إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عائض القرني
  4. الرسول بين المعاناة والانتصار

الرسول بين المعاناة والانتصارللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الابتلاء سنة من سنن الله الكونية القدرية، وأكثر الناس ابتلاء الأنبياء والرسل وأعظمهم ابتلاء ومعاناة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذه المادة عرض سريع لسيرته صلى الله عليه وسلم وما فيها من العداوة والصراع مع الكفار واليهود والمنافقين في مكة والمدينة ثم تأييد الله له بالنصر والرفعة.

    1.   

    الابتلاء من سنن الله

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.

    السلام عليكم يا أتباع من جلسنا لنستمع أخباره! ولنعرف أسراره، ولنعيش حياته عليه الصلاة والسلام في محاضرة بعنوان: (الرسول صلى الله عليه وسلم بين المعاناة والانتصار).

    حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف:110] وهذا أمرٌ مطرد في الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    فإن لأهل التفسير في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [يوسف:110] معنيين اثنين:

    الأول: (كذبوا) أي: أنهم خلفوا ما وعدوا من الله عز وجل، فكأنه ما تحقق لهم النصر الذي سألوه الله ووعدهم به من كثرة ما وجدوا من المصائب والشدائد.

    وقال بعض أهل العلم: بل قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [يوسف:110] أي: كذبوا من أقوامهم تكذيباً بيناً ليس فيه استجابة ولا عودة إلى الحق، والقول الأول أولى.

    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم تمر به المعاناة تلو المعاناة إلى درجة أن يسأل الله نصره الذي وعده، فيقول في ليلة بدر: (اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني).

    والقضية التي وعدت البارحة أن أبسط فيها الكلام هي: مقولة لبعض العلماء، يقول: لا يبعث الله نبياً ولا رسولاً حتى يبتليه بالمصائب والفتن والمحن، إلى درجة أن يعلم هذا الرسول أن لا إله إلا الله.

    ولذلك كان من أول ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].

    وهذه الليلة أستميحكم عذراً أن نعيش نصف المحاضرة مع معاناته عليه الصلاة والسلام، مع الأسى والفقر واليتم، مع دولة بالباطل تجابه الحق، مع القرابة وهم يقطعون الرحم، مع التهديدات، وتشويه السمعة له عليه الصلاة والسلام، مع الاتهامات والنكبات، والأعداء الكثر.

    1.   

    بعض الابتلاءات التي واجهها صلى الله عليه وسلم

    مكث صلى الله عليه وسلم قبل النبوة أربعين سنة يصاب ويبتلى، يمتحن ويصقل؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    مكث يتيماً بلا أب وبلا أم والناس حوله ينامون في أحضان الأمهات، ويستعزون برعاية الأباء؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    مكث صلى الله عليه وسلم فقيراً لا يجد كسرة الخبز، والطغاة يحبرون بالموائد المترفة؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    مكث صلى الله عليه وسلم مجابهاً مضطهداً في مكة، وأعداء الله معهم الحراسة والجيش والجلبة ليعلم أن لا إله إلا الله.

    ولكن لنبدأ الرحلة من أولها، والخيط من أوله، والحديث من مبتدئه معه عليه الصلاة والسلام، لنصل سوياً إلى آخر لحظة في عمره صلى الله عليه وسلم.

    نشأته يتيماً صلى الله عليه وسلم

    أولاً: حملت به أمه صلى الله عليه وسلم، ثم وهو حمل مات أبوه، حكمة بالغة وقدرة نافذة، فالرسول المهيأ لقيادة البشرية يموت أبوه قبل أن يراه ويسعد به، ولا يعيش مع أبيه، مات وأمه حامل به، فلما ولدته عليه الصلاة والسلام لم يجد أباً يضمه، ولا أباً يداعبه ويمازحه ويلاعبه، بل بقي صلى الله عليه وسلم يتيماً من الأب، وتصوروا هذا الطفل الذي ينشأ بلا أب، كيف يكون به من الأسى واللوعة ما الله به عليم، ولكن لأسرارٍ أرادها الله، ولما وصل سنه السادسة ماتت أمه، فأصبح بلا أم وبلا أب، يتيماً بين أطفال مكة، كلٌ معه أبٌ وأم إلا هو عليه الصلاة والسلام، واليتيم دائماً مضطهد، دائماً يعيش الحسرة، ويتجرع الغلظة من الناس، ويعيش الأسى كله والمصائب كلها.

    موت جده وعمه

    ثم كفله جده، فسعد بجده، وظن أن جده سوف يقوم مقام الوالدين، وسوف يدافع عنه وينافح، ولكن كلما تعلق قلبه في جهة انقطعت هذه الجهة؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    يقول بعض أهل العلم: إن السر في أن إبراهيم أمره الله عز وجل أن يقتل إسماعيل هو أنه تعلق بإسماعيل، فأراد الله عز وجل أن ينهي هذه المحبة والخلة لتبقى بينه وبين إبراهيم؛ ليبقى إبراهيم خليلاً.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام كلما تعلق بشيء غير الله قطعه الله من هذا المتعلق به ومن هذا السبب؛ ليعلم أن لا إله إلا الله، فمات جده، فكفله عمه، واستمر عليه الصلاة والسلام مع عمه.

    قال بعض أهل السير، وذكرها ابن كثير في التفسير، وأشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية:"من حكمة الله عز وجل البالغة أن جعل عمه كافراً يذب عنه وهو رسول" إذ لو أسلم لاضطهد الكفار أبا طالب، ولجعلوه في دائرة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه والاهم من جهة، وخالفهم من جهة، فولاؤه لهم بالكفر -أعني أبا طالب - جعلهم لا يعتدون على الرسول عليه الصلاة والسلام، وظل أبو طالب يذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وهو الذي يقول:

    والله لن يصلوا إليك بجمعهم     حتى أوسَّد في التراب دفينا

    وهو صاحب اللامية الشهيرة الباهرة:

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    إلى آخر ما قال، فلما استأنس صلى الله عليه وسلم، وركن إليه، ووجد فيه النصرة والقوة، مات عمه؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    فإلى من يلتفت من البشر -ولا بد للإنسان مهما عظم صبره وجلده- من قريب، أو صاحب، أو صديق يستأنس به، ويقول الشاعر:

    ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة     يواسيك أو يسليك أو يتوجع

    موت زوجه خديجة

    فرجع صلى الله عليه وسلم يبث همومه خديجة رضي الله عنها وأرضاها، العاقلة، الحازمة، صاحبة الكلمات الصحيحة الصادقة، ولما شكا إليها صلى الله عليه وسلم ما وجد في الغار، قالت: {كلا. والله لا يخزيك الله أبداً -ثم أتت بالأدلة- إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتعين على نوائب الحق} فأنس إليها فماتت؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    مواجهة العداوة من الأقربين

    إلى من يفوض أمره؟!

    إلى الله. واسمع آيات التفويض، وهي طاقات هائلة ومبادئ راسخة يجب علينا أن نحملها، وأن نقدم جماجمنا من أجلها، ومن عرفها وحفظها يخرج من هذا المكان شجاعاً يتحدى الدهر والزمن والتاريخ.

    قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:36] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]؛ والمعنى: أن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وليس المعنى كما قال بعض المبتدعة: الله يكفيك ويكفيك المؤمنون مع الله، فهذا خطأ، بل معنى الآية: أن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، لا الذين اتبعك من المؤمنين يكفونك مع الله، فهذا معنى خاطئ.

    فاتصل بالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وفوض أمره إلى الله، وبدأ يدعو الناس، فقامت له القرابة:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً     على النفس من وقع الحسام المهند

    قام له أبو لهب يكذبه أمام العرب، ويقول: انتبهوا للساحر وللشاعر وللكاهن، وفي حديث معضل يذكره ابن إسحاق في السيرة: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم -يشكو إلى الله- يقول: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟! إلى قريبٍ ملكته أمري، أم إلى بعيد يتجهمني} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فشكا من ظلم القريب؛ لأنه ظلم وزيادة، ولأنه قطع للقرابة.

    وانظر إلى المواقف، فالله قادر على نصر رسوله عليه الصلاة والسلام، وقادر على أن يمنع عنه الأذى، ولكن هكذا يمرغ الحق أحياناً ليخرج حقاً، وهكذا يصاب الداعية ليخرج ذهباً أحمر، كما قال بشر الحافي: "دخل الإمام أحمد السجن ذهباً فخرج ذهباً أحمر" وهذا أمر معلوم.

    تعرضه لإهانات من الكفار

    تعرض صلى الله عليه وسلم لإهانات من الكفار، والله عز وجل قادر على حمايته ومنعه ولكن حكمةٌ بالغة، في الصحيحين عن ابن مسعود قال: {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام، وملأٌ من قريش جالسون، فلما سجد أرسلوا رجلاً منهم إلى فرث ودم وسلى وضعته ناقة، فأتوا به فوضعوه على رأسه وعلى ظهره وهو ساجد} انظر إلى الإهانة، هل سمعتم في التاريخ بإهانة مثل هذه الإهانة فرث ودم وسلى الناقة يوضع على ظهره ورأسه صلى الله عليه وسلم، ويتمايل كفار قريش ويتضاحكون من هذا المشهد، فتأتي فاطمة وهي تبكي، فتزيل السلى والدم والفرث، ويقوم صلى الله عليه وسلم فيدعو على ذاك الملأ، قال ابن مسعود في آخر الحديث: {فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتهم صرعى في قليب بدر، وأتبع أهل القليب لعنة}.

    ويخرج صلى الله عليه وسلم مرة ثانية ليطوف بالبيت، فيجتمع عليه الكفار، فيأخذون بتلابيبه، هذا يتفل عليه، وهذا يتكلم عليه، وهذا ينهره، أليس هناك حماية؟!!

    أما يعلم من على العرش استوى أن رسوله هذا يهان هذه الإهانات؟!!

    أليس الله يغضب لأوليائه فلماذا؟!!

    ليعلم أن لا إله إلا الله، وليعلم أن الناصر هو الله، وأن النافع والضار هو الله، وأن المحيي والمميت هو الله.

    ما لقيه في الطائف

    يخرج عليه الصلاة والسلام من مكة إلى الطائف، يقولون له: لا قرار لك في مكة فاخرج منها، وفي حديث في سنده نظر، وهو بشواهده يقبل التحسين، يلتفت عليه الصلاة والسلام وهو في مكانٍ يشرف على مكة والبيت، ويلتفت إلى مكة ويبكي ويقول: {والله إنك من أحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت} فهذه مراتع الصبا:

    وحبب أوطـان الرجال إليهم     مآرب قضاها الشباب هنالكا

    إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمُ     عهود الصبا منها فحنوا لذلكا

    خرج يبكي عليه الصلاة والسلام، لكن إلى أين يذهب؟

    لا حراسة ولا موكب، لا جنود ولاجيش، لا قريب ولا زوجة ولا ولد، خرج وحيداً وصعد إلى الطائف، ووصل جائعاً متعباً ظامئاً، فلما رأى ملأ ثقيف قال: {قولوا لا إله إلا الله تفلحوا} هذه كلمته دائماً.

    وقال البردوني:

    بشرى من الغيث ألقت في فم الغارِ     وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرارِ

    بشرى النبوة طافت كالشذى سحراً     وأعلنت في الدنا ميلاد أنوارِ

    وشقت الصمت والأنسام تحملها     تحت السكينة من دار إلى دارِ

    في كفه شعلة تهدي وفي دمه     عقيدة تتحدى كل جبارِ

    البدر والشمس في كفيك لو نزلت     ما أطفأت فيك ضوء النور والنارِ

    أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة     يذوب في ساحها مليون جبارِ

    أتى يقول: لا إله إلا الله، فما هو إلا الرد العنيف؟

    قام الأول وقال: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كنت صادقاً.

    وقال الثاني: ما وجد الله إلا أنت ليرسلك.

    وقال الثالث: إن كنت نبياً فأنا أصغر من أن أتكلم على الأنبياء، وإن كنت كاذباً فأنا أكبر من أن أتحدث مع الكذابين.

    فليتهم ضيفوه! لكنهم ما فعلوا، ليتهم أسقوه! لكنهم ما فعلوا وطردوه، وليتهم تركوه، بل أرسلوا الأطفال والعبيد يرمونه بالحجارة، أما يرى الله المشهد؟

    أما يرى رسوله يهان هذه الإهانات، ويتلقى الحجارة على قدميه الشريفتين، ورجله تسيل بالدم؟

    إن كان سركمُ ما قال حاسدنا     فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ

    هل أنت إلا أُصبع دميت     وفي سبيل الله ما لقيتِ

    ولكن ليعلم أن لا إله إلا الله.

    ونزل عليه الصلاة والسلام في وادي نخلة وكله جراح، قلبه مجروح، مبادئه مجروحة، عرضه مجروح، كل شيء في حياته يعيش الجراح.

    ثم وقف يدعو في تلك الليلة، وقصتها طويلة، وهي ليست مقصودة في هذا المقام.

    تكذيبه في حادثة الإسراء والمعراج

    وعاد صلى الله عليه وسلم، وأكرمه الله بليلة الإسراء والمعراج، ثم نزل صلى الله عليه وسلم يخبر الناس، فأتت الاتهامات المغرضة.

    وزعوا السفهاء على مداخل مكة يقولون: انتبهوا له؛ هذا شاعر وكاهن وساحر، هذا كذاب، أي أنه قد ديست كرامته، وأحرقت أوراقه، وذكرياته، وشبابه، وتاريخه الذي يسمى فيه الصادق الأمين؛ كفروا به: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] ليعلم أن لا إله إلا الله.

    ويعيش هذه اللوعة وهذا المضض، وكلما يكاد ينهار أو تنهار أعصابه؛ يتنزل عليه القرآن ويقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال:64] وقال تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً [الإسراء:74].

    ويدافع الله عن عرضه، ويدافع عن سمعه وبصره، ويدافع عن مبادئه، قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:1-5] وقال تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22] وقال تعالى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة:41-42] وقال تعالى: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفرقان:5] فرد الله عليهم: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:6].

    وكذلك من المفتريات والإشاعات التي تحرق الإنسان احتراقاً ولا يعيشها الإنسان إلا بجرع من الدم، قولهم كما في الآية: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103].

    السخرية منه وإشاعة انقطاع الوحي

    ويستمر الدفاع، لكن بعض الناس يظن أن الله تخلى عن رسوله عليه الصلاة والسلام، ولكن: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3].

    ينقطع الوحي، وتأتي عجوزٌ مشركة فتقول: ودعك ربك وقلاك وتركك، فأتاه من الهم عليه الصلاة والسلام ما ذكر في السير أنه كاد يتردى من رأس الجبل، تصور مسألة أن يبلغ بالإنسان أن يرى الموت علاجاً، كيف يكون هذا؟!!

    يقول أبو الطيب في قصيدته الكافورية:

    كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا     وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا

    تمنيتها لما تمنيت أن ترى     صديقاً فأعيا أو عدواً مداجيا

    يقول: إذا أصبح الموت علاجاً لك، فيا لها من حالةٍ ما بعدها حالة، فنزل قوله تعالى: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3] نحن معك، وإنك بأعيننا، أنت تعيش في رعاية من الله وحفظ، فعاش صلى الله عليه وسلم وعاد، وكاد أن يهلك أسفاً لما تولى الباطل عنه تماماً، قام عند الصفا يقول: {قولوا لا إله إلا الله تفلحوا} فقال أبو لهب: "تباً لك! ألهذا جمعتنا؟!" فيخسر المحاضرة، والخطبة، والدعوة، ويكذبونه، ويذب الله عن عرضه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [المسد:1-2].

    إلى متى؟!

    حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف:110]وتسمى ساعة الصفر: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:10-11] فالمؤمن يقول: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22] والمنافق يقول: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12].

    وصح في السيرة -كما مر في بعض المناسبات- أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ضرب بالمعول صخرةً قال: {أريت كنوز كسرى وقيصر، وسوف يفتحها الله لي} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فتضاحك المنافقون، وهذه تقطع القلب، والكبد، الغمز والهمز، قالوا: أحدنا لا يجرؤ أن يبول من الخوف، ويعدنا قصور كسرى وقيصر.

    الفقر

    يستمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويواصل المسيرة، ويعيش فقيراً: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ [هود:12].. وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:7] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى راداً عليهم: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً [الإسراء:48] وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً [الفرقان:10].

    لا يجد كسرة الخبز، لا يجد مذقة اللبن، يعيش فقيراً عليه الصلاة والسلام مملقاً لدرجة أنه يجوع جوعاً ما جاعه الناس، وفي بعض الروايات: {أنه يضع الحجرين على بطنه صلى الله عليه وسلم} وقال عمر في الصحيح: {ما شبع صلى الله عليه وسلم ثلاث ليالٍ من طعام البُر} وذكر عن عائشة وهو في الصحيح: {أنه يمر بنا الهلال تلو الهلال لا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قالوا: فماذا كان طعامكم؟ قالت: الأسودان -التمر والماء-} سبحان الله! هذا الرجل الذي أتى -بإذن الله- بالموائد لهذه الأمة، وفتح لها الحدائق والبساتين، وأسكنها قصور الطغاة في أنحاء العالم، لا يجد إلا الأسودين: التمر والماء، لماذا؟ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    ينام عليه الصلاة والسلام على الحصير فيؤثر في جنبه، وفي البخاري عن أنس أن عمر رضي الله عنه وأرضاه: {دخل مشربة؛ اعتزل فيها صلى الله عليه وسلم نساءه، فقام صلى الله عليه وسلم لما دخل عمر فوجد عمر الحصير قد أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم، فدمعت عينا عمر وقال: فأدرت طرفي في البيت فلم أجد إلا قليلاً من شعير معلق، قال عمر: يا رسول الله! هذا كسرى وقيصر وهما أعداء الله في هذا النعيم، وأنت رسول الله في هذه الحالة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي شكٍ أنت يا بن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا}.

    تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً [الفرقان:10].

    إعراض الكبراء وإيذاؤهم لأصحابه

    ثم يأتي صلى الله عليه وسلم للناس ليدعوهم، فلا يستجيب له الكبراء ولا المترفون إلا ما قلَّ، بل يستجيب له الضعفاء فيؤذون، يسحب بلال أمامه عليه الصلاة والسلام على الحجارة، ويصيح بلال وهو يكوى كياً على رمضاء مكة وهو يقول: [[أَحَدٌ أَحَد، أَحَدٌ أَحَد]] فلا يستطيع صلى الله عليه وسلم أن يدفع عنه؛ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    ويمر صلى الله عليه وسلم بآل ياسر، وبكاؤهم ينعقد في طبقات الأثير، ويقول لهم: {صبراً آل ياسر! فإن موعدكم الجنة} أليس هناك ربٌ ناصر؟ ليعلم أن لا إله إلا الله.

    وجاء في الصحيح من حديث صهيب وغيره: {يقول الصحابة: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! ألا ترى ما نحن فيه؟! فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنهم يستعجلون، ثم أخبرهم بالميثاق الذي يحمله فيقول: والذي نفسي بيده ليتمَّن الله هذا الدين حتى يسير الراكب مِِنْ صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم قومٌ تستعجلون} يعني: هو متأكد أنه سوف ينتصر، ويرى أصحابه يبطحون في رمضاء مكة، وما أسلم معه إلا أربعة: مولى، وشيخٌ، وصبيٌ، وامرأة، والله يقول له وهو عند الصفا وما عنده إلا أربعة، والجاهلية تحاربه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    ليس لقريش أو لـمكة أو للجزيرة، بل للعالمين كلهم، يؤذى أصحابه صلى الله عليه وسلم إيذاءً بيناً، ولا يدفع عنهم ولا يستطيع، ويحبس صلى الله عليه وسلم أساه ولوعته وحرقته في قلبه صلى الله عليه وسلم.

    موت أبنائه وبناته

    يموت أبناؤه صلى الله عليه وسلم، يولد له أبناء كثير، لكن لا يبلغ أحدهم أبداً، أربعة من الأبناء يموتون في الصغر، وتعلق بـإبراهيم، وأصبح إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنتين أحب ما يكون، يدغدغه، ويشمه، ويمازحه، ويرفعه بيديه، ويأتي إليه بعد هموم الدعوة، فيحتضن هذا الطفل، فلما كاد قلبه أن يميل لطفله قبض الله طفله، فيموت بين يديه، وتقعقع روحه كأنها في شن بين يديه صلى الله عليه وسلم، فيحتضنه ويبكي، وتسيل دموعه، وهو يعيش اللوعة، ويتجلد ويصبر، ويقول: {يحزن القلب، وتدمع العين، وما نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون}.

    بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا     شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

    نكاد حين تناجيكم ضمائرنا     يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

    إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي     مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

    ويدفن ابنه في التراب، ويعود بلا طفل، ويستمر صلى الله عليه وسلم معه أربع بنات، وبعد أيام تموت الأولى فيدفنها صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، وتموت الثانية، ثم تموت الثالثة، وتبقى الرابعة ويخبرها أنها سوف تلحقه قريباً، فتلحقه بعد ستة أشهر؛ هذا من حيث الأسرة التي عاشها صلى الله عليه وسلم، أي أن وضعه الأسري يبعث على الأسى والبكاء.

    ووضعه الاجتماعي والاقتصادي يبعث على الأسى والبكاء، ووضعه كذلك في مسار الاتهامات الجارحة يبعث على الأسى والبكاء.

    1.   

    صراعه مع أهل الباطل

    صراعه مع المشركين

    أما صراعه فانظر: يتأخر النصر عنه فترة، يعيش ثلاثة عشرة سنة والمسلمون يعدون على الأصابع، كل صباح وهو يقول: قولوا لا إله إلا الله، والأصنام ثلاثمائة وستون صنماً حول الكعبة، والخمر يشرب عند المقام، سامراً تهجرون، وأبو جهل يبدو بطلعته اللعينة يتحدى لا إله إلا الله، وكذلك أبو لهب والوليد بن المغيرة، ويضربون بناته، ويخرجون أصحابه إلى الحبشة، ويطردونه إلى المدينة، ويطاردونه ويجعلون لمن يأتي به جائزة، ومع ذلك يتحرى متى ينتصر.

    صراعه مع اليهود والنصارى والمنافقين

    يذهب إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، ويلحقونه في الغار، وفي الطريق، ويصل إلى المدينة، أفيهدأ في المدينة؟! لا. بل تقوم له جبهات، وتحاربه الدنيا، لكن:

    في كفه شعلة تهدي وفي دمه     عقيدة تتحدى كل جبار

    فيخرج له اليهود والنصارى، وهذا اكتشاف جديد، وملحمة أخرى، ومسيرة ثانية، فيكذبه اليهود إلا بضعة نفر منهم، ويكذبه النصارى، ويقوم له المنافقون، وتشوه سمعته في عرضه صلى الله عليه وسلم وفي أعز ما يملك، في زوجته عائشة، في فراشه الطاهر صلى الله عليه وسلم ويتهم، ويعيش الأسى.

    يقول سيد قطب: "عاش صلى الله عليه وسلم على أعصابه شهراً" ومع ذلك من الناصر؟ إنه الله، وليعلم أن لا إله إلا الله.

    1.   

    معاركه بين النصر والابتلاء

    يستمر صلى الله عليه وسلم ولكن وصل السيل منتهاه، وبلغ الحزام الطبيين، وحانت ساعة الانتصار، وحانت البشائر؛ لأنه قدم من التضحيات إلى درجة أنه عرف أنه لا يهدي ولا يضل، ولا ينفع ولا يضر إلا الله.

    واستحق الآن هو وأصحابه أن ينتصروا، لذلك تجد بعض الناس يقول: ما للأمة الإسلامية لا تكتسح العالم؟! مالها لا تنتصر؟! أي تضحيات قدمتها الأمة الإسلامية؟! أنا قلت البارحة: أبناء الاشتراكية، وفراخ العلمانية، وأقطاب الماسونية، وأذيال الصهيونية العالمية، والصليبية المارقة، قدموا من التضحيات ما لم نقدم نحن عشر معشاره.

    يقتلون بالمئات من أجل البعث، ويقولون هم: لا بد أن يبقى البعث في الأرض.

    ويقتل الملايين من الشيوعية من أجل أن تبقى الشيوعية، وأنتم تعرفون ذلك، لكن ما هي تضحياتنا، نقتصر فقط أنا نجتمع بالألوف في المحاضرات، وأنا نحب سماع الخير، والكلمات الطيبة، لا. فالنصر مرحلة تأتي بعد طريق ملؤه الأشواك والأسى والمصاعب.

    انتصار في بدر يعقبه الابتلاء في أحد

    والآن تبدأ بشائر الانتصار، ينتصر صلى الله عليه وسلم في بدر، ويستهل خطبته، ويبشر أصحابه، ويقول: الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

    فيفرح بالنصر، وما تتم سنة إلا ويعود -حتى لا يركن إلى النصر ولا يركن إلى قوته- فيغلب في أحد، سبحان الله! ويذبح من أصحابه سبعون، ويرى رؤيا في المنام قبل أن يخرج إلى أحد، يرى ذباب سيفه انكسر عليه الصلاة والسلام، وبقراً تنحر، وكأنه أوى إلى درع حصينة.

    قال: أما ذبابة السيف فأحد قرابتي يقتل، وهو حمزة، وأما البقر التي تنحر؛ فما يقتل من المؤمنين وهم الشهداء، وأما الدرع الحصينة؛ فـالمدينة المنورة.

    فما تمت فرحة الانتصار، وما أسرع الضحك من البكاء! وعاد بعد معركة أحد وهو مثخن من الجراح، وقد كسرت ثنيته عليه الصلاة والسلام، ودخلت حلقتا المغفر في رأسه، وشجت جبهته، وسالت دماؤه.

    ووقف على حمزة وهو يتقطع من الغيظ، وقد قتل حمزة، وقطع أنفه، وبقر بطنه، وأكل من كبده، فقام صلى الله عليه وسلم وهو منهك في وضعٍ الله أعلم به، وقال: {والذي نفسي بيده لئن ظفرت منهم لأمثلن منهم بسبعين} فهل يقره الله، يقول تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] لا إله إلا الله! يقول: هذه ليست ملكك، وأنت فقط مرسل، وليس لك أن تتصرف إلا بإذننا، ولا تنتقم لنفسك، ولو قتلوا ما قتلوا، لماذا تنتقم؟ فيعود ويكظم غيظه.

    موقفه يوم الفتح من كفار قريش

    ويدخل صلى الله عليه وسلم منتصراً فاتحاً، ويصف كفار قريش يوم الفتح، فيقول الله له قبل سنة: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:1-2] فيقف موقفاً مبكياً وهو ينظر إلى كفار قريش الذين نادُّوه، والذين ذبحوا أصحابه، وأساءوا سمعته، وأخرجوه، ونكلوا بجيشه.

    تصوروا لو أن أحد الأقزام من العصريين الطغاة الذين لا يساوون الغبار الذي على قدميه صلى الله عليه وسلم ماذا يمكن أن يحدث؟

    فهذا الخميني يقولون في مذكراته التي كتبت بعده: قتل سبعمائة ألف من الشعب الإيراني انتقاماً؛ لأنه لطم مرة في قم.

    وبعض الطغاة العصريين أدخل الألوف المؤلفة من شعبه في السجون، ثم حرقهم بالغاز عن بكرة أبيهم؛ انتقاماً منهم؛ لأنهم خرجوا مظاهرة مسالمة، معهم الحمص والفصفص ينشرونه على الناس.

    والانتقام سهل، وباستطاعته صلى الله عليه وسلم -والله- أن يقتطف رءوسهم في لحظات، لماذا؟

    تدرون يوم وقف على الكعبة، أخذ حلقة باب الكعبة صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: {الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده} ثم افتتح خطبتيه وتذكر في ذكرياته مع قريش، واستفاض في الأيام الأولى التي يعرفها الناس، ونكسوا رءوسهم خجلين، فقال: {ما ترون أني فاعلٌ بكم} يقول: تصوروا ماذا ترون، عنده اثنا عشر ألف مسلح بالأبواب من المهاجرين والأنصار، يمكن أن يشير إلى الزبير أن يقتطف رأس فلان فيقتطفه قبل أن يتم الإشارة، وإلى عمر وعلي وخباب وبلال ومصعب {قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم} ما شاء الله! أتت في آخر ساعة، في الوقت الضائع، أتت (أخٌ كريم وابن أخٍ كريم) قال: {اذهبوا فأنتم الطلقاء} عفا الله عنكم.

    أليس هذا هو الانتصار الذي ما سمع التاريخ بمثله؟!

    1.   

    التأييد بالوحي نصر مؤزر

    ويستمر صلى الله عليه وسلم ويأتي الانتصار؛ لأنه يؤيد بوحي من السماء، أي أنه في لحظات محرجة يكاد قلبه فيها أن يتقطع فيأتيه الوحي.

    وصفه لبيت المقدس

    ذكر أهل السير بأسانيد صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم لما أسري وعرج به، قال له الوليد بن المغيرة: "يا محمد! إن كنت صادقاً أنك ذهبت البارحة إلى بيت المقدس فصف لنا بيت المقدس؟ وهذا تحدٍ سافر، ماذا يقول صلى الله عليه وسلم؟! فهو قد دخل دقائق في بيت المقدس في ظلام الليل، ما رأى أبوابه، ولا سراديبه، ولا طرقه، فوقف صلى الله عليه وسلم، وغشيه العرق صلى الله عليه وسلم، فعرض الله لهبيت المقدس عند باب دار الأرقم بن أبي الأرقم في الحرم، فأخذ يصف بيت المقدس باباً باباً".

    اليهود يسألونه فيجيب

    ويسأله كفار اليهود للتحدي: أخبرنا ما الروح؟ قال: أنظروني قليلاً، فينـزل عليه الوحي لينجده، يقول تعالى: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85].

    وفي سنن الترمذي: {أن عبد الله بن سلام قال: انجفل الناس من السوق، فانجفلت مع من انجفل، فأتيت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنظرت إلى وجهه، فإذا وجهه ليس بوجه كذاب، قال فسمعته يتكلم -فكلامه صلى الله عليه وسلم ليس ككلامنا- يقول: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام}.

    لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ     لكان منظره ينبيك بالخبر

    لكن عبد الله بن سلام من علماء اليهود -حبر- يريد أن يتحدى، فهو لا يؤمن إلا بمعجزة.

    قال: يا محمد -لأنه لم يشهد في تلك الفترة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رسول- قال: مالك؟ قال: أسألك عن ثلاث مسائل إن أجبتني فيها صدقتك وآمنت بك. قال: ما هي؟ قال: ما هي أول علامات الساعة؟ والثاني: لماذا يشبه الابن أباه أو يشبه أمه؟ والثالث: ما أول ما يأكل أهل الجنة في الجنة؟ -وهذا في البخاري- فوقف صلى الله عليه وسلم، وأتاه الوحي يخبره.

    وإلا فهو أمي ما قرأ ولا كتب:

    كفاك باليتم في الأمي معجزة     في الجاهلية والتأديب في اليتم

    وهذه أقوى في المعجزة؛ لأنه لو كان يكتب لقالوا: اكتتبها، وقد قالوها، وهو لا يكتب فكيف لو كتب؟! فهو الرسول والنبي الأمي: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً [الجمعة:2] وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].

    فيقول صلى الله عليه وسلم: {صلى الله عليه وسلم: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. قال: صدقت.

    وأما أن يشبه الابن أباه، أو يشبه أمه: فماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا أشبه الأب أو الأم.

    قال: صدقت.

    وأما أول ما يأكل أهل الجنة في الجنة فزيادة كبد الحوت.

    قال: صدقت، آمنت بالله ثم بك}.

    لكن أدخلني يا رسول الله! في هذه المشربة، وسل اليهود عني.

    فأدخله في المشربة، وقال: كيف ابن سلام؟ -هذا من التحدي- قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، قال: فإنه أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا.

    1.   

    التأييد بالآيات

    ويؤيد صلى الله عليه وسلم بالآيات؛ وهذه من أعظم الانتصارات في حياته، بعد اللوعة والحسرة.

    تكثير الطعام

    يأتي إلى أصحابه فينقطع عنهم الأكل في مجاعة في الصحراء، فيقول: هل أحد منكم عنده طعام؟ قالوا: لا يا رسول الله! إلا قليل في مزود. قال: عليَّ به، فأتوا به فنثره فسمى عليه ودعا، ثم قال: كلوا، فأكلوا منه جميعاً!

    نبع الماء من بين أصابعه

    وينتهي الماء عليه في الصحراء، فيقول: من عنده ماء؟ قال أحدهم: عندي شيء في إداوة. قال: عليَّ به، فأتى فصبه على أصابعه، وأمامه صحفة رحراح، قال أنس: {والذي نفسي بيده إني رأيت الماء يثور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم كالأنهار، فأخذ يقول: أشهد أني رسول الله، أشهد أني رسول الله، أشهد أني رسول الله} فشرب الناس فسقوا، وتوضئوا، واغتسلوا، وهم أكثر من سبعمائة، أليس هذا بعجيب؟! بل هو من أعجب العجب.

    انشقاق القمر

    يُتحدى ويقول له أبو جهل -ويقسم باللات والعزى- لا أسلم لك حتى تشق لي هذا القمر ليلة أربعة عشر، فينظر صلى الله عليه وسلم إلى القمر، ويقول: أئن شققته بإذن الله تؤمن؟ قال: نعم. فدعا الله وسأله، فشق الله له القمر، فذهبت فلقة تجاه عرفة وفلقة تجاه جبل أبي قبيس، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: سحرنا محمد، سحرنا محمد، فينزل قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:1-5].

    فيؤيد بالمعجزات، وتسمى عند أهل السنة الآيات، وتسميتها بالمعجزات تسمية متأخرة، وإنما الصحيح: الآيات التي أيد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي خارقة للعادة، وهي تربو على ألف، وقد جمعها وليد الأعظمي وغيره، حتى أربى بها الأصبهاني وغيره على ألف معجزة لرسولنا صلى الله عليه وسلم.

    ومن أعظم معجزاته القرآن الذي نتلوه.

    تثبيت الله له من أعظم انتصاراته

    وينتصر صلى الله عليه وسلم بالتثبيت: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً [الإسراء:74] وهذا التثبيت سلاح من الله عز وجل، فأحياناً يكاد الشخص ينهار فيثبته الله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] ويقول له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] فيسليه، ويقول: لا تهلك، نحن معك، ويقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] ويقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال:64] فإذا تأييد الله وتثبيته معه: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] وهذا أجمل من قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] لنوح، فقال لرسولنا صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48].

    ثم يصدقه الناس عليه الصلاة والسلام، وتكون العاقبة له، فيدخل الناس في دين الله زرافات ووحداناً: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:1-3].

    وهذه هي النتيجة الحتمية لهذا الدين، أن ينصر الله أولياءه، لكن بعد أن يمحصوا ويبتلوا ويفتنوا، ويصلوا إلى درجة استحقاق النصر، ولا بد من هذه: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف:110].

    إرسال الجيوش ومراسلة الملوك

    ومن انتصاراته صلى الله عليه وسلم: أنه أصبح يرسل الجيوش من الجزيرة لتغزو أطرافها، وأصبح يراسل الملوك من المدينة.

    قال أنس في الصحيح: {كتب صلى الله عليه وسلم إلى الملوك كتباً، فقالوا: يا رسول الله إن هؤلاء الملوك لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ صلى الله عليه وسلم خاتماً مكتوباً عليه: محمد رسول الله، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر}.

    واسمع إلى إحدى الرسائل، وتصور هذه اللحظة وهو في مكة صلى الله عليه وسلم، ويوضع السلى والدم والفرث على رأسه فيكتب: {بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أمَّا بَعْد فالسلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64]}.

    أبو عمار في جنيف قرأ الآية وأمامه اليهود والنصارى، فأحرجته آخر الآية فقال: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64] ثم وقف حمار الشيخ في العقبة، وآخر الآية تقطف رأسه ورأس شامير وأمثالهم: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) لأنها تخزيه أمام الناس:

    والحق يخزي ظلام الكفر في بجحٍ     كاللص يخشى سطوع الكوكب الساري

    والمقصود أن إحدى تفوقاته صلى الله عليه وسلم أنه يراسل الملوك، وبعضهم يرحب بالرسالة ويرفعها، وبعضهم يمزقها، فيدعو عليه: {مزق الله ملكه} فيمزق ويغتال بعد ليال.

    ويصبح الأبطال عنده صلى الله عليه وسلم يعقد لهم الرايات من على المنبر، خالد براية، وعكرمة براية، وعمرو بن العاص براية، والمغيرة براية، وأمثالهم كثير.

    تخرج القادة والأبطال والعلماء على يديه

    ومن انتصاراته صلى الله عليه وسلم: أن يخرج علماء ربانيين عباقرة من مسجده صلى الله عليه وسلم، مسجدٌ من الطين يخرج منه أعظم جيل أليس هذا من أعظم الانتصارات؟! المفسرون والمحدثون والفقهاء والجهابذة والقادة والساسة يخرجهم صلى الله عليه وسلم من المسجد، وهذا انتصار.

    وتصور أمامك وهو صلى الله عليه وسلم يودع أصحابه في آخر خطبه وكلماته، وهو ينظر إلى وجوه الصحابة وإلى الملأ الأعظم، ثم يتذكر تلك الدقائق التي عاشها في مكة يوم يطارده الكفار وليس معه إلا أربعة.

    الغنائم

    ومن انتصاراته صلى الله عليه وسلم: أن يصبح عنده ميزانية ضخمة، إحدى الغزوات غنم صلى الله عليه وسلم -كما قال ابن القيم في زاد المعاد-: 24000 رأس من الغنم، و(7000) من الإبل، غير الذهب والفضة، فأين يدخلها؟ هل أخذ شيئاً لنفسه؟ هل بقي بيته الأول بعد ثورة (17) سبتمبر؟ لا. ما تغير حاله، بيته الطين قبل الهجرة وبعد الهجرة، ثوبه ثوبه، أكله أكله، صحابته يتقاسمون، وصناديد العرب يأخذون من مائة ناقة، وهو لا يأخذ ناقة واحدة.

    في الصحيحين تقول عائشة: { كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يوتر، فإذا أراد أن يسجد غمزني فكففت قدمي} قالوا من فوائد الحديث صغر بيته صلى الله عليه وسلم: أي أنه ما يقارب مترين أو أقل من ذلك، هذا بيته صلى الله عليه وسلم، يقول أحد الجهابذة:

    كفاك عن كل قصر شاهقٍ عمد     بيتٌ من الطين أو كهف من العلمِ

    تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً     نصب الخيام التي من أروع الخيمِ

    إذا ملوك الورى مدوا موائدهم     على شهيٍ من الأكلات والأدمِ

    مددت مائدة للروح مطعمها     عذبٌ من الوحي أو نور من الكلمِ

    هذا هو رسولنا عليه الصلاة والسلام، الغنائم التي لا حد لها ولا مثيل يعطيها صلى الله عليه وسلم لضعاف الإيمان، الذي تقديره في الإيمان مقبول يعطيه مائة ناقة، أما أهل الامتياز أبو بكر وعمر فما يعطيهم شيئاً، وهذا عمرو بن تغلب وحديثه في صحيح البخاري يقول: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً وتركتني؟! فيقول صلى الله عليه وسلم: {إني أعطي بعض الناس لما جعل الله في قلوبهم من الهلع والجزع، وأدع بعض الناس لما جعل الله في قلوبهم من الخير والإيمان، منهم: عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها}.

    تأليف القلوب له

    ثم من انتصاراته: أن الله يؤلف عليه القلوب ويجمع عليه العرب، والعرب لا تجمعهم امبراطورية، ولا يجمعهم سيف أو مظلة إلا مظلة (لا إله إلا الله محمد رسول الله): هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62-63]؛ وهذا انتصار هائل أن يرى صلى الله عليه وسلم أعداءه يأتون إليه ويقفون أمامه معتذرين.

    وفي الحديث: أن أبا سفيان بن الحارث ابن عمه صلى الله عليه وسلم -وليس هو أبو سفيان بن حرب - أتى إليه صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله! والله ما أجد لك إلا كما قال إخوة يوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91] فقال عليه الصلاة والسلام: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92].

    ابن الزبعري هذا الشاعر الذي كان يقدح في الإسلام والمسلمين فرَّ إلى نجران، وفي الأخير لما رأى الجزيرة أسلمت أتى ووقف أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:

    مضت العداوة وانتهت أسبابها     وأتت أواصر دونها وحلومُ

    فاغفر عليك من المهيمن رحمة     تاجٌ يلوح وخاتم مختومُ

    كأنه يقول: انس يا رسول الله الماضي.

    وأتت هند تبايعه صلى الله عليه وسلم؛ وهي التي أكلت من كبد حمزة، فمدت يدها من وراء الستار لتصافحه، وما كان يصافح امرأة، قال: {ما هذه اليد التي كأنها يد سبع؟} -ما كانت تختضب، ولا تقلم أظفارها- قالت: أنا هند، فذكرها صلى الله عليه وسلم بما فعلت بـحمزة، قالت: يا رسول الله! عفا الله عما سلف، قال: عفا الله عما سلف، فما انتقم لنفسه أبداً، بل عاش صلى الله عليه وسلم منتقماً للا إله إلا الله، غاضباً لحدود الله فحسب.

    إخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب

    ومن انتصاراته صلى الله عليه وسلم: إخراج أهل الكتاب من الجزيرة.

    وهذا نصر بحد ذاته لا يتصور، واكتساح عالمي؛ لتبقى لا إله إلا الله مهيمنة، ومرتسمة، ولتبقى هذه الجزيرة مستقلة بالريادة والقيادة والإسلام، وهذه من انتصاراته عليه الصلاة والسلام.

    ظهور الإسلام

    ثم تحضره سكرات الموت صلى الله عليه وسلم، وتفيض روحه، وينظر أنه قد أسند الخلافة إلى ملأ من الناس، وأن دينه قد انتشر، واطمأن على مبادئه أنها قد اتضحت، وأن الله قد أهلك أعداءه من المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين، والمناوئين، والحسدة، وهذا هو الانتصار الخالد: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم:4-5].

    وانتصر عليه الصلاة والسلام، لكنه أتاه النصر بعد تلكمُ المعاناة والرحلة الطويلة، فقد عاش صلى الله عليه وسلم يدفع ثمن ذاك النصر من دمه وعرقه وجهده وماله وسمعته وأصحابه، وكل ما يملك، حتى أتاه النصر أعز ما يكون.

    والنصر الرخيص يذهب سريعاً ليس له قيمة، وهذا مثل النجاح المزيف، ينجح الطالب الذي يغش في الامتحان فلا يجد للنجاح طعماً، فالغشاش إذا رأى النتيجة: ممتاز (الأول) يضحك عليه قلبه، ويقول: أنت خائن في الداخل وخائن في الظاهر لا يفرح كثيراً مثلما يفرح الطلاب، أما الطالب الذي سهر، وألهب ذاكرته، وأسهر دقائقه وثوانيه، وحصل العلم بجدارة فإنه يفرح بالأولية والامتياز فرحاً باهراً.

    والذي يأخذ النصر رخيصاً يدفعه رخيصاً، ومن أخذ النصر عزيزاً لا يطلقه من يديه ويتهنأ بهذا النصر؛ وهذا ما حدث له صلى الله عليه وسلم يوم نصره الله.

    فهذه رحلة في محاضرة: (الرسول صلى الله عليه وسلم بين المعاناة والانتصار) وفيها دروس لكل خَيَّر على وجه الأرض من المسلمين، ولكل تابع له صلى الله عليه وسلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأن العاقبة للمتقين، وأنه لا بد من القوارع، واللذعات، واللدغات، والعصرات؛ ليعلم المسلم أن لا إله إلا الله, وليحصل على النصر، وليثبت من يثبت، وينتهي من ينتهي، وليصفى نخبة رائدة تحمل لا إله إلا الله، وتكون مرشحة لحمل هذا الدين.

    يقول كثير من العلماء: الذين ثبتوا في الغزوات هم أهل بدر وأحد، وهم أهل بيعة العقبة، أما مسلمة الفتح، فهل تدرون ماذا فعلت مسلمة الفتح؟

    فروا يوم حنين؛ لأن الإيمان في قلوبهم ضعيف، فمسلمة الفتح مثل الطالب المنتسب؛ تجد الطالب المنتسب لا يعرف إلا رءوس الأقلام من الإجابات، أما المنتظم فيعرف ما قال الأستاذ، ويعرف المقرر، وما في المذكرات.

    فلما أتت معركة حنين فر المنتسبون -(أهل حنين)- وبقي أهل بدر وأحد: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم:4-5] حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف:110].

    1.   

    قضايا للتأمل

    وأنا أختتم هذه المحاضرة بثلاث قضايا:

    القضية الأولى: هذه طريق الأنبياء والرسل؛ انظروها وتأملوها ما أصعبها، وما أشدها، وما أقواها، وما أشد ضريبتها! ولكن ما أحسن حلاوتها، ونتيجتها وعاقبتها! فيا من تقدم في طريقهم انتظر شيئاً مما أصابهم، وانتظر شيئاً من نتائجهم، واعلم أن هذا الطريق طريق التضحيات، فما دام الكافر يضحي بتضحيات، فأنت مسلم أولى بأن تضحي في سبيل الحق، قل:

    فإما حياة نظم الوحي سيرها     وإلا فموت لا يسر الأعاديا

    رضينا بك اللهم رباً وخالقاً     وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا

    القضية الثانية: أن الناس عندهم إيمان نظري بلا إله إلا الله، ولكن ينقصهم الإيمان العملي، وهذا لا يأتي بالدرس على السبورة، ولا بالمذاكرة في الامتحان، ولا بقراءة فتح المجيد وفتاوى ابن تيمية لكنه يأتي بالواقع، واللدغات، والصراع، والنكبات، حتى تعي العقيدة وعياً حياً لا تنساه أبداً.

    القضية الثالثة: أن علينا أن ننقل هذا الدين كما نقله صلى الله عليه وسلم، ولا ننتظر نصراً نقطفه نحن، فقد يتأخر، ولكننا يكفينا انتصاراً أننا بذلنا وتكلمنا وأعطينا وأسدينا، فإذا فعلنا ذلك فلا نقول: لماذا لا ينتصر العالم الإسلامي الآن؟ فالله عز وجل أعلم، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً، والعلم عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وكل شيء عنده بحسبان، وكل شيء عنده بأجل مسمى ولِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ، والله هو العليم سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    هذا ما حضرني في هذه العجالة مع رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    وأسأل الله عز وجل كما اجتمعتم حباً له صلى الله عليه وسلم ولتسمعوا الكلام عنه، أن يجمعنا وإياكم به صلى الله عليه وسلم في دار الكرامة، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، وأن يسقينا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وأن يثبتنا على سنته حتى نلقى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يجعلنا من أنصار دينه، ومن حملة كتابه، ومن المنتصرين لمبادئه، ومن الذابين عن حرمات دينه.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    كتب في المعجزات النبوية

    السؤال: ما هي الكتب التي تحتوي على معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم التي ذكرت في غضون المحاضرة؟

    الجواب: من هذه الكتب ومن أوسعها دلائل النبوة للإمام البيهقي، وقد مدحه الذهبي في ترجمة البيهقي في كلمة لوحظت من بعض المشايخ والعلماء، ولكن قالها الذهبي، يقول: كتبه كـالدلائل هدىً ونور وشفاءٌ لما في الصدور، مع العلم أن في الدلائل هذا أحاديث موضوعات كحديث الضب وحديث الحمار، والدلائل للأصبهاني فيه معجزات كثيرة، وكتاب الشمائل لابن كثير، وكتاب الشمائل للترمذي؛ وفيها أحاديث ضعيفة بل موضوعة، ولكن تحتوي في الجملة مع كتب الصحاح والسنن والمسانيد على معجزاته صلى الله عليه وسلم.

    ومن المتأخرين: وليد الأعظمي في كتاب المعجزات المحمدية.

    عدم الابتلاء لا يدل على ضعف الإخلاص

    السؤال: هل يلزم أن يكون الداعية السائر على طريق الحق والجهاد في الدعوة في الابتلاء الشديد وإلا كان ذلك نقصاً في إخلاصه ودعوته؟

    الجواب: أولاً: علينا ألا نتعجل البلاء، وألا ندعو الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالبلاء، ولكن نسأله العافية سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فإذا ابتلينا فعلينا أن نصبر، ومن أحسن الأدعية:

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والله أعلم بعباده، وعند الطبراني حديث: {إن الله تعالى يقول: إن من عبادي من لو أصححت جسمه لأفسدته، ومنهم من لو أسقمته لأفسدته، ومنهم من لو أغنيته لأفسدته، ومنهم من لو أفقرته لأفسدته، فأنا أعلم بعبادي، أصرفهم كيفما أشاء} أو كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالمقصود أن بعض الناس لا يعيش على الابتلاء ولا يستطيع أن يصبر له، فنسأل الله لنا ولكم العافية.

    وكان صلى الله عليه وسلم يدعو الله بالعفو والعافية، وقد علمه العباس بن عبد المطلب: {سل الله العفو والعافية} ولا يلزم أن يبتلى الداعية، بل قد يعافى في دينه، وجسمه، وعرضه، ويستمر، ولذلك ترى في سير كثير من الأئمة أنهم ما وجدوا صعوبات، لكن ربما ابتلوا في أمور الله أعلم بها، والله أعلم بعباده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    لكن الغالب العام من الأئمة والعلماء والدعاة أنهم يبتلون، قال الشافعي لـمالك: "أيهما أفضل يبتلى العبد أو يمكن؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى": وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3] قال المتنبي:

    تريدين وجدان المعالي رخيصةً     ولا بد قبل الشهدِ من إبر النحل

    حكم التمثل بأشعار الغزل في محبة الله

    السؤال: ذكرت في كتاب: ثلاثون درساً للصائمين، بيتاً وهو:

    وإني ليبكيني سماع كلامه     فكيف بعيني لو رأت شخصه بدا

    فقد قال قومٌ: إنه هنا تشبيه لصفات الله عز وجل، فحاولت على حسب علمي أن أبين لهم ولكن لم يقتنعوا، ولكن أرجو أن تبين الحق في هذه المسألة.

    الجواب: أولاً: يا أخي! شكر الله لك هذا الرأي، وأنا أخبرك بأن هذا البيت قيل في شخص وما قيل في الله، وكثير من الأئمة ومن العلماء يوردون هذه الأبيات، ولا يقصدون بها التشبيه، ولله المثل الأعلى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وإنما يخاطبون بها المخلوق، فيقول هذا لمحبوبه:

    وإني ليبكيني سماع كلامه     فكيف بعيني لو رأت شخصه بدا

    وهذا كثير يستدل به الأئمة، وهو على هذا المنوال، مثل قول ابن تيمية وقد ذكره ابن القيم في روضة المحبين ونزهة المشتاقين لما خرج إلى الصحراء في قصة تقي الدين بن شقير، فقال: رأيت ابن تيمية، قال: "لا إله إلا الله في الخلوة، ثم قال في الصحراء:

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالسر خاليا

    وهذا البيت لـمجنون ليلى، من قصيدة يقول فيها:

    وإني لأستغشي وما بي غشوةٌ     لعل خيالاً منك يلقى خياليا

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالسر خاليا

    ولله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى صفات تليق بجلاله، ولا نشبهه بصفات المخلوقين: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] فليتنبه لهذا.

    واجب الشباب بعد أزمة الخليج

    السؤال: ما واجب الشباب بعد انكشاف الغمة؟ وهل من كلمة إلى الشباب الذين ما زالوا في غفلتهم؟

    الجواب: الأمر الأول: في الأمس كان هناك ذكر عن معنى الغمة، وهل الغمة أن تقدم الأمة أبناءها مجاهدين في سبيل الله؟! وهل الغمة أن يستشهد عالم من هذه الأمة المحمدية التي عاشت على الشهادة؟! وهل الغمة أن نواجه المستعمر والطاغية والكافر بالسلاح ونقتله؟! وهل الغمة أن تستنفر الأمة لترفع لا إله إلا الله، ولتجاهد في سبيل الله؟!

    لا. هذا ليس من الغمة، وليس من الغمة أيضاً أن نبني على جماجمنا صروح لا إله إلا الله، فعلى جماجم مصعب وحمزة وخباب وابن رواحة وزيد وجعفر بنيت معالم لا إله إلا الله، لكن الغمة أن تنحرف الأمة عن منهج الله عز وجل، وتعيش خواءً عقدياً، والأمة في معظمهما الآن تعيش خواءً عقدياً، أي أن: العقيدة الحارة التي تعلمها أصحاب صلى الله عليه وسلم لا تعيشها الأمة، وهذه أمثلة:

    فالآن تجد الناس يخافون من الناس أكثر من خوفهم من رب الناس، وأنت فكر في نفسك فإنك تلاحظ ملاحظات البشر، ومراقبة البشر، فتتثبت في ألفاظك، وتتأدب في عباراتك، وإذا رآك تتكلم في بعض المسائل نظرت إلى السطح والجدران، وقلت: للجدران آذان، وإلى النافذة والهاتف، بينما تجد أحدنا يغتاب ولا يفكر في الله عز وجل، أو ينم، أو يسمع الأغنية، أو يفعل بعض المعاصي، فرقابة الناس عند بعض الناس أكثر من رقابة رب الناس عندهم.

    الأمر الثاني: أنك تجد أننا ندرس حتى في الابتدائية: {واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك} ونقرأ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36] مع العلم أننا لا نطبقها إلا القليل، فيوم جاءت الحرب وكانت الأمة في الأزمة، أخذ الإنسان يخاف من ظله، وبعض الناس يموت في اليوم مرات وهو يتحرى هذا الموت متى يأتي، وقرى نائية عن موطن الحدث سترت نوافذها.

    وأخذ الحيطة مطلوب، ولكن إلى درجة أن يجعل شبح الموت كأنه قيامة قامت، هذا ليس بوارد.

    ثم تجد الإنسان لا يعيش مسألة رعاية الله له وحماية الله له، مثلما عاشها السلف رضوان الله عليهم، وقد ذكرت قصة ابن تيمية فقد قيل -كما ذكر ابن عبد الهادي - أنه في الإسكندرية قالوا: "الناس يريدون قتلك؟ قال: كأنهم الذبان".

    وقد قال علي بن أبي طالب:

    أي يوميَّ من الموت أفر     يوم لا قدر أم يوم قدر

    يوم لا قدر لا أرهبه     وإذا ما جاء لا يغني الحذر

    ثم وجد أيضاً أن كثيراً من أهل الدنيا يبذلون لدنياهم أكثر مما يبذل أهل الدين لدينهم، وأنا أعرف وأنتم تعرفون أن من عامة الناس من رجال القبائل ومن غيرهم من يقاتل على أرضه ويذبح عليها لتبقى الأرض أرضه:

    فإن الماء ماء أبي وجدي     وبئري ذو حفرت وذو طويتُ

    ولو بلغت الأمور مبالغها، بينما تجد كثيراً من الأخيار الذين يجاهدون من أجل لا إله إلا الله يتنازلون في أول الطريق، حتى يقول أحدهم: للبيت ربٌ يحميه، والله يحمي الدين، وليس بحاجة إلينا، والله يتولى نصر دينه، وليس في حاجة لنا.. إلى آخر هذا الكلام، فهو يسلي نفسه، وهذا أمر معلوم.

    ثم قلت في المحاضرة: إن كثيراً من الناس، من حملة المذاهب الهدامة يبذلون ويضحون أكثر مما يضحي أهل الخير لدينهم ولرفعة كلمة لا إله إلا الله في الأرض.

    بل قد سمعنا من أخبارهم التي يسمونها بطولات، بل مغامرات، وسمعتموهم لما بدأت المعركة يقولون: جئنا نكتب التاريخ من جديد، مع العلم أنهم لا ينتظرون جنة وراءهم، ولا ينتظرون فوزاً ولا شهادة، ومع ذلك يقولون: جئنا نكتب التاريخ من جديد.

    إذاً: المسألة مسألة مبادئ.

    أما واجب الشباب بعد انكشاف الغمة، فإنني أرى أن يتحول اهتمام الشباب وعواطف الشباب إلى أمور عملية تنفعهم، فقد توجد أمور سلبية في حياة الشباب، ونضرب على ذلك أمثلة:

    أنك تجد الشاب يتصل إلى الناس وقت الدعوة فقط، أما تقديم الخدمات، والعون، والوقوف معهم؛ فقليلٌ من يفعل.

    تجد الشاب يعيش في الحي ولا يعرفه أهل الحي، يمرض المريض في الحي، ويحتاج المحتاج، وصاحب الغرض، والمسكين، والأرملة، وهو لا يقدم شيئاً من الخدمات، وإنما يرونه يوم الجمعة يلقي عليهم موعظة أو خطبة أو محاضرة فقط، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما ملك قلوب الناس بالخدمات التي قدمها صلى الله عليه وسلم.

    الأمر الثالث: يطلب من الشباب تكثيف سواد المؤمنين في وقت المحاضرات والدروس ومجامع الخير؛ لأنه انتصارٌ للا إله إلا الله محمدٌ رسول الله.

    ومن أسرار صلاة الجمعة وصلاة العيد أن يجتمع المسلمون كما في حديث علي عند الترمذي: {كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج من طريقٍ إلى العيد ويعود من طريقٍ آخر} قال أهل العلم: ليرى الناس هذه الكثرة الكاثرة، ويروا الاجتماع، فأرى أن الشباب، ولو كانوا يرون المحاضر أقل منهم علماً، أو لا يستفيدون، أو يسمعون كلاماً هو تحصيل حاصل، لكن حضورهم نصرٌ لهذه المبادئ، ونصرٌ للدعوة، وتأليف لقلوب المؤمنين، وإغاظة للمنافقين.

    ومن واجب الشباب كذلك: أن يقوم كلٌ بحسبه، وبطاقته، فإن بعضهم يجيد الكتابة، وبعضهم يجيد التأليف، وبعضهم يجيد الخطابة، وبعضهم يجيد التحدث، وبعضهم يجيد الدعوة العلنية، وبعضهم يجيد الدعوة الفردية، كلٌ فيما يخصه، فعلى الإنسان ألا يتقلد دوراً غير دوره، بل يبذل ما يستطيع هو بذله، ثم تتضافر الجهود كما فعل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فليس أصحابه كلهم خطباء، وليسوا كلهم مفتين، ولا علماء، ولا ساسة، ولا قادة، ولكن كلٌ في موضعه.

    أيها الإخوة الفضلاء: بقيت كلمة للنساء، وكل ما سبق من حديث يشمل النساء، فرسولهن رسولنا، ورسولنا رسولهن، والمنهج واحد، والكتاب والسنة لنا جميعاً: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران:195].

    ولكن ربما تنفرد النساء ببعض المسائل، ومن أعظم ما تطالب به المرأة الآن أن تتحصن بالإيمان أمام هذه المغريات، وأمام هذا الزحف الكافر الذي قصد المرأة، وتآمر عليها، وجعلها طريقاً لهدم هذا الدين، ومن أعظم الفتن والمداخل على العالم الإسلامي: فتنة المرأة، بل قد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: {ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وكانت فتنة بني إسرائيل في النساء} وما سقط كثير من الناس ولا كثير من المبادئ إلا عن طريق النساء وعن طريق المرأة.

    وهذا الذي هاجمنا به العالم الشهواني الغربي، يوم هاجمنا العالم الشرقي بالإلحاد والزندقة، هاجمنا العالم الغربي بالكأس والمرأة الفاتنة والأغنية الماجنة والموسيقى والمجلة الخليعة والفيديو الهدام، فكان من أعظم الفتن ومن أشدها فتنة النساء.

    فأنا أطالب من أختي المؤمنة أن تتحصن بالإيمان، وأن تستظل بمظلة لا إله إلا الله، ويكمن ذلك في أمور :

    الأمر الأول: الحجاب الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها أن تتصور أنه عفاف وستر، وأنه كرم لها وليس حجراً عليها، وليس شيئاً من الضيق، وليس تقليلاً من قيمتها، بل جعلها الإسلام درةً في صدف، وشمساً في غمامة، وريحانة في باقة، وهذا هو من مقاصد الإسلام.

    الأمر الثاني: أرى أن يكون لها بذلٌ في عالم الدعوة؛ فتنشر الرسائل والأشرطة، وتتصل بأخواتها، وتحمل هموم الدعوة في مجالسها الخاصة والعامة؛ لأن المرأة أسمع لكلام المرأة من المرأة للرجل، وهي أقرب اتصالاً بالنساء.

    الأمر الثالث: أن تجعل مجالسها في ذكر الله وما يقربها من الله، وتبتعد عن جليسات السوء، وعن التشبه بأعداء الله عز وجل من الكافرات والفاسقات.

    ثم أطالب المرأة أن تجدد توبة نصوحاً لله عز وجل، وأن تطلب من الله عز وجل أن يجعلها من عتقائه من النار، وأن تعرف أنها فرصة وحيدة قد لا تتكرر مرة ثانية.

    وأشكركم على حسن إصغائكم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.