إسلام ويب

الرحلة في طلب العلمللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى شرف العلم وأهله، وامتدحهم في كتابه، وذكر لنا من قصصهم ومن الآيات التي تحث على طلب العلم الكثير والكثير، ومن هذه القصص قصة موسى عليه السلام مع الخضر وسفره الطويل إليه، وفي هذا الدرس تفاصيل هذه القصة العجيبة والرحلة العظيمة، وما يستفاد منها من الدروس والعبر.

    1.   

    رحلة موسى عليه السلام في طلب العلم

    الحمد لله، الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام للسنة فانقادت لاتباعها، وارتاحت لسماعها، وأمات نفوس أهل الباطل بالجهل بعد أن تمادت في ابتداعها، وتغالت في نزاعها، والصلاة والسلام على من أوصل الله به أنوار الهداية بعد انقطاعها، ورفع به قصور الإسلام فاتسقت في اتساعها، ودك به دولة الجاهلية وهدّم به حصون قلاعها، والصلاة والسلام على أشرف من بعثه الله، حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد: عباد الله! فيقص الله تبارك وتعالى علينا قصة موسى عليه السلام، وهو يرتحل في البحر ليلقى الخضر عليه السلام فيتعلم منه علماً، وكأن لسان حال القصة يقول: هكذا فاطلبوا العلم، فإذا كان موسى عليه السلام؛ على سمو قدره، وجلالة مكانته، يحرص على طلب العلم، فما بالنا نحن الضعفاء المحاويج، الجهلة، لا نطلب العلم؟!

    إنه حرص من موسى عليه السلام على طلب العلم، ولذلك يقول الإمام البخاري في صحيحه في كتاب العلم، (باب: السفر في البحر لطلب العلم) ثم يتوج هذا الباب بقصة موسى عليه السلام؛ الرحالة المغامر، الذي ركب البحر ليلقى الخضر، ويستفيد منه علماً جماً.

    عرف ذلك السلف الصالح في طلب العلم؛ فسهروا الليالي، لأن العلم بعد الهداية أشرف مطلوبٍ في الحياة:

    هو العضب المهند ليس ينبو     تصيب به مضارب من أردت

    وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً     خفيف الحمل يوجد حيث كنت

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددت

    رحل الإمام أحمد شهرين كاملين ليلاً ونهاراً من بغداد دار السلام إلى صنعاء اليمن ليأخذ عشرة أحاديث.

    ورحل جابر بن عبد الله الصحابي الشهير الخطير إلى مصر إلى مدينة العريش ليكتسب حديثاً واحداً من عبد الله بن أنيس.

    قال سعيد بن المسيب: [[والله الذي لا إله إلا هو إني كنت أرحل الأيام الطوال لحديث واحد]].

    فيا أيتها الأمة المتفقهة الرائدة! هكذا ليطلب العلم، فلنستمع إلى القصة التي ساقها الله تبارك وتعالى في كتابه، تلميذٌ مع شيخه، وطالبٌ مع معلمه.

    مغادرة موسى عليه السلام بني إسرائيل

    وموسى الآن يغادر أرض بني إسرائيل من فلسطين ليركب البحر، بعد أن ألقى فيهم خطبة عظيمة، وبعد أن انتهى منها، قال له أحد بني إسرائيل: يا موسى! هل تعلم في الناس أعلم منك؟ قال: لا والله، لا أعلم في الناس أعلم مني؛ وصدق عليه السلام، فهو نبي الله ورسوله، ولكن الله عاتبه من فوق سبع سموات، وقال له: يا موسى! الخضر في مجمع البحرين أعلم منك، فارحل إليه وازدد إلى علمك علماً.

    قال: يا رب! وأيُّ علامة أعرف بها إذا لقيت الخضر؟

    قال: يا موسى! خذ حوتاً، واجعله مملوحاً في مكتل، فإذا فقدت الحوت فقد لقيت الخضر، فأخذ حوتاً ميتاً، سمكاً مملوحاً في مكتل، وأخذ غلامه يوشع بن نون يحمل معه الغداء في السفر، فمضيا كثيراً طويلاً وشق عليهم السير، قال الله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف:60-61] أحيا الله الحوت الميت فتحرك في المكتل، ثم أخذ يقتحم من المكتل إلى الماء، فقال موسى لما كلََّ سيره، وتعب عليه السلام، وملَّ من طول السفر، عاد إلى فتاه يقول: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62] وكأن لسان حاله يقول:

    لمعت نارهم وقد عسعس الليل     ومال الحادي وحار الدليل

    فتأملتها وفكري من البين      عليلٌ وطرف عيني كليلُ

    وفؤادي ذاك الفؤاد المعنَّى     وغرامي ذاك الغرام الدخيل

    قال لغلامه: آتنا غداءنا نتغدى، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62] تعب الرحالة، فأتى غلامه إلى المكتل ففقد الحوت، فقال: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً [الكهف:63].

    عجباً! كيف يعيش الحوت، وقد مات كيف ينزل ثم يسبح في الماء؟ فكان عجباً لموسى، لكن الذي يحيى الميت هو الله، والذي يرشد الجهلة هو الله، فكأن الله يقول: كما أحيينا هذا السمك في الماء نحيي القلوب كذلك بالحكمة والعلم، قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:1] ثم يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بعدها: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:17].

    لقيا موسى عليه السلام الخضر

    نعم! فلما فقد الحوت، عاد فرأى الخضر عليه السلام فسلم عليه، يقول الله في تعريف الخضر: فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:65] علمٌ بلا رحمة قسوة وجبروت، ورحمةٌ بلا علم جهلٌ وتردي، فجمع الله للخضر الاثنين، رحمةٌ وعلم، فالذي ليس عنده علم وعنده رحمة ضعيف، والذي عنده علمٌ بلا رحمة جبار، والذي ليس عنده علمٌ ولا رحمةٌ ضائعٌ ضالٌ في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    فسلم عليه موسى، فقال الخضر: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: ماذا أتى بك؟ قال: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف:66] ما أحسن العرض! وما أحسن الأدب! ما قال: أرافقك، ولا أصاحبك، ولكن عرض نفسه هل ترى ذلك مجدياً؟ أتبعك فأكون تلميذاً وخادماً أتعلم منك، فيقول الخضر عليه السلام لموسى، وهو يعرف قوة موسى، وصراحة موسى: قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [الكهف:67-68].

    يقول: أنت سوف يظهر لك أمور لن تصبر أمامها؟ ولن تقف أمامها صابراً؟ قال موسى عليه السلام: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً [الكهف:69] ولا يصبر الصابر إلا بعون الله، ولا يوفق الموفق إلا بهداية الله، فلذلك استلهم رشد الله:

    يا حافظ الآمال أنتت حميتني ورعيتني

    وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني

    فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني

    والله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127].

    قال: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69] ولكنه لم يصبر عليه السلام.

    وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يتابع القصة بلهفٍ وبإصغاءٍ وبشوقٍ وفي الأخير لما قال الخضر: قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78] تبسم رسولنا صلى الله عليه وسلم، وقال: {رحم الله موسى، وددنا أنه صبر حتى يقص علينا من نبأهما}.

    قال الخضر: قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف:70].

    فمشيا وركبا في السفينة، ومر عصفور فشرب من الماء، فقال الخضر لموسى متواضعاً لجلال الله ولعظمة الله ولعلم الله: يا موسى! ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما نقص هذا العصفور لما شرب من هذا البحر؛ فأي نقصان أصاب البحر لما أدخل هذا العصفور منقاره فشرب من الماء.

    بداية سفر موسى عليه السلام مع الخضر

    ومشيا في السفينة، ولما رأى ربان السفينة هذا الرجل الصالح والرسول النبي ورأى الجلالة والنور والوقار رفض أن يأخذ أجراً، وأن يأخذ أعطية على الركوب، فركبا وموسى ينظر في الخضر، فأول شيء قدمه أن أخذ ينزع خشب السفينة، ويكسره، ويلعب فيها، فيقول موسى: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف:71].

    يقول: ما لك تتصرف في مال الناس! أناس أركبونا بلا أجرة، ورعونا، وأحسنوا فينا، ثم تقدم على هذا العمل، أما قال في أول القصة: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:67] إن موسى رجلٌ جرئ، شجاع، يتقدم المواقف العظيمة، لقي الله في طور سيناء، فكلم رب العزة من فوق سبع سموات، فما كفاه هذا التشريف حتى قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] فهو دائماً رجل مجادلة في الحق، وشجاعة وإقدام.

    فقال الخضر لما اعترض عليه: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:72] يقول: أما ذكرتك أن تستمع للدرس ولا تقاطع المحاضرة حتى تنتهي، فإذا انتهيت فأورد ما عندك من إشكالات، فيقول موسى مستحياً معتذراً: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [الكهف:73].

    يتبسم ابن عباس المفسر العظيم، الصحابي الجليل، ويقول: [[كانت الأولى من موسى نسياناً]] نسي في الأولى، فانطلقا؛ فلما نزلا من البحر مرَّا بقرية من القرى فإذا شباب يلعبون، وفتية يلهون، فتقدم الخضر إلى غلامٍ منهم فصرعه في الأرض، ثم ذبحه بالسكين، وقيل: فصل رأسه عن أكتافه، فثار دم موسى ووقف أمامه، وقال: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74] سامحناك في الأولى، وتغاضينا عنك، وصبرنا، ثم أتيت إلى نفسٍ معصومة فأزهقتها، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74] لا تطيقه القلوب أبداً، فقال الخضر له: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ [الكهف:75] وزاد (لَكَ) الجار والمجرور؛ ليذكره مرة ثانية بالعمل، أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:75] فيستحي موسى عليه السلام، ويراجع حسابه، ويقول معتذراً: قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [الكهف:76] وتقف الأمور على الضربة الثالثة.

    فانطلقا ودخلا قرية مع الظلام، وكانت القرية بخيلة، لا تطعم ضيفها، ولا تسقي الظمآن إذا ورد فيها، ولا ترحب بوافدها، والقرى تختلف اختلافاً عظيماً، والله هو الذي يكسب الجود لأهل الجود، ويعطي الكرم لأهل الكرم، ويكتب البخل لأهل البخل.

    دخل النبي موسى عليه السلام، الذي ذكره الله في كتابه، معه الخضر اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا [الكهف:77] زيادة في بخل هذه القرية طلب الإطعام، يقولان: أطعمونا فإننا مسافرون، جهدنا، جعنا، لكن قرية لا يظفر نازلها:

    إني نزلت بكذابين ضيفهمُ     عن القرى وعن الترحال محدودُ

    جود الرجال من الأيدي وجودهمُ     من اللسان فما كانوا ولا الجودُ

    فامتنعت البيوت أن تضيف النبيين الكريمين الصالحين، فنزلا في مكان في طريق، ورأى الخضر جداراً يريد أن يميل، فقال لموسى عاوني لأبني هذا الجدار، فيقول موسى: يا سبحان الله! قرية لم تطعمنا، تبني جدارها، وسفينة أركبونا بلا عطية خربتها، فقام الخضر فبنى الجدار، وقال لموسى: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:78] وقبل أن نستمع إلى شرح الخضر لموسى قبل أن يفارقه، نعيش لحظات مع موسى وهو يترك بني إسرائيل ليتعلم العلم النافع، العلم الموروث من رب العزة تبارك وتعالى.

    والدرس الثاني: شرف العلم قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والدرس الثالث: ما موقفنا نحن كأمة؛ أمة رائدة، تقود معالم التوحيد، وتريد إعطاء البشرية نورها، وتريد حياتها، وتريد مجدها، الكتب طبعت لدينا، وحققت ونشرت.

    1.   

    اجتهاد السلف في طلب العلم وتحصيله

    أحمد بن حنبل وكتابه المسند

    مسند الإمام أحمد بقي في جمعه أربعين سنة لا يهدأ له بال، ولا يرتاح له حال، دخل مصر والعراق والشام وخراسان والحجاز وصنعاء اليمن وجمع مسنده حديثاً حديثاً، وصححه وعلله، وجمع طرقه بالأسانيد، ثم جمعه لدينا، وهو في أدراجنا وفي رفوفنا، فهل عنت لنا الهمم أن نقرأ ولو قراءة؟! نقرأ تحت الظل الوارف، ومع الماء البارد، لا سافرنا، ولا تعبنا، ولا أظنينا رحالنا.

    رحلة إسحاق الكوسج لطلب العلم

    أحد علماء السلف؛ إسحاق الكوسج: سافر إلى خراسان، وأتاه وهو في خراسان مطرٌ عظيم وهو في الصحراء، وكتبه معه التي جمعها في عشر سنوات، فقال: يا ربِ! هذه كتبي تعبت عليها، والمطر الآن ينزل عليها فيمحو كتابتها، يا ربِ! أتضيع جهودي في عشر سنوات؟!! فلما صحا الجو، وكف القطر أخذ يبحث عن كتبه فما وجد حرفاً منها أصابه بلل، ووجد الدنيا من حوله تسيل بالسيول، ولما توفي رآه الصالحون في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قالوا: بماذا؟ قال: بتلك الليلة التي أصابني فيها المطر.

    الجدية في طلب العلم عند ابن المبارك

    وعبد الله بن المبارك وقف مع شيخه من صلاة العشاء يسائله إلى صلاة الفجر حتى فصل بينهما المؤذن، فقال له تلاميذه: لو أنك أرحت نفسك؟ قال: لو وقفت شهراً كاملاً في مسألة ما أنصفتها، أولئك الذين قال الله فيهم: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:8] يوم طلبوا العلم لوجه الله؛ فأثمروا وتركوا تراثاً خالداً، فكان لهم قدوة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، يوم قال الله له: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] فأخذ يتعلم صلى الله عليه وسلم، وأخذ يحث أصحابه على طلب العلم، وعلى الفائدة.

    فيا عباد الله يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: { من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين} من يرد الله به خيراً وهدايةً وتوفيقاً يعلمه المسائل في الدين؛ فيعرف كيف يبصر، لأن الغشاوة تزول عنه بطلب العلم:

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته     أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    يا جامعاً لغرور المال تجمعه     أقصر فإن غرور المال أحزان

    وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وعلمنا الله وإياكم علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وجعلنا من ورثة الأنبياء والمرسلين الذين يريدون الله والدار الآخرة.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    أجوبة الخضر لما حصل منه

    الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى ربهم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد: فقبل أن يفارق موسى عليه السلام الخضر، يتوقف معه الخضر؛ ليخبره بأجوبة الاستشكالات التي مرت في الرحلة، ويجيب على الأسئلة المضنية التي حيرت موسى عليه السلام، وجعلته يحتج دائماً وينكر ويتردد في هذا العمل الذي يقوم به الخضر.

    قال الخضر عليه السلام: قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:7] واسمع إليها مسألة مسألة: أما السفينة يوم خرقت السفينة وأعدمتها: فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79] هذا سرُّ المسألة يا موسى، لما ركبنا في السفينة كانت لمساكين، وكان هؤلاء المساكين يعملون عليها، وعند الشاطئ وعلى الساحل ملكٌ ظالمٌ جبار، يقف بالمرصاد للسفن، فكل سفينة أعجبته أخذها، وسلبها، واغتصبها، فأردتُ أن أعيبها بعض العيب، حتى لا يأخذها ذاك الظالم، عيبٌ لا يعطلها، ولا ينقص قيمتها، ولا يعطل رحلتها، فهل سمعت يا موسى أن هذه حكمة؟ فقنع موسى.

    قال: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:80-81].

    أما الغلام الذي اعتديت عليه في الظاهر، والذي قتلته وأعدمته؛ فهذا غلامٌ ينشأ كافراً فاجراً، ينشأ عنيداً لله، كافراً بلا إله إلا الله، عاقاً لوالديه، فخشيت إذا نشأ على هذه النشأة أن يقحم أبويه في الكفر، وأن يخرج أبويه من الإسلام إلى الجاهلية، وأن يكون سبباً في إدخال أبويه النار فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى [الليل:14-15] فأردت أن أقتله لعلَّ الله أن يُبدل الأبوين شاباً تقياً، وفتىً ورعاً؛ يكون مؤمناً بالله، ساجداً لله، معترفاً بلا إله إلا الله، فاقتنع موسى.

    قال: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:82].

    هذا الجدار يريد أن ينقض، وإذا انهدم الجدار؛ خرج الكنز الذي تحت الجدار فأخذه الناس، والجدار هذا ليتيمين، والكنز ليتيمين، والسر أن أباهما كان صالحاً، فانظر إلى رب العزة سُبحَانَهُ وَتَعَالى كيف حفظ هؤلاء الأبناء لصلاح والدهم.

    ألا لتعلم أن الأب إذا كان صالحاً أصلح الله ذريته، وأصلح الله كل من يمون عليه.

    ألا تعرف أن الصالح تجري بركته في الذرية، قال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:34].

    ألم تعلم أن الفاجر يجري فجوره في ذريته، ويكون شؤماً على أولاده، وأولاد أولاده إلا أن يعصمهم الله ويتولاهم، فبنى الجدار، وهذا إرادةٌ من الله.

    لكن قبل أن ننتهي، انظر إلى الخضر يوم قال في السفينة: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79].

    وقال في الغلام: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:81].

    وقال في الجدار: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف:82].

    فكيف تغيرت الإرادة؛ في السفينة أردت، وفي الغلام أردنا، وفي اليتامى فأراد ربك؟

    إنه أدب مع الله:

    أما السفينة فظاهرها الخراب، واستحيا أن يقول لموسى: فأراد الله، أو أردنا، فقال: فأردت أنا لأنني أنا الذي خربت وليس الله، وهذا أدبٌ مع الله.

    وأما في الغلام ففيه مصلحة ومفسدة في الظاهر، فنسب المصلحة إلى الله والفساد إلى نفسه، فقال: فأردنا.

    وأما الجدار فصلاحٌ كله، فنسب الصلاح إلى الله، فقال: فأراد ربك.

    وهذا أدب مع الله، عرفه حتى الجن، فإنهم قالوا في سورة الجن: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن:10] والذي يريد الشر هو الله يكتبه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ويكتب الخير لكن تأدبوا مع الله، فقالوا: أريد بهم، وقالوا في الخير: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن:10].

    وانظر إلى إبراهيم عليه السلام يوم ذكر الحياة والإطعام، والشفاء إلى الله، ولما أتى إلى المرض فاستحيا من الله، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80].

    فما أحسن الأدب! وفارق التلميذ شيخه، وتوادعا، وعاد موسى متعلماً رائداً في رحلة المغامرة، وفي رحلة طلب الحق والعلم والذكر، وكان محقاً البخاري رحمه الله يوم قال: (باب: السفر في البحر لطلب العلم) فإن كان هذا في البحر ففي البر أولى.

    فيا أيها المسلمون! أدعوكم ونفسي لطلب العلم، وحضور مجالس الذكر، والتفقه في الدين، والسؤال، فإن الله عزوجل لا يهلك أحداً حتى يعلمه ويبصره، فمن أراد الحياة أحياه، ومن أراد الهلاك أهلكه: (ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.

    وارض اللهم عن أصحابه الأطهار؛ من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك ومنِّك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين.

    اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، واهدهم سبل السلام، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر المجاهدين في كل مكان؛ الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، ولتأييد سنة نبيك عليه الصلاة والسلام.

    اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.

    اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.