إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعيد بن مسفر
  4. الهجرة الأولى إلى الحبشة

الهجرة الأولى إلى الحبشةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ابتلاء المؤمن في دينه محنة، والهجرة إلى الله منحة، وعاقبتها فرحة، وحين ضاقت الأرض بإيمان المؤمنين؛ شدوا رحالهم إلى أرض الحبشة -في هجرتهم الأولى- فراراً بالدين. وقد مهدت هذه المادة لموضوع الهجرة بكلام عن أسئلة كفار قريش التي أخذوها من اليهود، ووجهوها للرسول صلى الله عليه وسلم لامتحان نبوته. وفي ختام هذا الدرس خواطر مهمة متعلقة بموضوع صيام رمضان.

    1.   

    أسئلة قريش للرسول صلى الله عليه وسلم للتأكد من نبوته

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الأحبة في الله! هذه المحاضرة تلقى في جامع الشربتلي بحي الربوة بمدينة جدة ، بعد مغرب يوم السبت الموافق 13/شعبان/1418هـ على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    وقد جرى تقديم الموعد عن المعتاد في آخر كل شهر، وذلك لظروف الامتحانات، فإن السبت الأخير من هذا الشهر والموافق 27 يأتي في وسط الامتحانات، فرأى الإخوة في مركز الدعوة والإرشاد أن ييسروا على الناس حتى لا ينشغلوا، وحتى لا يحصل لهم حرج بين ضياع الدرس، أو ضياع متابعة أبنائهم، أو أداء امتحاناتهم إذا كانوا هم ملتحقين بإحدى المدارس، وكان هذا الرأي مناسباً إن شاء الله، ولكن ربما يفوت على بعض الإخوة الذين لم يطلعوا على الإعلان؛ لأننا لم نعلن في الدرس الماضي عن هذا الأمر نظراً لعدم التذكر.

    يأتي هذا الدرس ضمن السلسلة الشهرية المعنونة بتأملات في السيرة النبوية، وعنوان هذه المحاضرة بالذات: من أحداث الهجرة الأولى إلى الحبشة .

    وقد جاءت الهجرة في بداية الاضطهاد والحرب الضروس التي كان يشنها كفار قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه من المؤمنين، وكان هذا في بداية السنة الرابعة من البعثة، حيث اشتدت الوطأة، ولم تزل تزداد يوماً بعد يوم حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة، وضاق الأمر بالصحابة، وفكروا في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم، وفي هذا الوقت الحرج نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم سورة الكهف رداً على أسئلة طرحها المشركون على الرسول صلى الله عليه وسلم للتثبت من مصداقيته؛ لأنهم أرسلوا وفداً من مكة إلى يهود المدينة وقالوا: أنتم أهل كتاب، وهذا الرجل يدعي أنه نبي فارجعوا إلى كتبكم، فإن كان نبياً اتبعناه، وإن كان متقولاً كذاباً حاربناه، فنظر اليهود في كتبهم وعلموا أنه زمان نبي؛ لأن اليهود كانوا يعرفون صفات النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ [الأنعام:20] ليس عندهم أي شك، لهذا قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] قالوا لوفد قريش: اسألوه عن ثلاثة أمور فإن عرفها فإنه نبي، وإن لم يعرفها فإنه متقول؛ سلوه عن فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وسلوه عن رجل صالح يحكم الأرض، وسلوه عن الروح، هذه الأسئلة الثلاثة لا يمكن أن تعرف إلا عن طريق الوحي، فرجع المشركون وقابلوا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وعرضوا عليه هذه الأسئلة، والرسول صلى الله عليه وسلم: مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    أهمية تعليق الوعد بمشيئة الله

    من كمال ثقته صلى الله عليه وسلم بربه أن الله لن يتخلى عنه، قال لهم: غداً آتيكم بالجواب، ونسي صلى الله عليه وسلم أن يقول: إن شاء الله؛ لأن مشيئة الله مطلوبة في الأمور المستقبلية؛ ولأن الحكم والمشيئة والإرادة له، ولا يوجد أحد في الدنيا يملي على الدنيا شيئاً، حتى ولو كان رسوله.

    فلما نسي أن يقول: إن شاء الله، وذهب الكفار، وجاء اليوم الثاني ولم يأتِ الوحي في الليل، وكان الوحي لا ينقطع لحظة، ففي كل حدث يأتي الوحي، لكن في أحرج المواقف وفي موقف مصيري يترتب عليه إسلام مكة أو كفرها ما جاء الوحي. فلما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: أين الإجابة، قال: ما أتاني شيء من السماء، قالوا: بطل سحر ابن أبي كبشة.

    أبو كبشة هذا زوج حليمة السعدية ، من بني سعد، فكانوا ينسبون الرسول إليه من باب الاستضعاف والاحتقار له، قالوا: بطل سحره، يعني: ليس بنبي، إذ لو كان نبياً لجاءه الوحي، وضاق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صادق ويحتاج إلى هذا الموقف لكي يثبت صدقه، وينصر دين الله، لكن الوحي تخلى عنه، قال: غداً، ونسي أن يقول: إن شاء الله، وجاء اليوم الثاني ولم يأتِ الوحي .. الثالث .. الرابع .. الخامس .. ومرت على النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة وانقطع الوحي من السماء -لا إله إلا الله!!- وهذا من باب التربية؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو المربي والمؤدب للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول في حديث: (أدبني ربي فأحسن تأديبـي) فغلطة مثل هذه جاء فيها تأديب بقطع الوحي خمسة عشر يوماً، يقول الله سبحانه وتعالى بعدها: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24].

    مهما كان الأمر في يدك، ومهما كان في قدرتك، فإن الأمور التي في قدرتك ومشيئتك مقيدة بقدرة الله ومشيئة الله، فقد تشاء أنت ولكن الله لا يشاء، وقد تريد شيئاً أنت ولكن الله لا يريد، فمن تغلب إرادته، ومن تغلب مشيئته، أنت أم الله؟ الله. ويكون هذا في الأمور المستقبلية التي سوف تأتي، أما الأمور الماضية فلا ينبغي أن تقول: إن شاء الله، لماذا؟ لأن الله قد شاء، فلو أن شخصاً سألك: هل حضرت بالأمس درس الشيخ الفلاني؟ وأنت حضرته، تقول: نعم. لا تقل: إن شاء الله، لماذا؟ لأنك قد حضرت الدرس وقد شاء الله، ولكن لو سألك: ستحضر الدرس الليلة؟ لا تقل: نعم. قل: إن شاء الله؛ لأنك قد لا تحضر، وربما تخرج وفي الطريق يصيبك حادث أو عارض أو مانع! فلا تقولن لشيء مضى وانتهى: إن شاء الله، لكن في المستقبل لا تجزم على أي أمر، وهذا أدب نبوي من الله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:23-24].

    يقال: إن رجلاً نزل السوق ومعه دراهم يريد أن يشتري له دابة، فلقيه صاحبه، قال: إلى أين؟ قال: أريد السوق، قال: ولم؟ قال: أشتري دابة -يركب عليها- قال: قل: إن شاء الله، قال: ولماذا أقول: إن شاء الله؟ النقود في جيبي والحمير ملء السوق، فلا داعي للمشيئة، فأنا سوف أنزل وأشتري، قال: حسناً، فنزل الرجل إلى السوق وسلَّط الله عليه لصاً فسرق النقود من جيبه! ولما جاء إلى مكان بيع المواشي واشترى له دابة وفاصل وانتهى، أدخل يده ليخرج الدراهم فلم يجد شيئاً -قد أخذها الرجل- فترك البيعة ورجع بدون دابة، وصاحبه كان يراقبه على الطريق يريد أن يرى ماذا اشترى، ولما مر قال: أين الدابة؟ أما اشتريتها؟ قال: سرقت الفلوس إن شاء الله، لكن الآن لا تنفع كلمة إن شاء الله -لا تنفع في الماضي- فكان لا يتكلم إلا بإن شاء الله، لماذا؟ لأنه وقع على قلبه، وأخذ درساً قوياً، بحيث لا يفعل شيئاً حتى في الماضي إلا ويقولون له: تغد! قال: تغديت إن شاء الله، لماذا؟ لأنه أخذ درساً.

    سؤال قريش عن أصحاب الكهف

    النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الدرس الرباني نزلت عليه سورة الكهف، وجزء من سورة الإسراء المتضمنة للجواب على هذه الأسئلة الثلاثة:

    1/ يسألونك عن الروح.

    2/ وعن أصحاب الكهف.

    3/ وعن ذي القرنين.

    وهذه السورة تضمنت ثلاثة أحداث -أو ثلاث قصص- وفيها إشارات بليغة وتربية عظيمة للمؤمنين، وقصة أهل الكهف تحكي إيمان فتية من الشباب، وفي هذا لفت نظر للشباب على أنه ليس أنتم أول من يهتدي ويلتزم؛ لأن القضية سلسلة من الصالحين منذ بعثة الأنبياء إلى يوم القيامة، يقول الله تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً [الكهف:13] ترشد هذه القصة -قصة أصحاب الكهف- إلى أن الهجرة وترك مواطن الكفر والعدوان حين يخاف المسلم من الفتنة على دينه أنه أمر مشروع متوكل على الله عز وجل، فأصحاب الكهف لما حوربوا وأوذوا اعتزلوا قومهم، وهجروا ديارهم، وخرجوا إلى الكهف، يقول الله عز وجل: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [الكهف:16] فهذه القصة فيها دلالة على مشروعية الهجرة، وكأن السورة وهي تنزل في هذا الوقت الحرج تلفت أنظار الناس إلى أنه ما دامت الأرض قد ضاقت بكم في مكة ولم يكن عندكم قدرة على مواجهة هذا الباطل .. حسناً.. غيروا الموقع، اخرجوا إلى أرض الله! أرض الله واسعة .. كما خرج هؤلاء الذين هم: فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً [الكهف:13].

    قصة الخضر وموسى عليه السلام

    القصة الثانية: قصة الخضر وموسى عليه السلام، التي أوحت بأن الأمور لا تجري على حسب الظاهر منها، بل ربما يكون الأمر خلاف الأمر الظاهر، وفيها إشارة لطيفة إلى أن الحرب القائمة بين المستضعفين من المسلمين وبين الأقوياء والكبراء والعظماء من المشركين ستنعكس تماماً، وستكون النتيجة بخلاف الظاهر .. ستكون الغلبة في النهاية لأهل الإيمان وستكون الهزيمة على أهل الكفر كما حصل في قصة موسى مع الخضر؛ لأن موسى وقف خطيباً في بني إسرائيل، وقال: ليس على الأرض من هو أعلم مني -ولم يستثن- ولم يقل: إن شاء الله، فالله سبحانه وتعالى أوحى إليه، قال له: يوجد في الأرض من هو أعلم منك، قال: أين هو يارب؟ قال: في مجمع البحرين؛ ومجمع البحرين منطقة يلتقي فيها البحر الأبيض المتوسط بـالمحيط الأطلسي في مضيق يسمى: مضيق جبل طارق - طارق بن زياد - وأين هذا الموقع؟ أتدرون أين؟ في جنوب أسبانيا وشمال المغرب ، هذا الجبل جبل طارق ، لكن أين هو اليوم؟!! -الله المستعان- كيف ضعفت الأمة، قال له ربه: هذا العبد الصالح في مجمع البحرين، وأين كان يعيش موسى؟ كان يعيش موسى في فلسطين ، فكانت رحلة شاقة؛ يقطع فيها هذه المنطقة من طرف آسيا إلى غرب إفريقيا؛ يقطع مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب .. كلها، قال: رب: أريد أن أطلب العلم عنده، قال: اذهب، فخرج موسى عليه السلام -والقصة في الصحيحين- وذكرها المفسرون عند ذكر الله عز وجل لأصحاب الكهف في سورة الكهف: خرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ، وسأل الله أمارة، قال: رب: إذا لقيته فكيف أعرف أنه هو؟ قال: العلامة أن تعود الحياة إلى هذا الحوت، وكان معهم حوت مملح مقدد جاهز للأكل -ميت من زمان- قال: إذا عادت الحياة إلى هذا الحوت ستجد هذا العبد الصالح الذي هو أعلم منك.

    ومشى وقطع الرحلة الطويلة سيراً على الأقدام، حتى إذا وصلوا إلى مجمع البحرين، قال لغلامه: قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62] يقول: تعبنا، وفعلاً سفر متعب، قال: قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً [الكهف:63] يقول: في ذلك المكان اتخذ الحوت سبيله في البحر قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ [الكهف:64] يقول: هذا الكلام الذي نريد، يقول موسى: هذه هي الأمارة، أي: عودة الحياة للحوت -أو الدخول في الماء- نريدها: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:64-65] وهو الخضر عليه السلام، والخضر ليس نبياً كما يزعم بعض الناس، لا. ليس نبياً، وإنما هو عبد صالح من عباد الله، آتاه الله عز وجل علماً لدني، أي: من لدن الله سبحانه وتعالى وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:65] فعرض عليه موسى أن يستصحبه، قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ [الكهف:66] من أجل أن يطلب العلم على يده، فقال له الخضر : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:67]؛ العلم يحتاج إلى صبر، وفي هذا إشارة لطلبة العلم الذين يستعجلون في نيل العلوم والمدارك والمعارف ويريدون أن يكونوا علماء في أسبوع أو في جلسة، لا. العلم يحتاج إلى نفس طويل، وإلى ممارسة وصبر، وإلى جلوس في حلق الذكر، وإلى قراءة للكتب، وإلى المواصلة والبحث .. ثم في النهاية يأتيك العلم.

    ومثل طلب العلم كمثل النحلة إذا دخلت البستان، فهل مباشرة تضع عسلاً؟ لا. بل تذهب وتبحث عنه في الأوراق والشجر والأزهار إلى أن تأتي بشيء بسيط، ثم تذهب وتبني .. وهكذا .. حتى يصير عسلاً، وكذلك العلم: يأتي بالطلب وبالممارسة وبالصبر وبالاحتكاك، وبإيجاد الحس العلمي عندك، أي: يكون عندك حس مرهف للعلم، وشغف، ورغبة، ولا تريد أن تجلس أي وقت إلا للعلم، فإذا دخلت بيتك، لابد من كتاب، وإذا خرجت لتتمشى لابد من كتاب، وإذا جلست لابد أن تفتح إذاعة القرآن؛ لأنك تريد علماً، ولا يمكن أن تضيع دقيقة من دقائق وقتك، فعندما يكون عندك حس علمي فسوف تصبح عالماً بهذا الموضوع، أما أن يكون العلم على هامش حياتك إن جاء وإلا تقضي أوقاتك أكثرها في سهر وكلام فارغ ولعب، ثم تريد أن تصبح عالماً! العلم لا يأتي إلا مع التعب.

    فهذا موسى عليه السلام يقول له الخضر عليه السلام: قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:67] فقال له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69] إن شاء الله أكون جاداً؛ لأنه بعد مشوار طويل وبعد سفر من طور سيناء إلى المغرب، قال: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69] فقال له الخضر: بشرط: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف:70] لا تسألني! وبعض طلبة العلم بمجرد أن يحضر المحاضرة يقدم السؤال! اصبر حتى تنتهي المحاضرة، فربما يأتي جوابك على لسان المحاضر أثناء الكلام، فأنت لا تستعجل.

    فمشى معه على هذا الشرط. ومروا وهم يريدون البحر، فاستأجروا سفينة وركبوا، وبينما هم جالسين، قام الخضر وأخرج مسماراً من حقيبته ومطرقة وخرق السفينة، وبدأ الماء يدخل، فاستغرب موسى، وهذا العمل لا يُسكت عليه؛ لأن هذا عمل تخريبـي، قال له: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا [الكهف:71] فذكره: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:75] ألم أخبرك من قبل أنك لن تستطيع أن تصبر: قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً [الكهف:73-74] ثم مروا بقرية عندما نزلوا من السفينة وإذا بأطفال يلعبون في الساحة، فعمد الخضر إلى واحد من الأطفال وأمسكه من رقبته ونزع رأسه من رقبته -قطع رأسه- فما صبر موسى على هذا العمل، فموسى نبي ومصلح، وهذا قتل، ولهذا قال له: قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74] زكية: يعني معصومة صغيرة لم تفعل شيئاً، ففي الأولى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف:71] (إمرا) يعني: يبعث على المرية وعلى التفكر، كيف تخرق السفينة؟ لكن هنا لا توجد مرية، فهنا قتل واضح، فقال له الخضر: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:75] وقال في الأولى: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:72] لكن هنا أظهر الضمير قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [الكهف:75] ألم أقل (لك) أي: من أول طلبك لصحبتي؟ فقال له موسى: قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي [الكهف:76] يقول: هذه آخر مرة: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [الكهف:76].

    فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف:77] كانوا بخلاء؛ لم يضيفوا حتى هؤلاء الغرباء، فرجعوا جائعين متعبين مسافرين، ليس عندهم أكل، فرأى الخضر جداراً آيلاً للسقوط، فقام الخضر وشمر عن ساعده وهدم الجدار وبدأ يعيده من جديد، فاستغرب موسى! أناس لا يضيفونا ونبني لهم الجدار بغير مقابل: قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77] أي: قاول عليه مقاولة وخذ عليه أجراً، لكي نأكل ونشرب، أما أن يطردونا ونحن نبني جدرانهم بدون مقابل فهذا شيء لا يقبله العقل، فقال له الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78] يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رحم الله أخي موسى لو صبر لأرانا من عجائب علم الله ما لا نتصور) ثم قال لموسى؛ لأنه مستعجل: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:78-79] وظاهر الأمر أن خرق السفينة يؤدي إلى إغراقها، لكن حقيقة الأمر أن خرق السفينة يؤدي إلى النجاة بها؛ لأن هذا الملك الظالم الذي كان يأخذ السفن عندما جاء يريد أن يأخذها وجد الماء يدخلها، وأهلها ينزفون الماء، قال: دعها. هذه لا تصلح، فهو خرقها لينجو بها لا ليغرقها، فالأمر ليس على ظاهره، فظاهر الأمر تدمير وإفساد، ولكنه في حقيقته نجاة .. هذا الأول.

    وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:80-81] كان بعلم الله أن هذا الولد الذي يعتبر زهرة من زهرات الحياة لوالديه وفلذة كبدهما، يعلم الله أن هذا الولد سيكون ابن سوء، وأبوه وأمه صالحين طيبين، فسيرهقهما إذا كبر طغياناً ويردهما إلى الكفر، أجل. والمصلحة أن يموت أم يبقى حياً؟ لو بقي حياً ماذا يفعل؟ يؤدي إلى كفر أمه وأبيه، فالله عز وجل أطلعه على علمه فكان في قتله رحمة لوالديه: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:81].

    وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82] والأب هنا: يقول في التفسير: إنه الجد السابع، لكنه صالح، فحفظ الله عقبه وذريته من ضياع الكنز عليهم، فأوحى الله وأعلم الله الخضر بأن يبني هذا الجدار ليبقى هذا الجدار علماً دالاً على وجود الكنز فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:82].

    ثم ودعه، وقبل الوداع قال لموسى وهم يقفون على طرف المحيط الأطلسي الذي يعتبر من أكبر المحيطات في العالم، والذي يفصل ما بين أوروبا وأفريقيا وبين الأمريكيتين ، والذي يذهب الآن إلى أمريكا فإنه يقطع هذا المحيط خلال ست ساعات في الطائرة على البحر -ست ساعات بسرعة 1200 كم في الساعة- يعني أكثر من 7000كم عرض هذا البحر. وقف موسى والخضر على طرف البحر، وإذا بطائر من طيور البحر ذات الأعناق الطويلة يقف على طرف البحر ليشرب، يرخي رأسه ويأخذ قطرة، ثم يرفعه لتنحدر القطرة إلى جوفه، فقال الخضر لموسى: أرأيت هذا الطائر؟ قال: نعم. قال: هل ينقص من البحر ما يشربه؟ قال: لا. قال: والذي نفسي بيده للعلم الذي عندك وعندي بالنسبة لعلم الله مثلما ينقص هذا العصفور من هذا البحر.

    علم الله لا حدود له! يقول الله تعالى في علمه: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27] يمده أي: يسعفه بمداد: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] هذا القليل الذي نحن الآن نشمخ به، ونتظاهر به على أنه عصر العلم، وعصر الذرة، وأنه عصر انفجار المعلومات، عصر انفجار الفضاء .. هذا كله بالنسبة لعلم الله شيء قليل! قليل مما عند الله سبحانه وتعالى من العلم.

    فهذه القصص الثلاث التي جاءت في سورة الكهف -أو قصة الخضر وموسى- فيها إيحاء إلى أن الأمور لا يحكم عليها بظواهرها، فقد ترى الآن أن دولة مهيمنة مسيطرة، ولكن الله قادر على أن يجعلها لا تصنع شيئاً، من كان يتصور أن الاتحاد السوفيتي الروسي سوف يتلاشى ويذهب وينتهي؟ أبداً. ما كان أحد يتصور، حتى كبار الساسة في العالم، لكن الله دمرهم؛ لأنهم واجهوا وصادموا سنن الله سبحانه وتعالى فأفشلهم.

    وكذلك كل من يحارب الله ويحارب دين الله؛ فإن الله قادر عليه، وسوف يزيله، رغم أن الظواهر قد تكون غير صحيحة، لكن أمر الله فوق الظواهر الكونية. هذه القصة الثانية.

    سؤال قريش عن ذي القرنين

    أما القصة الثالثة التي تضمنتها سورة الكهف فهي: قصة ذي القرنين، وهي تفيد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي له الملك من قبل ومن بعد، وأنه يورث الأرض من يشاء من عباده، وأن الفلاح إنما هو في سبيل الإيمان لا في سبيل الكفر، وأن الله لا يزال يبعث من عباده بين آونة وأخرى من يقوم بإنجاء الضعفاء، وإهلاك الطغاة من الكفار والمشركين وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً [الكهف:83-84] مكن الله سبحانه وتعالى لذي القرنين في الأرض وجعله يحكم الأرض كلها؛ كان يأتي إلى مغرب الشمس وإلى مطلعها، وكان له ملك لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

    هذه القصص -أيها الإخوة- بدأت تعطي أثرها في الصحابة في قضية تهيئتهم وتجهيزهم لمفارقة مكة والخروج منها فراراً بدينهم، خصوصاً بعدما نزلت سورة الزمر وفيها قول الله عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [الزمر:10] ولما نزلت قال الصحابة: حسناً.. للذين أحسنوا بالإيمان لهم في هذه الدنيا حسنة، أين الحسنة التي للصحابة، وهم يعذبون، ويقتلون، ويضربون، ويسجنون، ويسحبون -كما سمعتم في الدرس الماضي- أين الحسنة؟ قال الله تعالى بعدها: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    1.   

    هجرة المسلمين الأولى وعودتهم منها

    وفي كل هذه الظروف كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة فراراً بالدين من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان، روى ابن إسحاق من حديث أم سلمة رضي الله عنها؛ لأنها كانت من المهاجرات، قالت: لما ضاق الأمر علينا بـمكة وأوذي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان القوم لا يقدرون عليه -في السنة الرابعة والخامسة والسادسة ما قدروا على الرسول- لماذا؟ لأنه كان هناك أحد يمنعهم، وهو أبو طالب؛ كانت هناك منعة من قومه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتكى الصحابة الضعفاء، قال: (إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد -رجل عادل اسمه: النجاشي - فالحقوا ببلاده -يقول: هاجروا إليه- حتى يجعل الله لكم مخرجا) تقول أم سلمة : [فخرجنا إليها، حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا ولم نخش منه ظلما] الله أكبر! هذا الرجل صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما مات في مكة صلاة الغائب، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه تدل على أنه أسلم، وكلمة: النجاشي لقب يطلق على من يحكم الحبشة ، مثل كلمة: فرعون، تطلق على من يحكم مصر، ومثل كلمة: قيصر أو كسرى، أو شاهين شاه ، فكان هذا الحاكم اسمه النجاشي، لكن الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو ذلك الرجل الذي آوى الصحابة ونصرهم، فلما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وسوف يأتي معنا إن شاء الله بيان إسلامه وأنه دخل في دين الله سبحانه وتعالى.

    طبعاً يروي ابن سعد في الطبقات أنهم خرجوا متسللين -سراً- لأن مكة لا تسمح لهم بالخروج، فخرج كل منهم منفرداً، وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نساء، وفي بعض الروايات أنهم كانوا عشرة، وفي بعض الروايات أنهم كانوا اثنا عشر، لكن الذي عليه جماهير المؤرخين أنهم كانوا أحد عشر رجلاً وأربع نساء، حتى انتهوا إلى الشعيبة ، والشعيبة على بعد ستين أو سبعين كيلو من مكة المكرمة ، وكان منهم الراكب ومنهم الماشي، ووفق الله عز وجل للمسلمين عندما وصلوا إلى الشعيبة بسفينتين للتجار، فحملوهم إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في شهر رجب في السنة الخامسة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الفور خرجت قريش في آثارهم لملاحقتهم، ولكنهم لم يصلوا الشعيبة حتى وجدوهم قد ركبوا ورحلوا فلم يدركوهم والحمد لله.

    أسماء بعض المهاجرين

    وكان من ضمن هؤلاء المهاجرين أبو سلمة ابن عبد الأسد ، زوج أم سلمة بنت أبي أمية أم المؤمنين فيما بعد؛ لأن أبو سلمة هذا ابن عبد الأسد مات، ولما مات قالت زوجته كلمة سمعتها من الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا جبره الله في مصيبته وخلف عليه خيراً منها) تقول: فلما مات أبو سلمة تذكرت الدعاء، وقلت في نفسي: ومن هو خير من أبي سلمة ؟! تقول: لا أحد في الدنيا مثل أبي سلمة لكنها قالته تصديقاً بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد أيام؛ بعد أن انتهت من العدة وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها، لتصبح زوجاً له وأماً للمؤمنين إلى يوم القيامة .. ما هذا الفخر العظيم! ولما اعتذرت قالت: (يا رسول الله! إني أغار -قالت: إني أغار وأخاف أن أكسر خاطرك أو أغضبك- وعندي صبية -أولاد- قال: أما غيرتك فسيذهبها الله، وأما أولادك فهم مع ولدي) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً كان ضمن المهاجرين عثمان بن مضعون رضي الله عنه وأرضاه، ومصعب بن عمير الشاب العظيم الذي قتل شهيداً في يوم أحد ، وعثمان بن عفان رضي الله عنه، ومعه زوجته رقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم بنت خير البشر كانت أيضاً مهاجرة مع زوجها إلى الحبشة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في عثمان وفي رقية : (إنهما أول بيتٍ هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط) قال إبراهيم عليه السلام: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99] فكان أول بيت هاجر بعد إبراهيم ولوط بيت عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم.

    سبب عودة المهاجرين إلى مكة

    وعرفت هذه الهجرة في التاريخ الإسلامي بالهجرة الأولى إلى الحبشة ، طبعاً لم يمكث هؤلاء إلا قليلاً، واستقبلهم النجاشي وآواهم وأكرمهم، وما أرسلت قريش في تبعهم بشيء، لكنها أرسلت في الهجرة الثانية الكبيرة التي كان فيها عدد كبير حول المائة وسوف يأتي تفصليهم إن شاء الله، لكن في هذه المرة جلس الصحابة المهاجرون فترة بسيطة، من السابع من شهر رجب إلى شهر شوال فقط؛ رجب وشعبان ورمضان وشوال، أربعة أشهر. ثم عادوا، ورجعوا من الحبشة إلى مكة ، ولماذا عادوا؟ لأن هناك شائعات وأخبار بلغتهم أن أهل مكة قد أسلموا، والأخبار كانت تنقل آنذاك بطرق ووسائل بدائية من الصعب التثبت منها؛ جاءتهم إشاعة وهم في الحبشة أن مكة قد دخلت في دين الله، فقالوا: ما دام قد أسلم أهل مكة فلماذا نبقى هنا؟ نرجع إلى أهلنا وديارنا، فرجعوا .. ولما اقتربوا من مكة علموا أن الذي بلغهم من الخبر ليس إلا إشاعة، وعرفوا أن نار العداوة لا زالت مستعرة في قلوب الكفار، فرجع بعضهم إلى الحبشة وبعضهم دخل مستخفياً، وبعضهم دخل في جوار رجل من قريش -في جوار رجل، أي: في وجه رجل- وإذا أجار رجل رجلاً آخر فلا أحد يستطيع أن يصل إليه، خصوصاً إذا كان المجير هذا شخصية اعتبارية لها مكانتها الكبيرة في المجتمع.

    خطأ تاريخي حول سبب رجوع المهاجرين إلى مكة

    وهناك زعم تاريخي باطل سوف نرده إن شاء الله بالأدلة، وهذا شائع عند كثير من الناس ولا يفهمون القول الحق فيه؛ يزعم بعض المؤرخين أن سبب رجوع المؤمنين من الحبشة كان لوقوع هدنة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، وبين الإسلام وبين الكفر، وسبب هذه الهدنة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم تقرب إلى المشركين بمدح أصنامهم، والاعتراف بمنزلتها، إذ زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المشركين سورة النجم لما نزلت حتى وصل إلى قوله عز وجل: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19] اللات: صنم من أصنام قريش، والعزى: شجرة كانت تُعبد من قبل قريش، ومناة الثالثة الأخرى: صنم من أصنام قريش، ألقى الشيطان -تقوَّل الشيطان- في آذان المشركين كلمة اعتراضية فهموا منها أنها من الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي كلمة: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى، ففهموا هم أنها من الرسول، وإذا كانت من الرسول فهي مدح للأصنام، وأن شفاعتها ترتجى، وأنها تضر وأنها تنفع، فسجد وسجد كفار مكة عند هذه الآية، فلما بلغهم ذلك وهم في الحبشة ظنوا أن القوم قد أسلموا لهذه القصة المزعومة المكذوبة.

    هذه القصة رواها كثر من المؤرخين؛ فقد رواها ابن سعد في الطبقات، والطبري في تاريخه، والبيهقي في الشعب، ولكن لم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة المعتبرة: لا البخاري ولا مسلم ولا النسائي ولا أبو داود ولا الترمذي ولا ابن ماجة، ولم يروها أيضاً الإمام أحمد في مسنده .. ولا غيره من أصحاب الكتب المعتبرة والمعتمدة في النقل، وهي باطلة كما يقرر العلماء، متناً وسندا.

    أولاً: من حيث السند: يقول ابن كثير عند هذه الآيات: قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم، هذا كلام من؟ كلام ابن كثير ، يقول: كل الطرق التي جاءت بها طرق مرسلة، والمرسل ضعيف لا يعتمد عليه ولا ينقل فيه خبر.

    والقاضي عياض له مآخذ أخرى على القصة من حيث المتن والسند، يقول: أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحدٌ من أهل الكتب الصحيحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، وإنما أولع به بعض المؤرخين المولعين بكل غريب، والمتلقفين لكل صحيح وسقيم، ومن حكيت عنه هذه المقالة لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. هذا من حيث السند.

    ثانياً: أما من حيث المتن: فإن هذه القصة مردودة بالقرآن الكريم، يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] وقد أبعد الله عز وجل وضمن بهذه الآية الغواية عن عباده المرسلين بوحي الشيطان، وقد أقر رئيس الشياطين -وهو إبليس- بأنه ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، فإذا لم يكن له سلطان على عباد الله فمن باب أولى أن لا يكون له سلطان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يمكن أن يتقمص الشيطان شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يوحي عنه بمثل هذا الكذب؟ لا. غير صحيح، فليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وأي الناس أصدق إيماناً وأعظم توكلاً عليه من الأنبياء ومن أخصهم محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    حسناً.. لماذا سجد المشركون لما قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآيات عليهم؟ هنا العلة، هم بالفعل سجدوا، المشركون سجدوا عندما نزلت هذه السورة، والسبب كما يقوله المفسرون: ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم في جماعة من المسلمين والمشركين في الحرم، وخواتيم هذه السورة فيها قوارع تطير منها القلوب، فلما أخذ صوت الرسول صلى الله عليه وسلم يهدر بها ويزبد ويرعد بنذيرها، وصل إلى قول الله عز وجل: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:53-62] كانت روعة الآيات وعظمة القرآن قد صدعت قلوبهم، فما تمالكوا أمام قوة البيان وقوة التلاوة إلا أن خروا ساجدين مع غيرهم من المسلمين، حتى إن الوليد بن المغيرة وكان كبير السن لا يستطيع أن يسجد، أخذ حفنة من البطحاء وسجد عليها وهي بيده، فلما أفاقوا بعدما رأوا الناس ساجدين وجدوا أنفسهم ساجدين مع المؤمنين الذين سجدوا لله، وأما هم فسجدوا من باب التأثر البالغ بالقرآن الكريم، فلما رفعوا رءوسهم أحسوا أنهم قد أخطئوا، وأنهم قد أقروا الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، فندموا على ما كان منهم، فأحبوا أن يعتذروا عن غلطهم، وقالوا: ما سجدنا لإله محمد إلا لأنه أثنى على آلهتنا .. وقد عرفتم القصة؟ يقولون: نحن ما سجدنا إلا لأن محمداً ذكر آلهتنا بخير؛ فنحن سجدنا له من باب المجاملة .. مثلما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة، فأنزل الله عز وجل: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:1-5].

    كانت هذه -أيها الإخوة- هي الأسباب الحقيقية لعودة الصحابة من الهجرة الأولى إلى مكة المكرمة ، وهذا هو التفسير الصحيح للحدث الذي مر بـمكة المكرمة وهو سجود المشركين مع المؤمنين عند نزول هذه السورة، وعند قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآيات.

    وهنا -أيها الإخوة- تنتهي أحداث هذا المشهد وهو الهجرة الأولى إلى الحبشة.

    1.   

    خواطر على أبواب رمضان

    يأتي بعدها أحداث الهجرة الثانية إلى الحبشة ولكنا نرجئ الحديث عنها إن شاء الله إلى الدرس القادم الذي سيكون بإذن الله في آخر شهر شوال نظراً لأن شهر رمضان كما هو معروف؛ شهر عبادة، وتقوى، وصلاة، وقراءة للقرآن، وفيه تتوقف الدروس كما كان السلف رحمهم الله تعالى؛ كانوا إذا دخل رمضان يوقفون جميع حلقات العلم؛ لأنه شهر القرآن، يقول الناظم:

    يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجـب     حتى عصى ربه في شهر شعبانِ

    ها قد أضلك شهر الصوم بعدهما     فلا تصيره أيضاً شهر عصيانِ

    اتل الكتاب وسبح فيه مجتهـداً     فإنه شهر تسبيح وقرآنِ

    كم كنت تعرف ممن صام في سلـفٍ     من بين أهل وجيران وإخوانِ

    أفناهم الموت واستبقاك بعدهم     حياً فما أقرب القاصي من الداني

    ومعجبٍ بثياب العيد يقطعهـا     فأصبحت في غدٍ أثواب أكفانِ

    حتى متى يعمر الإنسان مسكنه     مصير مسكنه قبرٌ لإنسانِ

    وفيما تبقى معنا من الوقت -أيها الإخوة- نريد أن نتحدث عن قضيتين:

    حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان ببعض العبادات

    القضية الأولى: ما اعتاده بعض الناس من أداء بعض العبادات في ليلة النصف من شعبان أو يوم النصف من شعبان.

    كلنا يعلم -أيها الإخوة- أن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الناس للعبادة، وأن هذه العبادة التي خلقهم الله عز وجل لها لا يمكن أن يعرفوها من عند أنفسهم، فبعث الله أنبياء ليعلموا الناس كيف يعبدون الله تعالى، يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:36] وختم الله الأنبياء بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] وجعله القدوة والمثال والأسوة الحسنة، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] لكن لمن؟ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فالذي يرجو ما عند الله، ويرجو النجاة يوم القيامة، ويذكر الله كثيراً هو الذي يكون له قدوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين وبلغه للأمة، وما مات صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ووقف في يوم عرفة والقرآن ينزل عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] الله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] أي: لا يوجد دين بعد هذه الآية؛ لأن الله تعالى أكمل الدين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة: (ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) ونحن نشهد أنه بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله عن الإسلام أفضل ما جزى نبياً عن أمته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    والذي يريد أن ينجو يلزمه أن يتابع الرسول صلى الله عليه وسلم، أما الزيادة على الرسول صلى الله عليه وسلم بأي عمل مبتدع ليس عليه أمر الله ولا أمر الرسول فإنه يلزم منه ثلاثة أمور كلها سيئة:

    أولاً: أن الله ما أكمل الدين، وأن الآية هذه غير صحيحة، والذي يقول بذلك يكون كافراً، أي: الذي يقول: إن الله ما أكمل الدين وأن هذه الآية غير صحيحة، ما حكمه في الإسلام؟ الكفر، لماذا؟ قد لا يقولها بلسانه ويقولها بفعله -أي: يعمل شيئاً ليس عليه أمر الله تعالى، ويقول: هذا من الدين، أجل. فالله عز وجل لما قال هذه الآية لم يكمل الدين. وهذا خطأ!

    ثانياً: يلزم من الابتداع تنقص جناب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما أدى الرسالة؛ فما دامت هذه من الدين والرسول لم يبلغها فإن الرسول قد كتمها -أي: أن الرسول لم يعلم الناس بها- وهل في الدنيا أحد يقول: إن الرسول ما بلغ الرسالة؟!! لا. فالذي يقول: إن الرسول ما بلغ الرسالة يكفر.

    ثالثاً: يلزم من البدعة لزوم ثالث، وهو: ضياع الدين! فإن الله حفظ لنا الدين بالوحيين: الكتاب والسنة، ولكن إذا أدخلنا فيه الرأي قام كل واحد برأيه؛ لأن أفكار الناس وآراء الناس واستحسانات الناس لا تنتهي؛ وليس لها حدود، فكل واحد يأتي لنا بدين، وربما بعد سنوات يأتينا ويقول: لا. نريد أن نحيي ليلة السابع والعشرين من شعبان، لماذا؟ قال: لأننا نحيي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فقياساً عليها نحيي هذه الليلة، نقول له: لا. لا يجوز؛ لأنه لا يوجد دليل .. فالله قطع الطريق على من يريد أن يفسد على الناس دينهم بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، لماذا؟ لأن الدين في الكتاب والسنة، وهذه الليلة -ليلة النصف من شعبان- لم يرد في إحيائها، ولا قيامها، ولا صيام يومها الخامس عشر دليل من كتاب أو سنة، وبما أنه لم يرد دليل فالتعبد فيها بدعة، وبعض الناس يحتج بدليل فيه مقال في سنده، لكن بعض العلماء يجمعون طرقه ورواياته ويضمون بعضها إلى بعض، فيرتفع إلى درجة الصحيح، كما صنع الشيخ الألباني ، فقد جمع رواياته وقال: إن بعضها يشد بعضاً، ويحصل بمجموعها نقل الحديث إلى درجة الصحيح، لكن الحديث ليس فيه دليل على مشروعية القيام أو صيام ذلك النهار، لأن الحديث فيه خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة : (إن الله يغفر في ليلة النصف من شعبان بعدد شعر غنم قبيلة كلب) قبيلة كلب هذه من قبائل العرب، كانت مشهورة بكثرة أغنامها، ولهذا يضرب بها المثل بكثرة مواشيها، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله في تلك الليلة يتجلى بالمغفرة والرحمة والرضوان على عدد كبير من الأمة بعدد شعر غنم هذه القبيلة، فالحديث أفاد خبر أن الله يغفر في هذه الليلة، وإذا قبلنا وسلمنا بصحته فنحن نأمل أن يغفر الله لنا مع من يغفر له في تلك الليلة، لكن ليس في الحديث دليل على مشروعية قيام ليله، أو صيام نهاره، أو إحيائه أو الاحتفال به، لماذا؟ لأن الحديث لم يتضمن هذا، فالحديث أخبر أن في هذه الليلة مغفرة، ولكن الرسول لم يقل: فقوموا ليله، أو صوموا نهاره، أو أحيوه، ولم يأمرنا، وبما أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا فعلينا أن نقف، لماذا؟ لأن الله تعالى يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7].

    وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر في الصحيحين : (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: إذا عملت عملاً وهو رد عليك، ماذا يصير هذا، سنة أم بدعة؟ بدعة؛ لأنه مردود عليك، فينبغي -أيها الإخوة- أن نقف عند كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    نحن في هذا الزمن والحمد لله زمن الصحوة؛ صحوة الأمة والعودة إلى دين الله، ولكننا نريد أن تكون صحوة على نور الكتاب والسنة، لا صحوة على ظلمات البدعة، والخرافات والأباطل؛ نريد صحوة راشدة، تتمسك بالوحيين -الكتاب والسنة- حتى تكون صحوة صحيحة إن شاء الله!

    فنريد أن نلفت الإخوة إلى هذا .. إذ لا ينبغي لأحد أن يقيم وزناً لأي احتفال أو أي صيام يحصل في هذا اليوم أو تلك الليلة.

    أما شهر شعبان فإن صيامه مشروع لما ثبت في الصحيح : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم رمضان وشعبان حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم) فإذا رأينا إنساناً يصوم من شعبان لا ننكر عليه، أو كان من عادته أنه يصوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهور الأخرى وصامها في شعبان لا ننكر عليه؛ لأنها عادته، أو كان يصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع وصادف يوم الخامس عشر من شعبان يوم الإثنين وصامه؛ لأن عادته أن يصوم كل إثنين وخميس فلا حرج عليه، لكن إذا كان لم يكن من عادته وصام يوم الإثنين، لأنه يوم الخامس عشر، نقول: لا. هذا ليس عليه دليل .. هذا بدعة؛ لأنه يلزم أن يكون هناك دليل عليه.

    هذه -أيها الإخوة- القضية الأولى التي أردت الحديث عنها.

    فضل شهر رمضان

    نحن -أيها الإخوة- على أبواب شهر كريم، وموسم عظيم من مواسم الخير والرحمة، يتيحه الله عز وجل للمؤمنين كل عام، وفيه تفتح أبواب الجنان فلا يغلق منها باب، وتغلق فيه أبواب النيران فلا يفتح منها باب، وهذا معناه -أيها الإخوة- دعوة للناس بأن أبواب الجنة مفتوحة فتفضلوا بالدخول، ودعوة إلى أن النار لا يدخلها أحد، فالأبواب مغلقة، ولو أردت أن تدخل النار فهي مغلقة أمامك؛ لأن بعض الناس مصر على أن يدخل النار -أي: بإصراره على المعاصي وعلى الكفر- ولهذا فالباب مقفل، لماذا؟ رمضان كريم! وبعض الناس يقعد عند باب النار حتى يأتي العيد -والعياذ بالله-.

    ثم تغل فيه مردة الشياطين -المردة والجن والعفاريت الذين يغوون الناس، كلهم مسجونون- قال لي شخص من الناس: أرى بعض الناس حتى في رمضان على الشر وعلى المعاصي؟ قلت: هذا لأنه هو نفسه شيطان، وأما شيطانه فإنه مسجون، لكن هو ليس مسجوناً، فأصبح مجرماً بدون شيطان -أي: هو شيطان أصلي والعياذ بالله- ثم متى تنتهي المهلة؟ تنتهي ليلة العيد، ولكن من فضل الله في رمضان أن يعود الناس للدين، فالذي ما كان يصلي في المسجد يأتي ليصلي، والذي ما كان يقرأ القرآن يقرأ القرآن، والذي كان فاسقاً تجد عنده نشوة، لماذا؟ لأن الشيطان محبوس، ويأتي الناس للعمرة، وتجد حياة للإيمان، لكن ليلة العيد يطلق المساجين -مساجين الشيطان- وحينها تعال وابحث عن الناس في ثاني العيد -صباح صلاة الفجر في ثاني يوم العيد- وانظر إلى المسجد كم يصلي فيه، مع أن المسجد في الليلة التي قبلها يوم تسعة وعشرين -أو ثلاثين- مليء بالمصلين، ولما انطلق السجناء أمسك كل واحد قرينه، قالوا: نم. فقد انتهى رمضان، لا تصل في المسجد، ولهذا لا يصلي في المسجد إلا أولئك الذين عندهم قوة وتحرر من الشيطان.

    هذا الشهر العظيم -أيها الإخوة- يضاعف فيه الأجر، ويزاد في رزق المؤمن، فمن عمل فيه حسنة كانت كمن عمل ألف حسنة، ومن أدى فيه فريضة كانت كمن أدى سبعين فريضة، وفيه يتجلى الله سبحانه وتعالى بالمغفرة على الناس ففي كل يوم يعتق ألف ألف عتيق من النار -يعني: مليون- كلهم قد استوجبوا النار، وفي آخر ليلة يعتق بقدر من أعتق من أول الشهر.

    ويدعو النبي صلى الله عليه وسلم دعاء على من لم يغفر له في رمضان والحديث صحيح: (صعد الرسول صلى الله عليه وسلم المنبر يوماً من الأيام, وقال: آمين، آمين، آمين -ثلاث مرات- قال الصحابة: يا رسول الله! تقول: آمين وما سمعنا أحداً حدثك، قال: حدثني جبريل، قال لي: يا محمد! قل: آمين، قلت: آمين، قال: رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين) هذا دعاء بأن يرغم أنفه، أتدرون ما معنى رغام الأنف؟ الرغام: هو التراب المسحوق الدقيق الذي إذا وضعت يدك فيه فإنه يغبرها، رغم أنفه، أي: تمرغ أنفه بالرغام -يعني خاسر- وعندما تقول: سأضع أنفك على التراب، يعني: إهانة كاملة (رغم أنفه من أدرك رمضان ولم يغفر له) وإذا لم يغفر لك في رمضان فمتى يغفر لك؟ وإذا كان شيطانك محبوساً في رمضان وعييت إلا أن تكون شيطاناً، فسوف يأتيك شيطانك في شوال حتى تصبحا شيطانين -أنت وقرينك- وبعض الناس -والعياذ بالله- لا ينشط في الشر إلا في رمضان، بل بعضهم لا ينشط إلا في العشر الأواخر من رمضان! الناس في القيام وفي التهجد وهو على المحارم وعلى الزنا، والغناء، والفجور، بل بعضهم يقطع تذكرة سفر من أول العشر ليكمل العشر في الشر -والعياذ بالله- والفساد! بينما يأتي الناس من جميع أقطار الأرض إلى هنا ليعتمروا في رمضان! ولو ذهبت للحجز في الخطوط السعودية فلن تجد مكاناً، لماذا؟ لأن أهل الشر خرجوا لإكمال! خرجوا للعمرة ولكن في بلاد الضلال -والعياذ بالله-. (قال: قل: آمين -الثانية- قال: رغم أنف من أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين) وجود أمك أو أبيك فرصة لا تعوض وليس لها ثمن أن تدخل الجنة عن طريق برهما، من أين تأتي بأم وأب إذا مات أبوك وأمك، ما معك إلا هما، فلا تضيع فرصتك، أبوك وأمك لن يعيشا طويلاً، وهم ضيوف عندك الآن، وبهما أكرمك الله وجعل لك باباً.

    يذكر أن شخصاً ماتت أمه فقعد يبكي، ولما قالوا له: يرحمك الله، أنت تعرف أن الموت حق؟ قال: لا أبكي من الموت، ولكن أبكي أن باباً من أبواب الجنة قد أقفل في وجهي. يقول: ليس معي طريق، كان معي طريقين وقد أُغلق أحدها علي وهو باب أمي، فالله الله في استغلال هذا الباب، فإنه لو ماتت أمك أو مات أبوك وأنت غير بار بهم فستبقى حرقة في قلبك إلى يوم القيامة.

    الثالث: قال: (رغم أنف من ذكرت عنده يا محمد فلم يصلِّ عليك) اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صلاة دائمة ما دام الليل والنهار وعلى آله وصحبه وسلم.

    فهذا رمضان فرصتك أيها المسلم، ولقد كان السلف رحمهم الله يفرحون برمضان، فقد كانوا يسألون الله أن يبلغهم رمضان ستة أشهر، فإذا انتهى رمضان طلبوا الله ستة أشهر أن يتقبل عملهم في رمضان، فهم ما بين سؤال للقبول، وسؤال للبلوغ، أي: مرابطة على رمضان المبارك، يفرحون برمضان لاعتبارات:

    أولا: لصيامه.

    ثانياً: لقيامه.

    ثالثاً: لتلاوة القرآن فيه.

    هذا شغل السلف: يصومون النهار ويقومون الليل، ويقرءون القرآن في كل وقت في الليل والنهار، وكانوا يختارون لأعمالهم الجهادية رمضان، فمعركة بدر كانت في رمضان، والفتح كان في رمضان، وعين جالوت كانت في رمضان .. لماذا؟ لأنه شهر القوة، والإيمان، والجهاد، والنضال.

    مفاهيم خاطئة عن رمضان

    لقد غابت هذه المفاهيم -أيها الإخوة- عن كثير من الناس في هذا الزمان، وأصبح الناس يفرحون برمضان لا لأنه شهر الصيام والقيام والتلاوة، يفرحون لأشياء أخرى، منها:

    أولاً: يفرحون برمضان؛ لأنه شهر الطعام -شهر الأكلات- وإذا رأيت الناس في أواخر شعبان ومع بدايات رمضان ظننت أنهم كانوا صائمين طوال العام، وأنه دخل الشهر الذي يأكلون فيه، بينما دخل الشهر الذي يصومون فيه، والمفروض بمنطق العقل أنك ما دمت تأكل طوال السنة وجاء رمضان فلا حاجة لشراء الفائض من المأكولات، لماذا؟ لأنك ستصوم، ولكن الناس عندما جاء رمضان اتجهوا لتكديس المأكولات لرمضان، وبدأت البيانات تصدر من أمهات البيوت وربات الأسر، وكل واحدة تطلب المشتريات، إذ لا بأس بطلب أعداد بسيطة، لا بكميات ضخمة -كراتين- كرتون شربة، وكرتون مكرونة، وكرتون قطر الموز، وكرتون جيلي .. بالكراتين، وترى الأسواق وأماكن بيع المواد الغذائية تستعد بالبضائع الجديدة وتنشرها في مقدمة الأسواق، وتخرجها أمام المحلات التجارية، ويستعد الناس بالمبالغ الطائلة التي توفر طول السنة، ويقولون: (سنة ما تخدم شهر؟!) لابد أن نأكل، رمضان كريم! دعنا نأكل فقط! رمضان كريم لكي تصير كريماً! وليس لتأكل وتترك الفقراء والمساكين بدون طعام.

    ويملئون البيوت بالخيرات .. وإذا بدأ رمضان أتاك الرجل وهو منشغل طوال اليوم، في حين تكون المرأة نائمة إلى الظهر، ومن الظهر إلى المغرب تكون المرأة مشغولة بالطبخ! إعلان عن حالة طوارئ في المطابخ .. النيران تشتعل، وبعض المواقد فيها عشرة عيون، وكلها تشوي وتقلي وتطبخ .. والمرأة قائمة على قدم وساق، والأولاد، والبنات، والخادمات، والرجل أحيانا يشارك ويمر عليهم للإشراف، يقول: (نفزع، تريدون نقلب، ونشوي، ونعرك، ونعصد، ونعصر ... في شيء؟) وإذا كانوا غير محتاجين لمساعدته قالوا له: اذهب وأشتر من السوق شيئاً حلواً -حلاوة- أو حنيذاً على الطريق، أو خضاراً أو ... حتى إذا أتت السفرة ترى أمامك سفرة فيها عشرات الأنواع من الأطعمة، والإنسان ليس في بطنه إلا معدة بسيطة؛ لكنه الجشع والطمع وعدم معرفة الحكمة من فرض الله لهذا الصوم.

    فالرجل بناءً على الاهتمام بالمشتروات لا يمكنه أن يقرأ، متى يقرأ؟ هو في الصباح نائم إلى الساعة العاشرة، ثم يذهب إلى الدوام ولا يرجع إلا الساعة الثالثة، فإذا صلى العصر ذهب لشراء الإفطار حتى المغرب .. فليس هناك وقت للقراءة، والمرأة متى تقرأ؟ لا تقرأ؛ لأنها من الصباح إلى الظهر نائمة، وبعد ذلك إلى المغرب وهي تطبخ، ومن المغرب إلى السحور وهي تأكل، فمتى تقرأ القرآن؟ لا وقت للقراءة، فإذا أتى وقت الإفطار وجدت أمامك سفرة تكفي لأن تكون طعاماً رئيسياً تعجز عن هضمها بطون الجمال فما بالك بمعدة الإنسان! المفروض في السنة أن يفطر الإنسان على تمرات، هذه التمرات والماء -أو اللبن- تقوم بعملية ترويض للمعدة؛ لأن المعدة وقد توقفت ساعات طويلة عن الأكل يحصل فيها ضمور وكسل، فتحتاج إلى تشغيل؛ لكن بطريقة بسيطة (يعني: تحميها مثلما تشغل السيارة، عندما تشغل السيارة تقول: دعها تسخن، لكن لو شغلت ومشيت مباشرة فلن تمشي السيارة)، فأنت تحميها بتمرات وبفنجان ماء -أو لبن- ثم تذهب لتصلي، وعندما ترجع للعشاء تكون معدتك قد أصبح عندها قدرة على الهضم واستعادت نشاطها، ولكن عندما تكبسها مباشرة مع الفطور بالأكل الكامل الذي هو من أعقد الأكل، مثل السنبوسة؛ لأنها محشوة باللحم والبيض والخضار ومقلية بالسمن -فهذه كلها شحوم- وكم يأكل الإنسان؟ هذا الفطور فقط، أربعون قطعة سنبوسة -هذه أكلة المقتصد- وأربعون قطعة من (لقمة القاضي) وثلاث صحون شربة، وكوب عصير برتقالاً، وعصير فراولة، وعصير (قمر الدين) وبعد ذلك يصلي، ثم بعد الصلاة يأتي ليجد سفرة مملوءة بشتى أنواع الطعام ولا بد أن يأكل سواء كان راضياً أو مكرهاً؛ لأن المرأة قد تعبت، وتصيح عليه وتقول: أنا فعلت هذا لمن؟ أتعب طوال يومي من أجل أن تتفرج عليه؟ والله تأكل، والله تأخذ من هذه، فيقول: طيب .. طيب .. طيب .. إلى أن يعبئ معدته ولا يستطيع أن يقوم، وبعضهم لا يستطيع أن يقوم ليغسل، ويقول: اسحبوني أو أعطوني الماء! كيف يصلي التراويح يا أخواني؟!! المؤذن بعد ساعة ونصف من المغرب يؤذن لصلاة العشاء، لكن في رمضان بعد ساعتين، لماذا؟ لكي يتعشى الناس فإذا بدأت الصلاة في المساجد لا يستطيع أن يقوم قال: ابحثوا لنا عن إمام يصلي بنا صلاة مقبولة -يعني: ينقرها في خمس دقائق- وإذا وجدوا إماماً يصلي صلاة طيبة فيها تلاوة وفيها قيام وذكر، مثلما كانت عائشة تقول في رواية البخاري ومسلم ، تقول: (ما كان صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، لكن قالت: فلا تسأل عن طولهن وحسنهن والقراءة فيهن وركوعهن وسجودهن) صلاة وليست مسابقة .. صلاة صحيحة! لكن يبحث له عن إمام ينقرها نقر الغراب، (الله أكبر، سمع الله لمن حمد، وإذا خرج قال: الله يذكره بالخير، جزاه الله خيراً، هذا هو الإمام الميسر) وإذا صلى مع إمام يصلي صلاة صحيحة قال: الله أكبر عليه! كسر أرجلنا، وكسر ظهورنا، هذا فتان .. كسر ظهرك؛ لأن بطنك ممتلئة؛ لأن الحمولة زائدة في بطنك، ولو أن بطنك خفيفة لكنت عرفت كيف تصلي، إن مشكلة الصلاة هي مشكلتك أنت في الأكل.

    فإذا انتهت الصلاة -صلاة التراويح- ورجع البيت طلب التعتيمة، والتعتيمة هذه سفرة كاملة من الحلويات والمكسرات والمجمرات والمحمرات .. التي لا يستطيع أحد أن يعدها .. إلى أن يأتي السحور، فإذا أتى السحور قال: السحور يريد له شيئاً جامداً؛ لأننا سوف نبقى بعد ذلك صائمين، ما هو هذا الجامد؟ قال: شيء يبقى في البطن -لا تهضمه بسهولة- إما عريك وسمن، وإما عصيد ومرق، طيب .. وكم تأكل، قال: آكل قليلاً، لكن متى؟ قال: قبل الأذان بربع ساعة، لكي ينتهي ونحن نكمل، حتى لا تفوت أي دقيقة.

    بل أخبرت الإخوة في الأمس أني كنت في المسجد فجاءني سؤال من شخص يسأل في التلفون، يقول: يا شيخ هل نمسك مع (الله أكبر) في بداية أذان الفجر، أو مع آخر الأذان: لا إله إلا الله؟!! لا حول ولا قوة إلا بالله! يريد أن يأكل حتى مع الأذان، فقلت له: أنت في المغرب إذا أذن تفطر مع (الله أكبر) أو مع (لا إله إلا الله) قال: أفطر مع الله أكبر، قلت: وأمسك مع الله أكبر، فقوله: (الله أكبر) يعني طلوع الفجر، لا يجوز أن تأكل أيها الإنسان! فطوال الليل وهو يأكل، بالله عليكم أهذا شهر صيام -يا أخواني-؟!

    ومن ضمن أهداف الصيام صحة البدن، وهذا أسلوب علاجي جديد يمارس الآن في الدول الغربية، فإذا رأوا شخصاً عنده علل وأمراض، يقولون: العلاج بالصيام (ممنوع الأكل) لأنهم لا يصومون، ونحن عندنا العلاج بالصيام دين؛ نأخذ كل سنة شهراً لنعطي المعدة إجازة، لنخرج يوم العيد وهي صحيحة ونشيطة، لكن الآن يحصل العكس، فعندما شغلناها بهذه الكميات فإننا نخرج من رمضان والمعدات كلها منتهية، بل إنك في أول أسبوع من رمضان -طبقوا كلامي فوالله إني طبقته أنا ورأيته بعيني- في أول أسبوع اذهب إلى المستشفى وانظر، تجد الأطباء ليس هناك طبيب من أطباء الأقسام أحد، لا حنجرة ولا أذن ولا عظام ولا عيون ولا شيء، إلا أطباء الباطنية، لوحات كلها باطنية، وعلى كل طبيب عشرة مرضى، وكل واحد يقول: بطني يا دكتور .. بطني!

    بطنك من يدك يا أخي، اترك الطعام في السفرة، لماذا تأخذه في بطنك ثم تذهب تشتكي، وبعضهم لا يمشي إلا وهو يحبو، وبعضهم يأخذ له مشروبات غازية، ما هذه؟ قال: هذه تهضم، وهي لا تهضم، هذه تخربط بطنك -أيها الإنسان- فأحسن شيء -أيها الإخوة- أن نقتصر على القليل من الطعام، وأن نوفر المال هذا لننفق على الفقراء، يوجد مساكين -أيها الإخوة- في مجتمعنا لا يجدون شيئاً، أعرف كثيراً والله في مكة من الأسر من يمر عليهم الشهر ولا يشمون رائحة اللحم، إلا يوماً في الشهر عن طريق صدقة من جمل -كيلو أو نصف كيلو- يطبخونها ويشمونها فقط، ونحن نرمي -أيها الإخوة- هذه النعم في الزبائل في رمضان وفي غير رمضان! وأنا لا أقول للناس: لا تنفقوا. أنفقوا لكن في مجال الخير، وليس في الإسراف، وليس في رمي هذه النعم في صناديق النفايات، هذا المفهوم الأول -أيها الإخوة-.

    المفهوم الثاني: أن بعض الناس يفرحون برمضان غالباً؛ لأنه شهر السهرات، قال بعضهم: رمضان كريم، ولياليه نريد أن نحييها، (فبضعهم يشكل بشكات البلوت، وبعضهم يشكل بشكات اللعب بأي نوع من أنواع اللعب) فيجعلون ليالي رمضان المباركة؛ ليالي الرحمة، وليالي التنـزل الإلهي بالمغفرة، يجعلونها تضيع في الورق، فيتقابلون من بعد صلاة العشاء إلى الفجر للعب (كبوت وخمسين ومائة وسرى وديمن وشرية واسبيت، ويقول كذا، ما هذا؟ قال: خاص، شغلة أطفال، يقولها واحد عاقل كذا، ينزل لسانه مثل لسان التيس، ما هذا الشغل -يا إخوان-؟ وبعضهم يزعل ويرمي الورقة في وجهه، قال: أنت أصلك مغفل وما تعرف تلعب) عجيب! الله أكبر أيها الإخوة! هذا والله من الباطل الذي لا ينبغي أن تضيع الأوقات فيه، وبعضهم على الكيرم، يقول: أنقشها حبة حبة، لعاب أنا مرة، إسرائيل تفجر الذرة ونحن ننقشها حبة حبة، الله المستعان! لا إله إلا الله! ما عندنا إلا (الورق) (والكيرم).

    وبعضهم على اللعب، لا عليك! فالذي يلعب ألعاباً رياضية أخف منهم فليس هناك مانع، لأن الرياضة فيها منفعة، فاللهو ينقسم إلى قسمين: لهو ليس منه مصلحة وهو اللعب بالورق وهو الذي يقتل وقت المسلم من غير مصلحة، بل تجلب العداوة والبغضاء بين قلوب من يلعبها، ولهو فيه مصلحة، وهو الرياضة، كلعب كرة القدم، والطائرة، بشرط ألا تلعب في وقت صلاة أو وقت تراويح وألا تلعب مع فسقة أو تكشف عورتك .. لا مانع، فالرياضة طيبة؛ لأن لها أصلاً في الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة والسباق رياضة، وصارع ركانة الباهلي والمصارعة رياضة: (والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أي: إذا عندك قوة في جسدك فأنت أفضل؛ لكن بشرط: أن تكون قوة -أيضاً- في الحق، والصلاح، فلا نراك في الميدان مثل الحصان، وفي المسجد أعجز من جدتك، بعضهم تراه قوي العضلات فهو يصول ويجول في الملعب، لكن إذا أتت الصلاة لا تجده، فهو بطل في الملعب وغائب عن المسجد، هذا بطل لكن إلى النار -والعياذ بالله- نريد البطل صاحب العضلات في الملعب أن يكون صاحب وقوف بين يدي الله في بيوت الله -في المساجد- وفي التراويح وقيام الليل. هذا -أيها الإخوة- المفهوم الثاني.

    المفهوم الثالث: مفهوم الناس لرمضان أنه شهر النوم، ولذلك فأكثر الناس يطلبون إجازاتهم في رمضان، لماذا؟ قال: يا شيخ: نريد أن ننام من بعد الفجر إلى المغرب! فينام .. هذا الذي لا يصلي، أما الذي يصلي فإنه يقوم ليصلي الظهر ثم يرجع لينام، ويصلي العصر ثم يرجع لينام، متى صمت؟ هل يحس الصائم بألم الصوم؟ هل يعاني من الجوع؟ لا؛ لأن الصائم إذا تحرك وعمل فإن الطعام يحترق، لكن إذا نمت فإنك لا تحس بالجوع، ويبقى الطعام مكانه، ولهذا يقوم الواحد مع المغرب ومازال سحوره في بطنه ولم يذهب منه إلا القليل، وأيضاً يكوم مع الفطور، لماذا؟ كان صائماً لكنه كان نائماً، فالنهار نوم، والليل سهر وأكل .. وبهذا ضاع رمضان في هذه المفاهيم، فنريد -أيها الإخوة- تغيير هذه المفاهيم بأمور:

    أولاً: العمل في رمضان، فليس هناك مانع أن تجعل إجازتك في غير رمضان، لماذا؟ لأن ساعات الدوام في رمضان قليلة.

    ثانياً: خذ إجازتك في وقتها مع الناس.

    ثالثاً: اشتغل واترك النوم والكسل، فالكسل والنوم لا يأتيان بخير، ثم نرشد مسألة الإنفاق ونقيد حرية الطلبات الكثيرة التي تنهال علينا في رمضان ولا نأتي بشيء، إذا أتت المرأة وقالت: أحضر لنا علبة شربة، لا تأت بكرتون، لماذا تحدث أزمة في السوق؟ لأن الأزمات تأتي من جراء تكديس هذه النعم .. خذ علبة، فلن تطير العلب الموجودة في السوق، وإذا انتهت الشربة ولم تجد شربة فليست أمراً ضرورياً، فقد صام الناس من عهد محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بدون شربة، إذ ليست الشربة والسنبوسة ركناً من أركان الصيام، ولو أنك أفطرت على تمرة فهو أفضل، أما ترون أنكم تفطرون في الحرم على تمرات وعلى ماء زمزم، ويخرج الشخص شبعان لا يريد شيئاً؛ لكن نأكل ليس من جوع ولكن مكرهين -بالتشهي بالطعام- فنرشد الأكل -أيها الإخوة- وننفق في سبيل الله سبحانه وتعالى، ونضع قائمة في أول الشهر بالمساكين والفقراء القريبين منا في حينا، ثم نذهب إلى الأسواق ونشتري لكل بيت مجموعة من الأطعمة مكونة من صندوق شاي، وكيس سكر، وكيس أرز، وتشتري لهم طلبات وتوصي لأهل البيت، هذا هو الرجل الكريم، وهذا هو الطلب العظيم، لماذا؟ لأنك تفطر الصائمين، (من فطر صائماً كان له من الأجر مثل أجره دون أن ينقص من أجر الصائم شيئاً)

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في شعبان، وأن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، كما نسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء، ونسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ لنا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    خطورة ترك الصلاة

    السؤال: أنا شاب من الشباب المتهاونين بالصلاة، وأحيانا تمر علي أيام ولا أصلي، وأحس بضيق في صدري خصوصاً عند المغرب وعند الصباح، وسألت رجلاً فقال لي: إن سبب ذلك هو قلة الدين، ولأنك لا تداوم على الصلاة، ولكن قال: إذا أردت أن يذهب الله همك فداوم على الصلاة في أوقاتها، ولكن كلما تذكرت ذنوبي يزيد همي، ويزيد بعدي عن الله سبحانه وتعالى؛ لأنني كنت على خطر وأعمل المعاصي، فأرجو توجيهي إلى الطريق؟

    الجواب: بلا شك أن تركك للصلاة معناه الكفر والخروج من الملة، وأنت مستحق للعذاب، وكذلك مستحق للعنة الله ورسوله؛ لأنه ليس بين المسلم وبين الكافر فرق إلا ترك الصلاة، يقول عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ويقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).

    وهذا الذي أرشدك ودلك رجل صالح، فقد أرشدك إلى الطريق الصحيح.

    وسبب ما بك من قلق وضيق هو بسبب بعدك عن الله؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طـه:124] أي: عن ديني فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طـه:124] فأنت تشعر بالهم والغم، لماذا؟ لأنك بعيد عن الله، وبعض الناس يشعر بالهم والغم لبعده عن الله، فيداويها بالداء، فيذهب ليغني أكثر، ويزني أكثر، ويسهر أكثر، يقول: أريد أن أرتاح! لا. أنت تريد أن تكحلها فتعميها.

    فإذا أردت أن يذهب الله ما في قلبك فلا تعمل المعاصي، لكن تب إلى الله، فر إلى ربك، عد إلى الله، اقرأ كتاب الله، تب إلى مولاك، صل في المسجد يذهب الله ما في قلبك، لماذا؟ لأن الله يشرح صدرك بالقرآن، يشرح صدرك بالدين الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد:28].. أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22].. فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125].

    فيا أخي في الله! تب إلى الله، يا صاحب السؤال! تب إلى الله من هذه اللحظة، وارجع إلى مولاك، وأعلن التوبة بين يدي خالقك، وتمسك بالطاعة وتب إلى الله واترك المعاصي، واستغل فرصة وجودك في هذه الأيام المباركة مع قدوم شهر رمضان لتبدأ صفحة جديدة مع الله سبحانه وتعالى، وأبشر بالتوفيق والنور والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.

    الاستعداد للامتحان أولى من حضور الدروس في المساجد

    السؤال: أنا طالب في إحدى المراحل الدراسية، وعندما أسمع بمحاضرة ستقام في أحد المساجد أحضرها وأترك المذاكرة أيام الاختبارات، فهل هذا طريق صحيح؟

    الجواب: الواجبات إذا تزاحمت عند أهل العلم يقدم الواجب الأهم الذي لا يقبل التأجيل، عندك غداً امتحان وعندك الليلة درس علمي، كلها واجب، فطلب العلم واجب، والامتحان واجب؛ لأنك في طلب مراحل العلم، تأخير الدرس العلمي، أو تأخير الامتحان؟

    الدرس العلمي يسجل، وتستطيع شراءه من السوق بخمسة ريالات، ولكن الامتحان لا يتأجل من أجل خاطرك؛ لأنك كنت في الدرس العلمي، وهذا ليس بصحيح.

    الصحيح أن تؤجل حضورك للدرس وتذهب للمذاكرة إذا كان وقت الدرس ستقضيه في المذاكرة، أما إذا كنت سوف تقضيه في السوق فالدرس أولى؛ لأن بعضهم لا يذاكر ولا يحضر الدرس، فيضيعها كلها، أما إذا كان بإمكانك أن تجمع بين الأمرين بحيث تنظم وقتك، فتقول: سوف أذاكر من بعد الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء للدرس، وبعد العشاء إلى الساعة العاشرة للمذاكرة، ثم أنام، وإذا كان عندك إمكانية للجمع بين الأمرين فهذا خير؛ لأنك جمعت بين الواجبين، وأما إذا تعارض الواجبان فخذ بالواجب الذي لا يقبل التأجيل وهو الامتحان.

    وأسأل الله لي ولك ولجميع أنبائنا التوفيق والنجاح في امتحانات الدنيا والآخرة.

    أهمية تنظيم الجلوس أثناء الدروس

    السؤال: يقول: أرجو لفت الأنظار لإخواننا الحاضرين في المجالس العلمية لما يحصل منهم من التزاحم والقرب من المحاضر عند بدء المحاضرة مما يؤدي إلى ازدحام المصلين في صلاة العشاء.

    الجواب: هذا الأمر حقيقة -أيها الإخوة- يحدث، والأولى أن يلزم كل إنسان مكانه أثناء صلاة المغرب، فإذا بدأت المحاضرة فإن الميكرفونات موجودة، والصوت واسع، وبإمكان أي واحد في المسجد أن يسمع، فلا داعي للاقتراب؛ ولأنه: إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فلا مانع أن يقترب المستمع حال المحاضرة، لكن إذا أقيمت الصلاة فليرجع إلى مكانه ولا يحدث مشكلة في الصف، فإذا صليت المغرب في الصف الأخير، وأذن للعشاء فارجع مكانك، وبعض الناس لا يقومون إلا عندما تقام الصلاة، فعندما يرجعون إلى أماكنهم يحصل زحام لأهل الصف الأول، فيحصل بهذا ضرر عليهم وإيذاء، والله عز وجل قد نهى عن الضرر، ونهى عن إيذاء المسلم.

    حكم تغطية يدي المرأة ورجليها أثناء الصلاة

    السؤال: هذه أخت في الله، تقول: أرجو توجيه كلمة للأخوات بخصوص تغطية أيديهن وأرجلهن في الصلاة.

    الجواب: المرأة في الصلاة كلها عورة إلا وجهها، أي: إذا صلت المرأة في بيتها في غرفتها وليس معها أحد -لا يراها أحد إلا الله- فإنها كلها عورة إلا وجهها، فلا ينبغي أن يبدو من المرأة إذا قامت إلى الصلاة شيء إلا الوجه فقط، وإذا صلت المرأة ورجلها مكشوفة فقد كشفت عورتها، وستر العورة شرط من شروط الصلاة، والذي يكشف عورته في الصلاة فصلاته غير صحيحة؛ لأن حدود عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وحدود عورة المرأة.. المرأة كلها عورة إلا في الصلاة إذا لم يرها أجنبي، أما إذا رآها أجنبي فكلها عورة حتى وجهها. لكن هناك تساهل كبير في النساء، تأتي المرأة لتصلي وترى يدها ورجلها عارية، ورأسها عارياً، ثم تصلي كأنها في المعرض، قالت: لا يوجد أحد ينظر إلي! لا أحد ينظر إليك؟! لكنك بين يدي الله! أنت في الحضرة الربانية .. وقفت بين يدي الله عز وجل، ومطلوب منك أن تتستري .. ماذا تتستر به؟ تأخذ درعاً، أو شرشف صلاة .. يفصل لهذا الغرض، ويكون كبيراً، وساتراً، يغطيها كلها، ويزيد على يديها ورجليها، بحيث تكون وهي تصلي -كأنها خيمة- لا يُرى منها شيء .. هذه هي المرأة المؤمنة، أما تلك التي تصلي على هواها وأرجلها ظاهرة، فإن صلاتها غير صحيحة، وبالتالي تكون آثمة -والعياذ بالله-.

    حكم لبس الخاتم للرجال

    السؤال: قلت في بعض المحاضرات: إن لبس الخاتم للرجال منهي عنه؛ لأنه من صفات النساء، فنرجو مراجعة المسألة.

    الجواب: طبعاً الخاتم للرجل مباح في حالة وبنوع معين، وقد جاء في الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده خاتم من ذهب، فنهاه عنه، قال: (ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة) فذهب الرجل وغيره بخاتم من حديد، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار) لأن حلية أهل النار الحديد، فذهب الرجل وغيره بخاتم من صفر، فجاء فقال: (ما لي أرى عليك ريح الأوثان) لأن الأوثان كانت تحلى بالصفر، قال: (يا رسول الله! إنه لا بد لي من خاتم، أنا رجل صاحب أعمال -رجل أعمال- ولي مكاتبات، ولا تقبل المكاتبات إلا بالختم، قال: اتخذه من فضه ولا تتمه مثقالاً) المثقال في الوزن يوازي أربعة جرامات، فأباح الشرع للرجل الذي يضطر إلى الخاتم أن يكون عنده ختم وفيه اسمه كأن يكون قاضياً، أو ملكاً، أو تاجراً لا تقبل منه المعاملات إلا بختمه فيباح له أن يتخذ خاتماً، ولكن يجب أن يكون من يسير الفضة فلا يكون أربعة جرامات، بل أقل منها، ولا تتم مثقالاً، أما إذا كان الغرض من الخاتم هو الزينة مثلما نرى بعض الناس الآن، نقول له: لا. لماذا؟ لأن زينة الرجل ليست في الخواتم. زينة الرجل في المروءة والشهامة والشجاعة والرجولة، أما المرأة فزينتها في أصابعها؛ لأنها امرأة، والله تعالى جعلها حلية للنساء، لكي تظهر أمام الزوج بالمظهر اللائق، يقول الله عز وجل: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18] المرأة في الخصام تختفي ولا تظهر -أي: إذا دخل عليك البيت من يريد أن يسرق أو يريد أن يفعل شيئاً، من الذي يخرج، أنت أم المرأة؟ هل تقول لها: انظري من هو، أو اخرجي عليه، لا. بل هي التي تقول: اخرج أنت، لماذا؟ لأنك أنت الرجل، وهذا هو المطلوب منك.

    طيب .. إذا خرجت على الرجل ويداك مليئة بالخواتم، والسلاسل على رقبتك، هل يخاف منك؟ لا. سيقول: ربما هذه هي المرأة!

    مثل بعض الإخوة يقول: إنه رأى ناساً من هؤلاء الذين يسمون أنفسهم: الجنس الثالث، رجال وليسوا برجال، لا يريدون أن يكونوا رجالاً، والله خلقهم رجالاً لكن يريدون أن يكونوا نساء، فتأنثوا كالنساء -والعياذ بالله- خرجوا مرة، يقول لي: إلى الصحراء من أجل أن يذبحوا، ولما أتوا يريدون أن يذبحوا الكبش ما استطاعوا أن يذبحوه، فرأوا أناساً جالسين فجاءوا عندهم فقالوا: هل عندكم شخص يذبح لنا؟ أليس عندكم سفاح؟ يسمون الذباح سفاحاً، قال: وماذا تريدون منه؟ قالوا: يذبح لنا الخروف، قال: ألم تذبحوه؟ قالوا: لا والله، نحن (نقبصه) من الصباح فلم يمت! قام شخص (نشمي) قال: أنا سأذبحه، فكبر عليه وذبحه ورجع، فأتوا إليه قائلين: هل عندكم أحد يقشره -يقشره يعني يسلخه، يحسبونه برتقالة تقشر- ما هذا؟ هل هؤلاء رجال؟ لا حول ولا قوة إلا بالله!

    والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.