إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عائض القرني
  4. الإنجاز العلمي في حياة الرسول

الإنجاز العلمي في حياة الرسولللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كم كان صلى الله عليه وسلم مجلاً للعلم والعلماء! وكم حث على العلم والتعلم! ولا غرابة في ذلك فإن أول كلمة أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم هي كلمة (اقرأ) فعاش صلى الله عليه وسلم كما وصف نفسه معلماً، وجعل خير الناس من تعلم القرآن وعلمه.

    1.   

    فضل العلم وأهله

    حمداً لمن بلغنا المراما     وزادنا من فضله إكراما

    ثم صلاة الله تترى ما سرى     برقٌ على طيبة أو أم القرى

    مع السلام يغشيان أحمدا     وآله المستكملين الرشدا

    حمداً لك اللهم علمتنا وما كنا لنتعلم، وفقهتنا وما كنا لنتفقه، رفعت بالإسلام رءوسنا وقد كانت مخفوضة، وشرحت بالإيمان صدورنا وقد كانت ضيقة، وأنرت بالعرفان عيوننا وقد كانت عمياً، وأسمعت باليقين آذاننا وقد كانت صماً.

    اللهم صل وسلم على رسولك الأمي، الذي فجر من الجزيرة الغبراء العلم للدنيا، الأمي الذي رفع الكلمة للبشرية فأسمع الدنيا، والأمي الذي خطب على منبر الحياة فسمعته الأجيال، والذي تكلم فكان أفصح خطيب، وأجل مفتي، وأحسن مدرس، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:

    فأشكر الله شكراً جزيلاً، وأثني عليه ثناءً عطراً جميلاً، ثم أشكر أهل الفضل، وعلى رأسهم مدير هذه الجامعة، معالي الدكتور/راشد الراجح.

    وأشكر العلماء الأفاضل النبلاء، ثم أشكر هيئة التدريس في الجامعة، وأشكركم أيها الإخوة الزملاء الطلاب، وأشكر الجمع، وأسأل الله أن يكتب هذه الجلسة في ميزان الحسنات، يوم تتساقط صحائف المبطلين، ويوم يندحر الغابرون، ويوم يفشل المهزومون الذين ما رفعوا الإيمان والحب والطموح.

    ربنا تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

    كان حقيقاً أن نتكلم في هذا الموضوع لسببين:

    السبب الأول: أن الرسول عليه الصلاة والسلام، شريعته متهمة من الأقزام والحقراء، ومن الذين يسيرون على التراب وهم أرخص من التراب.

    والسبب الثاني: أنني في جامعة غراء، أبدت نتاجها للعالم، طلابها، وكتبها، فكان أولى ما أقول في هذا العلم، وفي هذا الموضوع وهو الإنجاز العلمي في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    أما عناصر الموضوع:

    فأولها:حثه صلى الله عليه وسلم على العلم وفضل العلم.

    الثاني:تشجيعه صلى الله عليه وسلم للعلماء وللأساتذة والمربين.

    الثالث: طريقة تعليمه صلى الله عليه وسلم، كيف علم الناس وتندرج تحتها أربع مسائل:

    المسألة الأولى: القدوة بالعمل والتعليم بالقدوة.

    المسألة الثانية: ضرب الأمثلة.

    المسألة الثالثة: الخطابة والوعظ.

    المسألة الرابعة: مراعاة المناسبات.

    الرابع: مبدأ التخصص العلمي كما وضعه صلى الله عليه وسلم للناس.

    لقد قلت: إن من أسباب هذه المحاضرة: أن شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام تعرضت للنقد اللاذع من أعداء البشرية والإنسانية، أعداء الإنسان يوم يكون مؤمناً، وهذه سنة الله الخلقية الكونية والشرعية الأمنية؛ قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] وقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

    اسمع معي إلى أبي العلاء المعري في مقطوعة جميلة له عن العظماء والأقزام وعن النبلاء والحقراء يقول:

    إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل

    وقال السهى للشمس أنت كسيفة     وقال الدجى للبدر وجهك حائل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمة     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    أما قضية فضل العلم، وحثه صلى الله عليه وسلم عليه، فأكبر إنجاز وضعه صلى الله عليه وسلم للبشرية أنه كان معلماً عليه الصلاة والسلام، والحديث الذي عند الحاكم، ولو أن فيه نظراً: (إنما بعثت معلماً).

    إذا علم هذا؛ فليس العجيب أن يبعث معلماً يعلم الناس، وليس العجيب أن يتكلم خطيب في البشرية، لكن العجيب أن يأتي أمي من بين جبال مكة السود فيخاطب البشرية وهو أمي، يقول أحد الشعراء:

    أتطلبون من المختار معجزةً     يكفيه شعب من الأموات أحياه

    ويقول آخر:

    كفاك باليتم في الأمي معجزةً     في الجاهلية والتأديب في اليتم

    فيوم أن بعث صلى الله عليه وسلم لا قرأ، ولا كتب، وما تعلم، ولكن علمه الله بعد أربعين سنة، ليخرج عالماً عليه الصلاة والسلام، لكن عالم أعجز العلماء، وعظيم أعجز العظماء، ومربٍ أعجز المربين.

    الله رباه، والله علمه، والله فقهه.

    الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ميز بالعلم حتى الكلاب، فالكلب المعلم صيده حلال، لكن الكلب الجاهل غير المعلم صيده حرام؛ ولله در من قال:

    وميز الله حتى في البهائم ما منـ     ها يعلم عن باغ ومغتشم

    قال تعالى: مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] الهدهد حيوان طائر، لكنه يوم أن عرف علماً، تبجح أمام سليمان عليه السلام، وقال وجئتك من سبأ بنبأ يقين، ولذلك قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9] ثم ترك الجواب، أي: لا يستوون. وقال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43].

    أيها الأساتذة الأخيار! يا دعاة العالم! -يوم ألا يكون للعالم إلا أنتم- إن داعيتكم الأول الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بهذه الآيات، فيوم أراد الله أن يستشهد على ألوهيته استشهد العلماء، قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] والله يقول في الآيات: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49].

    إذا علم هذا؛ فتعال معي إلى تشجيعه صلى الله عليه وسلم للعلم، وقد ورد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يذهب بعلمه إلى الحداد الذي ينفخ الكير وهو خباب بن الأرت، فيعلمه وهو على كيره، فيقول الجاهليون: يعلمه خباب القرآن، فيقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَ لَقدْ تَعْلَمَ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103] كيف يعلم الأعجميُّ العربيَّ؟! كيف يعلم اللكن اللسنَ؟! كيف يعلم العييُّ الفصيح؟! كيف يعلم التلميذُ الشيخَ؟! لا يكون هذا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام هو كما قال الله له مبتدئاً بالعلم؛ قال تعالى:فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] قال البخاري في الصحيح: (فبدأ بالعلم قبل القول والعمل).

    وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال: قال صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها أرضٌ طيبة -وعند مسلم نقية- قبلت الماء، فأنبتت العشب الكثير، وكان منها أرض أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا، وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) وما أحسن هذه الكلمات.

    بالله لفظك هذا سال من عسل       أم قد صببت على أفواهنا العسلا

    أم المعاني اللواتي قد أتيت بها      أرى بها الدر والياقوت متصلا

    لماذا قال في الحديث: الغيث، ولم يقل: المطر؟ ولماذا قال: بعثني، ولم يقل: أرسلني؟ ولماذا قال: أرض طيبة، ولم يقل: تربة طيبة؟ ولماذا قال صلى الله عليه وسلم: الهدى، والعلم، ولم يقل: الهدى ويسكت، أو قال: العلم، ويسكت؟ هذه أسرار بلاغية في الحديث.

    أما قوله الغيث ولم يقل المطر، فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى لا يذكر الغيث إلا للرحمة مطلقاً أو غالباً في القرآن، وإذا أراد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى العذاب قال: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173] فعدل صلى الله عليه وسلم من المطر إلى الغيث قال القرطبي " لأن الغيث صافٍ من السماء " فشبه علمه بالغيث الصافي الذي لم تخالطه الفلسفة، ولم يدخله المنطق، أخزى الله الفلاسفة والمنطقيين، فدحرهم في دورهم وعقر حلوقهم.

    ابن تيمية يقول: " المنطق لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سمين فينتقى، ولا سهل فينتقل" وقال: " المنطق لا ينتفع به الذكي ولا يفهمه البليد " وقال: " إن الله سوف يسأل المأمون -الخليفة العباسي- عما أدخل في خلافة المسلمين من المنطق، نحن أمة قال الله وقال رسوله، لا خزعبلات ومفتريات ابن سينا، وأمثال ابن سينا، أذناب الصابئة وأفراخ المجوس.

    تلازم العلم والعمل والإيمان

    أتى صلى الله عليه وسلم بعلمه من السماء، قال: {مثل ما بعثني به الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث} والغيث فيه غوث للقلوب وكذلك العلم، وقال عليه الصلاة والسلام: {من العلم والهدى} لأن رسالته صلى الله عليه وسلم أتت بالعلم الذي هو العلم النافع، والهدى العمل الصالح.

    ولذلك قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم -نقلاً عن سفيان بن عيينة -: " من فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود " لأن رسالته صلى الله عليه وسلم ليست ساذجةً تعبديةً تقليديةً، وليست علميةً تنظيريةً؛ بل جمعت بين العلم والعبادة، وبين الفكر والإرادة، وبين المعتقد والسلوك، ولذلك ذم الله بني إسرائيل بأنهم تعلموا لكنهم لم يعملوا بعلمهم، قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ الأعراف:175-176] ووصف الله بني إسرائيل بصفة الحمار:

    كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] والحمار لا يفهم ولا يعقل ولو حمل الأسفار على ظهره؛ لأن السر فيه أنه حمار.

    تقول له زيداً فيسمعه عمراً     ويكتبه بكرا ويقرؤه فهرا

    قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال: اسأل من يدقني!

    لذلك إذا لم يكن هناك إرادة وإيمان فلا ينفع العلم:

    لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى     ولا زاجرات الطير ما الله صانع

    ولذلك لا يكون العلم بحفظ المجلدات والمصنفات، ولكنه إرادة إيمانية، ولذلك قال الله تعالى: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ الروم:56]؛ لأن العلم بلا إيمان علمانية أتاتوركية

    موتاً أتاتورك الدعي     كموت تيتو أو جمال

    وأتاتورك عَبَدَ العلم، وعَبَّدَ الأتراك للعلم، وجعل العلم إلهاً يعبد من دون الله، وقال: لا إله إلا العلم.

    فعلم بلا إيمان خسارة وتباب، يقول أبو الحسن الندوي ذاك المفكر المحبوب سقى الله عظامه يوم يموت من شآبيب الجنة: " عين بلا إيمان مقلة عمياء، وقلب بلا إيمان كتلة لحم ميتة، ومجتمع بلا إيمان قطيع من البهائم السائمة".

    ونحن نقول: وقصيدة بلا إيمان كلام مصفف، وكتاب بلا إيمان كلام ملفف، وكلمة وخطبة بلا إيمان صهيل وزمجرة لا فائدة فيها.

    إذا علم هذا؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يجمع بين العلم والإيمان، وأراد أن يجمع بين العلم والعمل.

    والنصارى عبدوا الله لكن لم يتعلموا، واليهود تعلموا ولم يعبدوا، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] والنصارى عبدوا الله، صلوا وركعوا وسجدوا، لكنهم متخلفون رجعيون لا يفهمون ولا يعقلون: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27].

    أما أشباه اليهود -كما يقول ابن تيمية - فهم فسقة العلماء.

    أرأيتم طالب علم يتخرج من جامعة ثم يكون فاسقاً؟! ما أدهاه! لو كان راعي غنم كان أفضل له، لكن يتخرج من الجامعة، ثم يكون فاسقاً عربيداً، هذه هي المشكلة.

    فأشبه اليهود فسقة علماء الأمة نعوذ بالله من الفسق، وأشبه النصارى غلاة الصوفية، يأتون بأمور تضحك الذي هو في سكرات الموت.

    يقول الخطابي في كتاب العزلة: " أتى صوفي غالٍ فأخذ شيئاً بغراءٍ ألصقه على عينه اليسرى، فقالوا: مالك؟ قال: إسراف أن ننظر إلى الدنيا بعينين، فقال: انظروا إلى هذا المخرف كيف جحد نعمة الله، والله يمتن على الناس ويقول: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10].

    وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: " رؤي صوفي يقرأ وهو ينعس في صلاة الظهر، قالوا: " مالك؟ قال:سهرت البارحة في النافلة؛ فما استطعت أن أصلي الظهر إلا وأنا ناعس، قال: فانظر إلى جهله كيف صلى النافلة حتى ترك الفريضة ".

    إذا علم هذا؛ فشجع صلى الله عليه وسلم العلماء بأن الله بعثه معلماً عليه الصلاة والسلام، يقول لـمعاذ: {إنك تأتي يوم القيامة تقدم العلماء برتوة} والرتوة: رمية بحجر أو بخطوة؛ يقود العلماء، سلام على معاذ! يقول ابن مسعود:[[معاذ كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ] معاذ عاش ثلاثاً وثلاثين سنة، لكنها تعادل في ميزان الحق والإيمان ثلاثاً وثلاثين قرناً، كان يتكلم بعلم، ويفتي بعلم، وهو حسنة من حسنات المصطفى صلى الله عليه وسلم، في سنن أبي داود بسند جيد قال: {أخذ صلى الله عليه وسلم بأصابعه فشبك أصابعه بأصابعه وقال: يا معاذ والله إني لأحبك} معلم البشرية يقول لأحد تلاميذه: {والله إني لأحبك، فيقول معاذ: فوالله يا رسول الله، إني أحبك، فيقول رسول الله:يا معاذ لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول:اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك}.

    حضرت الوفاة معاذاً في الشام، فلما حضرته سكرات الموت، ما ندم على قصر بناه، ولا على نهر أجراه، ولم يشتغل بالحدائق والقصور لكنه بكى، قالوا: مالك تبكي؟ قال: [[مرحباً بالموت، حبيباً جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لرفع القصور، ولا لعمارة الدور، ولكني كنت أحب الحياة لثلاث خصال: لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولمجالسة قوم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر، ولأعفر وجهي ساجداً لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ].

    ومما زادني شرفاً وفخراً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبياً

    خرج ابن المبارك العالم الجليل من أم القرى -يا أهل أم القرى - ببغلته للجهاد، وترك الحلقة في الحرم، قالوا: الفريضة بمائة ألف صلاة؟! فردد بيتيه المشهورين:

    بغض الحياة وخوف الله أخرجني      وبيع نفسي بما ليست له ثمنا

    إني وزنت الذي يبقى ليعدله      ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

    وذهب إلى الجبهة وقاتل، وأتته رسالة من العالم الفضيل يشجعه على العلم، لكن العلم يشجع أصحابه على التخصصات في وقتها، فكتب ابن المبارك إليه يقول له:

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنا     لعلمت أنك بالعبادة تلعب

    من كان يخضب خده بدموعه     فنحورنا بدمائنا تتخضب

    1.   

    حثه صلى الله عليه وسلم على العلم

    الرسول صلى الله عليه وسلم يحث العلماء فيقول كما في صحيح البخاري: (رأيت البارحة) صلى الله عليه وسلم، ورؤياه حق، قال البخاري في الصحيح: باب رؤيا الأنبياء حق، وقال الله عز وجل عن إبراهيم: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102] فقام يذبح ابنه فرؤياهم حق، قال عليه الصلاة والسلام: (رأيت البارحة، كأني أتيت بإناء من لبن فشربته حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري -ري العلم- قال: ثم أعطيت فضلتي عمر بن الخطاب، قالوا:فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم) فـعمر بن الخطاب من أعلم الناس، وهو ما شرب إلا فضلة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    وفي الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (رأيت البارحة أن الناس عرضوا عليَّ، وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب عليه قميص يجره، قالوا: بم أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين) فأقوى الناس ديناً بعد أبي بكر، عمر، نشهد الله على حبه، اللهم اجمعنا بـعمر في مستقر رحمتك، وسقى الله تلك العظام!

    ذكر صاحب تاريخ داريا بسند جيد، قال:[[كان عمر يخطب على المنبر يوم الجمعة، وجيشه وراء نهر سيحون، أو قريباً من نهر سيحون، فكشف الله له الغطاء حتى رأى الجيش، وهو على المنبر في المدينة، ورأى سارية يحاصر من كل جهة، وقال:يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، ونزل، قال الصحابة: مالك؟! قال: أراني الله سارية فأخبرته، ثم أتى سارية منتصراً بعد شهر، قالوا: ماذا حدث لك؟ قال:حوصرت في مضيق، فسمعت -يوم الجمعة والخطباء على المنابر- صوت عمر الذي لا أنكر، وهو يقول: يا سارية الجبل، فألجأني الله للجبل]].

    ابن عباس ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالفقه

    وابن عباس يشجعه صلى الله عليه وسلم على العلم، ولو كان هناك أفضل من العلم، لدعا له صلى الله عليه وسلم به، يقول ابن عباس: بت عند خالتي ميمونة وأتى عليه الصلاة والسلام ورآه نائماً -وهو لم ينم، لكنه متناوم، ليرى السنة والدعاء في الليل- قال لـميمونة: نام الغليم؟ قالت:نعم، وهو ما نام.

    نامت الأعين إلا مقلة      تذرف الدمع وترعى مضجعك

    قال: فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكر الله، وهلل وكبر، ثم نام، قال:حتى سمعت غطيطه -وفي البخاري خطيطه- والخطيط والغطيط صوت يحدثه النائم- فانظر إلى هذا الذكي يحفظ الغطيط والخطيط والدعاء، وآداب الوضوء، وكيف صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة.

    ثم استفاق صلى الله عليه وسلم يعرك النوم من عينيه ويقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار [آل عمران:190] فعرف ابن عباس أن الرجل إذا قضى حاجته، يحتاج إلى ماء، وهذا من الفقه في الدين، ووضع الماء ورجع ينام، وأتى صلى الله عليه وسلم يسائل نفسه وقال: من وضع لي الماء؟ ثم عرف، قال: {اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} وهذه ليلة الميلاد في حياة ابن عباس، ولد ابن عباس في تلك الليلة، لأن للإنسان مولدين: مولد جسماني، ومولد روحاني، فمولده الجسماني يوم يسقط من بطن أمه:

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا      في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    ومولده الروحاني يوم يولد في الإسلام، وينغمس في الإسلام، ويرتدي رداء الإسلام، فـابن عباس ولد تلك الليلة، قال: {اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} وسمع ذلك الدعاء وحفظه، وبدأت حياة الفقه في الدين، يأتي عن يساره صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل؛ فيجره إلى يمينه ويستمر في الصلاة، ودعوة اللهم فقهه في الدين، تطن في أذنه دائماً وأبداً.

    قال ابن عباس: قال لي أحد الناس من الأنصار: يا ابن عباس، لماذا تطلب العلم، وتجهد نفسك؟ أتظن أن الناس يحتاجون إليك، -أي أنك تبقى حتى يحتاج إليك الناس- قال ابن عباس:فوالله ما زلت أطلب العلم، حتى رأيت ذلك الرجل واقفاً يسألني في مسائل.

    وقال ابن عباس:[[والله الذي لا إله إلا هو، لقد كنت أخرج من بيتي، فأضع رأسي عند باب الأنصاري؛ فتسف علي الريح بترابها حتى يخرج الأنصاري في القيلولة؛ فأسأله]].

    ولذلك آتاه الله علماً جماً، قال أبو وائل: [[والله لقد رأيت ابن عباس يوم عرفة يشرح سورة البقرة آية آية من صلاة الظهر حتى صلاة المغرب، لو سمعه اليهود والنصارى لأسلموا عن بكرة أبيهم]] العلم شيء عجيب إذا اقترن بالإيمان.

    أبو هريرة وحثيات الرسول صلى الله عليه وسلم

    يأتي أبو هريرة، وهو فقير إلى المدينة وكان يسمع الأحاديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يكتب ولا يحفظ، فقال: يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً؛ فادع الله أن يفقهني أو يحفظني، قال: ابسط رداءك، فبسط رداءه، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثو حثواً معنوياً، ويقول: اللهم حفظه أو فقهه -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- وقال: ضم رداءك، قال: فضممت ردائي، فوالله ما نسيت بعدها حرفاً أبداً.

    ومن أراد أن يعرف حفظ أبي هريرة فليقرأ كتاب دفاعاً عن أبي هريرة لـعبد المنعم الصالح العلي العزي الذي لو كان في الكتب معجزة، لكان ذلك الكتاب، الذي رد به على أبي رية -رواه الله من نار تلظى- وعلى جولد زيهير المجري الذي تهجم على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    يقول أبو هريرة:{يا رسول الله! من أسعد الناس بحسن شفاعتك} والحديث في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام:{لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني أحدٌ عن هذا قبلك، لما علمت من حرصك على الحديث} وقد بوب البخاري على هذا الحديث باباً فقال: باب الحرص على الحديث، فأثنى عليه صلى الله عليه وسلم بهذا، ثم أجابه {أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه}.

    أبي بن كعب سيد القراء

    أتى عراقي عند عمر بن الخطاب، وكان أبي أبيض اللحية، وأبيض الرأس، وأبيض الثياب، بياض على بياض، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فابيضت لحيته وابيض رأسه، قال الذهبي: دعا على نفسه بالحمى؛ لأنه سأل الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال:{يا رسول الله أما يصيبنا من أمراض كفارة؟ قال إي والذي نفسي بيده يا أبا المنذر لا يصيبك هم أو حزن أو مرض، حتى الشوكة تشاكها إلا كفر الله بها من سيئاتك} فقال أبي: [[اللهم إني أسألك حمى لا تعطلني عن فريضة ولا عن حج ولا عن عمرة ولا عن جهاد]] فأصابته حمى أربعين سنة.

    يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: أكسبته الحمى شراسة رضي الله عنه وأرضاه فكان يقف بجانب عمر وعمر يتحذر بالكلام إذا وُجد أبي، يراقب أبي لأن أبي سيد القراء، وأبي لحدة الحمى كان أبيض اللحية، وأبيض الرأس والثياب، نور على نور.

    وكان عمر إذا تحدث يقول لـأبي: أهكذا؟ فيقول أبو المنذر: نعم.

    فيقول العراقي لـعمر بن الخطاب: من هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: ثكلتك أمك، أما تعرف هذا؟! هذا سيد المسلمين، أبي بن كعب يقول له صلى الله عليه وسلم: {يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟} والحديث في مسلم،فيستحي، فانظر إلى الأدب، أصبحت الفتيا عندنا تبرعاً في سبيل الله، ونتسابق في المجلس أيُّنا يفتي، ونحن نتسابق على مزلة من النار، يقول أحد التابعين:[[والله إنكم لتفتون في مسائل، لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر]] فقال: {يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: لا أعلم، فقال الرسول: يا أبا المنذر،أي آية في كتاب الله أعظم؟ فيقول: آية الكرسي، فضرب على صدره -هذا خاتم الشهادة ووسام النبل- وقال له: ليهنك العلم أبا المنذر} إي والله، العلم الذي يحسد عليه.

    {نزلت سورة البينة، والتي جاء بها جبريل، وقال: يا رسول الله إن الله يأمرك أن تقرأ هذه السورة على أبي، فذهب إلى أبي، وقال: يا أبي، أمرني ربي أن أقرأ عليك هذه السورة، فقال: وسماني؟! قال: نعم. قال: في الملأ الأعلى، فانهد يبكي} أبي رجل من الأنصار ما كان يدرى عنه، لكن جعله الإسلام عظيماً من العظماء، فالرسول صلى الله عليه وسلم شجعه، وقال:{ ليهنك العلم} وهو العلم الذي يغبط عليه، ولذلك جاء في الصحيحين {لا حسد إلا في اثنتين -يعني غبطة- رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار} وفي رواية ابن مسعود {رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق}.

    منزلة العلماء في عصر السلف

    ابن أبي الجعد مولى، وكلنا عبيد لله، من المدينة، كان مع سيده لا يكنس، ولا يطبخ، ولا يذبح... كلٌ على مولاه، أينما يوجهه لا يأتي بخير، قال له مولاه: "قد أعتقتك لوجه الله، والله ما أعتقتك إلا وقد عجزت فيك، ما تجيد شيئاً"، قال: "فماذا أفعل؟!" قال: "اطلب العلم"، قال: "فجلست سنة أطلب العلم، وبعد سنة استأذن علي أمير المدينة في القيلولة، فلم ءاذن له؛ فرجع من عند الباب".

    وعطاء بن أبي رباح: كان أشل أفطس، يقول أحد التابعين: لو جمعت العيوب في الناس لاجتمعت في عطاء.

    اجتمع ببابه الناس حتى الخليفة سليمان بن عبد الملك أتى يسأله، فقال لـسليمان: خذ دورك مع الناس ولا تتقدم عليهم وهو خليفة الأمة الإسلامية، قال: فرجع سليمان حتى أتى دوره ثم سأل عطاء فولى، فقال سليمان لأبنائه: "تعملوا العلم، والله ما ذللت لأحد من الناس كما ذللت اليوم لهذا العبد" لأن عطاء عبد، وكلنا عبيد لله، قال الأندلسي لابنه مشجعاً على العلم:

    "

    هو العضب المهند ليس ينبو      تصيب به مضارب من أردتا

    وكنز لا تخاف عليه لصّا      خفيف الحمل يوجد حيث كنتا

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددتا

    فبادره، وخذ بالجد فيه     فإن أعطاكه الله انتفعتا

    وإن أوتيت فيه طويل باع     وقال الناس: إنك قد رأستا

    فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ     علمت فهل عملتا

    الرسول عليه الصلاة والسلام يشجع ويحث طالب العلم، ويقول: {إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع} ويقول صلى الله عليه وسلم: {من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة} رواه مسلم، وعند البخاري ومسلم من حديث معاوية: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين} أي من مفهوم المخالفة أن من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين.

    1.   

    طرق تعليمه صلى الله عليه وسلم

    الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقارنه أحد في تفوقه وعظمته، ولذلك أخطأ عباس محمود العقاد يوم أن قارنه بـنابليون.

    من نابليون؟ إنما هو ملحد من الملاحدة، كيف يجعله في صف محمد النبي الطاهر الصفي صلى الله عليه وسلم؟! لقد أخطأ خطأً بيناً:

    ألم تر أن السيف ينقص قدره     إذا قيل: إن السيف أمضى من العصا

    وطرقه صلى الله عليه وسلم في التعليم أربع طرق:

    الطريقة الأولى: التعليم بالقدوة

    أولها: التعليم بالقدوة وبالعمل، قال تعالى حاكياً عنه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    فكان يعمل العمل ويقول للناس: افعلوا كما أفعل، ففي حديث البخاري عن مالك بن الحويرث: يقول صلى الله عليه وسلم:{صلوا كما رأيتموني أصلي} وفي الصحيحين كما في حديث سهل بن سعد أنه قال: {قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فصلى بنا، فصلى الناس بصلاته}.

    يا أيها الفضلاء! يا أيها الدعاة! يا أيها العلماء! إن الذي ينقصنا اليوم في مدارسنا وجامعاتنا هو التطبيق للعلم، تطبيق بالعمل، والعجيب أن الكافر العميل يعرف هذا المبدأ، فالكفار ينشرونها في كتبهم، حتى يقول الأمريكي دايل كارنيجي في كتابه دع القلق وابدأ الحياة: "إنك إذا لم تطبق للناس علمك؛ فإنهم لن يتعلموا منك أبداً " والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، دخل الجنة} هذا حديث مسلم عن عثمان.

    وفي الحج: الرسول صلى الله عليه وسلم يحج، ويقف بنفسه في عرفات، ويرمى الجمار، ويبيت في مزدلفة، وفي منى، ويقول:

    {خذوا عني مناسككم}.

    التطبيق للعلم هذا هو الذي عرضه صلى الله عليه وسلم للبشر، كان يقول لهم:كونوا صادقين، ويكون هو صلى الله عليه وسلم أصدق صادق في الدنيا، يقول: قدموا دماءكم في سبيل الله، ويتلو عليهم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111] ويكون أول من يقدم دمه صلى الله وسلم عليه، يقول في معركة بدر قبل المعركة بدقائق: {يا أهل بدر! -يعني المسلمين- إن الله اطلع عليكم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والذي نفسي بيده يا أهل بدر! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء؛ فتدخلون الجنة}.

    فيأتي عمير بن الحمام الزاهد، العابد، الفقير، الذي ما عنده إلا سيفه يوم ترك ذريته وداره في المدينة فقال: يا رسول الله! أسألك بالله ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟! قال: والذي نفسي بيده ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء، فرمى بتمرات كن معه، ثم كسر جفن سيفه، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، وأخذ درعه، وخلعه من على أكتافه، ولذلك ورد في الأثر: {إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يضحك -كما يليق بجلاله- من العبد؛ يلقى العدو حاسراً} مثل عمير بن الحمام - فتقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه، لكن القدوة بالتعليم، يوم يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في أول القتال يصاب، ويضرب صلى الله عليه وسلم، ويقول للناس: جاهدوا المشركين وهو أول مجاهد، يدعوهم لقيام الليل، وهو يقوم الليل ويبكى من خشية الله وخوفه.

    في سنن أبي داود وسنده حسن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، قال: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء} المرجل: القدر إذا استجمع غلياناً، من البكاء من خشية الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هذه من طريقة التعليم بالقدوة.

    أما القدوة بالعمل فالسلوك والأدب والتقوى، يقول عليه الصلاة والسلام:{أنا أعظمكم وأتقاكم لله} وصدق، والله إنه أتقانا لله، وأعرفنا به، وأخشانا له، صادق يقول الصدق، مخلص يقول الإخلاص، منيب يعرف الإنابة.

    الطريقة الثانية: ضرب الأمثلة

    ومن طرق تعليمه صلى الله عليه وسلم ضرب الأمثلة، يأتي عليه الصلاة والسلام يقول: {إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أتى إلى قومه وقال: يا أيها القوم! إن العدو سوف يصبحكم، فأنا النذير العريان} النذير عند العرب، هو: الذي ينذرهم جيشاً أو عدواً أو خصماً، والعريان:كان العرب إذا أرسلوا نذيراً خلع ثيابه وبقي عارياً، فعرفوا أن الخطر مدلهم.

    وموقف آخر، عندما أتاه أعرابي -وانظر إلى الأعراب- وغلظتهم يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور:63] أي: تأدبوا مع محمد صلى الله عليه وسلم، أتدرون من هو؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم، رسول البشرية، معلم الإنسانية، مزعزع كيان الوثنية، فيأتي الأعرابي، فيمسك بجبته صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أنس الذي أصله في الصحيحين وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية فجذب به حتى أثر على رقبة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالتفت صلى الله عليه وسلم -هل التفت مزمجراً؟ هل التفت مغضباً؟ لا، إنما التفت صلى الله عليه وسلم متبسماً ضاحكاً- ولما التفت إلى الأعرابي مبتسماً عليه الصلاة والسلام قال: مالك؟ ماذا تريد؟ قال: يا رسول الله! أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك، فضحك صلى الله عليه وسلم، وأعطاه مالاً، فعاد الأعرابي وهو يقول:جزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيراً، فقال صلى الله عليه وسلم للناس: أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له دابة فنفرت فتبعها الناس فازدادت نفوراً، فأتى بخضار الأرض فأتت الدابة فأمسكها. فإن هذا الأعرابي لو تركتكم وإياه؛ لترك الدين ومات كافراً ودخل النار؛ فهذا مثل ضربه صلى الله عليه وسلم؛ لتستقر هذه الحقيقة.

    وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً يبين فيه الأجل والأمل للإنسان، فرسم مربعاً، وخط خارج المربع، خطاً، وهو الأمل، والأجل طرف المربع الذي يفصل هذا الخط، والإنسان داخل المربع، وقال: {هذا الإنسان، وهو وهذا أمله، وهذا أجله وهذه العوارض إن أخطأه هذا نهشه هذا}.

    ونحن هنا ذكرنا بعض الأمثلة التي ذكرها صلى الله عليه وسلم وإلا فهي كثيرة جداً والمقصود منها هو: أن نعرف كيف نضرب الأمثلة للناس ونعلم أن هذا منهج قرآني، كما يقول تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً [النحل:75] ثم يضرب سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عدة أمثلة في القرآن.

    الطريقة الثالثة: التعليم بالوعظ

    ثالثها في تعليمه صلى الله عليه وسلم للناس: تعليمه بالخطابة والوعظ:

    وإذا خطبت فللمنابر هزة     تعرو الندي وللقلوب بكاءُ

    وإذا صحبت رأى الوفاء مجسماً      في بردك الأصحاب والخلطاءُ

    وإذا أخذت العهد أو أعطيته     فجميع عهدك ذمة ووفاءُ

    يخطب صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة؛ فتدمع القلوب قبل العيون، ويتكلم في الناس؛ فتبكي الأرواح قبل المقل، يتكلم عليه الصلاة والسلام، فتهتز المنابر؛ بل جزع الجذع لما فارقه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جابر في الصحيح. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيد الخطابة، بل هو أعظم خطيب عرفته البشرية، مع أنه ما درس الخطابة، لكن علمه الله عز وجل إياها، فدعا بها.

    والوعظ كذلك كان من منهجه صلى الله عليه وسلم؛ ولا بد للمسلمين في الدعوة من أمرين: من منبر للوعظ، ومن حلقة للتدريس، منبر الوعظ يشحن القلوب ويقودها إلى باريها، وحلقة الدرس هادئة تربي العلم التأصيلي في النفس، فلا بد من خطباء ووعاظ، ولا بد من علماء وفقهاء مؤصلين.

    الطريقة الرابعة: مراعاة المناسبات

    من الحكمة كل الحكمة أن تراعى المناسبات، يقول المتنبي:

    فوضع الندى في موضع السيف بالعلا     مضر كوضع السيف في موضع الندى

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف البيئة التي يتكلم فيها، ويخطئ كثير من الدعاة، فيتكلم لأهل البادية بكلام الحاضرة، ويتكلم لأهل الحاضرة بكلام البادية، وذلك جهل بأسلوب الدعوة، فالرسول عليه الصلاة والسلام يتكلم لكل فئة بما يمكن أن تدركه عقولها، قال علي بن أبي طالب: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]] وقال ابن مسعود:[[إنك لست محدثاً قوماً لا تبلغه عقولهم، إلا كان على بعضهم فتنة]].

    الرسول عليه الصلاة والسلام يحدث أبا بكر، بحديث خاص، فيخصه، لا بأمر عام تحتاج إليه الأمة، بل يحدثه بأمور في الإدارة لأنه إداري، ويحدث ابن عباس بوصاية للشباب كقوله في الترمذي:{احفظ الله يحفظك} ويحدث زيداً في الفرائض؛ لأنه يقول: {أفرضكم زيد} ويحدث النساء بشئون النساء، والأحكام التي تهمها.

    فمراعاة المناسبات أمر راعاه صلى الله عليه وسلم في العلم، وفي العرض العلمي.

    1.   

    مبدأ التخصص في حياته عليه الصلاة والسلام

    دعوة التخصص هي دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم

    كثير من الناس اليوم يقولون: التخصص هذا قتل العلم، ولا يصح أن يكون هناك تخصص، والتخصص هو مذموم، وفي كلامه حق وباطل، أما الحق فعلى طالب الحق أن يكون عنده حد أدنى من العلوم، وقدر مشترك من العلوم الإسلامية، لكنه يبرز في ناحية من النواحي، ولا يكون قوته في كل ناحية كقوته في الناحية الأخرى، فهذا ليس موجوداً وليس متحصلاً، ومن قرأ التاريخ واستقرأ العلماء وجد أن كل عالم برع في فن ولم يبرع في الفن الآخر، يقول عليه الصلاة والسلام في أحاديث رويت عنه، ولو أن في أسانيدها نظراً: {أقرؤكم أبي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي وأفرضكم زيد، ولكل أمة أمين وأمين أمتي أبو عبيدة}.

    إذا أتت مسائل القرآن من يسأل؟ قال عمر فيما صح عنه: [[من أراد أن يسأل عن القرآن فليسأل أبياً، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليسأل زيداً، ومن أراد المال فليأتني]] والرسول صلى الله عليه وسلم أُنسي آية في الصلاة، فلما سلم قال الناس: يا رسول الله! أنسيت، أم نسخت هذه الآية؟ -فمن يسأل؟- قال: يا أبي، يا أبا المنذر أكما يقول الناس؟ (أعطِ القوس باريها) قال:نعم يا رسول الله.

    وهذا النسيان ليس مستمراً.

    الرسول عليه الصلاة والسلام أقر مبدأ التخصص عند الصحابة.

    وإذا أتيت إلى فصل الرءوس عن الأكتاف بالسيف، فتعال عند خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، مهمته أن يفصل الجماجم عن الأكتاف، جماجم أعداء الله.

    ومن يقسم المواريث لمن لا يستطيع أن يقسم؟ يقسمها زيد بن ثابت، يقول حافظ إبراهيم في خالد بن الوليد يعتذر في عزل عمر لـخالد:

    تسعون معركة مرت محجلة     من بعد عشر بنان الفتح يحصيها

    وخالد في سبيل الله مشعلها     وخالد في سبيل الله مذكيها

    ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم      وما رمى الروم إلا طاش راميها

    الأدب: من هو أستاذ الأدب في حياته صلى الله عليه وسلم؟ من الذي يرد على الشعراء الضلال الحقراء؟ علي؟.. لا، هو رجل القضاء، أبو بكر؟ لا... بل هو رجل الإدارة، أعمر؟ رجل الدواوين وتجنيد الأجناس. أعثمان؟... رجل المال والبذل والعطاء. أثابت بن قيس بن شماس؟... لا، هو رجل الخطابة؟ إنه حسان.

    أتى وفد بني تميم كما صح في السير، فقالوا: يا رسول الله، عندنا شاعر وخطيب، قبل أن نسلم، نريد أن نفاخرك بشاعرنا وخطيبنا، ونسمع شاعرك وخطيبك، فما قال رسول الله: لا، إنه هذا داعية عالمي، يريد أن يعطي كل أناس ما يحتاجونه، فجمعهم في المسجد، وقال لحسان: أتستطيع أن ترد على شاعرهم؟ قال: إي والله يا رسول الله، قال: بماذا؟ قال: عندي يا رسول الله لسان لو وضعته على حجر لفلقه، ولو وضعته على شعر لحلقه، ثم أخرج لسانه، فضرب به أرنبة أنفه، ونحن لا نستطيع.

    من يضرب أرنبة أنفه بلسانه؟! إلا ما ذكر ابن الجوزي: إن أحد الناس قال لقرينه: تعال معي، فخرج معه فوصل إلى السوق، فصعد إلى مكان مرتفع، فقال:يا أيها الناس، اجتمعوا، فاجتمع أهل السوق، قال:سمعت فلاناً حدثنا عن فلان، -وهو كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم- عن فلان عن فلان أنه قال: (من مست لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة) فقام الناس في السوق يرفعون ألسنتهم إلى أنوفهم، لكن لم يستطع إلا بعض الشعراء، فـحسان وصلت لسانه إلى أرنبة أنفه، وجاء صلى الله عليه وسلم وقدم له المنبر، والحديث في الصحيح، وقال: {اللهم أيده بروح القدس، اهجهم وروح القدس معك} وبدأ الزبرقان بن بدر، فألقى قصيدته التي أعد لها من شهر.. يقول:

    نحن الملوك فلا حي يقارعنا     منا الملوك وفينا تنصب البيع

    إلى أن تلا خمسين بيتاً... وبعده قام حسان فقال ستين بيتاً، فسحقه.

    يقول في قصيدته:

    إن الذوائب من فهر وإخوتهم     قد بينوا سنناً للناس تتبع

    يرضى بها كل من كانت سريرته     تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا

    فجلس، قال بنو تميم: غلب شاعرك شاعرنا.

    وقام خطيبهم عطاء بن حاجب بن زرارة، فقام وألقى خطبة، فقال عليه الصلاة والسلام لـثابت: قُم لأن الخطابة تخصص ثابت، فهو خطيبه، فقام ثابت إلى المنبر، فقصف كالرعود،وألقى كالقذائف كلاماً، فقال بنو تميم: وغلب خطيبك خطيبنا.

    الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {أفرضكم زيد} زيد في الفرائض، هو المقدم فيها لكن علي بن أبي طالب أجاد كل الإجادة في القضاء، يقول علي: {أرسلني صلى الله عليه وسلم إلى اليمن -وهذا الحديث في السنن - فقال لي: اللهم ثبت جنانه، واهد لسانه وضرب على صدري، فما اختلجت عليَّ قضية أبداً}.

    علي جمع مع القضاء الكلمة التي تصل إلى القلوب، فكلام علي يصل إلى القلوب بلا ترجمان، حتى يقول ابن كثير في آخر البداية باب في كلماته الحاصلة، التي هي إلى القلوب واصلة.

    ذكروا عنه في التراجم أنه -اسمع الكلمات- عند ما قيل له: كم بين الأرض والعرش؟ قال:دعوة مستجابة، قالوا:كم بين المشرق المغرب؟ قال: مسيرة الشمس يوماً.

    كانت كلماته مؤثرة، يقول البخاري: "باب الرقاق وما يحذر من زينة الدنيا.. وقال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [محمد:36] وقال علي بن أبي طالب: [[ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].

    علي رضي الله عنه وأرضاه، جلس في الكوفة تحت جدار يريد أن ينقض، فمر به رجل وهو يحكم بين رجلين، وقال: "يا أمير المؤمنين! الجدار، لا ينقض عليك! قال علي: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما قضى بين الرجلين، وقام هو والرجلان، سقط الجدار مكانه، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [آل عمران:173] كما جاء في صحيح البخاري قال ابن عباس:[حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم لما ألقي في النار، وقالها محمد لما قال له الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173]]].

    التخصص والحاجة إليه

    التخصص معناه في الإسلام: أن يكون لك حد أدنى من العلم في كل فن تحتاجه، في حياتك كمسلم، ثم تبرز في فن تنفع به المسلمين، لا نقول للفقيه: كن مفسراً بدرجة المفسرين الكبار، ولا للمفسر: كن فقيهاً أو محدثاً، لكن ليكن لك جانب من العلم تشارك فيه، ثم لتنفع الإسلام في مجالك، والذين قالوا: إن مبدأ التخصص ليس وارداً أخطئوا، بل أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ التخصص، وعقلاء الأمم الكافرة يقرون هذا، فإن الحضارة الغربية -كما ترون- بنيت جزئياتها من أناس تخصصوا في كل جزئية، وأحدهم يخصص وقته وحياته ونومه ويقظته لهذه الجزئية؛ أما الذي يتذبذب هنا وهناك، فسوف يكون عمله مرتبكاً، ولن يجيد شيئاً.

    وهذا هو سبب الضعف عند بعض دعاة الإسلام؛ لأنه ما وجد الطريقة التي يصل إلى الناس بها، يكون خطيباً فيجعل نفسه مفتياً، ويكون مفتياً فيجعل نفسه خطيباً، ويستطيع أن يكون داعية أفراد، فيجعل نفسه داعية عامة، ويستطيع أن يكون صحفياً بارزاً، ويكتب الصحف بقلم سيال جذاب، لكنه يقول: الكتابة في الصحف حرام، ويترك أهل الضلالة يرتعون، ويعبرون عن آرائهم الوقحة بكل بجاحة، ويفرخون بالصحف، يستطيع أن يكون داعيةً في وسائل الإعلام، وينزوي في بيته؛ لأنه ما عرف أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم دعوة التخصص.

    1.   

    أهمية الدعوة على علم وأهمية التخصص

    أيها الإخوة، إن خلاصة هذه المحاضرة يمكن أن نلخصها في ثلاثة أمور:

    أولها: لا دعوة إلا بعلم، ومن زعم أنه يدعو الناس بلا علم، أفسد أكثر مما أصلح.

    ثانيها: أن من توقف عن الدعوة لكي يكون حبراً من الأحبار في العلم فقد أخطأ، بل يدعو بما عنده من العلم، ولا يزيد على ما عنده من العلم، بل هو في الآية عالم فيها، جاهل في غيرها، فيدعو بهذه الآية كما قال صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية).

    ثالثها: أننا نؤمن بالتخصص، ونصنف الناس على حسب تخصصاتهم، فحق على القائمين على الدعوة والجامعات، من أساتذة وعمداء ومدراء الجامعات، أن يصنفوا نتاجهم للناس من باحث خبير، ومن كاتب صحفي، ومتكلم على المنبر، ومن مفت للناس لتنهض الأمة الإسلامية ثم أعود فأقول: "إن العلم أيها الأبرار أفضل من أي نافلة أخرى"، وقد هون بعض الناس من فضل العلم الشرعي، وقالوا: لمن يقرأ الكتاب في البيت زاد نسخة في البلد، فأماتوا العلم بهذا.

    لا والله ما زاد نسخة في البلد؛ بل والله زاد عالماً جليلاً، وحبراً مفيداً نافعاً، وأما الذين يهونون من جانب العلم فهم عجزوا عن طلب العلم فهونوا من شأنه.

    ثم أنبه أيها الإخوة، إلى أنه وجد في الساحة وفي الصحوة أناس يعيشون على الفكر، ويصبحون على الفكر، أصبحنا وأصبح الفكر لله، وأمسينا وأمسى الفكر لله، فكر وإنشاء، وهذا الفكر كالبالونات، التي تأتي من تايوان، فتنفجر بالجو، ليس فيها طعام ولا شراب ولا غذاء: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18] وأمة تعيش على الفكر ليست بأمة، ونحن أمة علم فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] والعلم طلبه فريضة، فعلينا أن نعود إلى العلم الشرعي.

    إن الأخبار والوقائع التي تقع في حوادث الناس تسمى كما سماه ابن تيمية الماجريات؛ هذه الأخبار ليست بعلم، والذي يأخذ أخبار الناس يقرؤها ليس عالماً، هو مثقف، يعرف أخبار الناس، فندعو أنفسنا وإياكم إلى العلم الشرعي، وأن ندعو الناس على بصيرة، وأن نجدد مسيرة الأمة.

    كان عبد الحميد بن باديس داعية الجزائر وعالمها يعلم الناس، يريد أن يثور على الفرنسيين؛ فرأى الناس جهلة، قال: "لن ننتصر على فرنسا ما دمنا جهلة، إننا لن ننتصر على العدو إلا بالعلم والإيمان"، فأسس الحلقات، ووزع الدعاة، وأقام الندوات، وتعلم الناس؛ فدكوا فرنسا الطاغية، فأمة بلا علم أمة جهل وضلالة وخرافة.

    أسال الله لي ولكم التوفيق، وإن نقص شيء فإنها علالة مغترب، وقيد في جيد، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

    فإن تجد عيباً فسد الخللا     فجل من لا عيب فيه وعلا

    من ذا الذي سوى الرسول كامل      أو جمعت لغيره الفضائل

    صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم التسرع في الفتوى بغير علم

    السؤال: سمعنا من فضيلتكم أن الفتوى خطيرة وكيف أن عمر بن الخطاب إذا سئل عن مسألة جمع لها أهل بدر؟ وفي زماننا هذا نرى أن أكثر من يدعون العلم يتسرعون في الفتوى وبقولهم: هذا حلال وهذا حرام دونما تمهل، فنرجو أن توضح لنا طريقاً سليماً نسلكه في فتوانا؟

    الجواب: يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

    والناس في الفتيا علىجانبين ووسط؛ فأناس يتطرفون في جانب الفتيا حيث يفتون في كل شيء وفيما لا يعرفون، ليس عندهم سؤال صعب.

    وطرف آخر بلغ به الورع البارد إلى أن يقول:الله ورسوله أعلم حتى في البديهيات، كم يتمضمض المسلم؟ قال: الله أعلم. كم أركان الإسلام؟ قال: الله أعلم! أين يستقبل المصلي؟ قال: الله أعلم! فهذا ورعع بارد أضر بالإسلام. والحكمة التوسط، من أجاد مسألة، وعرف دليلها؛ فليفتِ على بركة الله: {دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء، وترعى الشجر، حتى يلقاها ربها} والذي لا يعرف يقول: لا أدري، قالوا لـعلي بن أبي طالب وسألوه سؤالاً، قال: [["لا أدري" ما أبردها على قلبي، سئلت عما لا أدري فقلت: لا أدري]].

    وسئل ابن عمر في ثمان مسائل، وقال:[[لا أدري، قال أعرابي: أذهب إلى الناس، وأقول: إن ابن عمر لا يدري؟! قال: اذهب إلى من عرفت وقل: إن ابن عمر لا يحسن شيئاً]] والإمام مالك عرضت عليه أربعون مسألة، فأجاب في ثمان، وقال في اثنتين وثلاثين مسألة: لا أدري. وقال الشعبي:[[لا أدري نصف العلم]] ومن لا يستخدم كلمة: لا أدري؛ فقد أصيبت مقاتله، وإذا أراد الإنسان أن يفتي؛ فليتذكر الله عز وجل والعرض بين يديه، وليعرف أنه سوف يحلل الفروج أو يحرمها، والدماء أو الأموال، ولذلك قال ابن القيم: "المفتون هم الموقعون عن رب العالمين سُبحَانَهُ وَتَعَالَى".

    وللفتيا آداب منها: أن يستحضر عظمة الله ثم يخلص له، ومنها: أن يستغفر كثيراً، ومنها: أن يسأل العون من الله، ومنها: أن يتلبث مع السائل ويراجع المسألة، ومنها: إذا كان في المسائل أقوال ألا يوردها، لكنه يرجح ويحقق لأن إيراد الأقوال على الناس لا ينفع، مثلاً جاء عامي يسأل عن مسألة فيقال له: قال مالك، لكن أبو حنيفة قال كذا، أما الشافعي فرأى كذا، ولكن أحمد رأى كذا وكذا، وابن حزم يخالف، هذه حيص بيص، ويخرج كما دخل:

    تكاثرت الظباء على خراش     فما يدري خراش ما يصيد

    قال ابن تيمية: "من عرض الأقوال للناس بدون ترجيح، فهو كالمتشبع بما لم يعط"، فهو يظهر أن عنده حفظاً أقوى، لكنه ما رجح، لا في دليل ولا في سير، والتحقيق العلمي ذكر الآيات إن كان هناك آيات، أو الحديث صحة وضعفاً، والحديث إن كان منسوخاً أو ناسخاً، ثم أقوال العلماء، ثم الترجيح في آخر المسألة.

    الطريق الصحيح لمقاومة الشهوة

    السؤال: أنا شاب مبتلى بالجنس أو الشهوة؛ فلا أقدر على رد الشهوة، فما هو الطريق الصحيح في رأيكم لكبح جماح الشهوة؟

    الجواب: أمامك طريقان: الطريقة الأولى: الزواج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج} فعليك أن تجتهد حتى تحصل على زوجة وتغض بصرك وتحصن فرجك، نسأل الله أن يحصن فرجك وبصرك.

    الطريقة الثانية: إذا لم تستطع هذا، وحالت دونك عوائق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء} فعليك بالصيام وذكر الله عز وجل، وقد سئل ابن تيمية عن سؤال يشبه هذا، فقال: "عليك بالمرهم" والمرهم هو الدعاء، أن تقول: {يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب والأبصار صرف قلبي على طاعتك} ثم إني أنصحك بمجانبة وسائل الفساد، التي تثير الشهوة مثل: المجلة الخليعة، أو الأغنية الماجنة، أو مجالسة الفسقة والمتفحشين والمسرفين على أنفسهم، وأنصحك أن تجالس المتقين الأخيار أهل العلم والتقوى والخير، وأن تلتزم المصحف والذكر والصيام.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.