا محمد هذا الحديث المذهل العجيب الذي سمعت به الدنيا، وأنصت له الدهر، وتناقلته الركبان، وروته الأجيال جيلاً بعد جيل؟ إِذْ رَأى نَاراً [طه:10] أتى بأهله بعد أن رعى الغنم عشر سنوات، وكانت امرأته في المخاض، فأظلم عليه الليل، ومعه قطيع من الغنم، والأنبياء كلهم عليهم السلام رعوا الغنم؛ لأن من يرعى الغنم يجد دربة وحلماً وتجربة لرعي الأمم -ولذلك رعى رسولنا صلى الله عليه وسلم عن الغنم- فأظلم على موسى الليل، وكان في تلك الليلة - كما ذكر ابن كثير - سحاب ومطر وبرق ورعد، وأراد أن يشعل ناراً يستدفئ بها هو وأهله، ويوقد بها طعامه، لكن لم توقد النار، أتى بالحجارة يقرع حجراً بحجرٍ، فما قدحت ناراً لحكمة أرادها الله.

    راعي غنم ليس في مخيلته أن يكون نبياً من الأنبياء، ورسولاً من الرسل، ومن أولي العزم الخمسة، فلما أظلم عليه الليل رأى ناراً تلمع في طرف وادٍ بعيدٍ، فاستبشر، وقال: هذه النار إما أن أجد منها قبساً آتي به إليكم لتستدفئوا، ونتعشى على النار، وإما أن أجد خبراً من الأخبار لعل صاحب هذه النار يهديني الطريق، لكن وجد من يهديه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ووجد من يهديه إلى لا إله إلا الله، إلى الطريق المستقيم الذي إذا لم يهتد إليه العبد فوالله لن يهتدي أبداً، والذي إذا لم يسترشد به العبد فوالله لـن يرشد أبداً، والذي إذا لم يستكف به العبـد، فوالله لا يكفـى أبداً، والذي إذا لم يحتم به العبد، فلن يحتمي أبداً، فذهب وإذا بالنار غير النار، فلما اقترب منها، سمع هاتفاً يهتف.

    وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى [طه:9-11] سبحان الله! من يعرف موسى في الصحراء؟! ومن هو موسى حتى يعرف عند القبائل الصحراوية والبادية؟! ومن هذا الذي يعرفه، وهو ليس له قرابة ولا رحم ولا أخوال ولا أبناء عم في الصحراء؟ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:11-12] سبحان الله! الله يعرِّف موسى به، ما أعظم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى! وموسى يعرف الله بآياته وأسمائه وصفاته وصنعه في الخلق، سبحان الله!

    وفي كل شيء له آيةٌ     تدل على أنه الواحد

    فيا عجباً كيف يعصى الإله     أم كيف يجحده الجاحد

    إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:12] لماذا يخلع نعليه؟ وما هو السر في خلع النعلين؟

    قال أبو ذر وأبو أيوب وعلي بن أبي طالب ثلاثتهم قالوا: [[كانت الحذاء من جلد حمار، والوادي مقدس لتكليم الله عز وجل]] سبحان من يشرف بقعةً على بقعة، وإنساناً على إنسان، وبلداً على بلد، وزمناً على زمن، مكة الحرم قطعة أرض بين جبال سود، لا حدائق غناء، ولا بساتين وارفة الظلال، ولا أنهاراً، ومع ذلك شرفها الله على بقاع العالمين، ومحمد عبد من العباد من لحم ودم وعصب وعظم شرفه الله على الناس، ويوم عرفة ساعات ودقائق ولحظات وأمنيات جعلها الله أعظم الأيام من أيام السنة، ويوم الجمعة كذلك يوم من أيام الله جعل الله له ميزة.

    إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:12] اليوم تقدس الأودية، الليلة حدث عظيم في حياتك يا موسى، هذه الأوقات سوف تعيشها مع الله، وسوف تجد من الله- عز وجل- كلاماً عجيباً إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:12-13].

    أنت اليوم يا راعي الغنم مختار لتكون رسولاً، أنت اليوم يا راعي الضأن، سوف تبعث إلى الطاغوت الأكبر إلى شيخ الضلالة فرعون تدعوه إلى لا إله إلا الله، أنت يا من يهش على غنمه بعصاه سوف يكون لك ذكر في القرآن والتوراة والإنجيل، وسوف تكون نبياً من الأنبياء، أنا اخترتك ما زكاك أحد لدي، وأنا عرفتك وما توسط لك أحد من الناس، ولا شفع لك أحد من البشر، من الذي يعلم المزكى من غيره إلا الله! فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32] الصور صور، والبشر بشر، والناس ناس، لكن القلوب يعلمها الله.

    جاء عند ابن كثير: أن الله قال له: أتدري يا موسى لماذا اخترتك؟ قال: لا أدري يا رب، قال: نظرت في قلوب العباد، فوجدت قلبك أكثر قلوب العباد تواضعاً لي، سبحان الله! موسى كان أعظم الناس تواضعاً لله، أثر عنه أنه ما جلس مع أحد من الناس إلا ظن أن جليسه أعظم منه وأعلى وأحسن، لكن أين حالنا من هذا الصنف؟ ربما يظن أحدنا أنه خير من في المسجد -نعوذ بالله من الغرور، والعجب، ونعوذ بالله من التيه والانقطاع من حبل الله- لأن من يركب رأسه في الضلالة والفجور والمعصية، ثم يظن أنه من خير الناس، هذا رجل مخذول محروم، أصابه خذلان وحرمان من طاعة الله عز وجل.

    1.   

    وصايا الله لموسى

    قال الله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13] هذا سر من أسرار الله، معنا كلام عجيب، ورسالة خالدة، رسالة نستوصيك بها، فاستمع ولا تتحرك وسوف تلقى علماً جماً، ونفعاً عظيماً، وسوف تلقى كنزاً ثميناً فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13].

    التوحيد أولاً

    ماذا يبدأ الله عز وجل به مع موسى؟ هل يذكر له فرعون أولاً؟ لا، لم يأت ذكر فرعون.. هل يتحدث له عن الرسالة؟ لا. هل يتحدث له عن إجرام الناس في الدنيـا؟ لا. أولاً: يعرِّف الله نفسه إلى موسـى، وهذا التعريف أكبر تعريف عند أهل السنة والجماعة لله الواحـد الأحـد، يقول الله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14].

    ولذلك في سنن الترمذي بسند فيه نظر، يقول عليه الصلاة والسلام: {إذا عرف أحدكم أخاه، فليسأله عن اسمه ونسبه، فإنه واصل المودة} لكن هذا الحديث في سنده رجل مجهول، ولو صح لكان سنداً لما حفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل الناس عن أسمائهـم، وهذا في الصحيحين عن ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لوفد عبد القيس:{من الوفد؟}.

    قال تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14].

    أولاً: ملأ الله قلب موسى بالتوحيد، وأنت إذا أردت الله فاملأ قلبك بالتوحيد، فوالله لا ينفعك عمل، من صلاة، أو صيام، أو حج، أو عمرة، أو تلاوة، أو صدقة حتى توحد الله رب العالمين، فاملأ قلبك بلا إله إلا الله.

    الله أكبر كل همٍ ينجلي     عن قلب كل مكبرٍ ومهلل

    لا إله إلا الله كلمة من أتى بها وصدق فيها وأخلص في فحواها فتحت له أبواب الجنة الثمانية، لا إله إلا الله كلمةٌ من صدق في العمل بها ومقتضاها أنقذه الله، لا إله إلا الله كلمة من ثبته الله عليها، فلا خوف عليه ولا حزن.

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24] لا إله إلا الله يغرسها الله في قلب من يشاء، فتنبت الصلاة والزكاة والصيام وحسن الخلق وبر الوالدين وصلة الرحم.

    إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65].

    قل للطبيب تخطفته يد الردى     من يا طبيب بطبه أرداكا

    قل للمريض نجا وعوفي بعدما     عجزت فنون الطب من عافاكا

    والنحل قل للنحل يا طير البوادي     ما الذي بالشهد قد حلاكا

    وإذا ترى الثعبان ينفث سمه     فاسأله من ذا بالسموم حشاكا

    واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو     تحيا وهذا السم يملأ فاكا

    فالحمد لله العظيم لذاته     حمداً وليس لواحدٍ إلاكا

    إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] أقرب طريق إلى الله عبادته، ولذلك لـابن تيمية كلام معناه: أقرب الطرق إلى الله العبادة.

    وفي التاريخ: أن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- قال لـسعد بن أبي وقاص لما أرسله في القادسية أميراً وقائداً للجيش ليدكدك دولة الأصنام، دولة الأكاسرة الظلمة الفجرة، قال له: [[يا سعد بن وهيب! لا يغرنك قول الناس إنك خال رسول الله، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، أقربهم إليه أطوعهم له]] ولذلك ذكر الله الأنبياء بالعبادة، فقال: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73] إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    سبحان الله! يذكر رسوله بالتشريف فيذكره بالعبادة وأنه عبد مذلل، ولذلك كلما زدت لله عبودية رفعك الله، وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال:{إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة} كلما وضعت رأسك في التراب، رفعك الله إليه، وكلما حاول المتكبر أن يرتفع حقره الله وأذله وأخسأه وخذله وحرمه في الدنيا والآخرة.

    وفي صحيح مسلم عن ربيعة بن مالك الأسلمي قال: {قلت: يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، قال: أعني على نفسك بكثرة السجود} فلا طريق إلى الله إلا العبادة.

    فأكثر ذكره في الأرض دأباً     لتذكر في السماء إذا ذكرتا

    وناد إذا سجدت له اعترافاً     بما ناداه ذو النون بن متى

    وأكثر قرعه دأباً عساه     سيفتح بابه لك إن قرعتا

    الصلاة ثانياً

    يقول الله عز وجل: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] فيا دعاة الإسلام! ويا أخيار حملة لا إله إلا الله في الإسلام! يا أهل البيوت الذين يريدون تربيتها على الإسلام! يا من حمل في قلبه حب الإسلام! أقم الصلاة لذكري.. إن أول زاد المسلمين الصلاة.

    لذكري قيل: إذا ذكرتني في أي وقت فأقم الصلاة، وقال بعض أهل العلم: أقم الصلاة لذكري، إذا نمت عن الصلاة، ثم قمت وذكرتها، فأدها، لحديث أبي قتادة في الصحيحين مرفوعاً إليـه صلى الله عليه وسلم: {من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك} وقيل: أقم الصلاة لذكري، أي: لإقامة ذكري، أي: أن تقيم الصلاة لتذكرني في الصلاة، لا تذكر غيري، لا مالاً، ولا ولداً، ولا منصباً، ولا تراثاً، وإنما لذكر الله عز وجل.

    إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] قال ابن تيمية: هذه الآية أخطأ فيها طائفة من أهل العلم، ومعناها الصحيح: أن للصلاة منفعتين:

    الأولى: منفعة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.

    والثانية: أن فيها يقام ذكر الله.

    وإقامة ذكر الله في الصلاة أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر.

    فعلم الله موسى التوحيد، ثم دله على العبادة، ثم أوصاه بالصلاة، والآن يتحدث له عن اليوم الآخر إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15].

    يا موسى! إن هناك يوماً يجمع الله فيه الأولين والآخرين.. يا موسى! إن هناك حساباً.. يا موسى! إن هناك يوماً يجعل الولدان شيباً.. يا موسى! إن هناك يوماً يعض الظالم فيه على يديه.. يا موسى! إن هناك يوماً تنسف فيه الجبال نفساً إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه:15] قيل: أكاد أظهرها من باب التضاد، وقيل: أكاد أخفيها على ظاهرها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15] لا إله إلا الله ما أعظمه من يوم! ولا إله إلا الله ما أخطره من لقاء!

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضرٍ يحل بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمنٍ وفي دعةٍ     فما سقطنا لأن الحافظ الله

    إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:15-16] يا موسى! لا يصدنك عن لقاء الله جلساء السوء، فإن في المجتمع من يصدك عن موعود الله، وفي الناس من يأخذك عن الطريق المستقيم، جلساء السوء يحببون لك الأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، والنظرة الآثمة، وأكل الربا، والزنا، والفجور، وشهادة الزور، والغيبة والنميمة؛ فاحذرهم.

    فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:16].

    بعض الناس اتبع هواه، ركب رأسه كالثور، له قلب لكن لا يعقل، له سمع لكن لا يسمع، له بصر لكن لا يبصر به، فسبحان من يهدي ويضل!

    1.   

    مؤانسة الله لموسى وتأييده بالمعجزات

    واسمع الآن إلى المؤانسة، موسى الذي يظهر من القصة أنه خاف، سبحان الله! ترك امرأته وأطفاله مع غنم، في صحراء قاحلة مدوية ما فيها إلا الذئب.

    عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى     وصَوِّت إنسان فكدت أطير

    فهو كأنه خائف فأراد الله أن يؤانسه فبماذا يؤانسه؟ يحدثه عن أموره، ولذلك يقول الأسدي، وهو يمدح نفسه:

    أؤانس ضيفي قبل إنزال رحله     ويخصب عندي والمكان جديب

    وما الخصب للأضياف أن يكثر القِرى     ولكنما وجه الكريم خصيب

    يقول: من كرمي أني أحادث ضيفي وهو على راحلته قبل أن ينزل حتى لا يخاف، فلا أكشِّر في وجهه، لا أسكت فيخاف مني الضيف، بل أهش وأبش وأتبسم، وأسأله عن أحواله وأهله وأسرته، كما قال زهير في مدح الأول:

    تراه إذا ما جئته متهللاً     كأنك تعطيه الذي أنت سائله

    هو البحر من أي النواحي أتيته     فلجته المعروف والجود ساحله

    فالله أراد أن يؤانس موسى، وفي الصحيح: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ربما ربَّت على أكتاف بعض أصحابه، وفي سنن أبي داود بسند صحيح: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ يد معاذ رضي الله عنه وأرضاه فشبك يده بيده) وصح كذلك أنه ضرب في صدر أبي بن كعب، وفي صدر جرير بن عبد الله البجلي ليؤانسهم، فالله أراد مؤانسة موسى، والله يعلم ما في يمين موسى لأنه هو الذي خلق العصا، وهو الذي صنعها سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    قال: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17].

    سبحان الله! الله لا يعرف العصا! جل الله! بل يعرف العصا، ومن حمل العصا، والشجرة التي أنبتت العصـا، والكافر الذي سوف يذهب إليه موسى بالعصا.. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17].

    وموسى تلطف، قال: ما دام ربي حليماً كريماً يسأل حتى عن العصا، فهو قريب إليَّ سُبحَانَهُ وَتَعَالى، كان الجواب في العربية أن يقول: عصا.

    لكن يقولون: موسى وجد راحةً في الجواب، وفي كتب التفسير كـابن كثير وابن جرير وغيرهما: أن موسى إذا كلم الله وجد على وجهه النور أربعين يوماً يسطع على وجهه مِن نوره سُبحَانَهُ وَتَعَالى، قال: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17] كان يكفي أن يقول: عصا، لكنه ارتاح للجواب ففصل الخطاب.. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18]

    كان يكفي أن يقول: عصا، لكنه ارتاح، وانطلق في المقال، وأعجبه الحال، قال: هي عصاي يا رب، أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى، وتكلف بعض المفسرين أن يقولوا: إنها كانت تضيء له في الليل، لكن ما أتى بهذا أثر إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم، إنما هذه إسرائيليات، ويكفي أن نقف مع القرآن.

    معجزة العصا

    قال الله عز وجل: قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى [طه:19] سوف تكون لها قصة، الدعوة سوف تقام على رأس العصا، هذه العصا سوف يكون لها تاريخ، وسوف يكون لها سجل حافل، وسوف يكون لها أحداث، فألقاها باسم الله، وهو يعرفها، ودائماً هي معه يضرب بها على ضأنه، ويرعى ويتوكأ بها.. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20] سبحان الله! من حول العصا إلى ثعبان؟

    يقول أهل التفسير، وهو مما ينسب إلى مجاهد وغيره، قالوا: تحولت وإذا هي حية عظيمة لها نيبان تثغر -هذا في تفسير ابن كثير - ونحن نذكره من باب {وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج} قالوا: وكان لها عينان، فأقبلت في الوادي ترقص أمام موسى، ففر عليه السلام لأنه يبصر العصا وهي حية، فماذا ينتظر منها إلا الموت، فأوحى الله إليه من فوق سبع سماوات، فقال: وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [القصص:31] أي: لك منا عهد وشرط ألا تأكلك الحية.

    لا تخف فإنك سوف تبعث إلى فرعون الذي كان حرسه على القصر ستة وثلاثين ألفاً.

    ثبت أن حرس فرعون على قصره وعلى الشرفات والنوافذ ستة وثلاثون ألف جندي، كل جندي يظن أن فرعون إله يعبد من دون الله، فلماذا تخاف من عصا انقلبت حية؟ فلا تخف إنك من الآمنـين، فثبت مكانه، ثم قال له: خذها احملها بيدك.. سبحان الله! من الذي يأخذ الحية؟ من الذي يحمل الثعبان بيده؟ إلا من أوتي عزماً وصرامةً وشجاعةً قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى [طه:21] سوف تعود عصا، فأخذ موعود الله، وعهد الله، فتقدم إليها، فقبضها بلسانها، ثم هزها، فإذا هي عصا. سبحان الله! الثعبان انقلب في دقائق إلى عصا، والعصا في دقائق إلى ثعبان، قدرة ظاهرة؛ ليثبت عند موسى أن الله على كل شيء قدير، وأننا معك يا موسى، وأننا نستطيع أن نفعل ما يؤيد دعوتك، إن عصاك سوف يكون لها خبر، وسوف تنتصر في المعركة مع الدجال الآثم الخبيث فرعون.

    معجزة اليد

    قال تعالى: : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ [طه:22].

    وكانت يد موسى عليه السلام سمراء؛ لأنه كان أسمر، كما صحت في ذلك الأحاديث، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: {كأنه من أزدشنوءة} وهم قبائلكم يا أهل الجنوب، فبيننا وبين موسى عليه السلام شبه في الخلقة، فنسأل الله أن يكون بيننا وبينه شبه بالعمل، ونسأل الله أن يحشرنا في موكبه، وموكب محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى [طه:22].

    فأدخلها تحت العضد في الإبط، فأخرجها، فكأنها فلقة قمر.. سبحان الله! تلمع لمعاناً كأنها قطعة البدر، أو كقطع القمر ليلة أربع عشرة، أو كأنها الشمس، قال: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [طه:22].

    من غير سوء، لماذا؟ قال: لئلا يظن موسى عليه السلام أنه برص، أو بهق، أو مرض، فقال: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى [طه:22] هذه مع العصا لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه:23] وقد آتى الله موسى تسع آيات، كل آية لو أنزلت على الناس وكان لهم قلوب لكانت كفيلة بأن يهتدوا بإذن الله، وكل آية لو خوطب بها الشيوعيون الملاحدة والماركسيون وأتباع لينين، وكان لهم قلوب وعقول لاهتدوا، وهي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وضرب الصخر، وضرب البحر.

    قال تعالى: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه:23] ما هي فائدة هذه التربية وهذه المعجزة؟ اسمع إلى الخطاب: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24].

    سبحان الله! هذا الرجل يفر من أكثر من عشر سنوات من ذاك الطاغية، واليوم يطلب منه أن يدخل عليه في القصر، فر من الموت، وفي الموت وقع، قتل نفساً من أسرة آل فرعون، أو من الأقباط، ثم فر منهم خائفاً، وفي الأخير يقول الله له: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24].

    سبحان الله! إنه خبر عجيب، وإنه سر غريب أن يدخل على فرعون، وليس الدخول على فرعون بهذه السهولة، فإن لدى فرعون جنوداً وحرساً وقوة!

    تأييد موسى بأخيه هارون

    اسمع إلى التسديد من الله، واسمـع إلى الكلام العجيـب.. قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] كأن الخـبر وقع عليه، فكـاد أن يضيـق بالخبر، فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] وإذا شرح الله لك صدرك، فلن تخاف من شيء فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125].

    وإذا شرح الله صدرك، فاعلم أن لذائذ الدنيا لا تساوي -والله- مع شرح الصدر شيئاً، وإذا ضاق صدرك، فاعلم أن نعم الدنيا لا تساوي شيئاً.

    وشرح الصدر يأتي بأمور أعظمها التوحيد، ثم العبادة، وكثرة الذكر، والالتجاء إلى الله عز وجل، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    من أعرض عن ذكر الله فله معيشة ضنك، مع أنه قد يسكن في القصور، ويركب السيارات الفاخرة، ويلبس أنعم لباس ويأكل أطيب طعام، لكن اللعنة معقودة على وجهه، لماذا؟ لأنه أعرض عن منهج الله، وأعرض عن القرآن والمساجد، وأعرض عن عبادة الله والذكر، فله معيشة ضنك وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] لا يعرف شيئاً، يدهده كالصخرة حتى يلقى في النار؛ لأنه كان في الدنيا أعمى، يسمع الأذان ولا يجيب، يرى القرآن ولا يقرأ، يرى طريق الهداية وطريق الشر، فيسلك طريق الشر، سبحان الله! أي قلب هذا؟!

    قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] ولذلك يمتن سُبحَانَهُ وَتَعَالَى على رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن فيقول: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] أما فسحنا لك في قلبك؟ أما وسعنا لك صدرك؟ أما طردنا الهموم والغموم من جوانحك؟ فكان حليماً بالقرآن ومنشرح الصدر بالإيمان.

    قال موسى عليه السلام: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:25-26] كأنه يقول: يا رب إن المسئولية خطيرة، والرسالة عظيمة، يسر لي أمري، ولا ييسر الأمر إلا الله.. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه:27] وقد كان في لسانه عقدة يأكل الكلام، والسبب -كما قال أهل السير والتاريخ- أنه كان في صباه، وهو في بيت فرعون يوم استنقذته بإذن الله آسية امرأة فرعون عليها السلام، ولا عليه.

    سلام الله يا مطر عليها     وليس عليك يا مطر السلام

    فاستنقذته فعاش في حجر فرعون، وانظر للهادي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، تجد الابن في بعض البيوت كل المعصية في بيته الإجرام والفسق والعصيان، وينشأ هادياً مهدياً عابداً من العباد؛ لأنها هداية الله، وتجد الابن في بعض البيوت وأهله يقربون له أسباب الهداية، ويسألون الله له التوفيق، وينشأ شقياً جباراً عاصياً مارداً على الله، ولذلك فإن الرجل الذي سوف يشير الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إليه في سورة طه وهو السامري فإن اسمه موسى تربى في حجر جبريل، وموسى النبي عليه السلام تربى في حجر فرعون، فأسلم هذا وكفر ذاك، قال الشاعر:

    فموسى الذي رباه جبريل كافر      وموسى الذي رباه فرعون مؤمن

    فلما نشأ وأصبح صبياً، أخذ كفه مرةً من المرات ولطم فرعون على وجهه، فغضب فرعون، وقال: لأقتلنه، لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل، فقالت العاقلة الرشيدة امرأة فرعون المؤمنة: هذا لا يعلم شيئاً، وأحضرت له جمرة وتمرة، وقالت لفرعون: إن أخذ التمرة فاقتله؛ لأنه يعرف، وإن أخذ الجمرة، فهو لا يعرف رشده، فلماذا تقتله؟ قال: حكمت فأنصفت.

    فأراد موسى أن يأخذ التمرة، فصرف الله يده على الجمرة، فأخذها فوضعها على طرف لسانه، فأحرقت لسانه.

    لذا لما قال له الله عز وجل: اذهب إلى فرعون؛ تذكر أنه لا يستطيع أن يتكلم؛ لأنه يريد أن يلقي خطبة على فرعون ومحاضرة يبين له فيها التوحيد، لكن بأي لسان قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه:25-27] قال الحسن البصري: [[رحم الله موسى! ما سأل الله إلا أن يحل عقدة واحدة بقدر الحاجة]] وما قال: اجعلني أفصح أهل مصر بأن يكون خطيباً مصقعاً، أو محاضراً مطبقاً، بل قال: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28].

    أي: علم أن يفقهوا بعض الكلام، ومع ذلك قال في سورة القصص: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [القصص:34] يقول: اجعل معي أخي هارون يتكلم؛ لأن هارون فصيح وأنا لست فصيحاً، وكان هارون أكبر من موسى، قال أهل العلم: ما سمعنا بشفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى لهارون، فإنه شفع له عند الله حتى أصبح نبياً من الأنبياء، وهي أعظم شفاعة، وانظر إلى حكمة الله، رأى أن هذا الصغير ربما يتحمل أعباء الرسالة أعظم من هذا، فجعله نبياً رسولاً، ثم شفع هذا الصغير في أخيه الكبير فكان معه نبياً.

    ولذلك لما وصل إلى بساط فرعون وعلى بلاطه، أخذ فرعون يضحك مع وزرائه وحاشيته، ويقول: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52].

    يقول: أنا يا أهل مصر أحسن وأفضل أم هذا الذي يأكل الكلام ولا يفصح؟! سبحان الله! فهل المسألة بالفصاحة؟ لا، المسألة بالتقوى.. أهي بكثرة الطنطنة والدندنة في الكلام؟ لا، بل هي بالتقوى.. أهي بالذكاء الخارق والعبقرية؟ لا. بل بالتقوى.

    ثم قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي طه:29-30] ثم عاد إلى الله عز وجل فقال: يا رب إن المسألة صعبة وضخمة وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:29-32] قوِّ به جناحي، واجعله رفيقاً لي عل فرعون أن يخافنا، أو يرهبنا قليلاً؛ لأن الاثنين أرهب من الواحد اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:31-32].

    لماذا؟ قال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً [طه:33] أي: حتى يذكِّرني وأذكِّره التسبيح في الطريق، يذكرني طاعتك، وأذكره طاعتك، ولذلك الاثنان يسبحان أكثر من الواحد، وحبذا الصديق الصادق الذي يعينك على طاعة الله وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً [طه:34] والذكر زاد الدعاة، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً [طه:35].

    قال الله عز وجل: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36] وكل ما مضى من السؤالات كأنها سؤال واحد أمام كرم الله عز وجل وعطائه وسعته ورحمته.

    تذكيره بنعم الله عليه

    ثم أخذ الله عز وجل يعيده لتاريخه، ولسجله الأول، ولأيامه الأولى، فقال: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى [طه:37] يا موسى! لا تنس نعم الله ومننه عليك.

    إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:38-39].

    فيها مسائل: وهي قصة طويلة، لما ولد موسى ولد في العام الذي يقتل فيه فرعون أطفال بني إسرائيل، وكان موسى إسرائيلياً من بني إسرائيل، فخافت أمه أن يقتله فرعون، فجعلته في ألواح من خشب -تابوت- وربطت هذه الألواح، وأنزلـت التابوت في اليّم، قيل: في نهر النيل، وربطت الخيط في بيتها، فإذا ذهب حرس فرعون، سحبت التابوت وأرضعته، فإذا اقتربوا أنزلته، وربطت الحبل في بيتها.

    ومرة من المرات ذهب جنود فرعون -الذين يبحثـون أطفال- فسحبت الحبل، فانقطع الحبل من التابوت فأتى الحبل بلا تابوت فخرجت وقلبها يكاد يطير، وأصبح فارغاً كاد يخرج من بين جنبيها، ونظرت في اليمّ فلم تجده، وساقه اليم -بإذن الله- حتى أدخله في مزرعة وبستان فرعون في القصر، تفر به أمـه من أن يلاحـق، فيقع في قبضة المجرم، وأتت جواري فرعون، فرأين التابوت، ففتح فوجدوه غلامـاً من بني إسرائيل، فأرادوا ذبحه، فتدخلت آسية عليها السلام.. وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] قال أهل الأثر: ما رآك أحد إلا أحبك، سبحان الله! وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39].

    إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه:40] لما وضع عند فرعون، أرادوا إرضاعه ليتبناه فرعون، فأرادوا أن يربوه، فعرضوه على كل ثدي، فأبى أن يرتضع، قالت أخته -وكانت قريبة من قصر فرعون-: أتريدون أن أدلكم على أهل بيت يرضعونه لكم؟ قالوا: نعم، فذهبت إلى أمه وقالت: وجدت امرأة ترضعه، فلما وضعوه على ثديها رضع بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فأصبح فرعون يدفع الأجرة لأم موسى على إرضاعه زيادةً على ذلك! إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40].

    ثم قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لا تنس يا موسى، لا تظن أنا نسينا وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [طه:40] حميناك، ورعيناك، وكفلناك، وآويناك، وأشبعناك، وسقيناك، فتذكر نعمة الله عز وجل وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ [طه:40] عشر سنوات؛ لأنه قال: ثمان سنوات، أو عشر، قال ابن عباس: [[قضى أجملهما وأحسنهما وأكملهما]] فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه:40] أي: جئت بقضاء من الله وقدر، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] ربيتك لتكون رسولاً لي تبلغ دعوتي.

    1.   

    أمر الله لموسى وأخيه بالدعوة

    ثم قال تعالى: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] الآن يقول: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] وفي أول السورة يقول: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24] ولكنه قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [طه:29] ولذلك قال هنا: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ [طه:42] أصبح أخوه نبياً من الأنبياء.

    توصية الله لهما بذكره

    اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42] ما معنى: ولا تنيا في ذكري؟ قيل: لا تضعفا في ذكري، سبحا كثيراً، وهللا كثيـراً، واحمدا كثيـراً، واستغفرا كثيراً، وهذا زاد المسلم، وإذا رأيت المسلم يكثر من ذكر الله، فاعلم أنه قريب من الله، وإذا رأيته غافلاً، فاعلم أن بينه وبين الله بعداً، ولذلك في سنن الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن بسر، قال: : {يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله}.

    وقيل: ولا تضعفا في الدعوة إلي، مرا بالمعروف، وانهيا عن المنكر، فأنتما في أمر واجب.. ونحن -يا عباد الله- أصبحنا في زمن وفي وقتٍ كل منا وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطاقته، وإلى متى ننتظر؟ إلى متى نسكت؟ إلى متى لا ننكر المنكر؟ لكن كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] ولذلك يقول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ [لقمان:17] ثم قال: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17].

    سوف تؤذى، وسوف تشتم، لكن اصبر على ما أصابك، والله يقول في قوم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم بنو إسرائيل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في مدح أمتنا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] قال: وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [طه:42].

    توصيته لهما باللين

    ثم قال تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ما أحسن هذا التوجيه! وما أحسن هذه التربية للدعاة والخطباء ولطلبة العلم والعلماء من تربية! فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ما هو القول اللين؟ كأن معنى الخطاب: لا تجرحا شعور فرعون، احذرا أن تشددا عليه أو تشتماه، فتأخذه العزة بالإثم فلا يسلم، ولا يؤمن، لا تؤذيانه، خذاه بالتي هي أحسن، بقول لين هين سهل قريب، قال سفيان الثوري: [[أتدرون ما هو القول اللين؟ قالوا: لا، قال: كنِّه]] أي: ادعه بالكنية، وكنية فرعون كما يقول ابن كثير: أبو مرة -مرغه الله على وجهه في النار- فلما أتى موسى يتكلم معه، قال: يا أبا مرة، هكذا قال أهل التفسير، ولذلك قال الشاعر اليمني:

    أكنيه حين أناديه لأكرمه     ولا ألقبه والسوءة اللقب

    كذاك أدبت حتى صار من أدبي     أني وجدت ملاك الشيمة الأدب

    يقول: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه:44] وورد أن القول اللين أن يقولا له: سوف يمتعك الله بالشباب والصحة والملك إذا آمنت وأسلمت.

    وسبحان الله! ما أحسن القول اللين! فهو الذي يقود القلوب، وأحسن من فعل هذا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فهو الذي امتثل أمر الله في دعوته، فكان قوله ليناً، وكلامه ليناً، وفعله ليناً، حتى يقول الله عز وجل له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    والقول اللين لا يأتي إلا بخير، وفي الصحيح مرفوعاً: {ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه} والصلف والبذاءة لا تأتي بخير، والسب والشتم والتجريح لا يأتي بخير، ونحن في غنى عن هذا الكلام، وإن لم يجر لك ضرراً لم يأت لك بمنفعة، لكن عليك أن تبين سبل الهداية كما بينها صلى الله عليه وسلم.

    لا يزال في نفسه مخافة؛ لأنه ما زال قلبه يرجف من فرعون، يعرف أنه ساكن في مصر في العاصمة، ومعه جيش جرار، ومعه جلادون وقتلة، ودولة كاملة، وهيلمان وسلطان وصولجان.. قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45].

    وما كان مقصوده تعريف الله عز وجل فهو يعرف، لكن يريدان الاستنصار بالله على فرعون، وأصبحا يتكلمان الآن سوياً، فالضمير للمثنى.. الآن قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] يقولان: إن فرعون مجرم وفاسد، ودكتاتوري يذبحنا كما تذبح الشياة قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا [طه:45] أن يستعجل في العقوبة، نخاف من هذا المجرم ألا نستطيع أن نتكلم بين يديه حتى يتبع السيف إلى رءوسنا فيبترها أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] يتجاوز في العقوبة قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] قال الله عز وجل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] سبحان الله! أنا قريب، أنا معكم، ناصية فرعون وملكه وجنده بقبضتي، أقصمه متى شئت.

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً     فإنه الركن إن خانتك أركان

    سبحان الله! قوته تغلب كل قوة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] ولا يتحرك فرعون إلا بإذني، ولا يتصرف إلا بقدري وقضائي، فلن تمسكم منه ذرة من الأذى إذا حفظتكم أنا، ولذلك في سنن الترمذي والمسند بسندين حسنين قوله صلى الله عليه وسلم لـابن عباس في الحديث الطويل: {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46].

    إرشادهم لأسلوب الخطاب

    قال تعالى: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [طه:48-47] فعلمهما أسلوب الخطاب، وعلمهما كيف يوجهان الكلام، قال لهما:

    أولاً: أخبراه أنكما رسولان من عند الله.

    ثانياً: خذا بني إسرائيل من مصر، واذهبوا إلى فلسطين.

    ثالثاً: سلما على من اتبع الهدى، وهذا من أسلوب الدعوة، ولم يقل: سلما عليه - لا سلمه الله- فإنه ضال، ولم يقل: اتركا السلام، ولكن سلما علَّ في المجلس مؤمناً، وبشراه أن من أسلم لله أدركه السلام.

    ولذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كتب لـهرقل، فقال: { بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أمَّا بَعْد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين...} الحديث.

    السلام على من اتبع الهدى: هذا الشاهد، قال: فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى طه:47] قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] الآن دخلا عليه وأصبحا في القصر، ولكن هنا كلام محذوف تقديره: فأتيا وقرعا الباب، والعجيب أن ابن كثير أورد قولاً -نرويه- يقول: بقي موسى عليه السلام وأخوه يترادان ويطلبان الإذن بدخول القصر سنتين من الصباح والمساء، وهذا من الإسرائيليات.

    وموقفنا من الإسرائيليات ثلاثة مواقف:

    أما ما كانت في كتابنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فهذا تحصيل حاصل لسنا بحاجة إليها، ونحن في غنية بما عندنا.

    وأما ما عارض الكتاب والسنة، فنردها ونرمي بها عرض الحائط.

    وأما ما لم يعارض ما في كتابنا، ولا كان له أي ضرر، فنرويها، كما قال عليه الصلاة والسلام: {وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج}.

    فأتى موسى وهارون عليهما السلام يستأذنان، وقيل: إن موسى عليه السلام كان يضرب باب القصر الخارجي ودونه باب، ودون الباب باب، ودون السرادق سرادق، فأخذ يضرب الباب بالعصا يستأذن عليه السلام، ما أقوى موسى! وما أشجعه وما أجرأه!

    فخرج الجنود: ما لك؟ قال: أريد فرعون، لماذا؟ قال: أدعوه إلى الله، قالوا: هو الله، لأن فرعون يقول لهم: ما علمت لكم من إله غيري، ويقول: أنا ربكم الأعلى، ويقول: وهذه الأنهـار تجري من تحتي؛ فأجراهـا الله من فوق رأسـه، فأخذ موسى يطرق، فخرج الجنود، قالوا: ما لك مجنون!، قال: ما أنا مجنون! -لكن عندي طب المجانيـن، عندي علاج للمجانيـن، أكبر مجنون عندكم هنا في القصر أريد علاجه، مجنون لا يعرف الله، لا يعرف طريق الله، ولا يعرف الجنة ولا النار، أخبروا فرعون، قالوا: في الباب مجنون يضرب الباب بعصاه يريد أن ندخله عليك.

    قال: أدخلوه وهو يريد أن يضحك عليه، فجمع وزراءه، فلما دخل، كان الواجب أن ينتظر فرعون حتى يتكلم موسى، أنت إذا أتاك ضيف أتقول: أخبارنا وأمطارنا وأشعارنا أم تنتظر الضيف يتحدث؟! فلما دخل أراد أن يضحك على موسى، لكن موسى ضحك عليه، وعلى قومه، فموسى عليه السلام معه العصا يتوكأ بها، وبجانبه هارون يترجم له، موسى يعرف بعض الكلمات يقول بعض الكلمات، لكن إذا كثرت الكلمات تولى الترجمة هارون عليه السلام.

    أتى فرعون يتكلم وقال: فمن ربكما يا موسى؟ الآن السؤال محرج، إن قال موسى عليه السلام: ربي الله فربما وافق ذلك ما في نفس فرعون لأنه يدعي أنه إله، وإن قال له: يا قليل الحياء، يا قليل المروءة، يا قليل الدين هذا سؤال خاطئ! جرح شعوره، والله يقول له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] وإن قال له: الله الذي خلقك، ربما يزري به أمام الجلوس ويجرح شعوره، لكنه قال: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

    قال بعض المفسرين: لله دره من جواب! ما أحسنه! قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] إن كنت أنت الذي أعطيت كل شيء خلقه ثم هديت فأنت إله، وإن كنت لا تخلق ولا تصنع، فلا ندري.

    هذا هو الجواب، يقول: إن الذي خلق كل شيء، وأعطى كل شيء خلقه وهداه ويسره وجعله سميعاً بصيراً هو ربنا، ولذلك أفحم فرعون بهذا الجواب، وهذا يسمى الجدل في القرآن، ومن ميزات الجدل في القرآن أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستمرون في نقطة واحدة إذا جحدها المجرم، أو أنكرها فتركه، كيف أعطى الله كل شيء خلقه ثم هدى؟ كيف هدى الإنسان، وهدى الحيوانات والعجماوات والطيور والزواحف؟ هدى النحلة إلى خليتها وهي تقطع مئات الأميال، هدى كل شيء، هدى بعض الحيوانات وهي عمياء.

    نقل ابن الجوزي حول هذه الآية: أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هدى كل مخلوق لكل ما ينفعه في الحياة إلا الكافر، فإنه لم يهتد بهدى الله عز وجل إذا ضل.

    يقول ابن الجوزي: رأى بعض الصالحين في نخلة حية عمياء وسط نخلة من النخيل، قال: فرأيتها تلتمس الغذاء، فلم تجده وهي في نخلة مرتفعة وعمياء، قال: فرأيت عصفوراً يأتي وينقل لحماً وطعاماً، فإذا اقترب منها، صفر العصفور فرفع منقاره، فوضع اللحم في فيها، أليس هذا من الخلق والهداية؟!

    وذكر أحد علماء الغرب في كتاب له العلم يدعو إلى الإيمان أو الإنسان لا يقوم وحده " وهو يسمى كريسي موريسون يقول: هناك حيات وثعابين -وهو صحيح- تأتي إذا أرادت أن تبيض في الأنهار وفي البحار التي تتجمد وتصبح ثلجاً، فتهاجر إلى المشرق لتبيض هناك، فإذا فقست بيضها، هاجرت أبناؤها إلى المحيطات تلك، فمن هداها؟

    وهناك طيور إذا أدركها موسم الشتاء هاجرت إلى أفريقيا، فإذا انتهى الشتاء في بلادها، قطعت آلاف الأميال وعادت.

    وهناك الجراد إذا أدركته المجاعة، زحف إلى المزارع التي فيها زرع وأكل وشرب، فمن هداه إلا الله! سبحان الله! الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

    الآن بهت فرعون وانهزم، ومال إلى سؤال آخر: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه:51] يا موسى، أين أجدادنا وأجداد أجدادنا والقرون التي سلفت إن كنت صادقاً؟ ما لهم أحوسبوا؟ أعذبوا؟ ماذا كانوا يعبدون؟ ولو كان الجواب من غير موسى، فسوف يقال له: وما دخلك أيها الأحمق؟ وما دخلك أيها الوقح في هذه القضايا؟ لكن لأن الله قال لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه:44] فقال بأسلوب بلاغي عجيب: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52] أنا وإياك لا ندري، لكنها والله في دواوين محفوظة، وفي سجلات مرسومة، وفي دفاتر مكتوبة، لا يضل ربنا مكانها، ولا ينسى علمها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وللحديث بقية لنستفيد من هذه الدروس والعبر.

    1.   

    الأسئلة

    وقبل أن ننتهي هنا بعض الأسئلة أحب الإجابة على بعضها.

    يهود إسرائيل الآن هم من بني إسرائيل قديماً

    السؤال: هل بنو إسرائيل هم يهود إسرائيل الآن المحتلون لمسجدنا الأقصى؟ وكيف يكون تعاملنا معهم وقد رأينا تعاملهم مع الأنبياء؟

    الجواب: نعم، اليهود الآن هم من نسل أولئك اليهود من بني إسرائيل، ولكن جعل الله عز وجل منهم مؤمناً وكافراً، وقد يأتي المؤمن من الكافر، ويأتي الكافر من المؤمن وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:27] واليهود الآن محتلون، وليس لهم حق في الأرض من جانبين:

    أولاً: من باب النسل والأثر وميراث الله عز وجل الأرض؛ فليس لهم حق في فلسطين، لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [الأنبياء:105-106] فليس لهم حق في ميراث الله عز وجل، فهم دخلاء يجب أن يجاهدوا حتى يخرجوا من الأرض وتطهر منهم، فهم أرجاس أنجاس محتلون ظلمة مغتصبون.

    ثانياً: تاريخياً: أن العرب نزلوا قبلهم في فلسطين، وأنهم هم أهل الديار، وأهل الدار، وأهل القصور، وأهل المساكن، وهؤلاء محتلون لا حق لهم في الديار بشهادة كبار المؤرخين.

    أما كيفية التعامل معهم، فإن لم يؤمنوا ويدخلوا في دين الله، وإلا فالحديد والنار، وهذا هو الجهاد الذي ندبنا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إليه.

    نصائح للداعية المسلم

    السؤال: حبذا لو أوجزت لنا بعض النقاط التي يستعين بها الداعية في التعامل مع مجتمع فيه كثير من الخير، ولكن ليس لديهم ولا بينهم قدوة أو مربي؟

    الجواب: أولاً: القدوة إن شاء الله أو المربون موجودون على قلة، والتعامل مع هؤلاء يكون بالإخلاص لوجه الله في الدعوة، فإن دعوة لا تبنى على إخلاص لا يبارك الله فيها، والتزود بالعلم النافع من الكتاب والسنة، فإن من يدعو الناس بلا علم، فإنه لا يزيدهم إلا ضلالاً وحيرةً، يثقون في كلامه، وهو مبني على غير دليل، والعلم لا بد أن يبنى على الكتاب والسنة.

    وأن يكون صاحب حلم، وصاحب سعة وصبر، وصاحب خير، وصاحب لين ومعروف ليقبل الناس عليه، ويتقبلون من كلامه، وهو الخلق الحسن , وهو درسنا هذه الليلة، كما قال تعالى لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    وأن يكون عاملاًً بما يدعو الناس إليه، قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] وألا يكون كذاباً في فعله على قوله، يكذب فعله قوله، فنعوذ بالله من ذلك.

    ومنها: أن يدعو الناس بتدرج وحكمة، لا أن يتحولوا في يوم أو يومين، إنما يدعوهم بتؤدة، يلقنهم العقيدة، ثم العبادات، ثم المعاملات، ثم الآداب والسلوك، وهذا مصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيحين لـمعاذ لما أرسله إلى اليمن {وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة...الحديث} فأمره صلى الله عليه وسلم بالتدرج في الدعوة.

    هل الذي استضاف موسى هو شعيب

    السؤال: هل الرجل الذي استضاف موسى هو شعيب أم لا؛ لأن بعض الناس يقولون: إنه شعيب، والقرآن لم يذكر ذلك، ولم يذكر اسم شعيب؟

    الجواب: كما ذكرت أن القرآن لم يذكر ذلك، ولم يرد حديث صحيح أو حسن ينص على أنه شعيب عليه السلام، لكن بعض المفسرين والنقلة قالوا: هو شعيب؛ وهذا لا يتوقف عليه كثير علم، ولا كثير فائدة، ولو كان فيه مصلحة لذكره القرآن، ولكن فيما يعلم أنه لم يصح فيه حديث، ولا أثر صحيح أو مرفوع إلى المعصوم عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، فنتوقف نحن، ونقول: هو رجل صالح كما ذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا ندري باسمه، وأما الآثار هذه فنرويها، لكن لا نجزم بصحتها، وهذه الأمور التي يقام عليها خلاف، وليس عليها أثارة من علم، ولا تنسب إلى دليل من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليس فيها فائدة، والقرآن إذا لم يشر إلى شيء، فلماذا نتعب أنفسنا؟ مثل: كلب أهل الكهف، لم يخبرنا الله عز وجل بلونه، إنما قال: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18].

    أتى بعض الناس، وقالوا: لونه مبرقع يميل إلى الصفرة، وبعضهم قالوا: مبرقش يميل إلى البياض، وقال آخرون: أحمر فيه سواد. وماذا ينفعنا أن يكون أحمراً، أو مبرقشاً، أو أصفراً، أو موديل أربعة وثمانين أو خمسة وثمانين؟! هذا لا ينفعنا شيئاً، ولذلك أدبنا الله عز وجل فقال عن الجدل العقيم الذي لا يستفاد منه: فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف:22].

    يقول: لا تخض في شيء لا يبنى عليه فائدة، مثل ما يدار في بعض المجالس، فهو من أوله إلى آخره إشغال للناس، وإرباك لهم، وأخذ أوقات الناس.. هل الأرض تدور حول الشمس، أو الشمس تدور حول الأرض؟ وهل يسألنا الله يوم القيامة هل الأرض تدور حول الشمس أو الأرض تدور حول الشمس؟ وهل يسألنا منكر ونكير؟ وهل في صحيح البخاري وصحيح مسلم هذا؟ هذا من ترف المسائل.

    وتجد بعض الناس لا يعرف الوضوء، ولا الغسل من الجنابة، ويسأل عن أطفال المشركين هل هم في الجنة أو في النار؟ ويسأل عن عدد الأنبياء والرسل هل هم أربعمائة ألف، أو ألف وثلاثة عشر، أو ألف وثلاثمائة، أنا محتار، وما أزال أفكر، وما أتاني النوم من صلاة الفجر بسبب البحث عن عدد الأنبياء! وهذا لا ينبني عليه كبير علم، ولا كبير فائدة.

    طلب العلم في بلاد الكفار

    السؤال: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار لطلب العلم؟

    الجواب: الذي يظهر من أقوال أهل العلم أن ذلك بحسب الأحوال، ولو أن هناك نصوصاً تخوف من مجاورة الكفار، فلا يسافر إلا لضرورة من طلب علم دنيوي يحتاج المسلمون إليه، كعلم الطب ولا يمكن التعلم إلا إذا سافر الدارس إلى تلك البلاد، فعليه أن يتقي الله، ويسافر لطلب الطب لفائدة المسلمين، أما طلب العلم الشرعي، فلا يطلب من عندهم.

    من بلادي يطلب العلم ولا     يطلب العلم من الغرب الغبي

    وبها مهبط وحي الله بل     أرسل الله بها خير نبي

    فكيف يطلب الحديث والفقه والتفسير من عندهم؟! سبحان الله! أيطلب الشبع من جائع؟! ويطلب الدواء من مريض؟!

    والأمر الثاني قالوا: لقصد الدعوة، فإذا وجد الإنسان في نفسه قوة وتأثيراً، وعلم أنه سوف ينفع، فلا بأس أن يذهب يدعو إلى الله عز وجل إذا كانت عنده لغة، وعنده حصانة إيمانية، وعفاف وستر.

    والأمر الثالث: للعلاج إذا أعيا الأطباء علاجه في هذه البلاد، وقرروا أنه لا علاج له إلا هناك، فليذهب، أما للسياحة فنعوذ بالله من ذلك، أما للنزهة فمعصية، أما للتفرج وللتبجح فمعصية ظاهرة، ولا يؤمن على من ذهب هناك من أمور:

    منها: أن يرق دينه، فيصبح دينه خفيفاً إن لم يخلع دينه تماماً.

    ومنها: أن الكبائر تصبح عنده صغائر، بدل أنه كان يتكلم هنا ويرى أن إسبال الثوب كبيرة يصبح هناك لا يتكلم في هذه القضايا، ويقول: هذه قضايا صغيرة.

    ومنها: أنه ربما يستهين بالإسلام -نعوذ بالله من ذلك- وهذا مرض الشبهات، فقد وجد أن بعض من سافر هناك، ورأى ثقافتهم الأرضية وحضارتهم المادية وقصورهم ودورهم ومصانعهم ومنتجاتهم أنه يستهين بالإسلام، وهذا كفر وخروج من الملة.

    ومنها: أنه يعجبه الكفار فيأتي يمدحهم في بلاد المسلمين، ولذلك رأينا وسمعنا وأبصرنا ممن ذهب إلى هناك، ثم جاءنا يتقعر في مجالسنا ويتصدر أنديتنا ويمدح لنا بلاد الغرب، ويقول: ما هذه البلاد التي نحن فيها؟! إن البلاد التي أنعم الله عليها هناك والمتفتحون هناك، والمخلصون الصادقون الأذكياء وعباقرة الدنيا، أما التخلف وفساد المزاج والرجعية، فهنا! وهذا ردة إن لم يتب إلى الله عز وجل من كلامه، ولسماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رسالة في هذا مفيدة جد مفيدة في السفر إلى الخارج؛ فلتقرأ ولتفهم.

    معنى سؤال الله لموسى عن العصا

    السؤال: هل السؤال عن شأن عصا موسى عليه السلام من أي شجرة تكون؟

    الجواب: لا، وبارك الله فيك، الله يدري أنها من شجرة خلقها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لكن قال أهل العلم: إيناساً لموسى، أو كأنها خطاب يا موسى انتبه لهذه العصا، فسوف يكون لها شأن، واحذر أن تفوت منك، أو تضيعها، فإنه سوف يكون لها شأن، وبالفعل قامت قصة الدعوة على العصا.

    الأحوط ترك كلمة (مولانا)

    السؤال: يوجد لدينا في بعض الأماكن والمساجد خطباء يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: مولانا، هل يجوز لنا أن نقول للرسول صلى الله عليه وسلم (مولانا)؟

    الجواب: في الجواب تفصيل، والله عز وجل يقول: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55].

    فإن كان قصده ولاية الدين وولاية الانتساب للسنة، فلا بأس بذلك، وإن كان قصده بها أنه ينفع في الدنيا أو أنه يرفع الحوائج إلى الله كما يفعل غلاة المتصوفة والبدعيون والقبوريون، فقد أخطأ خطأً بيناً، فالرسول عليه الصلاة والسلام في قبره لا يسمـع عليه الصلاة والسلام، ولا يرفع الحوائج إلى الله، بل هو في قبره يحيا حياة برزخية الله أعلم بها، ولا يستشفع به بعد موته، ولو استشفع به صلى الله عليه وسلم لاستشفع به عمر وقت القحط، وإنما قال للعباس: [[يا عباس ادع الله أن يسقينا، ثم قال: اللهم إنا كنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إليك فتسقينا، فإنا نستسقي بـالعباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام]] أو كما قال.

    فهذا فيه تفصيل، لكن الأسلم والأولى ألا يذكرها الخطباء في خطبهم؛ لأنها ليست معروفة عند السلف، وليست مشهورة في كتب الحديث، ولم يتعارف عليها، ولم تكن مطردة بين الناس، والأولى أن نتقيد بالألفاظ الشرعية التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تفسير : (فاخلع نعليك)

    السؤال: أرجو تفسير الآية: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:12]؟

    الجواب: أنا قلت إن علياً رضي الله عنه وأرضاه وأبا أيوب وأبا ذر ورد عنهم أنهم قالوا: كانت الحذاء من جلد حمار، وقال بعض المفسرين: اخلع نعليك؛ لأنك في مكان كالمصلى، وفي مكان طاهر، وكأن في النعل نجاسة، أو كان هذا في شريعتهم، فقال: اخلع نعليك، ونحن في الإسلام يجوز لنا أن نصلي بالنعال إذا أمنت مضرة الصلاة فيها.

    ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه وأرضاه عندما قيل له:{أكان صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم}.

    وفي السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه بسند جيد، قال: قال صلى الله عليه وسلم: {خالفوا اليهود صلوا في نعالكم}.

    لكن أحياناً يكون هناك مضرة مثل: هذه المساجد المفروشة بالفرش الجيد، فإنها تتأذى من الداخلين بأحذيتهم، لكن إذا كان في الصحراء، أو في مكان ليس فيه مضرة، فلك أن تصلي أحياناً بحذائك إذا نظرت إليها، كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينظر إلى حذائه، فإذا وجد فيهـا أذى حكها في الأرض وصلى فيهـا.

    فالخلاصة: أن معنى: (اخلع نعليك) ربما يكون في شريعة من قبلنا أنهم لا يصلون في نعالهم، أو تكون من جلد حمار، أو فيها نجاسة، أو لأمر اختص الله بعلمه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    التواضع لله

    السؤال: قلت: إن الله عز وجل لما قال: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13] أن الله ما اختاره إلا لأنه تواضع لله، فكيف يتواضع لله؟

    الجواب: سبحان الله! تواضع لله، أي: حمل في قلبه عظمة الله، وحب الله، وجلال الله، وكان في نفسه حقيراً، ولذلك في الأثر: [[اللهم اجعلني في نفسي صغيراً، وعند الناس عظيماً]]والتواضع ألا تحمل في نفسك كبراً، وأن ترى أنك عبد من عباد الله، وأنك حقير وفقير وصغير وما عندك شيء، وأنك ذليل، ولو لم يهدك الله لما اهتديت، ولذلك كان الكبر من أعظم الذنوب، وهو ركن الكفر، وصاحبه موعود بالمقت من الله والغضب والهلاك، وفي صحيح مسلم: {إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، من نازعني فيهما عذبته}.

    وفي الحديث الصحيح: {يحشر المتكبرون على صورة الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم} فالتواضع لله أن تكون متواضعاً في كلامك، فلا تستخدم "أنا" دائماً، أنا غني، أو أنا سليم المعتقد؛ إلا لإظهار صحة التوحيد إذا طلب منك أو سئلت، ولا تقل: أنا كثير العلم، أنا طيب السريرة، أنا أنا، قال ابن القيم رحمه الله: احذر كلمة (أنا) وكلمة (لي) وكلمة (عندي) فإن كلمة (أنا) أخذها إبليس، فقال: أنا خير منه، وكلمة (عندي) أخذها قارون، فقال: إنما أوتيته على علم عندي، وكلمة (لي) أخذها فرعون، فقال: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي. ولكن تصح كلمة أنا، إذا قلت: أنا الفقير، أنا المسكين، أنا الضعيف، أنا الهزيل.

    أنا الفقير إلى رب البريات     أنا المسيكين في مجموع حالاتي

    هذه تصح، وهذا معنى التواضع، والكلام فيه يطول.

    خطاب الله لموسى وهارون

    السؤال: إنك قلت: إن الله عز وجل كلم موسى وحده، ثم في الأخير كلمهما معاً، فكيف ذلك؟

    الجواب: في أول القصة حين لقي الله موسى عليه السلام في الوادي المقدس وكلمه لم يكن إلا وحده، فلما سأل أن يكون معه هارون، وصل موسى بيته في مصر، كما قال أهل التفسير منهم ابن كثير: أن موسى دخل وأول من استضافه أخوه وأمه في البيت، فلما سأل الله أن يكون نبياً معه أخبره أن الله اختارك واصطفاك، فكان الله يوحي إليهما.

    أسباب التخلص من قسوة القلب

    السؤال: ما هو السبيل للتخلص من قسوة القلب؟

    الجواب: السبيل للتخلص من قسوة القلب أمور:

    1- تقوى الله عز وجل والتوبة إليه وكثرة الاستغفار.

    2- قراءة القرآن بتدبر.

    3- قراءة كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    4- مجالس الخير كهذا المجلس نسأل الله ألا يحرمنا أجره.

    5- تذكر الموت والقدوم على الله- عز وجل-.

    6- الجلوس مع الصالحين، وتجنب مجالس الأشرار.

    7- ترك المعاصي؛ لأنها سبب في قسوة القلب.

    8- التقليل من المباحات، يقول ابن القيم: أكثر ما يأتي بقسوة القلب كثرة المباحات، كثرة الضحك، والمزاح، وكثرة الكلام بغير ذكر الله، وكثرة النوم، نسأل الله أن يلين قلوبنا جميعاً.

    هذا؛ وفي الختام أشكر الله عز وجل على أن وفقنا لهذا المجلس، ثم أشكر القائمين على مركز الدعوة في الجنوب على جهودهم الطيبة، ولا أنسى أن أشكر إمام هذا المسجد فضيلة الشيخ/ أحمد الحواش، وأشكركم على حضوركم، وعلى حسن إصغائكم، وأسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى القبول لنا والإخلاص والصدق؛ إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.