إسلام ويب

الأعداء الأربعةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإنسان في هذه الدنيا في صراع دائم ومعاناة وابتلاء، ولعل أهم أبواب هذا الصراع: صراعه مع أربعة أعداء، فأولهم وأكبرهم وأشدهم عليه الشيطان الرجيم، الذي تتمثل وظيفته في الحياة في إضلال الإنسان بأساليبه المختلفة، ثم تأتي بعد ذلك الدنيا وما فيها من البلايا التي قد تضل الكثير، ثم النفس التي بين الجنبين .. النفس الأمّارة بالسوء والتي لا تدل على خير أبداً، ورابع أعداء الإنسان الهوى، وما أدراك ما الهوى! نسأل الله أن ينصرنا على أعدائنا

    1.   

    الإنسان وصراعه في الحياة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الأحبة في الله! يعيش الإنسان في هذه الحياة في صراع دائم، وفي معركة مستمرة، وفي معاناة، وفي تعب، يقول ربنا عز وجل: يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6].

    ويقول عز وجل: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] أي: تعب، ونكد، ومعاناة.

    وهذا الصراع والمعترك هو مقتضى الابتلاء الذي يمحص الله به بين المؤمنين والمنافقين، وبين الصادقين والكاذبين، وبين المدعين للدعوة التي لا تثبتها أدلة ولا براهين، وبين الصادقين الذين يدعون ويبرهنون على صدق دعواهم، فجاءت هذه الامتحانات، وجاء هذا الصراع، وجاءت هذه المعارك.

    وفَهْمُ الإنسان لهذه الحقائق يجعله يستشعر أهمية دوره في الصراع، ويهيئ نفسه للمواجهة، ويعرف أنه مطلوب منه ألا يقف مكتوف الأيدي أمام أولئك الأعداء، بل ينبغي له أن يواجه ويثبت ويصبر ويرابط، حتى تأتي ساعة النصر وهي ساعة دخول الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المنتصرين فيها.

    يقـول ربنـا عز وجل: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ... [آل عمران:185] هذا هو الفوز، وهذا هو النصر: ... وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] إذا دعيت باسمك، ويسمعك أهل الموقف، ويقال لك: ألا إن فلان بن فلان قد سَعُد سعادة لا يشقى بعدها أبداً؛ سيَبْيَضُّ وجهُك؛ وتأخذ كتابك بيمينك؛ وتباهي بهذه الشهادة الربانية وبهذا الكتاب المليء بالحسنات، وتقول لأهل الموقف: هَاؤُمُ اقْرَءوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] ويقول الله عز وجل: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [الحاقة:21] بدلاً عن عيشة الدنيا التي هي عيشة تعب ومعاناة ومكابدة وبلاء، وعيشة صبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله، يقول الله مخبراً عن أهل الجنة: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:26-28].

    فأهل الإيمان وأهل التصديق الذين خافوا الله في هذه الحياة، والذين رابطوا على حدود الشرع، والذين واجهوا الأعداء المتربصين بالنفس البشرية، وقاموا بالمرابطة عليها حتى ماتوا، يوم القيامة توضع عنهم هذه الأحمال، ويقول الإنسان: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20].

    فيقول الله: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:21-24]، جزاءُ بدلٍ وتعويض، أتضيع أعمالك هنا؟! أتريدها أن تضيع؟!

    لا والله، وذاك المضيِّع المتسيِّب، الضال الضائع الذي انغمس في شهواته وسيطرت عليه شبهاته هل يضيع؟!

    لا، لا بد له من يوم، يقول الله عز وجل: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الجاثية:21-22].

    فهذه المعارك الضارية والصراعات الطاحنة تدور في عدة جبهات مع النفس والإنسان؛ ولكن أبرز هذه المعارك تدور مع أربعة أعداء، جاء خبرهم في كتاب الله عز وجل، وإلا فالأعداء كثيرون؛ لكنهم يندرجون في النهاية تحت هؤلاء الأعداء الأربعة:

    1.   

    العدو الأول: الشيطان

    أول عدو وأبرز وأشر عدو: الشيطان أعاذنا الله وإياكم منه:

    أخبرنا الله عز وجل عن عداوته في القرآن الكريم: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:87]؟!

    يقـول الله عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ... [فاطر:6] لماذا؟! قال: ... إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6].

    ويقول الله عز وجل: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس:60].

    ويقول لآدم: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ... [طه:117] انتبه! إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117] وحصل ما حذر الله عز وجل آدمَ منه؛ لأن إبليس وسوس وأخرج أبانا آدم من الجنة، وحصل له الشقاء؛ لكنه تاب وعاد فتاب الله عليه وهداه.

    عداوة الشيطان للإنسان قديمة قِدَم الحياة

    هذا العدو اللدود عداوته قديمة قِدَم الحياة، فمنذ بدء الخليقة قص الله عز وجل في القرآن الكريم خبر إبليس وآدم عليه السلام، وقصها في عدة مواضع من السور، وجاءت بأشكال وبعدة نماذج في العروض، وكل خبر يأتي بصيغة، من أجل التنويع والترغيب والتشويق في قضية سماع هذه الأخبار؛ لكن في سورة الأعراف جاءت القصة كاملة مستكملة للخبر من أول ما حصل إلى آخر شيء.

    وقص الله علينا خبراً بأنه اقتضت حكمته خَلْق آدم، وقال للملائكة: إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:71-72].

    فالملائكة استجابوا لأمر الله وسجدوا؛ ولكن إبليس رفض أمر الله عز وجل واعترض عليه وقال: لِمَ أسجد لهذا وأنا أفضل منه؟! خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] وظن إبليس أن النار أفضل من الطين، وهذا ظن خاطئ وزعم كاذب؛ فإن النار وسيلة إحراق وتدمير، والطين وسيلة حياة وتعمير، فالطين أفضل بملايين المرات من النار، فطينة آدم أفضل من طينة الشيطان؛ فقال الشيطان: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [الإسراء:61] .. أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76].

    فالله عز وجل قال له: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص:77-78].

    أثر الذنوب والمعاصي على الإنسان

    يقول ابن القيم رحمه الله: يا قليل العزم! أُخْرِجَ أبوك آدم من الجنة بذنب، وطُرِدَ إبليس ولُعِنَ بذنب، وأنت عند الباب، وما زلت في الخلاء ومعك مائة ذنب، فكيف تريد أن تصل؟! لا إله إلا الله!

    ويقول: يا قليل العقل والعزم! الطريق شاق، ناحَ فيه نوح، وذُبِحَ فيه يحيى، وأُلْقِي في النار إبراهيم، وشُجَّ فيه وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقُتِل فيه الشهداء، وأنت تريد الجنة وأنت راقد على فراشك بدون تعب! أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ... [البقرة:214] حتى الرسول نفسه كاد أن يشك: ... حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    هذا ابتلاء، والذي يظن أنه يمكن له أن يتجاوز الطريق من غير ابتلاء فظنه خاطئ، يقول الله تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2] أي: أيظن الناس أن يتركوا لهذه الدعوة دون امتحان؟!

    فهذا مناهض لسنة الله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3] أما تدري أن الأوامر الشرعية جزء من الابتلاء؟! اختبرنا الله بالأوامر الشرعية، وقد ابتلاك الله بخمس صلوات، ومنها صلاة في أحسن وقت للنوم؛ وقت الفجر، ابتلاك الله لكي يعلم هل أنت صادق فتقوم لتصلي، أم كاذب فتنام، ولهذا كانت صلاة الفجر أثقل الصلوات على المنافقين.

    ويقول أحد العلماء: إن صلاة الفجر هي مقياس الإيمان، فإذا أردت أن تعرف درجة إيمانك فاسأل نفسك عن صلاة الفجر، فإن كنت من أهلها بانتظام والتزام فاعلم أنك مؤمن، وإن كنت بعيداً نائماً عن صلاة الفجر، فاعلم أنك منافق والحديث في الصحيحين.

    منافق لماذا؟! لأنه ما وجد عنده صدق مع الله، وقد يدَّعي أنه سهران، أو أنه تعبان، أو لا يستطيع القيام، كل هذه أعذار واهية؛ لكن لو قيل له: يوزع في المسجد ألف ريال يومياً في الصباح، ومن صلى جماعة في المسجد فله ألف ريال، والله لتقاتلوا على مائة، أما الألف فهي كثيرة، ولو قيل: صدر أمر أن من صلى الجماعة في المسجد كان له مائة ريال، سواءً كان كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى، فوالله ليناموا في المساجد، وليأتين بعضهم في نصف الليل، ولتقاتلوا على الصف الأول، لماذا؟!

    لأنها مائة ريال، أيْقَنَّا بقيمة المال، ودخل حب المال في قلوب الناس، فيأتون من أجله؛ لكن يوم أن يسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بشر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) فإنه لن يأتي إلا أهل الإيمان -اللهم اجعلنا وإياكم منهم- أما الذي في قلبه مرض ما الذي سيوقظه؟! إيمانه ضعيف ومريض لا يستطيع أن يقوم لصلاة الفجر؛ لأن الشيطان يبول في أذنيه.

    فالأوامر الشرعية جزء من الابتلاء، ابتلانا الله بالصلوات والصيام: وهو حبس النفس عن الشهوات في أيام رمضان، وبالحج والزكاة: وهي الاستعلاء على المال وإخراجه. وبالجهاد في سبيل الله، هذه كلها ابتلاءات وامتحانات.

    ابتلانا الله عز وجل بالنواهي والمحرمات رغم أنها محببة إلى النفوس، حرم الزنا، والنفس تميل إليه، حرم الخمر والربا، حرم جميع المنكرات، ابتلاء واختبار لنا.

    ابتلاك الله بالأقدار، فالقدر خيره وشره كله من الله عز وجل، وقد يبدو القدر شراً عندك، لكنه عند الله خيراً: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].

    هذا البلاء هو سنة الله في الكون، قال تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62].

    أساليب الشيطان في إضلال الإنسان

    تبدأ الصراعات مع العدو اللدود، العدو الأول: الشيطان.

    وسوف أذكر لكم الآيات التي وردت في سورة الأعراف كاملة ليتبين لك وجه عداوة الشيطان! وكيف يأتيكَ! وما هو أسلوبه في إضلال الإنسان!

    يقول ربنا عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف:11].

    ولهذا انظروا إلى الطائعين وانظروا إلى العصاة، فالملائكة كلهم أطاعوا وسجدوا فماذا حصل لهم بطاعتهم؟!

    مكثوا ملائكة مقربين يسبحون له الليل والنهار لا يفترون.

    إبليس كان من طائفة من طوائف الملائكة اسمها: طائفة الجن، لم يسجد، وعصى، ماذا حصل له؟!

    الطرد والإبعاد، واللعنة والعذاب، والدمار إلى أبد الآبدين.

    وهكذا الطائع في الدنيا من بني آدم له القربى والزلفى، والحب والتوفيق، والهداية والولاية، وكل خير في الدنيا والآخرة.

    والعاصي ماذا يجد؟!

    الغضب والطرد، واللعن والتدمير في الدنيا والآخرة.

    فعاقبة الطاعة في صالح الإنسان على كل الاتجاهات، وعاقبة المعصية ضدك أيها الإنسان في كل الأحوال، يقول الله عز وجل: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف:11].

    يقول المفسرون: إن الله عز وجل لم يطرد إبليس لمجرد أنه لم يسجد، فعندما قال له: اسجد، فأبى لم يطرده مباشرة وقال: اخرج؛ لأنك ما سجدت؛ ولكن الله سأله وهو يعلم ليقرره على فعله: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ... [الأعراف:12] ما الذي منعك من السجود مع الملائكة؟

    قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، يقول العلماء: إن هذا -كما يسمونه- الكفر الإبليسي، وهو تخطئة الرب، وتصويب العبد، أي: كأن إبليس يقول: إن أمرك يا رب أمر غير صحيح؛ لأنك تأمرني وأنا الفاضل بالسجود للمفضول. وهذا غلط، فالله عز وجل لما خطأه إبليس؛ قال له عز وجل: فَاهْبِطْ مِنْهَا ... [الأعراف:13] مباشرةً: فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف:13].

    قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِـنَ الْمُنْظَرِينَ [الأعراف:14-15] انظروا الانتقام والعداوة والحسـد: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ... [الأعراف:16] يقول: ما دمت أغويتني وأخرجتني من الجنة، وكتبت عليَّ اللعنة، من أجل هذا سأريك في ذرية آدم: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16] يقول: أنا سأخرج؛ ولكن سأقعد لهم على الطريق، أي: على طريق الإسلام والدين، وما قال: سأقعد لهم على طريق الضلال، لا؛ لأن أهل الضلال قد أصبحوا صَحْبَه معه، مقيدين له، ولهذا الذي يزني، هل يأتيه الشيطان ويقول له: لا تزنِ، هذا عيب عليك وحرام؟! لا. بل يقول: امشِ يا رجل! اليوم دنيا وغداً آخرة، كذلك الذي يشرب الخمر، والذي يعمل أي جريمة، لا يأتي الشيطان إليه ليحاول أن يرده عنها؛ لكن الذي يصلي يثقل الشيطان عليه الصلاة، والذي يزكي يعظم عليه الزكاة، والذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يخوفه الشيطان، لماذا؟!

    لأن هذا من أعمال أهل صراط الله المستقيم، والشيطان قاعد عليه: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ ... [الأعراف:16-17] انظروا من أين يأتي الشيطان! أعوذ بالله! لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ... [الأعراف:17] أي: من الأمام ... وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ [الأعراف:17] محاصَرة من جميع الطرق والاتجاهات، من أمامك الشيطان يوسوس، ومن ورائك الشيطان يوسوس ويدفع، وعن يمينك شيطان، وعن يسارك شيطان، إذاً .. أين تذهب؟!

    إلى الله، وما قال إبليس: ومن فوقهم؟! لا يستطيع، ولهذا قال الله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50] أي: إذا حاربك الشيطان من كل اتجاه وما استطعت عليه ففر إلى الله، يقول الله عز وجل في شأن الشيطان: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42].

    وقـال عز وجل: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّـمَا سُلْطَـانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَـوَلَّوْنَهُ وَالَّـذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].

    فبين الله عز وجل أن الشيطان قال: لَآتِيَنَّهُمْ ... [الأعراف:17]، وهذا الكلام مؤكد بعدة مؤكدات: بلام التوكيد وبنون التوكيد المثقلة المشدودة.

    مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17] يقول: يا ربِّ! هؤلاء الذين أخرجتني بسببهم سوف أضلهم، وأستحوذ على أكثرهم، ولن تجد أكثرهم من الشاكرين، قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ:20] أي: أنهم صدقوا ظن إبليس فيهم: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20].

    قال الله عز وجل: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:18] كأنه يتحدى الله ويقول: سوف أُرِيك فيهم! قال: اخرج، والذي يتبعك أنت وهم: لَأَمْلَأَنَّ [الأعراف:18] آخذكم كلكم في جهنم، الشيطان ومن تبعه، ليس هناك تحدٍّ، اذهب فأنا سأرسل لهم وسأنبههم وأخبرهم، ولكن إذا لم يريدوا إلا أن يتبعوا الشيطان فجهنم مستودع ومثوى الجميع من الشياطين وأتباعهم، وانظروا مبدأ التحدي هنا، يقول الله عز وجل لإبليس حين قال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ [الأعراف:16]، ولَآتِيَنَّهُمْ [الأعراف:17]، قال عز وجل: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:18].

    أسلوب الشيطان في وسوسته لآدم في الجنة

    ثم جاءت وسائل الحماية لآدم والرحمة، واتجه الله بالخطاب إلى آدم فقال له: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف:19]، وفي هذا إيحاء وتلميح كأنه يقول: يا آدم! إذا كنت تريد أن تخرج من الجنة من أجل الطمع، فما تطمع فيه وترغبه موجود في الجنة: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف:19].

    فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [الأعراف:20] جاء الشيطان إليهما من الباب الذي يعرف أنه سوف يصطادهما؛ ولأن آدم ليس من أهل الجنة بالأصالة وإنما هو بالتبعية، وليس مخلوقاً من الجنة، بل هو مخلوق من الطين من الأرض، والله وضعه في الجنة، فخاف آدم أن يخرج من الجنة؛ لأنه ليس من أهلها، فجاء الشيطان من هذا الطريق وقال له: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ ... [الأعراف:20] أي: من الملائكة، ... أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20] تريد أن تكون من الملائكة يا آدم! وتريد أن تكون من الناس الذين هم مخلدون في الجنة؟!

    قال: نعم.

    قال: إذاً السبب هذه الشجرة، لو أكلت منها ستصير من الملائكة ومن المخلدين.

    وهل صدق إبليس في هذا الكلام؟!

    هذه الشجرة من أكل منها يخرج من الجنة، يقول: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] وهي شجرة الخروج من الجنة، ولهذا إبليس يزين الباطل للناس، ويقدمه في صورة حق، يجعل الباطلَ حَقَّاً، ويجعل الأسودَ أبيض، ويجعل الظلامَ نوراً، والكفرَ تَحَرُّراً، ويجعل العُرْيَ والتَّفَسُّخَ انطلاقاً، ويجعل الغناء فنَّاً، ويجعل الخمرَ مشروباتٍ روحيةً، ويجعل الربا فوائدَ وعوائدَ بنكيةً، يغير القضايا والمسميات، ويقدم الشرور بقوالب حتى تنطلي على الناس، هذا وحي إبليس، ولهذا الشيطان لو جاء إلى آدم وقال له: يا آدم! إذا أكلت من هذه الشجرة ستخرج من الجنة معي، فهل يأكل منها آدمُ؟!

    لا؛ لكنه جاءه من طريق الإضلال، قال عز وجل: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20] وبعد ذلك دعَّم هذا بقسمٍ فقال: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21] وكذب والله من أنه ناصح، ويحلف بالله، ولهذا دائماً الذي يريد أن يضلك تراه يضحك عليك ويكذب ويحلف جيداً ويقول: إني والله في مصلحتك، دعنا نروِّج المخدرات، صفقة واحدة من المخدرات تغنيك طيلة حياتك عن وظيفتك، ويحلف بالله أنه في مصلحتك، وتُقِرُّ وإذا برأسك قد أصبح يرفرف! هذه هي مصلحتك! أي مصلحة بعدما يُقْطَعُ رأسُك أيها الإنسان إذا هرَّبتَ أو روَّجت؟!

    هذه مصيبة؛ لكن من الذي يضل الناس بهذه الأساليب؟

    الشيطان وأتباع الشيطان من الإنس والجن: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21] ثم قال عز وجل: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ... [الأعراف:22] أي: أسقطهما وأوقعهما في أكل الشجرة بالغرور، أي: بالكيد والمكر: ... فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ [الأعراف:22] وكلُّ شجرِ الجنة ما يأكله الإنسانُ منها ليس له فضلات إلا العرق، إلا هذه الشجرة من يأكلها لا بد أن يخرج فضلات، والجنة ليس فيها مكان للفضلات، ليس هناك حمامات في الجنة، فلما أكلا من الشجرة مباشرة خلق الله لهما السوأتان، ولما خُلِقَت السوأة كان لا بد أن يستتروا! أين يذهبون ليستتروا؟! لا يوجد شيء يستتروا به، رجعوا إلى أوراق الجنة، قال عز وجل: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا ... [الأعراف:22] أي: قاما مباشرة واستعجلا: ... يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22] وفي هذه اللحظات ناداهما الله: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالا ... [الأعراف:22-23] هذه هي الكلمات التي يقول الله عنها: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37] هذه هي الكلمات التي تلقاها من الله: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ... [الأعراف:23].

    أما إبليس قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي [الحجر:36] يتحدى، عندما قال الله: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر:34] قال: أنْظِرْنِي إذاً، ولا تمتني قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [الحجر:37].

    أما آدم عليه السلام فلا، لما أخرجه الله قال: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [الأعراف:23].

    ولهذا أنت إذا عصيتَ وأخطأتَ وقصرتَ قل: رَبِّ اغْفِرْ لِي [الأعراف:151] لكن أن تعصي وتذنب، وتقول: لا. أنا طيب، وأحسن من غيري. فهذه مقالة إبليس، لا بد أن تصلح وضعك مع ربك، ولا تعصيه؛ لأن الله عز وجل يقول: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ... [النساء:115] أي: نتركه ... وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115].

    فآدم عليه السلام قال: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ... [الأعراف:23] أي: خالفنا أمرك، ووقعنا في معصيتك: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [الأعراف:23-24].

    ثم قال الله عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ .... [فاطر:6] إلى آخر الآية.

    كيف تجعل من نفسك عدواً للشيطان

    إن مقتضى العداوة مع الشيطان ما دُمْنا عرفنا هذا التاريخ الحافل بالمكر والدهاء، فلا نطيع الشيطان؛ لأنه عدوك هل تتصور أنه يدلك إلى الخير؟ إذا تصورت أن عدوك من الممكن أن يدلك إلى الخير أو يدعوك إلى الخير فأنت لا عقل لك أبداً؛ لأن هذا عدوك، والعدو يكيد المكائد، ويبرم الحبال، ويخطط لتدميرك، عدوٌّ هذا، كيف تتصور أنه يدلك على خير؟!

    فإذا اتخذت الشيطان صديقاً وهو عدو دمَّرَك، ولهذا يقول الله عز وجل: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف:50] كيف تتخذ الشيطان صديقاً واللهُ قد حذرك من عداوته؟!

    قد يقول قائل: متى اتخذتُه صديقاً؟! أنا لستُ صديقاً للشيطان!

    نقول له: المعيار في يدك، لتعلم أنك صديق للشيطان أو عدو له؛ فإذا أطعته فأنت صديقه، وإذا عصيته فأنت عدوه، وكيف تعرف هذا؟

    تعرف أن أوامر الله هي مكاره الشيطان، ونواهي الله هي محاب الشيطان، أي: كل أمر لله عكسه نهي للشيطان، وكل نهي لله أمر للشيطان.

    نهاك الله عن الزنا، والشيطان يأمر بالزنا ويأمر بالفحشاء.

    نهاك الله عن الخمر والشيطان يأمرك به.

    أمرك الله بالصلاة، والصلاة لا يريدها الشيطان.

    أمرك الله بالقرآن، والقرآن لا يريده الشيطان.

    أمرك الله بالجهاد، والشيطان لا يريد الجهاد.

    إذاً: كل أمر لله إذا قمتَ به، وكل نهي لله إذا انتهيتَ عنه فاعلم أنك اتخذت الشيطان عدواً.

    أما إذا ضيعت أوامر الله ووقعت فيما حرم الله، فاعلم أنك اتخذت الشيطان ولياً من دون الله؛ لأنك أطعته وعصيت الله:

    يأمرك الله فلا تطيعه، ويأمرك الشيطان فتطيعه!

    يأمرك الله بالقرآن فلا تسمعه، ويأمرك الشيطان بالأغاني فتسمعها!

    يأمرك الله بالصلاة فلا تقوم، ويأمرك الشيطان بالمنام فتنام!

    يأمرك الله بالبيع الحلال فلا ترضى به، ويأمرك الشيطان بالربا فترضى به.

    يأمرك الله بالزواج فلا تتزوج، ويأمرك الشيطان بالزنا فتقع فيه.

    هذه أوامر الله، وتلك أوامر الشيطان .. أين أنت؟ وفي أي ميدان أنت؟ هل أنت مع أوامر الله وعند نواهيه فلا تعمل شيئاً؟

    إذاً: فأنت اتخذت الشيطان عدواً، وهذه سمة وكرامة لك أن تكون عدواً للشيطان.

    أما إذا وقعت في الأخرى؛ أوامر الله ضيعتَها -أيها الإنسان- والنواهي وقعت فيها، فالبعيد صديق الشيطان وهو لا يدري، بل عبد للشيطان وهو لا يدري، يقول تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس:60].

    إذاً .. مقتضى العداوة أن تجند نفسك لمحاربة الشيطان.

    قد يقول قائل من الناس: وما أدراني أن الشيطان هو الذي يأمرني أو ينهاني؟!

    نعطيك مثالاً من الشرع، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن للملَك لَمَّة، وإن للشيـطان لَمَّة -أي: إيعاز، أمر- فلَمَّة الشيطان إيعاز بالشر، وتوهين عن الخير -تضعيف وتخذيل- ولَمَّة الملك إيعاز بالخير، وتخذيل عن الشر) فأي إيحاء تشعر به في نفسك، وأن فيه معصية لله فإنه مِن الشيطان. مثلاً: أذن المؤذن وأنت نائم على الفراش، فسمعتَ المؤذن، ولِمَن يؤذن المؤذن؟! للبقر، أم للحيوانات، أم للجبال؟!

    يؤذن لك: حي على الصلاة، أي: أنت يا مسلم قم فصلِّ، في تلك اللحظات يحصل صراع في داخل نفسك بين أن تقوم أو تنام، فإن نمت فهذا مِمَّن؟! مِن الشيطان، والقيام من الله. فمع من أنت؟!

    فإن كنتَ قلتَ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واستعذت بالله، وقمت، فقد أعانك الله.

    وإن قلتَ: لا يزال الوقت متسعاً، فقد أطعت الشيطان، وركب الشيطان على رقبتك، وقال: نَمْ، عليك ليل طويل، إلى أن تفوت الصلاة، فإذا فاتت الصلاة بال الشيطان في أذنك. (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: عن رجل ينام الليل ولا يقوم لصلاة الفجر، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) وقس على هذا كل أوامر الله، أي شيء تريد أن تنفذه من أوامر الله، وتجد في نفسك تردداً عنه فاعلم أن الشيطان هو الذي ردَّدك، وأي شيء من المحرمات والمعاصي تجد في نفسك تشويقاً ودفعاً إليها فاعلم أنه من الشيطان.

    إذاً .. ماذا تفعل؟!

    عامله بنقيض قصده:

    إذا خذَّلك عن الصلاة، قُمْ فصَلِّ.

    إذا قال: لا تقرأ القرآن، اقرأ القرآن.

    إذا قال: لا تذهب إلى حلقة العلم، اذهب إلى حلقة العلم.

    إذا قال: لا تتصَدَّق، تصَدَّق.

    إذا قال: لا تزُرْ الرحم، اذهب فزُر الرحم.

    إذا قال: لا تأمُرْ ولا تَنْهَ، فمُرْ وانْهَ.

    إذا قال: غَنِّ، لا تُغَنِّ.

    فقط اجعل من نفسك عدواً للشيطان، حتى ييئس منك؛ لأنه إذا جرَّب معك المرة الأولى .. والثانية .. والثالثة .. والرابعة، عرف أنك متحرر منه وضده، فيقول: هذا لا تتعبوا معه، فليس فيه حيلة.

    أما بعض الناس فقد أصبح حماراً للشيطان يركب على غاربه، ويلعب به كما يلعب الطفل بالكرة، يأخذ به يميناً وشمالاً، لا يملك من أمره شيئاً، تقول له: هيا إلى المسجد.

    يقول: والله لا أقدر أن آتي الآن.

    لماذا؟!

    لأن الشيطان ركب على عاتقه.

    لكن إذا قلت له: هيا إلى الملعب.

    يقول لك: طيب! هيا.

    أو قلت له: هيا إلى المنتزه وإلى التمشية والفيلم، أو هيا إلى أي شيء في طاعة الشيطان.

    يقول لك: هيا.

    أما الشيء الذي في طاعة الله، فلا!

    لماذا؟!

    لأن الشيطان يقوده من فوق رأسه، يلف به على الشمال دائماً، وإذا قيل له: لف يميناً.

    قال: لا. اليمين ليس جيداً.

    هذا عبد للشيطان: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس:60].

    عاقبة طاعة الشيطان

    وحذارِ يا أخي أن تحسن الظن بالشيطان! ولا تتصور أن الشيطان يأمرك بخير أبداً؛ لأنه عدو لك، وإذا أحسنت الظن بالشيطان كان مصيرك كمصير رجل يذكر أهل العلم قصته:

    رجل كان يحمِّل مسئولية الإضلال على الناس، ويدافع عن الشيطان، ويقول: أنتم تعصون وتعملون المعاصي وتقولون: الشيطان، أنتم الذين تعصون، والشيطان لم يعمل شيئاً.

    فانبسط الشيطان من هذا المنصف، وجاء إليه في المنام وقال له: جزاك الله خيراً، ما أنصفني أحدٌ إلا أنت، أنت الذي تدافع عني فجزاك الله خيراً، أنا لا أعمل شراً، ولا أدعو إلى الشر، فالناس هم الذين يعملون الشر ويحملونني المسئولية، وأنا مسكين لا أعمل شيئاً! بل أنا أعمل الخير، وأبرهن لك على عمل الخير بأن أحملك الآن، وأوصلك لتعتمر عمرة هذه الليلة. وهو في المنام فوق الفراش.

    قال: جزاك الله خيراً، ولكن كيف تذهب بي؟!

    قال: اركب على ظهري.

    فأركبه على ظهره، وطار به، يريد أن يأخذه في عمرة إلى مكة في الليل، وفي الطريق وهما في الصحراء أراد هذا الرجل أن يخرج إلى الخلاء فدقَّ رأس الشيطان، قال: يا شيطان!

    قال: نعم.

    قال: أريد الخلاء، قف بي، دعني أذهب إلى الخلاء.

    قال: لا عليك، ضعها في مكانك، لا يهمك، ضعها على ظهري.

    قال: كيف أضع الأذى والنجاسة على ظهرك؟

    قال: لا يهمك، والله لن أدعك تنزل إلى الأرض، أنت رجل مخلص، ورجل مُدافعٌ عني، أَوَأَدَعُك تنزل إلى الأرض؟! والله لا تنزل.

    فصبر ذاك وصبر، فغلبته بطنه، فما كان منه إلا أن وضعها على ظهره، وإذا به يضعها على الفراش.

    قال: لعنك الله يا شيطان! نعوذ بالله منك يا شيطان! لعنك الله يا شيطان!

    فالشيطان يلعب عليك -يا أيها الإنسان- ونهاية هذا المكر وهذه اللعبة أنك يوم القيامة -أيها البعيد- يتخلى عنك الشيطان، يقول الله عز وجل في سورة إبراهيم في الخطبة التي يلقيها الشيطان على أتباعه في النار، إذا استقر أهل النار في النار وكبيرهم إبليس، فهو قائد المجرمين، يجتمع بهم ويقول لهم كما قال الله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ... [إبراهيم:22] اعتراف، يقول: وعدكم الله وعد الحق على ألسنة رسله، وفي كتبه بالجنة، ونهاكم عن النار؛ لكني وعدتكم فأخلفتكم: ... وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ... [إبراهيم:22] يقول: ما لي قوة عليكم: ... إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ... [إبراهيم:22] لا إله إلا الله! يقول المفسرون: إن هذا الكلام على أهل النار أعظم من كل عذاب، فعذاب النار عذاب مادي إحراق؛ لكن عذاب الكلام عذاب معنوي، عذاب نفسي؛ شخصٌ يدخلك في مصيبة إلى مسامعك، ثم يقول: أنت الذي أخطأت، أنا ما قلت لك، أنت الذي أطعتني! كيف سيكون ألمك وألم هذا الكلام عليك؟!

    فهذا الشيطان يقول للناس: فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ... [إبراهيم:22] أي: لن أفزع لكم، ... وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ... [إبراهيم:22] لن تفزعوا لي: ... إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22].

    وأهل الإيمان قال الله فيهم: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23] نسأل الله وإياكم من فضله.

    كيفية تحصين النفس من الشيطان

    فيا أخي! جنِّد نفسك من الآن لمحاربة الشيطان، وستستمر في الصراع مع الشيطان فترة طويلة كل العمر؛ ولكن لن تبقى الضراوة والحدة والقوة على درجة واحدة، الآن باعتبار أن الشيطان مسيطر على قيادة الإنسان وفي توجيه الإنسان سيجد صعوبة في البداية؛ لكن إذا فك هذه الرُّبُط والقيود منه وتركه وصارعه وَهَنَتْ وضعفت إلى أن تأتي لحظة من اللحظات لا يستطيع الشيطان فيها أن يضلك أبداً بأي ضلال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر رضي الله عنه، قال: (إيه يا ابن الخطاب ! والذي نفسي بيده ما سَلَكْتَ فجَّاً إلا سَلَكَ الشيطان فجَّاً آخر).

    لم يستطع الشيطان أن يمشي في الطريق الذي يمشي فيه عمر فضلاً عن أن يوسوس له أو يضله، لماذا؟

    لأنه تحرر نهائياً من رِبْقة الشيطان.

    وكذلك كل مؤمن إذا التحق بالله وأيقن بالله، وأخلص العبودية له عز وجل فإن الله يَحميه، كما قـال الله عز وجل: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42].

    وكما قال عز وجل: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنـُوا وَعَـلَى رَبِّـهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].

    فمقتضى العداوة أن تجنِّد نفسك للصراع على مخالفة أوامر الشيطان والوقوع في نواهيه بالإتيان بأوامر الله، وترك نواهيه.

    1.   

    العدو الثاني: النفس

    العدو الثاني، والجبهة الثانية: هي جبهة النفس:

    نفسك أنت.

    نفسي ضدي؟!

    نعم.

    لا إله إلا الله! إذاً .. من هو الذي معي! ما دام أن الشيطان ضدي، ونفسي ضدي؟!

    أي: أنك أنت ضد نفسك!

    يقول الشاعر:

    إبليس والدنيا ونفسي والهوى     ما حيلتي وجميعهم أعدائي

    لك حيلة مع نفسك! أن تتحرر وتتمرد على نفسك.

    النفـس البشـرية خالقها هو الله، يقول الله عز وجل: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] أي: وما خَلَقَها وفَطَرَها وأَوْدَعـَها، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:8-10].

    نفسك هذه التي يُتَحَدَّث عنها أعظم حديث، الذي يتحدث عنها هو خالقها تبارك وتعالى؛ لأنه أعرف بصنعها: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14].

    هو صانعها.

    الجهاز مَن يعرف مشاكله وعطله، ويعرف إصلاحه إلا شركته الصانعة أليس كذلك؟! وإذا خرب أعطيناه للذي صنعه؛ لكنه إذا خرب وأعطيناه لغير صانعه أفسده.

    وإذا خرب المسجل وأعطيناه لمهندس السيارة، وقلنا: أصلحه، فقام وشحَّمه ونفخه هواءً. ما رأيكم؟! يصلح المسجل أم يخرب؟! يخرب؛ لأنه ليس هو الذي صنعه.

    وإذا خربت ساعتك وأعطيتها للنجار، فقام وأدخل فيها مسماراً في الوسط، فإنه يفسدها.

    كذلك النفس البشرية، مَن الذي خلقها؟!

    الله.

    ومَن الذي يعالجها ويصلحها؟!

    الله.

    وإذا أعطيناها لغير الله، ماذا يحصل؟!

    تفسد.

    ولهذا النفس البشرية اليوم فَسَدَت؛ لأنها عُوْلِجَت عند غير خالقها.

    الذين أفسدوا النفس البشرية

    يوجد علم قائم الآن يسمى: علم النفس، يسميه بعض المشايخ: (علم العَفْس والرَّفْس) لأن علماء النفس هؤلاء أجهل الناس بالنفس، ولا يعرفون النفس البشرية؛ لأنهم كفار لا يعرفون هدى الله.

    شخصٌ اسمه: فروبل ، من علماء النفس، يقول: إن الحياة قائمة على اللعب. يقول: دع الناس يلعبون؛ لأنه يحب اللعب.

    وشخص ثانٍ اسمه: فرويد ، هذا أنجس عالم على وجه الأرض، يقول: إن الحياة قائمة على الجنس. لأنه مُرَكَّبٌ مِن جِنْس مِن رأسه إلى قدميه.

    وآخر اسمه: دوركهايم عالم من علماء النفس في فن الاجتماع، يقول: إنه لا يحكم الحياةَ الدينُ ولا المبادئُ؛ وإنما يحكمها العقل الجماعي. يقول: إذا الناس اتفقوا على شيء أو أمر، فهم يسيرون فيه.

    يقول: ألا ترى قطيع الغنم تمشي في طريق، ويتقدمها أحدها فيه ميزات، فيمشي شِمالاً فتمشي كل الغنم وراءه، ألا ترى مجموعة الطيور في السماء أحدها يمشي أمامها، وكلها تمشي وراءه. يقول: والناس كذلك.

    ومن قال لك يا هذا أننا قطيع من الغنم أو من البقر؟!

    هذه هي نظرته للبشرية، على أنهم قطيع من قطعان الحياة.

    وآخر اسمه: ماركس، هذا الذي سقطت نظريته المادية الشيوعية.

    هؤلاء الذين تحدثوا عن النفس البشرية من غير عِلْم، فأفسدوا الحياة، وفسدت النفس البشرية بنظرياتهم الباهتة.

    صفات النفس

    والحديث عن النفس البشرية أصدق حديث عنها إذا جاء عن الله؛ لأنه هو الذي خلقها ويعرف أسرارها، وقد ذكر الله عز وجل النفس البشرية في القرآن وبيَّن أن لها ثلاث صفات:

    1/ نفس أمارة بالسوء.

    2/ نفس لوامة.

    3/ نفس مطمئنة.

    فالنفس الأمارة بالسوء هي: طبيعة النفس، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53] ليست آمرة، بل أمَّارة، صيغة مبالغة، أي: لا تأمر إلا بالسوء، ولا تحب إلا الشر، تكره القيود، وتحب الدَّعة والتفلُّت والنوم، تريد الاسترخاء والضياع والضلال واللعب، ألا ترى أنك عندما تصلي التراويح في المسجد في رمضان مع إمام يطيل الصلاة، وأطول صلاة الآن لا تستغرق نصف ساعة، أو ساعة إلا ربع، أو ساعة على الأكثر، كم تحس فيها مِن التعب مِن نفسك؟! وهي تتعبك في رجليك وركبتيك ونفسك، وتنظر فتقول: يا ألله يا ربِّ! وتنظر في الساعة، وتقول: طوَّل الإمام، إلى أن تخرج وقد تَمَلَّخْتَ، وإذا خرجت من المسجد وذهبت إلى السوق لتتقضَّى فإنك تمر في السوق أربع ساعات متنقلاً من معرض إلى معرض، ومن دكان إلى دكان، وترجع إلى البيت كأنك تمشي على ورد، ولا تحس بتعب، مَن تعَّبك في المسجد، وريَّحك في السوق؟! إنها النفس الأمارة بالسوء.

    لماذا؟!

    لأنها تعرف أن جلوسك في المسجد فيه خير، وجلوسك في السوق فيه سوء، وضياع لحياتك، نظرة، خطرة، غفلة، مشكلة، معصية، إذاً .. هي ترغِّبك في الشر وتبعدك عن الخير، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53].

    هذه أصل طبيعة النفس، كل نفس بشرية أمارة بالسوء، لكن يتدخل الشرع وتأت أوامر الدين على هذه النفس فتغير من طبيعتها، وتجعلها أمارة بالخير، فتقاومُ النفس وتقول: لا. لن آمر بالخير، سأبقى آمر بالشر؛ لكن يُعَيِّي الإنسان أن يأمرها بالخير إلا غصباً، ثم بعد ذلك تحصل مرحلة ثانية، فتصير هذه النفس لوامة.

    ما معنى لوامة؟!

    قال العلماء: تدعو إلى الباطل، ثم تلوم عليه، تدعوك إلى الباطل، فإذا فعلتَه جاءت النفس وقالت لك: أين إيمانك؟! أين دينك؟! أين أنت؟! ألست مؤمناً؟! ألست متديناً؟! تزني؟! تسكر؟! تكذب؟! أين خوف الله؟!

    هذه هي اللوامة، وهذه مرتبة جيدة، أحسن من النفس الأمارة؛ لأنها تلومك قليلاً؛ ولكنها ترتقي بالمجاهدة، وبالعسف لهذه النفس، وبالتدريب، وبالمعاندة لها، إلى أن ترتقي إلى النفس المطمئنة؛ وهي النفس التي اطمأنت إلى الله، وسكنت إليه، اطمأنت إليه عقيدةً، واطمأنت إليه عبادةً، فاطمأنت إليه، فانتقلت من الجهل إلى العلم، ومن الظلام إلى النور، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الشك إلى اليقين، ومن حياة اللعب والفوضى إلى حياة الجد والانتظام، سكنت نفسك، اطمأنت، هذه النفس إذا اطمأنت يقال لها عند الموت: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي ... [الفجر:27-28] فقد أديتِ واجبكِ، وقمتِ بمسئوليتكِ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ... [الفجر:28] إلى فاطرك وخالقك، إلى الذي استجبتي لأمره، وانتهيتي عن نـهيه، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً ... [الفجر:28] في حقيقتها مَرْضِيَّةً [الفجر:28] أي: مرضي عنها من قبل خالقها وفاطرها، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:29-30] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذه النفوس.

    لكن متى تكون نفسك مطمئنة؟!

    تحتاج منك إلى جهد وجهاد، تحتاج منك إلى تدريب هذه النفس، ومخالفة لهوى النفس، يقول الله عز وجل: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40] نهاها.

    النفس كالطفل إن تهمله شب على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ

    الآن الشباب الذين نسميهم: الشباب الملتزم؛ شباب الصحوة، هؤلاء أناس كانوا عاديين، يسمعون الأغاني، ويفعلون المنكرات، ويتكاسلون عن الصلوات، وربما يتركونها، إي نعم؛ لكن حصل عندهم يقين، ويقظة في القلب، وشعور، وعرفوا أن الطريق الصحيح ليس هذا، وأن الطريق الصحيح هو الإسلام، فقرروا التوبة، وفَطَمُوا نفوسهم عن المعاصي، ما الذي حصل؟!

    لا شيء، كان الشخص منهم ينظر إلى الحرام، فقال: والله لن أنظر.

    كان يسمع الغناء، فقال: والله لن أسمع.

    كان ينام عن الصلاة، فقال: والله لن أنام، سأقوم لأصلي.

    ماذا حصل؟! هل حصل شيء؟!

    لا. النفس عندما رأت الجد منه استكانت؛ لأن النفس -كما يقول ابن القيم - كالفرس، إن وجدت خيَّالاً ماهراً مشت واستسلمت وأذعنت، وإن وجدت خيَّالاً عاثراً ولا يعرف، رَفَسَتْه، وأسقطته، وداست على بطنه ومشت عليه.

    لماذا؟!

    لأنه ليس بماهر.

    وكذلك أنت كن ماهراً مع هذه النفس، زُمَّ خطامها، ولذلك جاء في الحديث عند أحمد والترمذي: يقول عليه الصلاة والسلام: (الكيِّس -العاقل صـاحب اللب- مَن دان نفسـه -أي: أدانها، دائماً هي المدينة أمامه- وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني).

    النفس العدوة ينبغي لك أن تنصِّب نفسك لمجاهدتها، أي: تحارب نفسك، أنت تحارب نفسك، تحاربها على طاعة الله، تحاربها ضد معصية الله، تلزمها إلزاماً، تضربها بسوطِ التخويف بالنار، تشدها بشوقِ الترغيب في الجنة، مَنِّها بما في الجنة، خوِّفها بما في النار، ستجدها تمشي معك، وإذا مشت استرحت؛ لأن مِن الناس مَن هو حمارُ نفسه، تهدبه نفسُه في كل مكان، ومِن الناس مَن نفسُه حماراً له، يمشِّيها كيفما يريد.

    هذه هي النفس، وهذه أقسامها، ثلاثة أقسام:

    1/ نفس أمارة بالسوء: وهي نفس الفاجر.

    2/ نفس لوَّامة: وهي نفس المسلم الضعيف.

    3/ نفس مطمئنة: وهي نفس المؤمن القوي، الذي نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه النفوس.

    1.   

    العدو الثالث: الدنيا

    العدو الثالث، والميدان الثالث من ميادين الصراع: ميدان الدنيا :-

    هذه الحياة الدنيا بما فيها من مغريات وشبهات وشهوات وملهيات، هذه عدو لك، وأبرز أعداء الدنيا: المال والبنون، يقول الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] .. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] مالك عدوك وأنت تجمعه، وولدك الذي من صلبك عدوك، الدنيا كلها عدوك، لماذا؟

    لأن هذه الدنيا تريد أن تصرفك عن الحقيقة التي خُلِقت من أجلها، فتعيش بعيداً عن ميادين الجدية، تعيش لاهياً وعابثاً وعاجزاً، تتفانى وتتصارع على الشهوات، وتغرق في شهوات البطون، وتستمتع بشهوات الفروج، فتقضي حياتك في غير طاعة الله عز وجل فتخسر.

    حقيقة الدنيا

    هذه الدنيا حذرنا الله عز وجل منها، ومثَّلها العلماء، يقول ابن القيم : إن الدنيا كامرأة عجوز شوهاء.

    الدنيا مَثَلُها مَثَل عجوز، نحن الآن في آخر عمر الدنيا، تحسبونها جديدة؟! انتهت، الآن لم يعد منها إلا أيامٌ يعلمها الله، فالنبي آخر نبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب آخر كتاب، والأمة المحمدية آخر الأمم، وما بقي إلا الساعة، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (أنا نبي الساعة).

    وقال: (بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، وكادت أن تسبقني) فالدنيا عمرها طويل.

    ... فشبَّهها العلماء: كامرأة عجوز مُسِنَّة قد عميت عيناها، وسقطت أسنانها، وانحنى جسمها، وتجعد وجهها، وانحنى ظهرها، وشاب رأسها؛ ولكنها لا زالت تحب التصابي.

    فهي عجوز ليس معها سن، ولا معها شعرة سوداء في رأسها، وظهرها مُعْوَج، وحالتها تُشْكَى إلى الله، ومع هذا تعطَّرت، وتخضَّبت -تَحَنَّت- ولبست الذهب، ثم تَحَجَّبت، حتى لا يراها الخُطَّاب، فلو رأوها على حقيقتها فلن يلاحقها أحد، فأخذت لها غطاءً وحجاباً، وجاءت إلى هؤلاء الذين لا يعرفونها وقالت لهم: هكذا يرفع الشيخ حاجبَيه مِرَاراً، من تحت العباية، فيقتربون منها وإذا بها معطرة وإذا بصوت الذهب، فكلما اقتربوا منها أفلحت قليلاً، تفلح قليلاً، ولا أحد يدرك هذه الدنيا إلا عند نقطة الموت، فإذا صارت عند الموت قالت: انظروا إلي! فتكشف وجهها.

    فيقولون: الله أكبر عليكِ! ظهرتِ أنك بهذا السن في الحياة ونحن نطاردك؟! والله لو علمنا ما طاردناك، ولهذا يقولون عند الموت: رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] يقول: رب أرجعني، لماذا؟! قال: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً [المؤمنون:100] لأن هذه الدنيا غرَّته، ضيعته العجوز الخبيثة هذه، لم يعلم بسِنِّها، ولا بوجهها، ولا بشكلها، غرَّته رائحتها، خدعته زينتها، خدعته إشارتها؛ لكنه لو عرف حقيقتها ولو علم بشكلها والله لن يتبعها.

    ولهذا يقول أصحاب قارون لما خرج في زينته وهم لا يعرفون حقيقة الدنيا: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79]؛ لكن أهل العلم ماذا قالوا؟!

    وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80] فأهل العلم بالحقيقة، أهل العلم بالدنيا، هؤلاء يعرفون أنها غدارة، خداعة، مكارة، ترضع؛ ولكنها تفطم، تعطي؛ ولكنها تمنع، تحيي؛ لكنها تميت، انظروا إلى عملها بأهلها! تجد الشخص بينما هو في عزته ومَنَعَته وسلطته وشغلته وإذا به يقال له: انزل، تفضل، هذا القبر الآن، وهو في قوته وإذا به يموت بين أولاده، وإذا به يخرج من قصره فيرجع إلى قبره، في نوره فيخرج إلى ظلامه. يقال في كتب العلم: إن ملكاً من ملوك الدنيا كان يمشي في خيله ورَجِله وموكبه، فجاءه ملك الموت في هيئة رجل ذو أسمال بالية وثياب مقطعة، فاعترض الموكب وأمسك بخطام الحصان وقال للملك: انزل، ادنُ مني.

    قال: مَن أنت حتى تجرؤ على هذا؟!

    قال: أنا ملك الموت.

    قال: أمهلني.

    قال: لا أمهلك حتى لحظة.

    فقبض روحه، وخرَّ بين قوائم فرسه، هذا عمل الدنيا بالناس، تمهلهم؛ لكن تأتي بهم من قريب، وليس معنى ترك الدنيا أو معاداة الدنيا أننا لا نعمل فيها! لا. هذا الفهم ليس فهماً شرعياً، ومعنى عداءك للدنيا، أي: عداءك للدنيا التي تضلك عن الله، أما الدنيا التي تعينك على طاعة الله فهي ليست دنيا إنها دين، وإذا توظفت وقبضت المال من حلال، واستعنت به على طاعة الله، فوظيفتك هذه وظيفة دينية؛ لأنك تخدم بلدك، وتساهم في بناء مجتمعك، وتسد ثغرةً من ثغرات المسلمين، وتؤدي واجباً من واجبات الأمة، وفي نفس الوقت استعنت بهذا المال على طاعة الله؛ أنفقت منه على زوجتك وعلى أبنائك، وأكرمت منه ضيفك، وأعطيت الفقير منه، وقمت بالواجبات، وأخرجت الحقوق والزكوات، هذا المال وهذه الوظيفة تعتبر دِيناً.

    إذا كنت تاجراً وصدقت في تجارتك، ولم تكذب، ولم تغش، ولم تخدع، وأوردت للناس أي: لم تحتكر البضائع على الناس، فتجارتك هذه دِيناً.

    إذا كنت مزارعاً وجلبت الأرزاق للناس، فزراعتك هذه دِيناً.

    إذاً: الدنيا التي نحذر الناس منها هي: الدنيا الصادَّة عن الله، التي تصرفك عن طاعة الله، الدنيا التي تستخدمها وتستعين بها على معصية الله، أما دنيا تسخرها في طاعة الله فنِعْمَ المال الصالح في يد العبد الصالح، يقول عليه الصلاة والسلام لـعثمان بعد أن جهز جيش العسرة: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) جهز ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ولما قَدِمَت على المدينة قافلته وتجارته، وقام التجار يرابحون فيها، وأعطوه في الريال ريالاً، أي: الربح -(100 %)- قال: قد جاءني أكثر، قالوا: نعطيك في الريال ريالين -أي الربح: (200 %)- قال: جاءني أكثر، فما زالوا به حتى أوصلوها إلى خمسة ريالات، -أي الربح: (500 %) قال: قد جاءني أكثر، فاجتمعوا وقالوا: مَن ذا الذي أعطاه أكثر، وهو لا يكذب؛ ها نحن تجار المدينة ، هل أحدٌ منا أعطاه أكثر من خمسة؟ قالوا: لا. فجاءوا إليه، فقالوا: من ذا الذي أعطاك أكثر؟! لا يوجد أحد منا أعطاك أكثر! من الذي أعطاك؟! قال: أعطاني ربي، الحسنة بعشر أمثالها، هي لله -ثلاثمائة بعير محملة بالبر والطحين بأحلاسها وأقتابها كلها لله- قال عليه الصلاة والسلام: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم).

    إذاً: هذه الدنيا ما رأيكم فيها؟! دنيا أم دين؟

    دين.

    وطريق مجاهدة الدنيا ومصارعتها أن تنظر إليها بالمنظار الرباني، فتأخذ منها ما أحله الله، وتستعين بها على ما يحبه الله، وتتوقى وأنت تسير فيها، فلا تضع قدمك إلا في أمر يحبه الله، ولا تنظر بعينك إلا في أمر يحبه الله، ولا تسمع بأذنك إلا ما يحبه الله، ولا تتكلم بلسانك إلا فيما أحله الله، حتى تسلم من آفة الدنيا.

    وقفة مع قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)

    والله عز وجل قد أنبأنا عن حقيقة الدنيا على صيغة العلم، يقول ربنا عز وجل في سورة الحديد: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... [الحديد:20] هذه حقيقة الدنيا، الله يتحدث عنها وهو أعلم بها. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ .... [الحديد:20].

    لعب؛ أكثر الناس يحب أن يلعب.

    لَهْو.

    زينة؛ تغيير ملابس، تغيير سيارة، تغيير مفارش، تغيير موكيت، فقط زينة.

    تفاخر؛ أنا في رتبة كذا، أنا في مكان كذا، أنا عندي سيارة أحسن، أنا عندي كذا، أنا عندي رصيد، هذه هي الحياة الدنيا.

    وما مَثَلُها؟!

    قال الله ... كَمَثَلِ غَيْثٍ ... [الحديد:20] أي: نبات .. أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ ... [الحديد:20] وهل هناك غيث في الدنيا يستمر أخضر؟! لا، بل لا بد لكـل أخضـر أن يغْبَر ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ... [الحديد:20] هذا مَثَل الحياة للإنسان، غيث في فترة الشباب، ثم فترة الكهولة والشيخوخة، وهي مصَفِّر، ثم تصير حطاماً، ثم تموت، ... وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ... [الحديد:20] لمن؟! لمن لم يعرف أمر الله ولم يسِر على طريق الله ... وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ... [الحديد:20] لأهل الإيمان ... وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:20-21].

    هذا هو العدو الثالث؛ الدنيا، فانتبه منها! فلا تخدعك، فتجمع المال من الحرام، وترفع أرصدتك؛ لكن في النار، وتدخل عليك دخولاً من نار، انتبه! لا تأكل إلا طيباً، ولا تكنِز إلا طيباً، ولا تقع بقدمك إلا في طيب، حتى تسلم، أما الحرام فإنه لا يورِّث إلا الناراً -والعياذ بالله-، يقول عليه الصلاة والسلام: (كل لحم نَبَتَ من سحت فالنار أولى به).

    1.   

    العدو الرابع: الهوى

    الميدان الرابع والأخير عدو لدود: الهوى

    أي: المزاج والكيف، كما يقول بعض الناس: أنا على كيفي!

    أنت على كيفك؟!

    لا. أنت عبد، هل علمتم بعبد يمشي على كيفه؟! أم إنه يمشي على كيف سيده؟! ما رأيكم؟! العبد المملوك يمشي على كيفه وهواه، أم على كيف سيده؟!

    على كيف سيده.

    وأنت ماذا أنت؟!

    عبد، نعم عبد.

    عبد لِمَن؟

    لمن خلقك، فلا ينبغي أن تكون على هواك، يجب أن تكون على مراد مولاك؛ لأنك إذا سرت على هواك ضللت، وإذا سرت على أمر مولاك هُدِيت، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ... [الجاثية:23] الذي اتخذ إلهه مولاه، ماذا حصل؟! قال الله: ... وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ... [الجاثية:23] لما اتخذ إلهه هواه أضله الله على علم ... وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ... [الجاثية:23] كيف سيرى، القلب مختوم، والسمع مختوم، والبصر عليه غشاوة، وهذا على علم، يعصي الله على علم، قال الله: ... فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23].

    انتبه! أخطر الأشياء عليك الهوى، المزاج، يجب أن يكون هواك ومزاجك موافق للشرع، ولهذا جاء في الحديث: يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به) أي: يكون مرادك وهواك ومزاجك موافقاً ومتبعاً لشرع الله ولما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الإيمان، أما أن يكون هواك ضد الشرع، ومزاجك ضد تكاليف الأمر والنهي، فهذا هوى شيطاني.

    النهي عن اتباع الهوى في القرآن

    لقد حذرنا الله عز وجل من اتباع الهوى في القرآن العظيم في آيات كثيرة:

    يقول الله عز وجل عن بلعام بن باعوراء -رجل من بني إسرائيل كان من عباد الله الصالحين، أوتي العلم، لكن ما اتبع مولاه، بل اتبع هواه- فالله عز وجل ضرب به مثلاً كالكلب، يقول الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ... [الأعراف:175] أي: على أمتك، أخبرهم بنبأ ذاك وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ... [الأعراف:175] أي: الدالة علينا، فماذا حصل؟! ... فَانْسَلَخَ مِنْهَا ... [الأعراف:175] ما قال الله: فتَرَكها، لا. بل فَانْسَلَخَ [الأعراف:175] والانسلاخ من الشيء أي: تركه إلى الأبد، الآن إذا ذبحت لك شاةً وسلخت جلدها، ما معنى سَلْخِ جلدِها؟ معناه: لن يعود عليها أبداً بأي حال من الأحوال، ما قلتُ: أنا وضعتُ ثوبها، وأنت إذا خلعت ثوبك هل تقول: أنا سلختُ ثوبي؟! لا. بل تقول: خلعتُ، بمعنى: أنه قابل لأن أغسله وأرده؛ لكن إذا سلختَ جلد الشاة فلن يرجع عليها.

    وكذلك هذا الرجل انسلخ من الدين بقصد ألا يعود إليه، قال الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] فمـاذا حصـل؟! فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:175] لما انسلخ من آيات الله تسلط عليه الشيطان، ما كان يستطيع الشيطان عليه وهو معتصم بالله؛ لكن لما انسلخ عن آيات الله قال الله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف:174-175] وماذا؟! وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176] بئس مثل القوم والعياذ بالله.

    الحذر من اتباع الهوى

    احذر -يا أخي- من اتباع الهوى! اجعل هواك دائماً ومزاجك وفق شرع الله، قبل أن تتصرف لا تقل: يا هواي ماذا تريد؟! لا. بل قل: يا ربَّ ماذا تريد؟ ماذا قال الرسول في هذه المسألة؟ ماذا قال الشرع في هذا الأمر؟ فإن قال شيئاً، فقل: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285] ولا يسعك أمام أمر الله وأمام أمر رسول الله إلا أن تقول: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285] .. وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَـكَ رَبَّنَا وَإِلَيْـكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] هكذا المؤمن، لكن المنافق يقول: سمعنا، ولا يقول: وعصينا، الكافر هو الذي يقول: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [البقرة:93].

    تقول له: حجب زوجتك.

    يقول: صحيح؛ لكن قلوبنا نظيفة.

    تقول: اعفِ لحيتك.

    يقول: صدقتَ؛ لكن الإيمان في القلوب، وليس في اللحى.

    تقول: لا تسمع الأغاني.

    يقول: هذا والله صحيح؛ لكن والله إني أسمعها من هنا وتخرج من هنا.

    ضيَّعتَ الشرع بـ(لكن) هذه، كل شيء يعمله بـ(لكن)، فإذا جئت إلى النار قل: لكن في ذلك اليوم، لم تعد معك (لكن)، فالله يقول: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:15-16].

    فاحذر -يا أخي- من اتباع هواك! يقول الله عز وجل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] إذا اتبع العبدُ مولاه انتظم أمرُه، وإذا اتبع العبدُ هواه انفرط، وعَبَّر الله عن أمره بأنه فُرُط، أي: غير مجموع، مشتت، مثل المسبحة إذا انفرط حبلها، كيف تكون؟! أتظل معك في يدك، أم أين تذهب؟! تتشتت، وتذهب كل حبة في أرض، وترى شيئاً، وتضيِّع شيئاً.

    كذلك إذا كنتَ مجتمعاً على الشرع والدين، منتظماً مع الله، عينك وأذنك ولسانك وقلبك مع الله، رجلك تمشي في طاعة الله، يدك تبطش في طاعة الله، مع المسجد، مع الكتاب، ستمشي منضبطاً؛ لكن إذا لم يكن معك دين، وليس ثَمَّ إلا الهوى، فلا تدري من هو الذي أنت معه! مرة مع الشيطان، ومرة مع الشرق، ومرة مع الغرب، ومرة مع الأبالسة، ومرة مع المغنين، ومرة مع الشياطين، بمعنى: أنك لا تدري.

    لماذا؟!

    لأن الأمرَ فُرُطٌ، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    ويقول عز وجل: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ [القصص:50] أي: لا أضلَّ على وجه الأرض ممن اتبع هواه بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50] ظالم وأي ظالم! وضال وأي ضال! مَن يتبع هواه، ويترك أمر مولاه.

    وقفة أخيرة مع الأعداء الأربعة

    هؤلاء هم الأعداء الأربعة:

    1/ إبليس.

    2/ النفس الأمارة بالسوء.

    3/ الدنيا.

    4/ الهوى.

    جنِّد نفسك -يا أخي- إن كنت تريد النجاة، وليس بينك وبين أن تضع عن كاهلك السلاح وأن تُلْقِي عن نفسك الصراع إلا أن تموت! وما أقرب أن تموت! فقد تموت هذه الساعة، وقد تموت الليلة، وقد تموت غداً، وقد تموت بعد شهر أو بعد سنة أو بعد سنوات، المهم أنك ستموت، ففترة الصراع محدودة؛ لكن فترة العذاب غير محدودة، فالذي يقول: والله لا أقدر أن أصارع! هذه صراعات صعبة! أظل أصارع الشيطان، وأصارع النفس؟! لا والله، أتركهم، أتركهم أمامي كلهم، فهذا صحيحٌ أنه ينبسط؛ لكنه يعذب عذاباً لا يُعَذَّبُ به أحداً من العالمين.

    ففترة الصراع محدودة ثم تنتهي، أما فترة العذاب فغير محدودة، ويتمنى الإنسان في الآخرة أنه يرجع، كما قال الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12].

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزكي نفوسنا، وأن يقبل صالح أعمالنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يهدينا إلى كل سبل الخير، وأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين وحكامهم إلى كل خير، وأن يصرفهم عن كل شر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.