إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عائض القرني
  4. عيش النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنيا

عيش النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنياللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن هذه الحياة الدنيا قد ذكر الله عز وجل حقارتها في كتابه الكريم، وذمها النبي صلى الله عليه وسلم واستصغر من شأنها كما ورد في سنته، لذلك لابد أن نزهد فيها، ونعلم أننا راحلون منها وملاقو الله عز وجل، ونقتدي في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهم خير مثال.

    وقد تعرض الشيخ حفظه الله في هذا الدرس لحديث أبي هريرة مبيناً حال النبي صلى الله عليه وسلم وزهده في هذه الحياة، ومبيناً اقتداء الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم وتخليهم عن الدنيا، ثم أورد فوائد مستنبطة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وختم بها هذا الدرس.

    1.   

    نص حديث أبي هريرة في زهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْــد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    اعلموا بارك الله فيكم أنه لا بد للعبد المسلم كل يوم من نقلة يعيشها مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وكل ما أتانا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو سنة، لابد أن نعيش معه في حاله صلى الله عليه وسلم وفي أعماله، وفي جهاده وهجرته، وفي طعامه وشرابه، وفي قيامه وقعوده، وفي يقظته ونومه؛ لأن الله جعله أسوة لنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا تفتح أبواب الجنة إلا من بابه، ومن أتى من غير طريقه فحرام عليه الجنة.

    إذا علم ذلك فإن الله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    ومعنا هذه الليلة حديث طويل نعيش فيه مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، والذي يروي هذا الحديث هو حافظ الأمة وحامل لواء السنة أبو هريرة رضي الله عنه، يقول الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل: (باب: كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم من الدنيا) ثم قال رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمر بن ذر، قال حدثنا مجاهد أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه كان يقول: (آلله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد ببطني على الأرض من الجوع، آلله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أربط على بطني الحجر من الجوع، وإني صليت صلاة المغرب في ذات ليلة في عهده صلى الله عليه وسلم، فلما صليت خرجت في طريق الناس وهم يمرون علي -وسوف يمر عليه من هذا الطريق الصحابة من المهاجرين والأنصار- قال: فوقفت وبي من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، والله ما أوقفني إلا الجوع، قال: فمر بي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فسألته عن آية من كتاب الله، والله الذي لا إله إلا هو ما سألته إلا ليطعمني ويشبعني في بيته، قال: فأخبرني ثم مر ولم يدعني إلى بيته، ثم مر عمر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله، والله الذي لا إله إلا هو ما سألته إلا ليطعمني فما فعل، ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعند البخاري من طريق مجاهد- ثم مر أبو القاسم بأبي هو وأمي، فلما رآني واقفاً قبل أن أتكلم تبسم في وجهي، وقال: يا أبا هر! حيهلاً بك.

    قال: فأخذ بيدي فتبعته، فدخل بيته عليه الصلاة والسلام، فلما دخل استأذنت فأذن لي فدخلت، فقال عليه الصلاة والسلام لأهله بعد صلاة المغرب: أعندكم شيء؟

    قالوا: لا. إلا شيء من لبن. قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هر! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! وظننت أنه سوف يدفع لي هذا اللبن لأسد به رمقي من الجوع. قال: يا أبا هر! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: انطلق إلى أهل الصفة في المسجد -وأهل الصفة قوم فقراء من الصحابة الأخيار من خيرة الصحابة، اجتمعوا في المسجد وتخلوا عن الدنيا، لا أهل معهم ولا مال ولا ولد، في النهار يحتطبون من الجبال ويبيعون، وفي الليل يتعبدون الله في مسجدهم ويستمعون ما أنزل على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم- قال: فقلت في نفسي -هكذا في رواية البخاري - قلت: يا سبحان الله! إذا دعوت أهل الصفة ثم أتوا وشربوه ماذا سوف يبلغني منه؟ أفما كان بدأ بي فأسقاني ثم أرسلني؟ قال: فما كان من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بد، قال: وأهل الصفة كانوا قوماً فقراء لا أهل لهم ولا مال ولا ولد يسكنون في المسجد، فإذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة دفعها إليهم، وإذا أتاه هدية أشركهم معه في الهدية -لأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة- قال: انطلق إلى أهل الصفة ادعهم لي، قال: فذهبت إليهم وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكم. فقاموا وذهبوا معي، فاستأذنت لهم فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا مقاعدهم في البيت، فلما جلسوا سلمني صلى الله عليه وسلم القدح في يدي، وقال: اسقهم يا أبا هر! هو أبو هريرة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتلطف معه.

    أكنيه حين أناديه لأكرمه     ولا ألقبه والسوءة اللقب

    كذاك أدبت حتى صار من أدبي     أني وجدت ملاك الشيمة الأدب

    قال: فأخذت القدح وأخذت أسقيهم واحداً واحداً، كلما شرب أحدهم دفعت القدح إلى الآخر، فإذا شرب عدت إلى الآخر، وهكذا حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -الرسول صلى الله عليه وسلم هو صاحب الضيافة، وهو صاحب المنزل، وهو في آخر الضيوف- قال: فلما وصلت نظر إلي وتبسم في وجهي، وقال: يا أبا هر! بقيت أنا وأنت. قال: قلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد، فقعدت، قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب. فشربت، ثم قال: اشرب في الرابعة، قلت: والله يا رسول الله! ما أجد له مسلكاً. قال: فأخذ الإناء من يدي وفيه فضلة ثم قال: الحمد لله، ثم سمى وشرب، عليه أفضل الصلاة والسلام).

    1.   

    وقفات مع حديث أبي هريرة في زهد النبي وأصحابه

    في هذا الحديث قضايا تعرض لها ابن حجر وغيره من الشراح ومن المحدثين الجهابذة.

    سند الحديث وتفنن البخاري في التبويب

    أولها: سند هذا الحديث.

    البخاري رحمه الله تعالى تفنن في كتابه، مرة يعيش معك في الأحكام، وهذا هو أسلوب الكتاب الكريم، فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى تعرض للأحكام والأخبار، وللقصص والآداب والسلوك، يتحدث القرآن معك في الطلاق، وأنت في موضوعات الطلاق وإذا به ينتقل بك إلى اليوم الآخر، ويوم أن يعيش بك في اليوم الآخر والعرض والحساب والحوض والصراط والميزان، والناس يهرعون، أعمالهم شتى، فريق في الجنة وفريق في السعير، وإذا بالقرآن يعود بك إلى الحدائق الغناء في الدنيا، ويتحدث لك عن البساتين ومن خلقها، وعن النجوم ومن أبدعها، وعن السماء ومن رفعها، وعن الصور ومن صورها.

    وأنت معه في هذه الصور والملامح وإذا به ينتقل بك إلى ساح الجهاد، وعن المجاهدين والشهداء وماذا أعد الله لهم، وبعد أن ينتهي يتحدث عن أهل العلم وماذا ينبغي لهم، وعن الصلحاء والأخيار.

    وأتى البخاري فتناول كتابه على أسلوب القرآن، فعندما بدأ بدأ بالإيمان، ثم العلم، ثم الأحكام، ثم أتى بالرقائق والزهد والسلوك والفتن والملاحم واليوم الآخر، فكان بحق أعجب كتاب بعد كتاب الله عز وجل، حتى أن ابن تيمية سأله سائل: دلني على كتاب قال: لا أعلم كتاباً ينفعك بعد كتاب الله كـصحيح البخاري.

    فيقول البخاري: (باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم من الدنيا) ثم يقول: حدثنا أبو نعيم وأبو نعيم شيخ البخاري، اسمه: الفضل بن دكين وأبو نعيم إذا ذكر في السيرة وفي السنة فهما رجلان: أبو نعيم الفضل بن دكين صاحبنا هذه الليلة، وأحمد بن عدي صاحب الحلية، وهو في القرن الرابع، أما هذا الرجل فهو ثبت خير زاهد عابد، سرد الصيام ما يقارب أربعين سنة، وعمي في آخر عمره من كثرة ما بكى من خشية الله في الليل، ومع حفظه للحديث وزهده وعبادته كانت فيه دعابة ومزح، وكان خفيف الروح؛ ولذلك يقول ابن كثير: إن المحدثين فيهم خفة روح.

    يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: طرق على أبي نعيم طارق ذات يوم، فقال أبو نعيم: من؟ قال: أنا رجل. قال أبو نعيم: ممن؟ قال: من ذرية آدم، ففتح أبو نعيم الباب وقال: ما ظننت أنه بقي لآدم ذرية، فحياك الله يا ذرية آدم.

    وعمر بن ذر هو الزاهد، شيخ أبي نعيم، ومجاهد بن جبر أكبر من فسر كتاب الله عز وجل بعد ابن عباس، ولذلك يقول: عرضت القرآن ثلاث مرات في الحرم على ابن عباس من أوله إلى آخره، أوقفه عند كل كلمة أسأله عن معناها. قال سفيان الثوري: إذا أتاك التفسير عن مجاهد فحسبك به. أي: إذا سمعت أن مجاهداً فسر آيةً فلا تتجاوز تفسيره إلى غيره في الجملة.

    يقول أحد أهل العلم: رأيته فرأيت في وجهه كأنه يريد الله والدار الآخرة، وتذكرت بوجهه خوف الله عز وجل. أو كما قال.

    كان مغرماً بالأسفار، ما سمع ببلد ولا بأعجوبة في الأقطار إلا سافر لها، ولذلك طاف أكثر البلاد الإسلامية، ووصل إلى عدن وإلى آبار هناك، ووصل إلى بابل وإلى البئر التي فيها هاروت وماروت، فإنهم في بابل كما ذكر الله في كتابه بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [البقرة:102] قال: فلما دخلت وجدت خازنها عند الباب فقلت: ائذن لي أن أدخل. قال: أدخلك بشرط ألاَّ تتكلم. قال: فدخلت وأطللت على بئر -وهذا في ترجمته- فوجدت اثنين معلقين بقدميهما ومنكسة رءوسهما في قعر البئر. قال: فلما رأيت هذا المنظر قلت: سبحان الله! فأغمي عليَّ وعلى صاحبي، ثم استفقت بعد برهة فقال الخازن: أما قلت لك لا تتكلم؟ قال: نسيت.

    هذا مجاهد يروي الحديث عن أبي هريرة وساق لنا الحديث، وأبو هريرة يتحدث عن تلك الحال التي عاشها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأورد الحديث هذا لأنه تولى الإمارة في عهد معاوية، أو في عهد مروان بن الحكم، فلما تولى الإمارة كان يأتي في ثياب القطن، وكان يقول: أفطر الخمير، وألبس ثياب القطن، وأنا كنت أهوي بين المنبر وبين المسجد من كثرة الجوع. فكأنه كان يتذكر تلك الأيام ليقمع عجبه ونفسه أمام الناس.

    إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا     من كان يألفهم في الموطن الخشن

    وإن أولى الموالي أن تواليه     عند السرور الذي واساك في الحزن

    ولذلك يقولون: من عادة الكرماء أن الله إذا أنعم عليهم ذكروا أيامهم الخالية في الفقر وفي الخشونة والمشقة. فهو يتحدث للناس عن هذه الأيام التي مرت به رضي الله عنه، وبعض المهاجرين والأنصار على فقرهم كانوا يجدون ما يسدون به رمقهم، لكنه حتى الأكلة الواحدة ما كان يستطيع لها، حتى يقول: [[والله لقد كنت أؤجر ظهري -يحمل الحطب- على الأكلة الواحدة]] وقد مرت هذه بكثير من الصحابة، مرت بـأبي الحسن أمير المؤمنين، الذكي النابه التقي الزاهد علي بن أبي طالب، يقول وهو يتحدث عن نفسه تواضعاً لله على منبر الكوفة وهو خليفة للمسلمين: [[لقد مر بي يوم من الأيام جعت أنا وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما وجدنا ولو دقل التمر -رديء التمر- قال: فقالت: اذهب فالتمس لنا أكلاً وطعاماً. فلبست في البرد جبة معي من صوف، وذهبت أسأل الله عز وجل وأستغفره أن يرزقنا -لأن الاستغفار يأتي بعده الرزق- رزقاً حلالاً في ذلك اليوم، فذهبت فتذكرت رجلاً تاجراً من اليهود، له مزرعة في خيبر، فانطلقت فإذا هو يسوق على سانية له، فجمعت نفسي فدخلت مع قائد الماء -المجرى الذي يجري منه الماء- قال: فلما دخلت رآني اليهودي وقال: من أدخلك؟ قلت: أتيت أعمل. فقال: انزح كل غرب بتمرة. قال: فقمت أنزح على الجمل كل غرب واحد بتمرة، فلما نزحت ما علم الله من الغروب دعاني فملأ كفيه لي وأعطاني إياه على عدد الغروب.

    قال: فذهبت فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فتبسم ودعا لي، ثم أكل منه بعض التمر، وذهبت إلى ابنته عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنها، فبارك الله في ذلك التمر فكفانا ردحاً من الزمن]] أو كما قال.

    قدوم أبي هريرة المدينة وإسلامه

    قدم من دوس من أرض زهران من جبال السراة، وليس عنده شيء من مال ولا متاع، وإنما يريد الله والدار الآخرة، فأبدله الله ذكراً جميلاً في الدنيا، وأبدله جنة -نسأل الله أن يجمعنا به في مستقر رحمته- وجعله حافظ الدنيا للحديث النبوي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكان قدومه يوم قدم ومعه مولىً له، فضاع عليه المولى في ظلام الليل، فلما قدم أتى والرسول صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه، فلما رآهم قال:

    أيا ليلة من طولها وعنائها     على أنها من دارة الكفر نجتِ

    يقول: ما أطول هذه الليلة وما أشد عناءها! لكنها بحمد الله نجتني من دار الكفر. فأسلم وشهد أن لا إله إلا الله وآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ورأى هذا الوحي والنور يخرج من ثنايا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ طمع أن يحفظ شيئاً من هذا الوحي العظيم، وأخذه الحرص الشديد على أن يتلقن من فم الطاهر المطهر شيئاً من هذه التركة والميراث. قال: {قلت: يا رسول الله! إني أسمع منك حديثاً كثيراً فلا أعيه. قال: يا أبا هريرة! ابسط رداءك. قال: فخلعت ردائي وبسطته، فحثا لي عليه الصلاة والسلام حثوات بيده هكذا ودعا لي وقال: ضم رداءك عليك فضممته، فوالله ما نسيت بعد هذا حرفاً واحداً} فهو يحفظ خمسة آلاف وسبعمائة وستة وعشرين حديثاً، ما بين طوال وقصار لا يفلت منها حرفاًُ واحداً كالفاتحة، ولذلك كان ليله ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يتهجد، والجزء الثاني يدارس الحديث، والجزء الثالث ينام.

    ولما وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أتت أمه ولحقته من أرض دوس، فدخلت فسلم عليها وحاول أن يدعوها إلى الإسلام فأسمعته كلاماً غليظاً فيه وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يبكي ويقول: {يا رسول الله! ادع الله لأمي فإنها أسمعتني فيك وفيَّ كلاماً غليظاً. فرفع عليه الصلاة والسلام يديه ودعا لأمه بالهداية، قال: فعدت إليها في البيت وإذا هي قد أغلقت بابها عليها، وسمعت خشخشة الماء، فقلت: يا أماه مالك؟ قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو لم يأتها ولم تر الرسول صلى الله عليه وسلم فعاد يبكي من الفرح.

    طفح السرور علي حتى إنني     من عظم ما قد سرني أبكاني

    فقلت: يا رسول الله! والله لقد أسلمت، فادع الله لي ولأمي، قال: اللهم حبب أبا هريرة وأمه إلى صالح عبادك وحبب صالح عبادك إلى أبي هريرة وأمه، قال أبو هريرة: فوالله ما رآني أحد أو رأى أمي إلا أحبنا في الله ونحن نحب كل صالح في الله}.

    حال أبي هريرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم

    واستمر أبو هريرة على هذا الحال، وبقي ثابتاً على العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحفظ ويتلقن ويبلغ وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم، ويخرج الأجيال تلو الأجيال من المسجد العامر، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أسس على التقوى.

    قال شفي الأصبحي: دخلت المدينة المنورة فسمعت لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم دوياً في الحديث، فلما دخلت وجدت أبا هريرة وسط الحلقات يحدث، فشققت الحلقات حتى بلغته فجلست عنده، فقلت: يا أبا هريرة! أسألك بالله أن تحدثني بحديث سمعته أنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بينك وبينه واسطة. قال: فبكى حتى نشغ -أي: حتى غشي عليه- ثم رفع رأسه وقال: والله لأحدثنك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه واسطة، ثم نشغ من البكاء ثم رفع رأسه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة -نعوذ بالله أن نكون منهم- أولهم: عالم علمه الله العلم وأقرأه كتابه، يستحضره الله يوم القيامة ويقول: أما علمتك العلم؟ أما فهمتك؟ فيقول: بلى يا ربي، فيقول: ماذا عملت؟ -والله أعلم وأدرى- قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. فيقول الله: كذبت، إنما تعلمت ليقال: عالم. خذوه إلى النار. فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ويؤتى بالجواد فيفعل به هكذا، ويؤتى بالشجاع المجاهد في سبيل الله في الظاهر فيفعل به هكذا} فذهب هذا الرجل فدخل على معاوية وهو خليفة في دمشق، وحوله الوزراء والأمراء، وعلى رأسه الجنود بالسيوف، فقال: يا معاوية! قال: نعم. قال: أحدثك بحديث. فحدثه بالحديث، فبكى معاوية حتى سقط من على كرسيه، ثم رفع الفراش ومرغ وجهه في التراب وقال: صدق الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    قصة لأبي هريرة

    ومجمل القصة -كما مر معنا- أنه مر به الجوع حتى كان يعتمد على الأرض من شدة حرارة الجوع، وربما ربط على بطنه الحجر، وفي السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق ربط على بطنه قطعة حجر، ولكن في هذه الرواية ضعف.

    قال الخطابي: إنما ربط أبو هريرة الحجر على بطنه لئلا يجد حرارة الجوع. وقيل: ليلتصق ظهره ببطنه فيستطيع أن يقوم ويتحامل على أرجله.

    والجوع تعوذ منه صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة} والجوع يصيب الإنسان بدهش، وتتساقط أقدامه وعظامه فلا تستطيع أن تحمله، فيقول أبو هريرة: كنت أربط على بطني من شدة الجوع فأقوم. هذا وهم خيرة الله، ولكن لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، كسرى وقيصر يتمتعون في الديباج ويلعبون بالذهب والفضة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فتحوا الدنيا وعلموا الإنسانية ورفعوا منائر الإسلام ما يجدون كسرة خبز من شعير.

    ولذلك يقول عمر كما في صحيح البخاري في الفضائل وفي غيرها، وأورده في الإيلاء وفي أزواجه صلى الله عليه وسلم قال: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة، فسلمت عليه فرد علي السلام وهو مغضب حزين، فقلت: يا رسول الله! أما تسمع من عاتكة بنت زيد -يعني امرأته- قال: ما ذا فعلت؟ قال: تسألني النفقة. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أضحك الله سنك -فـعمر يريد أن يضحك الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه وجده مغضباً وحزيناً، يقول: انظر إلى امرأتي، ما نجد كسرة خبز الشعير وتسألني أن أحليها بالذهب والفضة، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: فلما استأنس جلست عنده عليه الصلاة والسلام، فحولت نظري} لأن للرسول صلى الله عليه وسلم هيبة، نعم. هو من أسهل الناس وأرق الناس، وأيسر الناس، ومن أشد الناس تبسماً، لكنه مع ذلك من أشدهم هيبةً وحشمةً، فكان الصحابة من أشد الناس له توقيراً، ولذلك يقول شوقي:

    وإذا سعيت إلى العدا فغضنفرٌ     وإذا جريت فإنك النكباء

    قال: {فحولت نظري في غرفته صلى الله عليه وسلم فرأيت شيئاً من شعير معلق، ثم تربع عليه الصلاة والسلام وجلس فنظرت فإذا حصير قد أثر في جنبيه} والرسول صلى الله عليه وسلم كان رقيق البشرة، يقول أنس: {مسست كفه صلى الله عليه وسلم -وهذا في الصحيح- فوالله ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كفه صلى الله عليه وسلم حتى إذا صافحه الرجل تبقى أصابع الرجل مؤثرة في يده، وكان وجهه كالبدر ليلة أربعة عشر، قال: فلما جلس رأيت الحصير أثر في جنبه فدمعت عيناي فانتبه لي} وقد كان عمر رقيقاً رغم قوة قلبه وشجاعته في الإسلام كان رقيق الدمعة حتى أثر البكاء في خديه، قال: {فلما رأى الدموع في عيني تهمل على خدي قال: مالك يا عمر؟ قلت: يا رسول الله! كسرى وقيصر في النعيم الذي تعلم وأنت في هذا الحال. فالتفت إلي صلى الله عليه وسلم وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى يا رسول الله} فكان عمر دائماً يتذكر هذه الكلمة قبل خلافته وفي خلافته حتى لقي الله عز وجل.

    فيقول أبو هريرة: فلما أصابني ما أصابني. وعند أحمد قال: {فوالله لقد كنت أسقط بين المنبر وبين بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الجوع، فيأتي الناس فيقولون: جُن أبو هريرة وصرع، قال: فيأتي الرجل منهم فيبرك على صدري فيقرأ علي شيئاً من القرآن، والله ما بي شيء من المس وما أصابني إلا الجوع}.

    فلما أصابه ما أصابه ليلة من الليالي صلى المغرب، وخرج قبل الناس يتصدى لهم، لعل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يفتح على رجل منهم فيدعوه إلى بيته، وفتح الله عليهم جميعاً، فخرج أبو بكر رضي الله عنه وهو لا يدري بالسر، وإلا فهو من أكرم الناس، ولن تجد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم من أبي بكر، فإنه كالريح المرسلة، جعل أمواله كلها للإسلام، فلما خرج أبو بكر لقيه أبو هريرة وقال: يا أبا بكر! ما معنى قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وما هي تكملة هذه الآية؟ فكملها أبو بكر وذهب إلى بيته، وأبو هريرة يحفظ الآية، فذهب والتفت إليه حتى دخل بيته، ثم أتى عمر فسأله عن الآية فأخبره بالآية ثم ذهب ودخل، فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يتكلم أبو هريرة لمح صلى الله عليه وسلم في وجهه، فضحك عليه الصلاة والسلام وأخذه بيده، وعلم أنه ليس السؤال مفاده على ظاهره، وإنما هناك حاجة في نفس يعقوب قضاها، فدخل معه، فلما دخل عُرض عليه شيء من لبن، فيقول أبو هريرة: ففرحت علني أصيب من هذا اللبن. قال: اذهب إلى أولئك النفر فتعال بهم..إلخ القصة، فلما أتى بهم شربوا فشرب رضي الله عنه بعدهم، ثم شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخير.

    1.   

    فوائد الحديث

    وفي هذا الحديث مسائل:

    جواز الحلف بدون استحلاف

    أولها: جواز الحلف بدون استحلاف، فلك أن تحلف إذا تكلمت في قصة أو حديث ولو لم يستحلفك أحد، قال جل ذكره: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] مع أنهم لم يستحلفوه هنا، ويقول جل ذكره: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي [يونس:53] وهم أيضاً لم يستحلفوه، ولكن الله أمره أن يحلف في ثلاثة مواطن، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: لا ومقلب القلوب. وهو لم يستحلف، فلك أن تحلف للحاجة ليتأكد حالك، ولتقوم حجتك ودليلك، ولو لم يطلب منك أحد أن تحلف.

    الإخبار عن حال الضر ليس لأجل التشكي

    المسألة الثانية: الإخبار عن حال الضر لا على وجه التشكي، فلك أن تخبر عن أيامك السالفة في الجوع والمشقة، ولك أن تخبر عما أصابك من أمراض، لا على أن تشكو الرحمن الرحيم إلى الناس، فإنك إذا شكوت الرحمن الرحيم كأنك تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.

    ولا تشيم إلى شخص لتشمته     شكوى الجريح إلى الغربان والرخمِ

    فالذي يشكو إلى العباد كالجريح الذي يشكو إلى الغربان والرخمِ، يقول: أنا جريح فانظروا إلى جرحي.

    فهذا الأمر جائز إذا لم يكن على وجه التشكي، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم، {أن الرسول صلى الله عليه وسلم زار بقيع الغرقد، ثم عصب رأسه عليه الصلاة والسلام، فقالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه -كان بها صداع ذلك اليوم- قال: بل أنا وارأساه، والله لقد هممت أن أدعو أباك وأخاك فأكتب لهم كتاباً} لأنه مرض الموت، فشكا عليها لا لأنها شكوى، ولكن أخبرها إخباراً عليه الصلاة والسلام، لا على وجه التسخط والتذمر لكن على وجه الإباحة.

    ولا بد من شكوى على ذي قرابة     يواسيك أو يسليك أو يتوجع

    فهذا جائز، ولذلك أخبر الصالحون عن أحوالهم، وللعبد أن يخبر بما مر به من نكد عيش وفقر؛ ليقمعه هذا وليرده عن الكبر والعجب، ولأن بعض الناس إذا ترأس أو اغتنى أو كان له أولاد أو أملاك نسي ما قدم في الأيام؛ فأخذه الجموح والغلو ونسي ما عند الله وما أعد وما كان فيه، ولذلك يقول ابن عمر رضي الله عنه: [[جمع أبي الناس -يعني عمر - فنصبنا له منبراً فجلس عليه، فقال: أيها الناس! من أنا؟ قالوا: أنت أمير المؤمنين. قال: أنا عمر بن الخطاب، كنت أدعى في الجاهلية عمير، كنت أرعى الغنم لـابن أبي معيط على حفنة من تمر. قال: فلما انتهى المجلس قلت: يا أبتاه! ما حملك على ما صنعت؟ قال: زهتني نفسي وأعجبتني فأردت أن أكسرها أمام الناس]] فهذا هو الأدب، وهذه هي التربية، وهذا هو الوصول والاتصال بالحي القيوم.

    وسعد رضي الله عنه سوف يتحدث وسوف نسمع كلامه بعد قليل عن نفسه وعن حاله، وعلي كذلك وغيرهم من الصحابة الأخيار، لكن هناك مسألة استثناها أهل العلم وهي: من كان في معاصي وفي سيئات فتاب الله عليه، فليس له أن يتحدث للناس بمعاصيه ولا بماضيه الغابر، بل عليه أن يتوب إلى الله ويستغفر، وأن يستر ما بينه وبين الله عز وجل، فإن الله يستر على العبد في الدنيا إذا ستر على نفسه، ويغفر له في الآخرة، وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: {حدثنا صلى الله عليه وسلم عن النجوى. قيل له: كيف حدثكم عن النجوى؟ قال: يدني الله عز وجل عبده يوم القيامة حتى يضع كنفه على كنفه، ثم يقول: يا عبدي! أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى يا رب. قال: أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى يا رب، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وغفرتها لك اليوم} فليس للعبد أن يقوم أمام الناس أو في المجالس ويقول: فعلت كذا وكذا في الجاهلية، وفعلت كذا وكذا في وقت الجهل، وفعلت كذا وكذا في شبابي. بل عليه أن يستتر بستر الله، وإذا ابتلي العبد بشيء من الفضائح فليستتر، فإن الله يغفر الذنب ويتجاوز عن السيئات ويعلم ما تفعلون، والله ستير حيي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، كما قال عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الغسل والإنسان متكشف قال: {إن الله حيي يحب من عبده أن يتستر} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث سلمان عند الترمذي: {إن الله عز وجل حيي يستحيي من أحدكم إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً}.

    إذا علم هذا فليس للإنسان أن يتحدث بالأخطاء ولا بالمعاصي ولا بالذنوب، لكن يأتي بوابل من الاستغفار، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: في الدنيا ثلاثة أنهار، فمن لم تطهره ثلاثة أنهار أو واحد منها فسوف يدخل يتطهر في كير جهنم ثم يخرج إلى الجنة. ثلاثة أنهار في الدنيا لابد للعبد أن يحرص أن يتطهر فيها، لأننا كلنا أهل سيئات وخطايا، فمن لم يتطهر بنهر من الأنهار الثلاثة فلا بد له من كير جهنم يتطهر فيها ثم يخرج ويدخل الجنة، النهر الأول: نهر التوبة، وهو أعظم الأنهار، والله عز وجل ما أغلق باب التوبة ولن يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها، ولا يزال الله يتوب على العبد مهما اقترف من السيئات والخطايا إذا تاب وأناب وصحت التوبة.

    النهر الثاني: الحسنات الماحية، فإن بعض الناس كثير الإساءة، ثم يأتي بأعمالٍ صالحةٍ من قراءة وذكر وصيام ونوافل ودعوة إلى الله وعمل صالح، فتغمر هذه الأنهار جبال السيئات وتمحوها فلا تبقي لها أثراً ولا عيناً.

    والنهر الثالث: المصائب المكفرة، فإن بعض الناس يبتلى بالسيئات والخطايا فيسلط الله عليه المصائب والمحق، ويسلط عليه الفتن والمحن والهموم والغموم، حتى يلقى الله وهو طيب مطيَّب، طاهر مطهَّر.

    جواز التعريض بالسؤال

    المسألة الثالثة: التعريض بالسؤال دون التصريح. فقد استحيا أبو هريرة رضي الله عنه أن يقول لـأبي بكر: أطعمني هذه الليلة إني جائع، ولم يقل لـعمر، ولكنه عرض ولم يصرح، ولمح ولم يوجه الخطاب، وهذا من عفته وحيائه، ولذلك كان العرب يستحيون من السؤال، ومن مروءة الرجل ألاَّ يسأل إلا في حاجة ملحة؛ لأن الذين يسألون الناس ولهم ما يغنيهم يأتون يوم القيامة ولا لحم على وجوههم بل عظام فقط، {إن الذي يسأل الناس وله غنى يغنيه يأتي يوم القيامة ووجهه خدوش من المسألة} وفي رواية الزبير {يأتي وليس في وجهه مزعة لحم} فاستحيا أن يسأل وأن يعرض بنفسه فعرض بالكلام، وهذا أسلوب وارد عند العرب.

    يقول ابن كثير وغيره من أهل العلم والسير: كان قيس بن سعد بن عبادة جالساً في مجلس، وهو من سادات العرب ومن أغنى الأغنياء ومن أجواد الإسلام، فدخلت عليه عجوز فقالت: يا قيس! قال: نعم. قالت: أشكو إليك قلة الفئران في بيتي. ليس في بيتي فئران، قال: والله لأملأن بيتك فئراناً، ثم دخل بيته وأرسل جمالاً محملة من تمر وحبوب وزبيب. ثم عادت بعد وقت فسلمت عليه ودعت له وقالت: لقد امتلأ بيتي فئراناً. فقال الناس لـقيس بن سعد: ما هذا الخطاب؟ قال: إنها شكت من قلة الفئران والفئران لا تأتي إلا مع الطعام ومع الغنى، ومعناه الفقر، قال: فأعطيناها ما فتح الله علينا، فأتت تخبرنا أن في بيتها فئراناً. وهذا من التعريض.

    وذكر صاحب العقد وصاحب عيون الأخبار أن علياً رضي الله عنه دخل عليه رجل فاحمر وجه الرجل، فقال علي: مالك أخجلت؟ قال: في نفسي مسألة وأستحي أن أسألك عنها. قال علي: اكتبها على الأرض، فكتبها بأصبعه، فقضاها علي رضي الله عنه، فقال الرجل:

    كسوتني حلة تبلى محاسنها     لأكسونك من حسن الثنا حللاً

    يقول: أنت كسوتني حلة ولكنها سوف تبلى في الدنيا، لكن والله لألبسنك من الثناء العاطر والدعاء المسموع ما لا يبلو أبداً. ولذلك يقول إبراهيم لما كان كريماً مضيافاً للناس: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84] قالوا: هو الذكر الحسن.

    وإنما المرء حديث بعده     فكن حديثاً حسناً لمن وعى

    دقة فهمه صلى الله عليه وسلم

    المسألة الرابعة: دقة فهمه صلى الله عليه وسلم.

    فإن أبا بكر وعمر لم يفهما مراد أبي هريرة، والرسول صلى الله عليه وسلم علم أن أبا هريرة يريد طعاماً، وإلا فإن الإشارات: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30] وسيماء الحديث، ومقارنة القصة تبدي هذه الأمور أنه يريد شيئاً، وإلا فكيف يخرج سريعاً من المسجد ويقف في طريق الناس يسألهم عن الآية؟ هل ضاقت به الدنيا بما رحبت وضاقت به الأوقات إلا بعد صلاة المغرب يسأل عن هذه الآية؟ ثم هو رجل فقيه وعالم بإمكانه أن يسأل في أحد الأوقات، فعرف صلى الله عليه وسلم وأدخله بيته.

    الاستدلال بالعلامات

    المسألة الخامسة: الاستدلال بالعلامات.

    فإن بعض الناس لما رزقهم الله من الفطنة والفهم يعرفون بالعلامات والإشارات، فإن إبراهيم عليه السلام قرب الأكل للملائكة فما اقتربوا للأكل فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70] يقول: لماذا لا يأكلون طعامي؟ لابد أن فيهم شيئاً، ثم خاف منهم؛ لأنهم إما أعداء فالعدو لا يأكل طعامك، وإما أنهم ملأ آخر خلقهم الله عز وجل ليس من حقهم الطعام. فعلم أنهم ملائكة، فأخبروه في الأخير أنا لا نأكل الطعام؛ لأنهم جسم نوراني، لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. وهكذا خلق الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى خلقه وتصرف فيهم، فنحن خلقنا من الطين، نمشي على الطين، ثم ندس في الطين، وقوم خلقهم من النار، فهم دائماً في نار أحرقوا العالم ودمروا المعمورة وهم الشياطين، وقوم خلقهم من نور، فكلامهم نور، ويأتون بالنور، ويذهبون بالنور، ويسجلون النور، ويشهدون على أهل النور، وهم الملائكة، فلله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في خلقه شئون.

    استحباب الشرب جالساً

    المسألة السادسة: استحباب الشرب جالساً، قاله ابن حجر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أتى أبو هريرة بالإناء وانتهى وفرغ من سقي الناس؛ أخذ الإناء وقال: اقعد، فقعد فقال: اشرب، فشرب، ومن أدب أبي هريرة أنه ما قال للرسول صلى الله عليه وسلم: اشرب أنت يا رسول الله! لأن أمامه رسول البشرية صلى الله عليه وسلم، ولأن أمره واجب أن ينفذ فالسنة الشرب من قعود إلا لحاجة ملحة، كأن تكون في زحام ما تستطيع أن تجلس فلك ذلك، كما فعل صلى الله عليه وسلم يوم شرب من زمزم وهو واقف، أو تكون على عجلة ما يتسنى لك أن تشرب جالساً، أو يكون المكان مرتفعاً وليس عندك إناء فلك أن تشرب قائماً، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    خادم القوم يتولى المناولة

    المسألة السابعة: خادم القوم يتولى المناولة. فمن كرم ضيافته صلى الله عليه وسلم أن جعل أبا هريرة يدور بالإناء، ما قال للضيوف من أهل الصفة: قوموا أنتم وخذوا اللبن، بل جعله هو يدور عليهم، ويأخذ الإناء ويسلمه للآخر تلو الآخر، وإلا كان بإمكانه أن يسلم الإناء ثم يقول: أنت سلم للذي بجانبك، لكن من كرمه أن يأخذ لئلا يمتهن الضيف كما قال ابن حجر، قالوا: ومن لؤم الرجل أن يستخدم ضيفه، أن يدخل عليك ضيفك في المنزل فتقول: بارك الله فيك ناولني هذا الصحن، قرب لي هذا الإدام. فقد أصبح طباخاً ولم يصبح ضيفاً، وهذه الضيافة ليست في الكتاب ولا في السنة ولا في أخلاق العرب، أما الضيف فلابد أن يحترم، وبعض الناس إذا دخل عليه الضيف جلس في صدر المجلس واتكأ وجعل الضيف في آخر المنزل، فكلما أتوا بالفنجان بدأ ويبدأ بكل شيء، ويجعل الضيف في خبر كان وربما ينساه، فهذا ليس من الضيافة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم أهل الصفة، وهم تلاميذ له وأعراب، وجلس عند الباب وأخذ يقول لـأبي هريرة: ناول الناس، فأخذ يناولهم حتى انتهى إليه صلى الله عليه وسلم.

    معجزة النبي صلى الله عليه وسلم

    المسألة الثامنة: معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في بركة اللبن.

    لبن قليل يسير في إناء يكفي أكثر من مائة رجل كلهم بحاجة إلى هذا اللبن، وفضل منه فضلة وبقي لأهله صلى الله عليه وسلم، وما ذلك إلا من بركته صلى الله عليه وسلم، فإنه مبارك أين ما كان، فكلامه وفعله ولحظاته كلها مباركة، وكلما جلس في مكان أثر فيه البركة عليه الصلاة والسلام.

    جواز الشبع في الأكل

    المسألة التاسعة: جواز الشبع ولو بلغ أقصى غاية.

    قاله ابن حجر وأيده ابن القيم على هذا؛ لأن بعض الناس من المغالين في التصوف يقول: إنه لا يجوز الشبع، وإن الإنسان حرام أن يشبع، ويلقون محاضرات في الشبع، هذا غير صحيح فـأبو هريرة شبع حتى حلف بالله العظيم أنه لا يجد له مسلكاً.

    دخل أبو دلامة على هارون الرشيد الخليفة العباسي، فقال هارون الرشيد: يا أبا دلامة! سمعت أنك تطلب الحديث في هذه الأيام -وأبو دلامة رجل مزاح فكاهي، يرافق الخلفاء في الجهاد والغزو والسمر- قال هارون الرشيد: سمعت أنك تطلب الحديث في هذه الأيام. قال: نعم. تعلمت الأحاديث فنسيتها كلها إلا ثلاثة أحاديث. قال: وما هي؟ قال: قوله صلى الله عليه وسلم: {إذا حضر العِشاء والعَشاء فابدءوا بالعَشاء قبل العِشاء} وقوله عليه الصلاة والسلام: {اشرب يا أبا هريرة! قال: والله لا أجد له مسلكاً} وقول الصحابي: {كان صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل} فضحك هارون الرشيد حتى ترح برجله.

    فهذه الأحاديث تحفظ والحمد لله، ولذلك سوف ننسى كل هذه القصة ونحفظ قوله: فشبعت حتى ما وجدت له مسلكاً.

    قال ابن القيم: شبع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مرة من المرات. لماذا؟ لأنهم ما يجدون الطعام دائماً كما نجده نحن، وإلا فنحن والحمد لله الوجبات تلو الوجبات بالساعة والدقيقة ما تختلف، والصحابة قد تمر بهم وجبة اللحم في الشهر أو الشهرين أو الثلاثة، وبعضهم أكثر من ذلك، فإذا حصلت هذه المكرمة أكثر منها؛ لأنه لا يدري ماذا سيحدث له فيما بعد، فهذا وارد.

    لكن يقول ابن حجر: ورد عند الترمذي بسند حسن: {إن أكثر الناس في الدنيا شبعاً أكثرهم جوعاً يوم القيامة} وهذا يقصد به أهل الشهوات الذين لا يستخدمونها في طاعة الله عز وجل، ولا يستعينون بها على مرضاته تبارك وتعالى، وإلا فالله يقول: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً [المؤمنون:51] وأمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، فلو أن الإنسان إذا أكل طيباً وعمل صالحاً؛ لكان صالحاً عند الله، كلامه وأكله طيبٌ وفعله، لكن أن يأكل طيباً ويفعل القبيح، يأكل نعم الله ثم يعصيه ويتمرد عليه، هذا ليس بلائق.

    وهل من المروءة أن يضيفك رجل في بيته فكلما أكلت طعامه قمت تضاربه في البيت؟ ولله المثل الأعلى. فمن يأكل طيباً ويعمل صالحاً فهو مأجور ومشكور، ولو احتسب أكله عند الله لآجره الله في الدنيا والآخرة.

    كتمان الحاجة أولى من إظهارها

    المسألة العاشرة: أن كتمان الحاجة أولى من إظهارها، يقول تعالى: لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً [البقرة:273] فتكتم حاجتك بينك وبين الله، تفتقر فلا يشعر الناس أنك افتقرت، وتمرض فلا يشعر الناس أنك مرضت.

    ذكر أهل القصص أن أبا بكر رضي الله عنه أصابه وجع في ضرسه حتى اسود جانبه، ما كان هناك مستشفيات ولا أطباء ولاخدمات، وإنما عاشوا في تلك الفترة يوجهون البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأراد الله من حكمته أن يعيشوا في تلك الفترة، لئلا يشتغلوا بهذه المشغلات والملهيات، والأمور التي جدت؛ ليتفرغوا لإبلاغ الوحي إلى الناس، فلما مرض زاره الصحابة وقد أسند ظهره على الفراش، فقالوا: يا خليفة رسول الله! نراك وجع. قال: الحمد لله. قالوا: ألا ندعوا لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني. قالوا: ماذا قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد.

    كيف أشكو إلى طبيبي ما بيا     والذي قد أصابني من طبيبيا

    قال أحد الصالحين -لما حضرته الوفاة- لابنه: يا بني! لا تشكو على أحد مصابك إلا على الله، فوالله لقد فقدت عيني هذه منذ أربعين سنة ما أبصر بها وما أخبرت بها أحداً إلا الآن.

    ذكر صاحب طبقات الحنابلة وغيره من أهل العلم عن الوزير ابن هبيرة الحنبلي الكبير، صاحب كتاب الإفصاح، وهو قد تولى الوزارة في عهد الخلافة العباسية وكان من الصلحاء الأخيار عند الله عز وجل، وعظ وهو جالس على منبره فسقط على وجهه من كثرة البكاء وحج بالناس هو وجعل نفقات الحجاج من بغداد على حسابه وتركته، فلما وصل إلى منى عطش الحجيج وأصابهم من الظمأ ما لا يعلمه إلا الله، فتوضأ وصلى ركعتين وقال: اللهم ارحمنا، اللهم اسقنا. قالوا: فوالله ما نزع من مكانه حتى تساقط الثلج والماء على الناس، فبكى، فقالوا: مالك؟ قال: يا ليتني دعوت الله بالمغفرة.

    قال أحد أهل العلم: كنت جالساً مع ابن هبيرة في ديوانه، وبينما أنا جالس إذا برجل فقير دخل عليه، فقام ابن هبيرة فاستقبل الفقير هذا، وهو وزير، دولة الإسلام كلها في وزارته، بل هو من أعظم الناس، كان يملي الحديث وهو وزير، يملي صحيح البخاري وصحيح مسلم. قال: فلما دخل هذا الفقير عليه قام له وحياه وأجلسه ثم أعطاه حلةً، وأعطاه شيئاً من المال وقام ومسح على رأسه، ثم خرج الفقير، فقال له الناس وهم في ديوانه جالسين: مالك -أطال الله بقاءك- مسحت على رأسه؟ قال: أتدرون ما قصتي وهذا الرجل؟ لقد عرفته وما عرفني. قالوا: كيف؟ قال: كنت أنا وإياه شباب فضربني على رأسي فأبطل عيني هذه، فما أرى بها منذ ثلاثين سنة، فلما دخل عليَّ الآن تذكرته وعرفته فمسحت على رأسه وعفوت عنه؛ ليعفي الله عني يوم يجمع الله الأولين والآخرين، فتباكى الناس، وهذا من كتمان المصائب والبلايا.

    كيف أشكو إلى طبيبي ما بيا     والذي قد أصابني من طبيبيا

    ودخلوا على شيخ الإسلام وهو مريض فقالوا: ماذا أصابك؟ قال:

    تموت النفوس بأوصابها     ولم يدر عوادها مابها

    وما أنصفت مهجة تشتكي     أذاها إلى غير أحبابها

    فالشكوى إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ولذلك كان الأنبياء والرسل إذا بلغ الحزام الضبيين، والسيل منتهاه، وانتهى الأمر إليه، فوضوا الأمر إلى الله، قال إبراهيم: حسبنا الله ونعم الوكيل. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في حالة -يوم أحد - لا يعلمها إلا الله، وقد قتل سبعون من أقاربه وأعمامه وأصحابه، وبعدها يأتي يهودي استؤجر بشعير فيقول: إن الناس قد جمعوا لكم، فرد الرسول صلى الله عليه وسلم رشده ودعواه والتجاءه إلى الله وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. فكان ماذا؟ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران:174].

    وقال يعقوب وقد بكى حتى -كما في بعض التفاسير- كان يوصيه جبريل بالصبر على يوسف فما يستطيع أن يصبر، فيجعل كفه على فمه ويقول: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:86] ولذلك قالوا في ترجمة أبي بكر رضي الله عنه أنه كان إذا وصل إلى هذا المقطع في صلاة الفجر خار من البكاء: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86] ويقول قبلها: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18] فمن أصابه شيء أو ضر فليلتجئ إلى الحي القيوم، فإنه هو الرزاق، والنافع والضار، وإن مقاليد الأمور بيده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لا يتصرف في ذرة متصرف إلا بأمره وقدرته تبارك وتعالى.

    كرم النبي صلى الله عليه وسلم

    المسألة الحادية عشرة: وفيها كرم النبي صلى الله عليه وسلم، وإيثاره على نفسه وأهله وخادمه. فلن تجد في الأمة أكرم من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في مسند أحمد عن جابر بسند جيد قال: {ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إلا مرة، سأله أعرابي شيئاً فقال: لا. وأستغفر الله} أي: أستغفر الله من كلمة (لا) فالمؤمن إذا كان في موجوده شيء فلا يقل: لا؛ لأن الله ذم الذين يمنعون الماعون، وهم الذين يمنعون القدْر عاريةً، أو الإبرة أو الخيل أو الخيط أو الخدمة، حتى ذكر أهل العلم أن من يمنع البسمة عن الناس فهو من أبخل الناس.

    والناس عيال لله عز وجل أحبهم إلى الله عز وجل أنفعهم لعياله، والله عز وجل جعل أسباب بعض الناس ببعض، فإنه هو الغني، والله قادر أن يغني كل أحد عن أحد، لكنه جعل هذا ليبتلي به هذا.. وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان:20] قيل: (جعلنا بعضهم لبعض فتنة) ابتلى الغني بالفقير، وابتلى الصحيح بالسقيم، وابتلى هذا بهذا؛ ليرى الله من الذي يؤدي حقوقه تعالى.

    وفي حديث ابن عباس الصحيح: {يقول الله يوم القيامة للعبد: يابن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي. يابن آدم! جعت فلم تطعمني. قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي...} الحديث.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام كان من أكرم الناس، يجود بكل ما ملك، ولو استغنى عن قميصه لجاد به، بل حدث -كما في صحيح البخاري - أنه جاد بقميصه الذي عليه، يقول سهل بن سعد في الصحيح: {أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! خذ هذا الكساء، فقد نسجته لك بيدي بأبي أنت وأمي، فأخذه عليه الصلاة والسلام ولبسه محتاجاً إليه، فلما لبسه تعرض له رجل من الناس، فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي أعطني هذا الكساء. قال: انتظر قليلاً، فدخل بيته عليه الصلاة والسلام وتأزر بأزرة وخلع له الكساء وأعطاه إياه. فقال الصحابة: بئس ما صنعت، لبسه صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليه ثم سألته وتعلم أنه لا يرد أحداً. قال: والله! ما أخذته إلا ليكون كفناً لي بعد أن لامس جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سهل بن سعد: فوالذي نفسي بيده لقد كان كفنه ودفن فيه}. ولذلك قال ابن المبارك: أرى أن يكفن المسلم في ثيابه التي كان يكثر فيها الصلاة وقيام الليل؛ لأن الله يقول: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] أي: الآثار التي كانت عليهم، وممشاهم وقعودهم، والله يقول في محكم كتابه: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [الدخان:29] قالوا لـابن عباس: [[أتبكي السماء على الصالح؟ قال: نعم. والذي نفسي بيده إنه ليبكي ما يماثله من السماء، ويبكي عليه مصلاه ويبكي ممشاه إلى المسجد]] والله أعلم كيف الحالة، فهو الذي خلق وتصرف، فنحيلها على علمه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم من أجود الناس.

    وفي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان أجود بالخير من الريح المرسلة، ما يمسك شيئاً، فإذا دخل رمضان دارسه جبريل القرآن فيكون صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، ولذلك ذكر أبو نعيم وابن كثير والذهبي في ترجمة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

    نسب كأن عليه من شمس الضحى     نوراً ومن فلق الصباح عموداً

    قال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:34] علي بن الحسين سمي زين العابدين؛ لأنه كان يصلي حتى أخذ السجودُ في أنفه وجبهته وسمة، فإذا خرج إلى الناس ورأوا وجهه تذكروا الله عز وجل، فقالوا: لا إله إلا الله.

    ولما حضرته الوفاة أتوا يغسلونه -كما يقول أبو نعيم الأصفهاني والذهبي وابن كثير -فوجدوا في كتفه أثر الحبل، كأنه حبل أثر في كتفه، فسألوا أهله فقالوا: والله إن هذا وسم ما كان يحمل للفقراء، كان يصلي فإذا أظلم الليل قام فأخذ حمول التمر والزبيب والحب وحمله إلى فقراء المدينة حتى يأتي الفجر. فهذا هو علي بن الحسين الذي يقول فيه الفرزدق:

    ما قال لا قط إلا في تشهده     لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ

    لما رآه داخلاً الحرم وقد ازدحم الناس، وما استطاع هشام بن عبد الملك أن يطوف، فتأخر إلى زمزم وجلس على كرسي وهو خليفة، فلما رأوا علي بن الحسين وأقبل بوجهه كأنه فلقة قمر وبيده خيزران وعليه ثيابه، فلما رأوه انقشعوا عن وجهه وأخذوا يفسحون له الطريق ويدعون له ويسلمون عليه، فأخذ يطوف فقال أهل الشام لـهشام بن عبد الملك: من هذا ما عرفناه؟ قال: ما عرفته. مع أنه يعرفه، لكنه حدسه وغمط حقه، فقام الفرزدق، فقال:

    هذا الذي تعرف البطحاء وطأته     والبيت يعرفه والحل والحرم

    هذا ابن خير عباد الله كلهم     هذا التقي النقي الطاهر العلم

    هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله      بجده أنبياء الله قد ختموا

    إلى أن قال:

    ما قال لا قط إلا في تشهده     لولا التشهد كانت لاؤه نعم

    يقول: أنه ما يعرف (لا) إلا في لا إله إلا الله، أما في غيرها فلا يعرفها.

    ضيق الحال عند الصحابة

    المسألة الثانية عشرة: ما كان عليه بعض الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من ضيق الحال. فقد كان الصحابة في أول الإسلام في ضيق حالٍ حتى آخر خلافة عمر رضي الله عنه، فكانوا لا يشبعون في غالب الأوقات من التمر، حتى وقف عمر رضي الله عنه في آخر خلافته فجلس على المنبر وبكى ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس! أما يُغدى على أحدكم بجفنة مكللة بالثريد، ويراح بجفنة مكللة بالثريد؟ قالوا: بلى. قال: والله الذي لا إله إلا هو لقد كنا نتلوى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجد أحدنا ما يملأ بطنه من رديء التمر. وكان يمتنع عن الملاذ رضي الله عنه؛ لأنه عاش في شظف عيش.

    فلما أطل عصر عثمان أقبلت الدنيا والموائد والمطاعم والمشارب، وتوسع الناس، وبقي أهل العهد على عهدهم، ومنهم من توسع وأراد بتوسعه وجه الله عز وجل، ولذلك ذكروا في سيرة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه: أنه ذهب يعتمر، فلما أصبح في عسفان قدم له إفطاره، وكان إفطاره طير مشوي وشيء من اللحم، فلما قدموه قال: يا سبحان الله! يقتل حمزة ولا يلقى ما يكفن به، ويقتل مصعب ولا يلقى ما يكفن به، وأفطر على هذا! ثم بكى حتى رفع إفطاره ولم يفطر.

    ويقول سعد رضي الله عنه وأرضاه، وهذا في صحيح البخاري في كتاب الرقاق، باب (كيف كان عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم عن الدنيا) قال سعد: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد مر بي زمن يوم أسلمت ما كان لي من طعام إلا ورق الشجر، وإن أحدنا ليأكل ثم يضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبح بنو أسد يعزرونني على الإسلام، خبت إذن وخسرت]].

    يقول: أسلمت وأكلت أوراق الشجر، وأنا صابر محتسب على الإسلام، وأدخلت الناس من هذه القبيلة في الإسلام بهذا السيف، ثم يأتي أهل هذه القبيلة الذين أدخلتهم في الإسلام ويقولون: أني لا أحسن أصلي.

    والسبب في ذلك: أن أهل الكوفة -بني أسد- ذهبوا إلى عمر فقالوا: نشكو إليك سعداً. كلما ولى عليهم عمر والياً شكوه، ما يبقى فيهم إلاّ أسبوعاً ويقدمون فيه شكوى. فقال عمر: ماذا حدث؟ قالوا: ما يحسن يصلي. قال عمر: سبحان الله! أبو إسحاق ما يحسن يصلي! قالوا: نعم. لا يحسن يصلي. فـعمر رضي الله عنه ما استخدم ظنه، وإنما أراد أن يتبين بالدلائل والحقائق والعلم، فأتى بـسعد وأجلسهم أمامه وقال: إنهم شكوك في كل شيء حتى في الصلاة، فكيف تصلي؟ قال سعد: يا سبحان الله! والله لقد مر بي زمن ما كان لي من طعام إلا ورق الشجر، والله لقد كنت ربع الإسلام -أي: رابع أربعة في الإسلام- والله لقد أدخلتهم -بني أسد- في الإسلام بسيفي هذا، ثم يعيرونني أني لا أحسن أصلي، أما أنا فأركد في الأوليين -أي: في الركعة الأولى والثانية- وأحذف في الأخريين. فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق! ثم قام أهل العراق فقالوا: أرسل معنا من تسأله عنا وعن سعد -والقصة لا بأس بإيرادها- فأرسل معهم محمد بن مسلمة، فلما وصل ما ترك مسجداً من مساجدهم إلا ويسألهم عن سعد، فيثنون عليه خيراً ويدعون له، حتى وصل إلى رجل معثر شقي في مسجد من مساجد بني عبس في طرف الكوفة فسألوه، فقال: إن سألتمونا فوالله! إن سعداً لا يمشي مع السرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية.

    فرفع سعد يديه واستقبل القبلة وقال: اللهم إن كان قام رياءً وسمعةً كاذباً علي فأطل عمره وعرضه للفتن. وفي روايةٍ عند عبد الملك -أحد الرواة- وأكثر ماله وولده وعرضه للفتن. فطال عمر هذا الرجل حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وأخذ يتعرض للجواري في سكك الكوفة يغمزهن بيديه، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد.

    لأن الله علم أن سعداً صادق وأنه يريده، وأن دعوته مستجابة، فكان سعد على هذه الحالة، وغيره من الصحابة كثير يتحدثون عن هذا.

    يقول أبو موسى رضي الله عنه: [[والله لقد رافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فكنت ألف القماش على قدمي حتى تساقطت أظفاري في الأرض]] ثم ترك هذا الحديث في آخر عمره فما أصبح يحدث به، وخاف أن يكشف للناس عملاً يريد أن يكون بينه وبين الله عز وجل.

    إذن فالصحابة إلى آخر عهد عمر رضي الله عنه كان غالب وقتهم الشظف في العيش والخشونة والفقر، ولكن يغنيهم الله عز وجل من خزائنه لما أعد لهم من ثواب وأجر عميم عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فضل أبي هريرة

    وفي هذا الحديث، فضل أبي هريرة رضي الله عنه وتعففه، فإنه ما أظهر حاجته، ولكنه تعفف وصبر وتحمل، وذلك من حسن أدبه الذي أدبه الله به.

    فضل أهل الصفة

    وفي هذا الحديث: فضل أهل الصفة، وأهل الصفة -كما قلنا- قوم من الصحابة فقراء مساكين، لا أهل لهم ولا مال ولا ولد، جلسوا في المسجد يتعلمون ويتفقهون في الدين، وسوف يأتي معنا مسألة بهذا الخصوص.

    والصوفية يقولون: إنهم نسبة إلى الصفة، وهذا خطأ، فإن النسبة إلى الصفة (صفي) لا (صوفي) وقد رد هذه النسبة شيخ الإسلام في المجلد العاشر والحادي عشر من فتاويه، وأهل الصفة وصلوا إلى أربعمائة رجل، ثم نزلوا إلى ثلاث مائة يجتمعون ويفترقون.

    ومن أهل الصفة عمرو بن تغلب، وقف عليه الصلاة والسلام والمسجد مكتظ بالناس فقال: {يا أيها الناس! إني أعطي بعض الناس من الدنيا لما جعل الله في قلبه من الجشع والطمع، وأترك أناساً لما جعل الله في قلوبهم من الإيمان والخير، منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: والذي نفسي بيده! ما أحب أن لي الدنيا بما فيها} أي: في هذه الكلمة. فهو من أهل الصفة، الذين كانوا يحتطبون في النهار ويبيعون ويكتسبون ويقعدون في المسجد يتفقهون، وسوف يأتي حكم هذا الفعل عند المسلمين.

    ضرورة استئذان المدعو

    المسألة الخامسة عشرة: أن المدعو إذا وصل إلى دار الداعي فلا يدخل بغير استئذان، فـأبو هريرة لما ذهب مع الرسول صلى الله عليه وسلم استأذن ودخل.

    وهناك حديث في السنن: {إذا أرسل الرجل رسوله فهو إذنه} والمعنى: أنك إذا أرسلت إلى أحد الناس ابنك أن يأتي، فإنه يدخل مع ابنك ولا يستأذن مرة ثانية، والجمع بينه وبين هذا الكلام أنه يختلف باختلاف الحال، فإذا علمت أن هذا الرجل دعاك وليس قبله أحد يهيئ المكان ولا يصلح الشأن، فلا يحق لك أن تدخل مباشرة، بل تقف بعيداً عن الباب، وهذا من أدب الإسلام، وتدعه يدخل ويأخذ راحته ويهيئ المكان، وينظم المجلس، فربما يكون البيت في حالة لا يحسن أن تدخل عليها، فإذا علمت أنه تهيأ وقال: ادخل، وأذن لك أن تدخل فادخل، أما أن تدخل معه مباشرة فإنه قد يستحي منك ولا يقول لك: انتظر. فهذا من أدب الإسلام، فـأبو هريرة انتظر حتى قال له صلى الله عليه وسلم: ادخل، وهذا أمر واجب. وقد مر معنا باب الاستئذان، ومن فقهه الله في دينه تفقه.

    جلوس الضيف في مكانه اللائق به

    المسألة السادسة عشرة: جلوس كل واحد في المكان اللائق به؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه المضيف جلس في آخر المجلس، وقدم ضيوفه عليه الصلاة والسلام، فلا ينبغي للإنسان أن يدخل ضيوفه، ثم يتربع وسط المجلس ويجلسهم في أطراف المجلس، ويستخدمهم، فليس هذا هو اللائق به، بل يجلس في مكانه. وكذلك إذا دخل العالم الكبير له أن يجلس وسط المجلس وكذلك السلطان فلا يأتي ويقول: أظهر التواضع وأجلس على الأحذية. فهذا غير صحيح فإن الله قد جعل لكل شيء قدراً {أنزلوا الناس منازلهم} فإن الذي يجلس في مكان غير لائق به سخيف، والذي يجلس في مكان أكبر من قدره متكبر، فالإنسان يعرف قدره ويعرف أين يجلس.

    ملازمة أبي بكر وعمر للنبي صلى الله عليه وسلم

    المسألة السابعة عشرة: ملازمة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فالرسول صلى الله عليه وسلم دائماً يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، فأكثر القصص يذكر فيها أبا بكر وعمر؛ لأنهما شيخا الإسلام، وفي سنن الترمذي يقول عليه الصلاة والسلام: {اقتدوا بالذَين من بعدي أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد ابن أم عبد} أي: ابن مسعود.

    فالشيخان الجليلان عينا الإسلام ويداه، اللذان امتهنهم الرافضة نسأل الله أن يفعل بهم فعائله بالقوم الفجرة، فإنهم أساءوا إلى الشيخين، وقد دافع عنهم ابن تيمية بأكثر من مائتي صفحة في كتاب منهاج السنة، فهم أجلة الإسلام، وهم أهل المواقف المشهودة، وأهل الحالات المعروفة الظاهرة التي لا ينكرها إلا كل كافر زنديق.

    مناداة الخادم بالكنية

    المسألة الثامنة عشرة: دعاء الكبير خادمه بالكنية. فالرسول صلى الله عليه وسلم تلطف مع صاحبه أبي هريرة وقال: {يا أبا هر!} ومن الأدب عند المسلمين أن يدعى بالكنى ولا يتنابز بالألقاب، فالواجب أن تختار أحسن اسم لأخيك المسلم فتقول: يا فلان! أو يا أبا فلان! والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: يا أبا بكر! يا أبا حفص! يا أبا هريرة! فهذا من الإكرام والتبجيل، وهو يورث لك المحبة في صدر أخيك.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا هر! وهذا الأسلوب يسمى (ترخيم) والترخيم هو: حذف آخر المنادى، أن تنادي ثم تحذف آخر الاسم، قال ابن مالك في الألفية:

    ترخيماً احذف آخر المنادى     كقولهم في يا سعا سعاد

    وقد قيل لأحد الصالحين من التابعين: ما معنى قوله تعالى: (وقالوا يا مال ليقض علينا ربك)؟ والقراءة المشهورة (يا مالك) وهو خازن النار، يناديه أهل النار أن يقضي عليهم، يقولون: قل لربك يقضي علينا فقد سئمنا الحياة. نعوذ بالله من النار ونستجير به منها. وقد قرأ بعض الناس بقراءة (يا مال) بحذف الكاف للترخيم، فسئل ابن عباس فقال: أهل النار في مشغلة عن الترخيم. أي: هم في عذاب ونكال، لا يستطيعون أن يرخموا في تلك المنزلة، فهذا هو الترخيم.

    قبول النبي صلى الله عليه وسلم للهدية ورده الصدقة

    المسألة التاسعة عشرة: قبوله صلى الله عليه وسلم الهدية ورده للصدقة. وهذا من خصائصه؛ فإنه لا يأخذ الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، ولكنه صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، فقد أهدي إليه خميصة أبي جهم فصلى بها فرأى أعلامها -كما في البخاري - فشغلته في الصلاة، فخلعها وقال: {اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بإنبجانية أبي جهم} لماذا يقول: ائتوني بها؟ لئلا يجد في نفسه، فالإنسان المسلم لا يرد الهدية؛ لأن المسلم يجد في نفسه، إلا إذا كانت الهدية هذه ثمناً لدينه أو رشوة عمل فإنها لا تقبل، أو غرضاً ليدخل به في حرام فلا تقبل، والمسلم على بصيرة.

    والرسول صلى الله عليه وسلم قبل جبةً من ديباج أهداها له وفد بني تميم، فلما صلَّى بها صلى الله عليه وسلم أخذ الصحابة يتعجبون منها ويمسكونها ويتمسحون بها، قال: {أتعجبون منها؟ والله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها} وقد قرئ هذا الحديث على محمود بن سبكتكين فبكى حتى أغمي عليه، وهو سلطان المشرق الذي هدم ألف صنم في أرض داهر والهند والسند، وهذا السلطان العظيم ترحم عليه علماء الإسلام لما توفي، وقد وقف أملاكه كلها في خدمة الإسلام والمسلمين، وأتى إلى صنم فإذا هو من أوله إلى آخره من ذهب وياقوت وزبرجد، فقال له الملك داهر: خذ هذا الصنم واشتره مني واترك لي هذه الرعية. فقال: والله لا أفعل، أتريد مني أن أدعى على رءوس الأشهاد يوم القيامة يا بائع الأصنام؟ بل أريد أن أدعى يوم القيامة يا مكسر الأصنام. فقال محمد إقبال:

    كنا نرى الأصنام من ذهب     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنزاً وصاغ الحلي والدينارا

    يقول: نحن نكسر الأصنام ونهدم فوقها الكفار، أما غيرنا فيبيع ويشتري الأصنام.

    جواز السكنى في المسجد للحاجة

    المسألة العشرون: جواز السكنى في المسجد للحاجة، فلك أن تسكن في المسجد لحاجة، إما لطلب علم، أو تفقه في الدين، أو لأن الله ما فتح عليك فلم تلق بيتاً لا شراءً ولا بيعاً ولا بالإيجار، فعليك أن تنتقل بما معك وتسكن في المسجد ولا عليك، وإذا اعترض عليك معترض فأخبره بهذا الحديث من صحيح البخاري بسنده وقدمه له، فلا يعترض معترض، بل المساجد تسكن للمسلمين وينام فيها، وهناك عشرات الأحاديث تبين هذا الأمر للمصلحة، لكن إذا وجد الإنسان غنية عن المسجد فله أن ينزح عن المسجد.

    جواز التخلي عن الأهل والولد إذا كانوا مشغلة

    المسألة الحادية والعشرون: جواز التخلي عن الأهل والولد إذا كانوا مشغله.

    فإن بعض الناس لا يستطيع أن يجمع بين الإيمان والعمل الصالح وكثرة الطاعات مع كثرة العيال، وهم المشغلة، فهؤلاء تخلوا عن الدنيا وجلسوا في المسجد، ولكن غيرهم ممن قام بشئون العيال والمال كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي خير منهم وأفضل عند الله.

    قيل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! لو تركت الزواج كان خيراً لك. قال: ولم؟ قالوا: لأن إبراهيم بن أدهم ترك الزواج. قال: أوه! يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38] أبمحمد نقتدي صلى الله عليه وسلم أو بـإبراهيم بن أدهم؟ فلذلك كان فعله صلى الله عليه وسلم أجمل من كل فعل، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يتخلَّ بل جمع بين العمل الصالح وبين هذا.

    وقال الإمام أحمد لما قيل له في الزواج والأهل والأطفال، قال: والله! لبكاء الطفل عند رأسي يطلب مني كسرة خبز خير من قيام ليلة. لأنه يهديهم للإسلام ويربيهم، ومن أصلح جاريتين كن له حجاباً من النار. فالأهل بركة ونور، وما يأتي من مشقة وهموم وغموم فهو تكفير للخطايا والذنوب، ورفعة في الدرجات، وثواب عند الله عز وجل، فليحتسب العبد ذلك عند الله.

    التقلل من الدنيا

    المسألة الثانية والعشرون: فيه ما كان عليه الصلاة والسلام من التقلل، فإنه تقلل حتى لقي الله عز وجل وليس عنده من الدنيا لا قليل ولا كثير، وترك ما تركه صدقة وما ورث أهله شيئاً.

    أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر

    المسألة الثالثة والعشرون: مسألة أوردها ابن تيمية في الفتاوى، وهي هل الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر؟ قال ابن تيمية: ألف بعض أهل العلم كتباً في هذا، والمسألة يسيرة والحمد لله، فبعضهم قال: الغني الشاكر أفضل؛ لأنه ينفق ويضيف ويعطي ويمنح. وقال بعضهم: الفقير الصابر أفضل لأنه صبر وأخذ وجاهد وتحمل. قال ابن تيمية: وليس بصحيح هذا الجواب.

    والجواب: أن أتقاهم لله هو أفضلهم، إن كان غنياً شاكراً وهو أتقى من الفقير الصابر فهو أتقى وأفضل، وإن كان الفقير صابراً وأتقى من الغني الشاكر فهو أتقى عند الله وأفضل. ولذلك تجد أن بعض الناس عنده ملايين، وهو أتقى لله عز وجل من الفقير الذي لا يجد عشاء ليلة، وتجد بعض الفقراء تقياً لله عز وجل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] فلا تسأل عن مال الإنسان ولا عن أولاده ولا عما عنده من تراث، ولكن اسأل عن تقواه لله عز وجل، فقيراً كان أو غيناً.

    انبساط الدنيا لا يكون على حساب الآخرة

    المسألة الرابعة والعشرون: من بسط له في دنياه لا يكون ذلك على حساب ثوابه. فإن المطاعم والمشارب والملابس التي نأخذها في الدنيا تنقص من أجرنا عند الله، ولا يزال العبد يهدب من ثمرته حتى ينهيها أو يبقيها. ولذلك دخلوا على خباب بن الأرت وهو يبني مزرعة له بالطين في المدينة، وهذا في الصحيح وقد اكتوى على بطنه سبع كيات، فقالوا: مالك؟ قال: كل شيء يؤجر فيه العبد إلا ما وضع في هذا التراب. أي: في البناء، ثم قال: والله لقد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كنا نجد شيئاً، ثم مات مصعب فما وجد كفناً، ومات حمزة فما وجد كفناً، ثم بكى كثيراً حتى نشغ، ثم قال: أما نحن فتدلت ثمرتنا فنحن نهدبها من ذاك اليوم. أي: أجرنا تدلى لنا فنهدب منه.

    فالأولى بالإنسان أن يأخذ الشيء الطيب ولكن لا يسرف فيه، يقول سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] ولا يعتدي، ولكن يبحث عن مسترة حاله ويكون وسطاً في الناس، ليس بالملح ولا الذي يظهر التفقر والتمسكن وهو غني، وليس من الذي يظهر الترف والتعالي على الناس، وخير الأمور أوسطها، وليستتر بستر الله عز وجل.

    أفضل الطعام

    المسألة الخامسة والعشرون: اللبن أفضل الطعام، ولذلك كرره البخاري في أبواب، والرسول صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه سلم إليه إناء من لبن فشرب منه حتى قال: {رأيت الري يخرج من تحت أظفاري، ثم سلمت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم}.

    {ولما عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء قدم له إناءان، إناء من خمر وإناء من لبن، فقالوا: اختر واحداً واشربه، فشرب الذي فيه اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة، لو شربت الخمر غوت أمتك، ولكن شربت اللبن فصلحت أمتك بإذن الله}.

    فالحمد لله الذي أصلح هذه الأمة، وجعلها خاتمة الأمم، كما جعل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.

    نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كما جمعنا على ذكره وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجمعنا هناك مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يسقينا من حوضه، وأن يتقبل منا أعمالنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، وأن يصلح سرائرنا وعلانيتنا وظاهرنا وباطننا، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.