إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عائض القرني
  4. المثل المائي والمثل الناري

المثل المائي والمثل الناريللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المنافقون أكثر الله من ذكرهم في القرآن، وتوعدهم بأليم عقابه، فقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)[النساء:145] وما ذاك إلا لخبثهم ودسيستهم ودجلهم، وقد مثل الله أعمالهم بأمثلة كان من أهمها مثلهم الناري والمائي.

    1.   

    أمثلة المنافقين في الكتاب

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    مع كتاب الله عز وجل عوداً على بدء، وجلسة محمودة، جلسة من رياض الجنة، نسأل الله تعالى أن يرزقنا فيها المثوبة والإخلاص والفتح من عنده، وأن يفقهنا في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" "بسم الله الرحمن الرحيم":(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ )[البقرة:17-18].

    لا يزال الحديث عن المنافقين، وقد مَّر بنا هذا المثل لكننا ذكرناه بإيجاز، أما هذه الليلة فسوف نذكره بتوسع ونذكر كلام أهل العلم وما قالوه في هذين المثلين اللذين ذكرهما الله عز وجل للمنافقين.

    لقد وصف الله عز وجل المؤمنين في أول سورة البقرة بخمس آيات، ثم ثنىَّ بآيتين في وصف الكافرين، ثم ثلَّث في وصف المنافقين بثلاث عشرة آية، فلعظم خبثهم ونفاقهم ودسيستهم ودجلهم أكثر القرآن من ذكرهم.

    قال ابن القيم في كلام ما معناه: لا إله إلا الله كم من حصن للإسلام هدموه! ولا إله إلا الله كم من علم للإسلام نكسوه! ولا إله إلا الله كم من ركن للإسلام دمروه!

    وهؤلاء المنافقون ذكرهم الله عز وجل في القرآن في مواطن كثيرة، وسوف نتعرض لها بإذن الواحد الأحد.

    معنى قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ)

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً [البقرة:17].

    ما هو الشيء الذي ضربه الله من أحوال المنافقين؟

    قال ابن الجوزي: المثل الذي ضربه الله في أحوال المنافقين مختلف فيه بين أهل العلم على أقوال:

    القول الأول: مثل كلمة الإسلام التي يحملونها وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كمثل نار أوقدت لهم، لكنهم لم يقوموا بلا إله إلا الله، ولم يحكموها، ولم يسجدوا لربها، فأطفأت عليهم أنوارها.

    القول الثاني: مثل إقبالهم على المؤمنين وسماعهم الهدى من المصطفى عليه الصلاة والسلام كمثل الذي استوقد ناراً. يجلسون مع المؤمنين ويصلون مع الرسول عليه الصلاة والسلام، فجلوسهم وصلاتهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام وسماعهم للقرآن كمثل نارٍ أوقدت لهم، لكنها لم تنفعهم فاطفئت عليهم.

    القول الثالث: مثل إقبالهم على الخير والهدى وتشوفهم لذلك، وإظهار النسك في الظاهر، وهم في الباطن حيات وعقارب كالذي أوقدت له نار، ثم انطفأت عليه.

    وإنني أسأل الله أن يخلص نفسي ونفوسكم من النفاق، فإنه مرض عضال. قال الحسن البصري كما في صحيح البخاري: [[ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق]] فإذا رأيت الشخص يخاف النفاق ويخشاه، ويسأل الله أن يدرأه منه فاعلم أنه مؤمن، وإذا رأيت الإنسان يبرئ نفسه من النفاق، فاعلم أن فيه وصمة منه.

    قال عمر بن الخطاب وهو الصادق الزاهد لـحذيفة بن اليمان: {أسألك بالله يا حذيفة! أسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ -سبحان الله! أعمر يكون من المنافقين، فمن يكون إذن من المؤمنين؟!!

    قال: لا، والله ما سماك من المنافقين، ولا أزكي أحداً بعدك} فهكذا خوفهم رضوان الله عليهم من النفاق.

    المثل في القرآن

    المثل في القرآن إذا أطلق على قسمين:

    القسم الأول: المثل بمعنى الصفة، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد:35] مثل الجنة، أي: صفة الجنة.

    القسم الثاني: المثل بمعنى الشبه، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ [البقرة:17] أي: شبههم كشبه من يفعل كيت وكيت.

    أنواع الظلمات

    قال تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ البقرة:17] الدنيا مظلمة ما لم تشرق عليها شمس الرسالة، والقلوب التي لا تشرق عليها شمس الرسالة قلوب ملعونة، فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول في هؤلاء المنافقين: إن مثلهم لما سمعـوا الهدى ونطقوا بلا إله إلا الله كرجل سار في ليل داجٍ مظلم، فاستوقد ناراً فأضاءت النار ما حوله، فلما أبصر ورأى قام يمشي فانطفأت عليه النار، فلا هو بالذي حرم النار من أول وهلة، ولا هو بالذي بقيت معه النار، فأبصر بها ومشى في ضوئها، ولكن أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

    قال: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:17] ما هي الظلمات؟

    لأهل العلم أربعة أقوال فيها:

    1- قيل: العذاب.

    2- وقيل: ظلمة النفاق.

    3- وقيل: ظلمة البعد عن المؤمنين.

    4- وقيل: ظلمة القبر وما يأتيهم في الآخرة.

    فالله المستعان على من لم يُطهر قلبه من النفاق والشك والريبة.

    أنواع النفاق

    والنفاق مرض يستشري في المجتمعات، وهو على قسمين:

    1- نفاق عملي.

    2- نفاق اعتقادي.

    فأما الاعتقادي فصاحبه خارج من الملة، ملعون مدحور، لا حجة له عند الله، كالذي يكفر بالقرآن وظاهره أنه يصدق به، وكالذي يستهزئ بالرسول عليه الصلاة والسلام ويكذبه، وظاهره أنه مسلم.

    كما يفعل بعض الناس في الساحة لهم كتب أحدهم يقول في خطاب أمام الناس والجماهير: محمد -يقصد الرسول عليه الصلاة والسلام- رجل أعرابي أتى من البادية، فأتى بشعوذة وكهانة على الناس.

    ألا لعنة الله على الكافرين، أعرابي؟! وهو لا ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى [النجم:3-4] أعرابي يخرج مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟!

    أعرابي يخرج الدنيا من الظلمات إلى النور؟!

    أعرابي يأتي بقرآن يتحدى به فصحاء الناس، ويأتي بسنة ويقيم بها مجتمعاً؟!

    ويقول أحدهم: انتهى الدين ولابد الآن من أن تنزل القوانين في الساحة.

    ويقول طه حسين -الذي سموه عميد الأدب العربي وهو من المنافقين- في كتابه حديث الأربعاء وغيره من الكتب: إن معركة بدر وأحد والأحزاب كلها معارك قبلية حاقدة وقعت بين أناس قبليين بدائيين.

    أهذه قبلية حاقدة يا عدو الله؟!

    بل هي والله بين التوحيد والإلحاد، وبين الإسلام والكفر، وبين النور والظلام، لكن (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ البقرة:17].

    القسم الثاني: أهل النفاق العملي وهم من {إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر}.

    سبب ضرب المثل بالنار

    قال أهل العلم: إنما ضرب الله لهم المثل بالنار لثلاثة أسباب:

    أولاً: أن النار لا توقد إلا بوقود وبحطب، فحطبها الإيمان، وهو العقيدة والأعمال الصالحة، وهذا ليس عنده وقود، فالمنافق يتكلم بلسانه غير الذي يضمره في قلبه لأنه لا وقود عنده، ولا يوجد في قلبه شيء يسقي به هذا الإيمان والأعمال الصالحة، فانطفأت عليه جذوة الإيمان.

    ثانياً: قالوا: إنما جعل الله لهم النار مثلاً؛ لأن الذي ليس عنده نار ولا ضياء أهون ممن كان عنده نور ثم ذهب عنه، فلو كنت في الصحراء في ظلام من صلاة المغرب إلى الفجر لكان أسهل عليك من أن توقد لك النار برهة من الليل ثم تنطفئ؛ لأنك تجد من لوعة فراقه أشد مما تجد لو كان معدوماً.

    ثالثاً: قيل: جعل الله لهم النار مثلاً؛ لأن فيها احتراقاً، فهي إما أن تضيء وإما أن تحرق، فذهب الله بالنور فبقي احتراقهم في قلوبهم لعنة يلقونها إلى يوم القيامة.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً [البقرة:17] انظر! كيف قال: (استوقد) قال أهل العلم: السين هنا هي سين الطلب؛ وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا [فاطر:37] أي: في النار، وكلمة يصطرخون أصلها: يصرخون -نعوذ بالله من النار- لكن انظر إلى الجمال وإلى الإبداع والروعة، فقد أراد الله عز وجل أن يذكر صياحهم فقال: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ [فاطر:37] ولم يقل: (يصرخون) بل قال: (يصطرخون) فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

    فمعنى (استوقد) طلب الإيقاد، والسين سين الطلب، وقيل: السين زائدة -وليس بصحيح- واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:

    وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الردى      فلم يستجبه عند ذاك مجيب

    ولكن ليس في القرآن زائد؛ حاشا وكلا، ولو حرفاً واحداً.

    والصحيح كما قال بعض المفسرين: إذا سمعت مفسراً يقول: "لا" زائدة، فليس هذا بصحيح؛ لأن القرآن ليس فيه شيء زائد مثل: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ القيامة:1] قالوا: لا زائدة، وهذا خطأ؛ بل هي: للنفي، والمعنى: لا نرد على كلامهم الأول، بل أقسم بيوم القيامة.

    السر في قوله: (بِنُورِهِمْ)

    قال تعالى: فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17] لماذا لم يقل: ذهب الله بإضاءتهم؟

    لأن أصل الفعل: فلما أضاءت، والمصدر: إضاءة؛ فالأصل أن تكون (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بإضاءتهم) لكن في القرآن قال: فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17] ما هو السر؟

    السر قالوا: لو قال الله (ذهب الله بإضاءتهم) لاحتمل أنه بقي لهم شيء من النور، ولكن أصل النار بقيت، فقال الله:(بنورهم) لكي يدلل أنه لم يبق لهم شيء.

    وأما الوصف فقد قالوا: ذهب الله بإيمانهم الذي في قلوبهم، ولكن الله قال: عندهم من حيطة وإيمان ورشد، ولم تبق دماؤهم معصومةً بكلمة التوحيد.

    الحواس وحفظها في صغر السن

    دخل أحد كبار السن على معاوية بن أبي سفيان وهو كبير في الثمانين من عمره، فسأله معاوية فلم يسمع، فرفع معاوية صوته وقال له: لماذا لا تسمع؟ قال:

    إن الثمانين وبلغتها      قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

    إذا مرت الستون أو السبعون على أحدنا وبعدها الثمانون فنسأل الله العافية، تذهب قوة البصر والسمع والإدراك، ويذهب سواد الشعر ويأتي البياض في البصر والبياض في الشعر، ثم يذهب الإنسان رويداً رويداً.

    دخل أحد الشيوخ الكوفة وكانت له لحية بيضاء على صدره، فرآه الأطفال وهم يلعبون في السكك، فقال أحدهم: من أعطاك هذا القوس الأبيض الذي على صدرك؟

    وكانت لحيته كالقوس؟!

    فقال الشيخ: أعطانيه الدهر بلا ثمن، وسوف يعطيك قوساً مثله.

    ولذلك قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما وصف الشباب الذي كنت تحمله؟

    قال: والله ما وصفت الشباب الذي كنت أحمله -أي: الفتوة والقوة- إلا كشيء حملته تحت إبطي، ثم سقط مني.

    وبكت العرب الشباب، ولكن هيهات! لا شباب إلا لمن أحسن الله شبابه في الآخرة، ولا شباب إلا لمن أسعد الله شبابه بالعمل الصالح، ولا شباب إلا من أحيا أوقاته بالذكر والصلاة والصلاح.

    يقول أبو العتاهية:

    بكيت على الشباب بدمع عيني     فلم يغن البكاء ولا النحيبُ

    ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيبُ

    هذا أبو الطيب الطبري وهو عالم شافعي كان في المائة من عمره، يقولون: كان سمعه قوياً، وكذا بصره، وبنيته قوية، وثب من سفينة على الشاطئ، فإذا هو على الساحل، وأتى الشباب بعده من تلاميذه يريدون الوثوب فما استطاعوا، قالوا: سبحان الله! نحن في العشرين وقد بلغت المائة وتستطيع الوثوب ولا نستطيع، قال: هذه أعضاء حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.

    ومما يذكر في كتب الرقاق: أن رجلاً من بني إسرائيل أطاع الله في شبابه أربعين سنة، ثم عصى الله أربعين سنة، فنظر إلى المرآة فلما رأى الشيب قال: يا رب! أطعتك أربعين سنة وعصيتك أربعين سنة، فهل تقبلني إذا عدت إليك؟

    فسمع هاتفاً يقول: أطعتنا فأكرمناك وقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن عدت إلينا قبلناك.

    ومصداق ذلك حديث عند الترمذي، وهو حديث قدسي صحيح، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قال الله تبارك وتعالى: يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.

    يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غرفت لك ولا أبالي.

    يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة}.

    فالله الله في حسن استغلال الشباب وقوته، فلا قوة إلا مع من أحسن شبابه مع الله، وليس الشباب بالقوة فقط ولا بالتمتع بالشهوات، ولا بالرقص ولا بالغناء، ولكن الشباب بمن حصن عينه وسمعه وبصره وفرجه وبطنه ويده.

    علي بن الحسين زين العابدين هو مثال وقدوة ونموذج لشباب الإسلام وهو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب.

    قال الذهبي والعهدة عليه: كان علي بن الحسين يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فكان إذا ضمه الليل بدأ في بكاء ونحيب، وإذا أتى الصباح فإذا وجهه يتلألأ نوراً من الخير والصلاح.

    ذكر أبو نعيم في الحلية في ترجمة مسلم بن يسار -أحد المحدثين الزهاد العباد- أنه كان جميلاً جد جميل، فسافر من المدينة إلى مكة، فلما نزل في البادية، رأته امرأة جميلة نظرت إليه فأحبته وتولهت به، فعرضت نفسهـا عليه فاستعصم بالله كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24] فأخذ يبكي فأتاه رفيقه قال: مالك تبكي؟

    قال: لأمر حدث في صدري.

    قال: والله لتخبرني؟

    قال: ابتليت ببلية، أتتني امرأة تراودني عن نفسها، فبكيت من هذا المنكر، ثم ذهب.

    قالوا: فطاف في العمرة الطواف الأول وجلس عند المقام، فأتته سنة من النوم فنام، فرأى يوسف عليه السلام يطوف في البيت، قال مسلم بن يسار: أأنت يوسف؟

    قال: نعم، أنا يوسف الذي هممت، وأنت مسلم بن يسار الذي لم تهم، وهذا من الذين حفظوا شبابهم مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    وبعض الناس يسمع وهو لا يسمع! فهو يسمع الكلام، ولكنه لا يستفيد منه، فقد طرح سمعه جانباً وهو شاهد حاضر في المجلس، فبعض الناس يكون جالساً ويسمع المواعظ والأذكار والمحاضرات والدروس، لكن ليس له وعي بسمعه فلا يستفيد.

    1.   

    بيان معنى الأصم والأبكم والأعمى

    قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة:18] والأبكم: الأخرس.

    وقيل: من أصابه ثلم ومرض في لسانه، وهذا يشبه الأول.

    وقيل: الذي تباكم قلبه، فلا يفهم شيئاً، وكل الأقوال تندرج تحت قول واحد.

    والأبكم: هو الذي لا يعرف أن يتكلم، وقد يصاب بعـض الناس بالخرس في لسانه والصمم في سمعه -نسأل الله العافية- فيكون هذا من المكفرات، ولكن ذكرهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى هنا لا لأنه ورد فيهم حسياً وإنما معنوياً، فأما عيونهم فتبصر، لكن لا يعون، وقلوبهم تعي، لكن لا يفقهون، وأسماعهم تسمع، لكن لا يعون أبداً كالحيوانات.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: (عمي) والأعمى: من ذهب بصره، والأعمه: الذي ولد وهو أعمى، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل:4] وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ [آل عمران:49] الأكمه قيل: من ولد وهو أعمى، وكذلك الأعمه.

    ذكر بعض من ولد أعمى

    ومن الناس من ولدوا وهم عمي كـبشار بن برد، وهو شاعر من شعراء المولدين، عباسي أعمى القلب والبصر -نسأل الله العافية- حتى قال عن نفسه: أنه لم يرَ شيئاً منذ ولادته وكان يقول الشعر.

    قال له بعض الناس: كيف تعشق وتتغزل وأنت لا ترى؟! قال:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة     والأذن تعشق قبل العين أحيانا

    هو من أشعر الناس، وليته سخر شعره في رفع لا إله إلا الله، وفي نصرة الإسلام، يقول:

    يا ليتني كنت تفاحاً مفلجةً      أو كنت من ثمر الريحان ريحانا

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة     والأذن تعشق قبل العين أحيانا

    كلام جميل، لكنه لا يحمل رسالة.

    سمع رجل بيتاً من شعره يقول فيه:

    إن في بردي جسماً ناحلاً      لو توكأت عليه لانهدمَ

    وكان من مكة فقال: والله لأذهبن وأرى هذا الرجل الذي صار ناحلاً، فلما وصل إليه ورآه فإذا هو كالدب الأسود، يقولون: وضع فراشاً له وجلس عليه يتململ كالدب الأسود، فدخل عليه، وقال: أنت بشار؟!

    قال: نعم، قال: كيف تقول:

    إن في بردي جسماً ناحلاً      لو توكأت عليه لانهدمَ

    وأنت بهذا السمن؟!

    قال: أما سمعت الله يقول: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا الشعراء:224-227].

    مات هذا في سفينة، قيل: مات أعمى القلب والبصر، وقد كان شعوبياً يدعو إلى الإقليمية والقومية، وينقد العرب وكثيراً من مبادئ الإسلام، وإنما أذكر هؤلاء كنماذج لمن قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فيهم: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة:18].

    وممن ولد أعمى أبو العلاء المعري أحمد بن سليمان وهو شؤم على الإسلام وقد ذهب إلى الله، كان ذكياً بدرجة عظيمة، وبالغوا في ذكائه.

    وأنا أذكر هذه المبالغة التي لا تقبل، ولكن ذكرها الذهبي وابن خلكان وصاحب البداية والنهاية.

    فقالوا: نام على السرير -وكان عنده سرير مرتفع- ووضع تحت السرير درهماً، ثم قال: نزلت الليلة السماء بقدر درهم، أو ارتفعت الأرض بقدر درهم، فكشفوا فوجدوا درهماً فراشه، والعهدة على هؤلاء المؤرخين.

    ولكنه من ظلمه وعماه وصممه عارض الشريعة.

    يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا المائدة:38] فجاء هذا يقول: كم دية اليد؟

    قالوا: ديتها خمسمائة دينار من الذهب.

    قال: في كم تقطع؟

    قالوا: إذا سرقت ربع دينار قطعت.

    قال:

    يد بخمس مئين عسجد وديت      ما بالها قطعت في ربع دينار

    وهو بكلامه هذا يعارض الله وكتابه، ولكن أخذه الله ثم لم يفلته أبداً، قال:

    يد بخمس مئين عسجد وديت     ما بالها قطعت في ربع دينار

    تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له      ونستعيذ بمولانا من النار

    بعد ماذا تستعيذ بمولاك؟!

    بعد أن هاجمت الشريعة واستهزأت بالقرآن؟!

    وقد رد عليه عبد الوهاب المالكي -بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه- فقال:

    قل للمعري عارٌ أيما عارِ      جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري

    يقول: اخجل من نفسك؛ فأنت عارٍ من التقى والأدب والمروءة؛ لأنك هاجمت الشريعة.

    قل للمعري عارٌ أيما عارِ      جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري

    لا تقدحن بنود الشرع عن شبهٍ      شعائر الدين لم تقدح بأشعار

    وقد توفي وذهب إلى الله، وذكروا عنه في تراجمه: أنه كُشف قبره بعد حين، فوجدوا حية باركة على صدره وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16] وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] هؤلاء صم بكم عمي فهم لا يرجعون.

    وهذا الكلندي الفيلسوف المشكك في الإسلام يستهزئ بالقرآن، يقول: أحاكي القرآن فأخذ قلماً ودواةً وصحيفةً ليكتب آيات عنده فيبست يده وشل نصف جسمه، والله المستعان.

    بيان معنى قوله تعالى: (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18] لها ثلاثة معانٍ:

    1- قيل: لا يرجعون إلى الهدى من ضلالهم.

    2- وقيل: لا يرجعون رجوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن يفارقوه، فهم يخرجون بقلوب ولا يرجعون بتلك القلوب.

    3- وقيل: لا يرجعون إلى الإسلام، لا يرجعون عن الصم والبكم والعمي، فأحوالهم لا تتغير أبداً.

    1.   

    مَثَل المنافق المائي

    قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [البقرة:19] والصيب: المطر، واعلموا أن الغيث إذا نزل من السمـاء ارتاحت القلوب.

    والله قارن بين غيث البلدان وغيث الأرواح والجنان بمقارنة، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ الحديد:16] ثم قال بعدها: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الحديد:17] فيا من يحيي الأرض بعد موتها بالمطر نسألك أن تحيي قلوبنا بالإيمان والقرآن والسنة.

    قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ): (أو) قيل: هي للتخيير.

    قالت العرب: جالس الحسن أو ابن سيرين، للتخيير.

    وقيل: هي للتقسيم، تقول العرب: (خذ هذا القلم أو هذا القلم أو هذا القلم) فهذا تقسيم وليس بتخيير.

    وقيل: هي للتنويع وهو أقرب إلى التقسيم.

    وقيل: هي عاطفة ليست بمعنى التخيير ولا التشريك.

    يقول مجنون ليلى:

    وقد زعمت ليلى بأني فاجرٌ      لنفسي تقاها أو عليها فجورها

    العاصم من التوله بالأجنبيات

    ومجنون ليلى ترجم له الذهبي وهو من الذين تولهوا وضيعوا قلوبهم وإيمانهم على امرأة، وهو من الذين يسمون عباد المرأة، كما يفعل بعض الناس الآن إذ يجعلون من المرأة إلهاً يعبد من دون الله بصوتها وبنغمتها وبنشر صورها على المجلات الخليعة بالهيام بها بكلمات يستحي الإنسان أن يذكرها في هذا المكان، ولذلك من يفعل هذا الأمر يصيبه مثلما أصاب مجنون ليلى فقد جن وذهب عقله من أجل امرأة.

    والعاصم من التولع بالنساء وعشق الأجنبيات ثلاثة أمور:

    أولاها: الاعتصام بالكتاب والسنة، قراءةً وتدبراً.

    ثانيها: المحافظة على الفرائض الخمس والتزود بالنوافل.

    ثالثها: كثرة الدعاء والذكر والابتهال إلى الواحد الأحد.

    والإنسان قد يصاب بهذا، وبعضهم إذا أصيب بهذا وصبر عليه يؤجر، فيعف سمعه وبصره وفرجه، فربما كتم حبه حتى توفي، فيكون من المأجورين عند الله، أما حديث: {من عشق فأحب فكتم فمات مات شهيداً} فحديث موضوع باطل كذب على المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    ومن أصيب بالعشق فكتمه واستغفر الله وتاب وقرأ القرآن، ثم مات وهو على هذا الشيء فهو مأجور عند الله، وقد حدث هذا لأناس كثيرين، حتى من الصالحين كـمحمد بن داود الظاهري فقد أصيب بهذا، فغض طرفه، وقرأ القرآن وصبر، وتوفي قبل الأربعين من عمره، فهو من المأجورين إن شاء الله، والإنسان لا يستدعي هذه الأسباب؛ لأنه إذا استدعاها وقع فيها، فيكون من هؤلاء -نسأل الله العافية- فمن رخص لسمعه أن يسمع الأغنية، ومن نظر إلى المجلة الفاتنة، ومن أطلق بصره في أسواق المسلمين وأعراض المسلمين ونال أعراضهم فإنه سوف يصاب.

    يقول المتنبي:

    وأنا الذي جلب المنية طرفه      فمن المطالب والقتيل القاتل

    وأنت متى أرسلت طرفك رائداً      إلى كل عين أتعبتك المناظر

    أصبت الذي لا كله أنت قادرٌ      عليه ولا عن بعضه أنت صابر

    بيان معنى قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ)

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَوْ كَصَيِّبٍ [البقرة:19] والصيب: المطر؛ ولأهل العلم في الصيب قولان:

    1- القول الأول: هو المطر، وهو الصحيح.

    2- القول الثاني: هو كل ما ينزل من السماء من رذاذ وطش وسحاب وما يشابهه، قاله ابن قتيبة، ولكن الرأي الأول هو الأحسن، فالصيب الذي يصوب.

    وللمطر أسماء منها: (الوكل- الغادي- الوسمي- الولي- الطش- الرش- المطر- الغيث-... إلخ) والعجيب أن الغالب في القرآن إذا ذكر الله المطر فهو للعذاب: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ الشعراء:173].

    وإذا ذكر الله الغيث فهو للرحمة، وهذا في الغالب؛ ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث} ولم يقل: المطر.

    وقسم ابن الجوزي في المدهش أقسام المطر، فقال: الرش والطش والغادي والولي والوسمي وغيرها من الأسماء التي تبلغ العشرات.

    فأما الرش فهو: الذي ينزل رذاذاً قطرة قطرة.

    وأما الطش فهو: الأكثر منه.

    وأما الغادي: فغالباً يأتي في أول النهار.

    وأما الولي فهو: الذي يسبقه مطر كثيف، ثم يأتي مباشرة.

    وأما الوسمي فهو: يأتي على ميقات من الزمن.

    وأما الديمة فهو: الذي يستمر دائماً.

    وسبحان الذي جعل في المطر آيات، وله حكمة بالغة تبارك وتعالى.

    وذكر بعض أهل العلم كـابن الجوزي: أن من أسباب إجابة الدعاء: نزول الغيث، ولذلك ترتاح القلوب إذا سمعت الطش والرش، وأنت تسأل الله أن ينزل على قلبك رحمةً كما أنزل على الأرض رحمةً سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    حقيقة الرعد

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ البقرة:19] هنا أمور:

    والمفسرون لهم في الرعد ثلاثة أقوال:

    القول الأول هو: صوت الملك يزجر السحاب، وهذا فيه حديث عند أحمد وهو حديث صحيح نص عليه الترمذي والنسائي.

    القول الثاني: هو ريح تختنق بين السماء والأرض.

    القول الثالث: اصطكاك أجرام السحاب.

    أما القول الأخير، فهو لبعض المفسرين المتقدمين، وهو قول لعلماء الهيئة وأهل التكنولوجيا الحديثة والعلم الحديث، وأما الأقوال السابقة فقد نسب القول الأول إلى المعصوم الذي وقفت عليه أنه صحيح عنه صلى الله عليه وسلم، وإذا صح الكلام عنه صلى الله عليه وسلم فلا نعدل إلى كلام غيره مهما كان كائنٌ من الناس، ونجعل كلامه على العين وعلى الرأس، وكلام الذي يعارضه -مهما كان- ويعارض.

    إذن فنجعل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقبول، وقد يجتمع مع كلام غيره وليس هناك مانع أن نجمع بينه وبين القول الثالث أنها اصطكاك السحـاب، فقد يكون الملك يقول هذا القول ويحدث الاصطكـاك في نفس الوقت والله أعلم.

    وما قاله صلى الله عليه وسلم، يجب أن نقول فيه: سمعاً وطاعةً (وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل).

    ماهية البرق

    أما قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) [البقرة:19] فلأهل العلم في البرق ثلاثة أقوال:

    القول الأول: هو مخاريق يسوق بها الملك السحاب، وهذا الحديث عند أحمد والترمذي والنسائي، وهو صحيح.

    القول الثاني: تتلالؤ الماء، في السحب، وهو قول لبعض السلف.

    القول الثالث: هو نار تنقدح من اصطكاك السحاب، وهذا القول الثالث لبعض علماء الهيئة من المحدثين، والقول الأول نقدمه ولا بأس أن نجمع بينه وبين الثالث في أنه قد يحدث الصوت مع الاصطكاك، أو قد يحدث الصوت مع هذا اللون والنور، فيكون في وقت واحد.

    وهنا سؤال: ما هو وجه وصف الله عز وجل للمنافقين بالظلمات، قال: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ [البقرة:19]؟

    قال أهل العلم: الظلمات هذه -وقد سبق أن عرجت عليها- هي: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة ما يجدونه في قبورهم.

    وقيل: ظلمة بعدهم عن الهداية.

    وصف الرعد بحال المنافق

    قال تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ [البقرة:19] ما هو وجه وصف الرعد بما عليه حال المنافقين؟!

    قالوا: لأن صوت الحق كصوت الرعد، فهم يسمعون الإنذارات والتهديد والزجر من القرآن فيقع عليهم كالرعد، ولذلك السارق أو الزاني أو الجاني أو القاتل يخاف دائماً من الإعلانات، فإذا سرق أحدهم وسمع خطيراً إعلاناً مهماً، أو سمع الناس يقولون: السلطان يبحث عن أناس من المجرمين، خاف وارتعد حتى كاد يفضح نفسه؛ ولذلك يقول المثل: (كاد المريب أن يقول: خذوني).

    والقرآن فيه تصديق لهذا، وأن المنافقين يخافون من الأصوات، يقول الله تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون:4] إذا سمعوا بصائح، أو بإنذار، أو بتوعد، قالوا: أخذنا هذا اليوم وقيدنا هذا اليوم، لأنهم مريبون مشككون، ولذلك الصادق لا يخاف.

    قال الإمام أحمد: الصدق كالدواء ما وضع على جرح إلا برئ.

    وقيل له: بماذا نجاك الله في فتنة القول بخلق القرآن؟

    قال: والله ما نجاني الله إلا بالصدق، والصدق لا يخاف صاحبه أبداً.

    مر عمر رضي الله عنه وأرضاه بأطفال أهل المدينة، ففر الجميع في كل وجهة إلا ابن الزبير ثبت مكانه، فأراد عمر أن يمتحن ذكاءه فقال: لِمَ لَمْ تفر معهم؟.

    قال: لست بجانٍ فأخاف، وليست الطريق ضيقة فأوسع لك.

    فدعا له عمر ومسح على رأسه، وذكر أنه سوف يكون له شأن، وبالفعل كان له شأن، فقد تولى أمر الأمة الإسلامية ست سنوات، وهو الفارس المصلوب، لم يكن له قبر في الأرض فصلب على الخشب من عظمته.

    فالشاهد: أن الله وصفهم بالرعد، لأن ما يسمعون من قوارع كأنه رصاص على رءوسهم أو رعد، ولذلك الآن لو حضر المنافق خطبة الجمعة وسمع المواعظ والتهديد فهو خائف، يقول: الخطيب قصدنا هذا اليوم، حسبنا الله عليه تكلم عنا هذا اليوم وشن الغارة علينا ونقدنا، وهذا ليس بأسلوب دعوة، وهؤلاء ليس عندهم إلا تجريح أعراض الناس، ولو كان هذا الرجل سليماً لم يكن ليشك، ولذلك إذا تحدث عن النظر في الحرام، والنظر في الأسواق، قال: حسبه الله، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستخدم أسلوب اللين والرحمة مع الناس، أما هو فلا يعرف إلا التجريح، رغم أنه لا يقصده ولا يدري أنه نظر إلى الحرام.

    وإذا تكلم عن الغناء والربا والزنا والمخدرات والخمر شك وظن أنه هو المقصود: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون:4].

    ولذلك يقولون: إن رجلاً من الحكماء أتته امرأة، فقالت: رجل سرق دجاجتي ولا أدري من هو هذا الرجل، ميزانيتها ورأس مالها هذه الدجاجة؛ لأن بعض الناس من فقره ليس عنده إلا شيء من هذه الصغار.

    فجمع هذا الحكيم الناس، وقال لهم: لقد علمنا بسارق الدجاجة، وعلامته: أن على رأسه ريشة من ريش الدجاجة، فذهب السارق يمسح على رأسه ليزيل الريشة، فكشفه الحكيم، والمثل يقول: (كاد المريب أن يقول: خذوني).

    ذكر ابن كثير أن أحد الخلفاء جاءه أحمق فطبخ له دجاجة وهو من المقربين إليه، لكنه متخلف، وقدمها هدية له فقال الخليفة: جزاك الله خيراً! جدت بالميسور فهي أعظم عندنا، وهذا مقدار طاقتك، فأعطاه الخليفة جائزة، فكان يتقرب دائماً من الخليفة، فيقول: كلما سئل ودارت مسألة، حدث هذا قبل أن أهدي للخليفة الدجاجة بسنة، وهذا بعد أن أهديت له بشهر، وهذا الحادث وقع مع إهدائي الدجاجة له، فقبحه وقبح دجاجته وطرده من مجلسه.

    ولذلك يحسبون كل صيحة عليهم، بعض الناس إذا ركب معك، وربما سمع شيئاً من القرآن، قال: أرجوك أن تطفئ هذا الشريط أزعجتنا دعنا نعيش ونأكل ونشرب، دائماً قرآن قرآن خوفتنا يا أخي، دعنا نضحك ونبتسم، لأنه يقع على أدواء قلبه، ويرصد شيئاً فيه، ولذلك يقول سيد قطب: إن القرآن يأخذ على منافذ القلوب، فلا يترك منفذاً من نفس إلا ويدخل من هذا المنفذ يريد علاجه.

    ووصف القرآن بالرعد؛ لأن زواجر القرآن على قلب المنافق كالرعد الذي ينصب على آذان الناس.

    وصف البرق بحال المنافق

    (وبرق): الشبه بين البرق وبين أحوال المنافقين أن البرق الذي يلوح لهم عارضاً، والبرق إنما يكون بقدر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وقضائه، لا يمشيك في الطريق بضوئه المنقطع حتى تصل إلى بيتك، ولا يتركك في مكانك، ولكنه يلمع تارة ويخبو تارة فتمشي خطوات فينطفئ كلما لمع.

    فالمنافق يرى اللمع ويسمع القرآن، والخطب على المنابر، والدروس والمحاضرات، لكنه لا يدخل إلى قلبه من هذا شيء؛ لأن قلبه مغلق عليه فلا تدخل إليه الهداية.

    قالوا: فوصف البرق مثله كمثل ما يرى من نور الإسلام الذي يراه المنافق من بعيد، ولكنه يلمع لمعاناً فلم يهتد به.

    بيان معنى الصاعقة وذكر بعض من أحرق بها

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ [البقرة:19] لأنهم خائفون من زواجر القرآن والسنة مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة:19].

    الصاعقة: هي صوت شديد يصحبه احتراق، وهي تتنزل من السماء بإذن الواحد الأحد، وقد أحرق الله بها أقواماً منهم من ذكر الله عز وجل كـأربد بن قيس وهذا أخو لبيد بن ربيعة.

    فقد ذهب أربد هذا وعامر بن الطفيل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من سادات العرب بعد أن حلف بآلهته وأصنامه ليقتلن الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لـأربد بن قيس -كان صديقاً له-: نذهب إليه في المدينة، فإذا كلمت الرسول (عليه الصلاة والسلام) وشغلته بكلامي فاضرب أنت رأسه، لكن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ المائدة:67] لا تنالك يد.

    إحدى عشرة محاولة اغتيال ينجو منها صلى الله عليه وسلم بسلام؛ لأن الله يريد له أن يوصل البشرية إلى بر الأمان، وأن يدخلهم جنة عرضها السماوات والأرض.

    أتى أربد وعامر إلى المدينة، فاقترب عامر من الرسول عليه الصلاة والسلام فأخذ يحدثه يريد فقط أن يشغله، أخذوه من بيته وأخرجوه من بين أهله ليجدوا فرصة للفتك به، فخرج معهم صلى الله عليه وسلم بلا سلاح ولا درع ولا سيف، لكن كما يقول البوصيري:

    ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على      خير البرية لم تنسج ولم تحم

    عناية الله أغنت عن مضاعفـةٍ      من الدروع وعن عالٍ من الأطم

    خرج معهم بثيابه صلى الله عليه وسلم وهو القائد الشهير، والزعيم الذي لم يطرق أسماع العالم أفصح ولا أنبل ولا أكرم منه، فلما أصبح هو وإياهم في الصحراء، قالوا: نريدك في أمر، قال: ما هو؟ وقد أتى أربد بسيف مسنون يقطر دماً وموتاً أحمر، فوقف خلف الرسول صلى الله عليه وسلم وأتى عامر يتحدث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قال: خذ المدر وأعطنا الوبر، يقول له: نقتسم الدنيا أنا وإياك.

    فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {الأرض لله يورثها من يشاء} وعامر يشير أثناء كلامه لـأربد بعينيه أن يضرب (اضرب الرجل) ولكن أين يذهب من الله عز وجل؟

    فتوقف طويلاً وأعاد الكلام عليه مراراً فلم يتحرك، ثم أعاد الكلام، وفي الأخير ودع الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب، فقال: لا أصحبك بعد اليوم، لقد كنت عندي من أشجع العرب وأنت الآن من أجبنهم، لماذا لم تضرب الرجل؟

    فحلف بآلهته، وقال: ما رفعت سيفي لأضربه إلا رأيتك بيني وبينه فكيف أضربك بالسيف؟!

    وعرف النبي أنها مكيدة، فقال: {اللهم اكفنيهم بما شئت} فأما عامر بن الطفيل فقد كان سيداً من سادات العرب، لكنه سيد في الجهل والكفر، وعنده ألف مقاتل من الشباب، فلما ذهب دخل عند عجوز سلولية فشرب عندها لبناً فإذا بغدته تنتفخ كغدة البعير، فقام من الخيمة يقول: غدة كغدة البعير في بيت امرأة من بني سلول، وأنا سيد عامر بن صعصعة، أركبوني على الفرس، فأركبوه ليموت على الفرس عنجهية وغطرسة، فأركبوه على الفرس فأخذت الغدة تكبر وتكبر، ثم انخدشت فمات.

    وأما أربد بن قيس فذهب بجمله إلى السوق، فأرسل الله عليه من جنوده صاعقة وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ المدثر:31] فاحترق هو وجمله وبضاعته وقماشه مرة واحدة.

    دعها سماوية تجري على قـدر      لا تفسدنها برأي منك منكوس

    يا غارة الله جدي السير مسرعةً      في أخذ هذا الفتى يا غارة الله

    فهذه من الصواعق التي وقعت ويستعاذ بالله منها، فإنها تقع في بعض الديار ابتلاءً من الله، تقع على الشجر والبيوت والمزارع فتحرقها، فعلى المسلم إذا سمع صوت الرعد أن يقول: {اللهم لا تهلكنا بعذابك، ولا تقتلنا بغضبك، وعافنا قبل ذلك} أو كما ذكر عنه صلى الله عليه وسلم.

    وورد في بعض الآثار، ولكن في صحته نظر: {سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته} وإذا وقع في الإنسان فليحتسبه عند الله، فإنها مصيبة يؤجر إن صبر عليها، كأن يأخذ البرق ابنه، أو ماشيته، أو يأخذ شيئاً من مزارعه فهي مصيبة إن صبر أجر عليها.

    بيان معنى الإحاطة

    قال تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ البقرة:19] قالوا: (محيط بالكافرين) أي: مهلكهم، كقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:42] أي: أهلك ثمره.

    (محيط بالكافرين) فيها ثلاثة أقوال:

    1) القول الأول: لا يفوته منهم أحد؛ لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً الطلاق:12].

    2) القول الثاني: يهلكهم؛ لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:42].

    3) القول الثالث: لا يخفى عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ما يفعلون، فهو محيط بحركاتهم وسكناتهم.

    إحاطة الله تعصم نبيه صلى الله عليه وسلم

    عمير بن وهب وصفوان بن أمية -وهما مشركان، وقد أسلما فيما بعد، وأبو صفوان اسمه أمية بن خلف قتل في بدر مع صناديد قريش.

    قال صفوان: يا عمير بن وهب، تذهب تقتل محمداً بـالمدينة وأنا عليَّ بأطفالك ومالك وأكون رشيداً ووالياً عليهم.

    قال: يتشاورون عند ميزاب الكعبة، والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة.

    فقال عمير بن وهب: أذهب.

    فقال له صفوان: لا يأتي بعد عشر إلا وقد ظهر الخبر بمقتله، قال: لا عليك.

    فسم سيفه حتى صار أزرق، ثم ذهب، فلما وصل إلى المدينة رآه عمر قد أقبل، فما تمالك عمر نفسه، وكان رجلاً قوي البأس شديداً.

    ومن اللطائف التي ذكرها بعض المشايخ والعهدة عليهم: أن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان يحلقه حلاق أيام منى، فعطس عمر فأغمي على الحلاق، كان قوياً جداً، قويَ جسمٍ وقوي فكر، وهو عملاق عبقري، وقوي في كل شيء.

    قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها      بفضل ربك حصناً من أعاديها

    فلما وصل أخذه عمر بتلابيب ثيابه وسيفه، وأخذ يجره جراً حتى سلمه للرسول صلى الله عليه وسلم {قال صلى الله عليه وسلم: ما لك يا عمير، ما قدم بك؟

    قال: قدمت للأسرى هؤلاء أفتديهم بمال.

    فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال له: بل جلست أنت وصفوان عند الكعبة، وقال لك كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله} فإحاطة الله هي التي نقلت الخبر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [المجادلة:7] فسبحان من وسع علمه كل شيء!

    قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة:1] قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: {سبحان من وسع علمه كل شيء وسمعه كل شيء، والله الذي لا إله إلا هو إن امرأة أوس بن الصامت دخلت على الرسول عليه الصلاة والسلام -وبيت الرسول عليه الصلاة والسلام وعائشة صغير- وإنها لتناجيه في طرف البيت وما سمعت ماذا تقول حتى أنزل الله عز وجل قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1]} البيت ثلاثة أمتار فيما قدره بعض أهل العلم، ومع ذلك تنصت عائشة لتسمع كلمة، لكنها لم تسمع، ولكن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1] أي: ما قلت أنت وما قالت هي.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ...)

    ثم قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ [البقرة:20].

    يقول: هذا لمعان الدين وما يرون من قوة الإسلام يكاد يخطف ما عندهم من يقين، لأن المنافق يغيظه اجتماع الإسلام وأهله، ولذلك أمرنا يوم الجمعة أن نجتمع في مصلى واحد.

    وأمرنا أن نقلل من المساجد في المدينة الواحدة ليكثر الجمع، وأمرنا أن نلبس الملابس الجميلة لنغيظ المنافقين.

    وأمرنا في الأعياد أن نجتمع لنكون قوة نبدي التضامن والتكاتف والقوة، فإذا رآنا المنافق، فكأنما أصابه برق في عينيه فينغمس ويغتاظ، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (ما رئي الشيطان أدحض ولا أبعد ولا أخسأ من يوم عرفة) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [البقرة:20] قال أهل العلم: كلما قالوا: لا إله إلا الله حقنوا دماءهم بها.

    وقيل: كلما حضروا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام أتاهم شيء من الهدى، ولكنه ينتهي.

    وقيل: يأتيهم نوبات من سماع الإسلام، ثم تنتهي هذه النوبات، فتأتيهم الظلمة ويعود لهم الكفر والنفاق كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [البقرة:20] توقفوا حائرين.

    ثم انطفا نور المنافقينا      فوقفوا إذْ ذاك حائرينا

    لأنهم بالكفر ما استضاءوا      فكذبوا فذا لهم جزاء

    وفي الحديث: ( إن المنافق يأتي يوم القيامة فيبدي الله له نوراً، ويضاء له، فإذا أصبح على الصراط انطفأ النور، فيتوقف، ثم يضرب على وجهه في النار) له نور، فلما توسط الصراط انتهى النور، فهذا حاله في الدنيا والآخرة.

    (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ البقرة:20] قالوا: أفقدهم إياها، وهذا هو الصحيح.

    (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة:20] هذا عموم لا خصوص له، فكل ما يقبل قدرته سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فهو قدير سُبحَانَهُ وَتَعَالى عليه، وأظن أن القول: مما يقبل القدرة للمعتزلة ليست لـأهل السنة، فأنا أقول إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة:20] فهو على كل شيء قدير كما ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى بعمومها وإطلاقها ومدلولها ومقصودها، لأن ابن تيمية ناقش المعتزلة في هذا الكلام.

    يقولون: إن الله على كل شيء قدير مما يقبل القدرة، لأن الله قدير، ولكنه لا يخلق مثل نفسه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ليس إلا إلهاً واحداً وقد جعل الألوهية له سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وهذه المسائل مغاصات ومغارات أتى بها أهل الكلام، لكن أوقفهم ابن تيمية عند حدهم، والصحيح أنه على كل شيء قدير، أما كلام المعتزلة أنه قدير على ما يقبل القدرة، فهذا الكلام لا يوافقون عليه.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ..)

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:21] من هم الناس؟

    قال ابن الجوزي في زاد المسير هم واحد من أربعة: إما الكفار، أو اليهود، أو المنافقون، أو عامة المخلوقين.

    (يا أيها الناس) إما الكفار من مشركي العرب من أهل قريش وغيرهم، وإما اليهود، وإما المنافقون، وإما كل الناس، والصحيح كل الناس، والله نادى بـ (أيها الناس) و(يا أيها الذين آمنوا) (ويا أيها النبي) و(يا أيها الرسول) فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1].

    وقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67].

    وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ الحج:1].

    وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً [النساء:1].

    وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    وقال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53].

    المخاطبون في القرآن بـ(يَا أَيُّهَا …)

    يا أيها الناس! يخاطب به في الجمل العقدية والبعث والنشور التي ينكرها الكفار، ويدخل فيها المؤمن.

    ويا أيها الذين آمنوا! في الأحكام والعبادات وحتى في النهي عن كثير من المعاصي.

    ويا أيها النبي! فيه أمر للرسول صلى الله عليه وسلم، وأمته تخاطب بما يخاطب به صلى الله عليه وسلم.

    ويا أيها الرسول! في تبليغ الرسالة عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

    (يا أيها الناس) وأصلها من (ناس ينوس إذا تحرك) وسموا ناساً لأنهم يتحركون في الأرض.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة الفرقان: (وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً الفرقان:49] أناسي: أناس كثير، لكن هل تسمى الأنثى إنسانة؟

    الجواب: كأن هذا اشتقاق ليس بصحيح في العربية، إنما لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إنما ذكر الناس وذكر الإنسان ولكنه لم يذكر لفظ إنسانة، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر إنسانة، وهذا مثل بعض الاشتقاقات التي ليس لها مدلول في العربية.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] اعبدوا: قيل معناه: أخلصوا التوحيد.

    وقيل: ادخلوا في دين الله، وهو بمعنى الأول.

    وقيل معناه: تعبدوا وتزودا من النوافل بعد الفرائض.

    فإن كان معناه: النوافل بعد الفرائض فهو للمؤمنين، وإن كان معناه: أخلصوا الدين فهو للمنافقين، وإن كان معناه: ادخلوا من الكفر إلى الإسلام فهو للكافرين، والصحيح أن (اعبدوا الله) يدخل فيها الجميع.

    والعبادة أشرف مرتبة، وشرفك في الحياة أن تكون عبداً لله.

    ومما زادني شرفاً وفخراً      وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    لا تدعني إلا بيا عبدها      فإنه أشرف أسمائي

    ومن أحسن من تكلم في العبودية شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو إذا تكلم في موضوع شفى عليلك، وأروى غليلك، فأنبه الإخوة للرجوع إلى كتابه العبودية، وهو لا يكلف وقتاً، يقع في مائتي صفحة أو ما يقاربها، وهو كتابٌ مجيدٌ على عادة ابن تيمية، رحم الله روحه، وسقى الله عظامه شآبيب الرضوان.

    القرآن يقرر توحيد الألوهية

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة:21] الخلق لله، والرزق له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، والله ذكر الربوبية هنا ثم ذكر الخلق، فإن الكافر يشهد أن الرب والخالق والرازق هو الله، فهل يعصمه ذلك من النار؟

    وهل يمنعه من عذاب الواحد القهار؟

    لا. فـأبو جهل يعرف أن خالق الشجر ورافع السماء هو الله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87].

    لكن هذا ليس بتوحيد الألوهية، هذا توحيد الربوبية، وهذا مقرر وقد اعترف به حتى فرعون باطناً، قال موسى عليه السلام لفرعون: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102] ولكن التوحيد الذي أتى به صلى الله عليه وسلم وهو توحيد الألوهية، فـأبو جهل يعلم أن الله خلق السماوات والأرض ولكنه جعل معه آلهة أخرى، فالرسول صلى الله عليه وسلم أتى يقول: لا إله إلا الله (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً مريم:65] لا خالق، ولا رازق ولا معبود بحق ولا يستحق العبادة إلا الله.

    إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي خلقكم ولا ينكر أحد هذا إلا ما فعل فرعون فإنه أنكر الصانع، والملاحدة كـاستالين ولينين وماركس عليهم لعنة الله وغضبه، يقولون: (لا إله والحياة مادة) وذكروا أن الطبيعة هي التي خلقت وأوجدت وصورت واستدلوا بأمور منها: الجراثيم والبكتيريا وغيرها وهذه ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ النور:40] وهم يبثون أفكارهم وسمومهم في الشعر الحداثي في قالب الحداثة وفي الرموز المتهتكة اللعينة الرخيصة، في كتابات في مركب الاقتصاد، وفي كتبهم التي تغزو أسواق المسلمين، لكن يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ الصف:8].

    معنى التقوى

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] قال أهل العلم: تتقون فتعرفون لا إله إلا الله.

    وقال بعضهم: تتقون فتعرفون أنه لا يستحق العبادة إلا الله.

    وقال بعضهم: تتقون الله وتتقون غضبه وعذابه.

    وكل الأقوال تدور في كلمة، ومن أحسن المنازل تقوى الله، وأنت أوص نفسك بها صباح ومساء.

    ينسب لـعلي بن أبي طالب أنه قال لما قيل له: ما هي التقوى؟ فقال: [[التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل]].

    وقال عبد الله بن مسعود: [[تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر]].

    وقال طلق بن حبيب [[التقوى: هي عمل الحسنة بنور من الله ترجو رحمة الله، والكف عن المعصية على نور من الله تخاف عذاب الله]].

    وقال ابن كثير: التقوى: هي أداء ما أمرت بأدائه، واجتناب ما نهيت عن اجتنابه.

    وقال ابن تيمية: التقوى: هي إتيان المأمورات واجتناب المنهيات وتصديق الأخبار.

    وقال بعض أهل العلم من أهل السنة: التقوى هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية.

    والوقاية عند العرب تسمى: الستر الواقي، والحجاب وقاية، ويسمى ما يتخمر به وقاية، قال لبيد بن ربيعة:

    سقط النصيف ولم ترد إسقاطه      فتناولته واتقتنا باليد

    يعني: جعلت بيننا وبينها وقاية بيدها، وقد أورد هذا الشاهد ابن جرير وغيره من المفسرين.

    قال سبحانه: من هو الله؟ تعريف الله عند خلقه يكون بنعمه؟

    ولذلك أكبر ما يُعرف سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بنعمه، فإن آثاره في الكون من النعم هي التي تدل عليه، فقد عرف عباده بالسماء، وعرفهم بالأرض وبالأمطار والرزق والثمرات -وهذا سوف يأتي- وعرفهم بنعمة الليل والنهار، ونعمة النوم واليقظة، وقد ذكر ابن كثير عند هذه الآية فصلاً طويلاً وأنا لا أذكره هنا، لأني كررته كثيراً ودليل القدرة ذكره عن مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وقد كررته فيعاد إلى الدروس السابقة في التفسير وقد أوردت هذا الكلام من تفسير ابن كثير، فلا أكرره.

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

    فيا عجباً كيف يعصى الإله      أم كيف يجحده الجاحد

    1.   

    معنى قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً)

    قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً [البقرة:22] سمى الله الأرض: فراشاً وذلولاً وقراراً ومهاداً وهذه هي أسماء الأرض.

    (فقراراً) مستقرة لأرزاقكم وخلقكم.

    و(مهاداً) أي: مستوية لا تتعبكم.

    و(ذلولاً) أي: تركبونها وتمشون في جنباتها وتطلبون رزق الله، فهي قرار بالجبال، وهي تدور كما قال بعض أهل العلم -وهو الصحيح- وهذا لا يتعارض مع معتقداتنا، كما يقول بعض الناس: الأرض لا تدور وألفوا في ذلك رسائل.

    بل هذا يزيدنا إيماناً بقدرة الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن جعل الأرض تدور حول الشمس، وليس هناك آية تثبت أن الأرض لا تدور قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً غافر:64] فإنها قد تكون قراراً، وهي مع ذلك تدور، ولا ندخل في هذه المتاهات، إنما إذا ثبت في العلم التجريبي أن الأرض تدور فما المانع من قدرة الواحد الأحد أن جعلها تدور وتتحرك، وأن الناس على ظهرها، فسبحان الباري تبارك وتعالى!

    أما من قال: إن هذا شك في المعتقد، فلا. فهذا كلام بعيد، بل لها أن تدور أو لا تدور. بعض الناس تكلم وعنده خير، وإنما أراد أن يرد رداً منطقياً والردود هذه لا تكون إلا بدارسة، فتراه يقول: سبحان الله! كيف تدور وأنا في قريتي منذ خلقني الله، ولم تدر القرية من مكانها.

    فهو يظن أن قريته تذهب مثلاً: من أبها إلى القصيم، أو تذهب إلى الطائف، لا. هي ثابتة كالكرة تدور والنقاط التي على سطح الكرة باقية، المقصود أن هذه ليست بردود، وقد جاء العلم بهذا وهو لا يعارض سياق القرآن والحمد لله.

    لكن على كل حال المسألة فيها سعة كما يقول الأستاذ علي الطنطاوي في كتاب المسلمون وعلم الفلك، والكتاب للصواف يقول في المقدمة: أثبت الصواف أنها تدور، ورد عليه العالم الفاضل الفلاني بأنها لا تدور، وأنا تدخلت للإصلاح بينهما فـللصواف أجران لأنه اجتهد وأصاب، وللشيخ الثاني أجر لأنه اجتهد وأخطأ ولي أجر لأني تدخلت.

    فالمقصود: أن هذه لا تضر والحمد لله، والأمر أسهل من ذلك، لكن يحدث الناس بقدر ما عندهم من استعداد، فلا يذهب إنسان إلى بادية فيحدثهم عن الدوران فيقولون: من أين أتى بهذا الكلام؟

    فلا يحدث الشخص قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كانت عليهم فتنة.

    نفي التعارض بين جعل الأرض فراشاً ووجود الجبال

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [البقرة:22] لا تعارض بين وجود الجبال في الأرض أن تكون فراشاً ومهاداً، فإن الجبال أقل رقعة من كثير من السهول، بل الجبال جعلها الله عز وجل سهلة المرتقى في الغالب إلا في النادر منها، ولحكمة جعلها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أوتاداً في الأرض.

    ولذلك ذكر بعض أهل العلم التجريبي: أن الأرض متوازنة فلها في كل مكان كتلة من الجبال تحفظ التوازن في الكرة الأرضية، فالدرع العربي مثلاً: في الجزيرة العربية يمر إلى العقبة وإلى الساحل، وجبال الهملايا في الهند وجبل طارق مثلاً في المغرب، قالوا: فوجد أنها موزعة بالتوازن وأنه لو نقصت كتلة من هذه الجبال لأخذت الأرض تتأرجح بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وذكر أهل العلم التجريبي أن هناك أدنى الأرض وأعلاها، والروم كانوا يسكنون في الأردن، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ الروم:1-3] ونحن لا نقر هذا ولكن نستأنس ونذكره للناس، وإلا فالأدنى عند المفسرين: الأقرب، فلان يدنو من فلان، أي: يقرب منه، وسميت الدنيا كذلك لقربها، فقوله: (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ الروم:3] أي: قريباً من بحيرة طبرية، أو في نهر الأردن ووجد أن هذه المنطقة هي أدنى منطقة في الأرض، أي: أسفل منطقة، ولله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى القدرة التامة، فإن آيات القرآن ومعجزاته ما زالت تستنبط.

    آياته كلما طال المدى جددٌ      يزينهن جلال العتق والقدم

    بيان قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [البقرة:22] وقد سماها الله عز وجل سقفاً محفوظاً، وقد بناها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولكن يقول: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا الرعد:2] فهل للسموات عمد أم لا؟ لأهل العلم في الآية هذه معنيان فينتبه له:

    المعنى الأول: يقال بغير عمد ترونها: أي أنكم ترون السماء مرفوعة فليس لها عمد.

    المعنى الثاني: وقالوا بغير عمد ترونها: لها أعمدة، لكن لا ترون هذه الأعمدة.

    والصحيح: المعنى الأول فسبحان من رفع هذا الجرم الذي سمكه كما بين السماء والأرض بمسافة خمسمائة عام، وذكر في بعض الآثار: أنها سماء من نحاس وسماء من حديد إلى غير تلك الأنواع، فالله أعلم! لكن جرمها وسمكها خمسمائة عام، وقد اخترقها النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل في لحظات حتى وصل إلى (سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى النجم:14-17] وقال: سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء:32] قالوا: محفوظة بالملائكة من الشياطين لئلا يسترقوا السمع. يقول ابن عباس: كان الشيطان يأتي على ظهر أخيه، ثم يأتي الثالث على ظهره، ثم الرابع والخامس، ثم السادس حتى يقربا من السماء، فكانوا يلتقطون الكلمات قبل أن يبعث صلى الله عليه وسلم فيبثونها للسحرة والكهنة والمشعوذين، فيأخذها الساحر فيزيد عليه مائة كذبة.

    فلما بعث عليه الصلاة والسلام أصبحت الأجرام السماوية والأرض في حالة استنفار وتأهب وطوارئ، أخذت الشهب تلقى عليهم تلاحقهم وتحرقهم في كل مكان، فلما جاء زعيم نصيبين من اليمن يتفقد بعض أفراده، فقالوا: احترقوا، ونظر وإذا الشهب ترمى في كل مكان.

    فقال: ابحثوا في الأرض والتمسوا فقد وقع في الأرض أمر منعنا من التماس خبر السماء، فذهبوا وتفرقوا في الدنيا، فذهبت فرقة تجاه الحجاز، وصادفت أن الرسول عليه الصلاة والسلام عند وادي نخلة في الطائف وسط الليل لما رده أهل الطائف وكذبوا به، فجلس يقرأ القرآن، فاستمعوا له، وتداعوا من كل أقطار الأرض، وكانوا يسرعون في لمح البصر، فأخذوا يزفونه حتى امتلأ الوادي بهم وأصبحوا صفاً على صف حتى يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً الجن:19] ونقل الله المشهد بالصورة والصوت، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ) [ الجن:1].

    قال سيد قطب: عجيب! هذا القرآن حتى الجن يتذوقونه ويعرفون أنه عجب، قالوا: (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً الجن:1-2] إلى أن قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ) [الجن:9] ثم قال الله لرسوله في آخر سورة الأحقاف (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الأحقاف:30-32] فهذا من حفظ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للسماء.

    فوائد النجوم

    قال قتادة بن دعامة السدوسي: [[خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به]].

    إذاً فوائد النجوم هي:

    الأولى: زينة للسماء قال الله تعالى: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [فصلت:12] قالوا: السماء هذه هي السماء الدنيا التي تليكم، والدنيا: القريبة.

    وقال بعض أهل العلم: ومفهوم المخالفة أن تلك السموات ليس فيها مصابيح.

    الثانية: يهتدي بها المسافر، قال تعالى: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ النحل:16] فإن المسافر إذا أصبح في البحر ولجة الليل وضل به الركبان، ومل الحادي، وحار الدليل نظر إلى النجم، فاهتدى بإذن الله.

    يقول الشهرزوري وهو قاضٍ من قضاة الشام:

    لمعت نارهم وقد عسعس الليل      ومال الحادي وحار الدليل

    فتأملته وفكري من البين      عليل وطرف عيني كليل

    فاهتدى، ولذلك يعرف العرب هذا، فهم يعرفون أن سهيلاً في جهة اليمن، والثريا في وسط السماء، وغيرها من النجوم التي ذكرها أهل العلم، فهي هداية.

    الثالثة: رجوماً للشياطين: فهي ترجمهم، فإذا رأيت في آخر الليل -وكلكم رأى- أنه في أول الليل، أو وسطه، أو ينهد النجم بسرعة، ثم ينطفئ، قالوا: ينطفئ بعد أن يحرق الفاسق الفاجر الذي يريد أن يتعلق ليسمع من السماء شيئاً؛ لأن للسماء حركة (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ الرحمن:29] كتبة ومحصون وساجدون وعباد، وما يأتي من رزق وما يأتي من خلق وتصريف، فهم يأخذون أخبار السموات، ولكنهم يحترقون قبل أن يصلوا بها، وبعضهم يسمع كلمة قبل أن يحترق، وبعضهم يسمع كلمة ويفر بها فيعطيها الكاهن، فيزيد عليها مائة كذبة، ولذلك قد تذهب إلى بعض الكهنة، فيقول: اسمك محمد بن علي وسيارتك مواصفاتها كذا وكذا، وأنت تسكن في قرية كذا، فهذه المعلومات أخبره الجان به، وقيل: هذه في أخبار الدنيا، وأما أخبار السماء، فقالوا: إنك تموت في يوم كذا وكذا، أو يأتي لك ابن كذا وكذا، والله أعلم.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ..)

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة:22] أما الماء فهو أرخص موجود وأغلى مفقود، إذا فقد الماء، دفعت حياتك وملكك وما معك من شيء في شربةٍ واحدةٍ، وأما إذا وجد فهو أرخص موجود.

    دخل ابن السماك على هارون الرشيد، فقال هارون الرشيد: يـابن السماك -وهو واعظ عابد عالم- أما تريد أن تخالطنا في هذا الملك، فتصيب معنا ويرزقك الله منه؟

    قال: والله ليس لي بملكك طرفة عين من عبادة ربي تبارك وتعالى.

    ثم أتى هارون الرشيد في أثناء الجلسة، فقال: علي بشربة من ماء، فأتوا: بالماء، قال ابن السماك: أسألك بالله ألاَّ تشرب حتى أكلمك.

    قال: ما هو؟

    قال: أسألك بالله لو منعت هذه الشربة بنصف ملكك، أتدفع نصف الملك فيها؟

    قال: إي والله.

    فلما شربها، قال: أسألك بالله لو منعت إخراج هذه الشربة من جسمك بنصف الملك أتدفع؟

    قال: نعم.

    قال: ملك لا يساوي شربةً ليس بملك.

    لذلك لما حضرت هارون الوفاة في طرطوس وهو هذا الذي تحدى السحاب وهو في قصره في بغداد، وقال للسحابة: أمطري حيث شئت فإن خراجكِ سوف يأتيني، قال: أخرجوا الجنود لي، فأخرجوهم فنظر إلى الجيش، وقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً مريم:93-95] بدون شيء إنما يأتي فرداً وعبداً.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] أما الثمرات فهي بين أيديكم، وكل ثمرة تحدثكم عن قدرة الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالى الوردة والنرجس والياسمين والرمان والرياحين، فيا سبحان الباري!

    والآن اكتشف مع هذا العلم نباتات في كتب منشورة في الأسواق لم تكتشف من قبل!

    فسبحان من عدد الأنواع من كل زوج بهيج! لون أصفر وأخضر وأحمر وأسود ومشكل وشيء عجيب تتيه فيه العقول وتدهش، فمن جعل ذلك التعدد؟

    إنه الواحد الأحد، يسقى بماء واحد، ولكن الطعم مختلف، ثم قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:مِنَ الثَّمَرَاتِ [البقرة:22] ليشمل الحبوب المحصودة، وما لم تحصد، وليشمل الفواكه والخضروات.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] أنداداً أي: شركاء، وشبهاء، والمعنى: لا تشركوا بالله، ولأهل العلم فيها ستة أقوال:

    القول الأول: تعلمون أنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى خالق السماء والأرض.

    القول الثاني: تعلمون أنه لا إله إلا الله حتى في التوراة والإنجيل وهذا لليهود.

    القول الثالث: تعلمون أنه لا ند له تبارك وتعالى.

    القول الرابع: تعلمون بمعنى تعقلون إن كان عندكم عقول.

    القول الخامس: لا يقدر على هذا الذي ذكر في الآية أحد سوى الله تبارك وتعالى.

    القول السادس: تعلمون أن الأصنام حجارة وأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تخلق ولا ترزق، قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً الفرقان:3].

    في ختام هذا اللقاء أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، ونسأل الله لنا ولكم القبول والإخلاص والصدق معه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.