إسلام ويب

ميزانية نهاية العامللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأيام والشهور والأعوام، تمر علينا فماذا قدمنا لأنفسنا؟ هل قمنا بمحاسبتها؟ هل حافظنا على رأس المال، من الأعمال الصالحة؟ هل قمنا بمراجعة الحسابات؟ ومراجعة الربح والخسارة؟ إننا لنهتم بترتيب أوضاعنا الدنيوية، بينما الأوضاع الأخروية أهملناها. فيا أخي! اعمل لنفسك جدولاً زمنياً تحاسب نفسك فيه، وتحصي أعمالك خيرها وشرها، لتسلك طرق النجاة، وتتجنب سبل الهلاك.

    1.   

    محاسبة النفس وتصحيح مسارها

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله: في هذا اليوم الثلاثاء: الموافق للثاني من شهر محرم من عام: (1411هـ) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وفي جامع الذياب بحي السُلَي بمدينة الرياض ، وبالأمس ودَّعنا عاماً من أعمارنا، وطَوَينا صفحةً من صفحات حياتنا، ودَّعناه بما استودعناه من عمل، وكما مر هذا العام والأعوام التي قبله ستمُر بقية الأعوام من أعمارنا، وسيجد الإنسان نفسه يوماً من الأيام، وهو يقف في المحطة الأخيرة من رحلة هذه الحياة، وسينزل نزولاً إجبارياً، وسيتم التعامل معه على ضوء تعامله هنا، فمن أحسن هنا لقي إحسانه هناك، ومن أساء هنا لقي إساءته هناك، يقول عز وجل: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] ويقـول عز وجل: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90] ماذا تتوقع أن تُجْزى عليه إلا عملك؟! هل تتوقع أن يعطيك الله عملَ غيرِك؟! أو أن يضع الله سيئاتك في موازين غيرك؟! لا والله، لا يظلم ربك مثقال ذرة، يقول عز وجل: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] تنكشف أوراق الإنسان وحساباته، ويجد كل شيء، والله لا يظلمك الله شيئاً.

    يقول الله عز وجل: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُـوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] هذا تحذير في ذلك تتمنى أن يجعل الله بينك وبين سيئاتك أمداً بعيداً، لكن من الآن اجعل بينك وبينها أمداً بعيداً، أما أن تجعلها ملازمة لك، وملاصقة لك، فتعايش المعاصي والسيئات بالليل والنهار فسوف تعايشك السيئات في النار، أما إذا جعلت بينك وبينها الآن حجاباً مستوراً من طاعة الله، وجعلت بينك وبينها عوازل وموانع من تقوى الله؛ جَعَلَ الله بينك وبين النار عوازل وموانع وأسكنك الجنة.

    وبين عامٍ يمضي وآخر يحل فترةٌ من الزمان نطويها اسمها: العمر، وتنقص أعمارنا بمقدار ما يمر من أعوامنا، أنت مجموعة أيام، وكل يوم يمشي ينقص بعضك إلى أن تنتهي، مَثَلُك مَثَلُ التقويم المعلَّق على الجدار، في أول العام الدراسي أو العام الهجري تجده سميناً مليئاً بالأوراق، ثلاثمائة وستين ورقة؛ ولكن في مغرب كل يوم تنزع ورقة، وتمشي الأيام، ولا ننتبه إلا والتقويم لم يبق منه إلا اللوح فقط.

    وكذلك أنت! كل يوم تنزع ورقة من عمرك، وسيأتي عليك يوم لا يبقى منك إلا اللوح، ما هو اللوح؟! جثتك، واللوح ماذا يُفْعَل به فيما بعد؟! يُرْمَى ويهمل، وأنت يوم أن تنتهي أيامك وتنتهي ساعاتك ولحظاتك في هذه الحياة، تُرْمى وتقذف في المقبرة، وترتفع روحُك إما إلى علِّيِّين، أو تُسْقَط وتُهْبَط وتُدَنَّس وتُسَجن في سجِّين.

    يقول عز وجل: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18] -جعلنا الله وإياكم من الأبرار- كلمة أبرار تحمل معاني البر والصفاء، وتحمل معاني القرب من الله، رجلٌ بارٌّ، رجلٌ برٌّ: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ [المطففين:18-19] تعظيم وتفخيم لعلِّيِّين: كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:20-21] كتابٌ مرقومٌ يشهدُه المقربون مِن الملائكة، وماذا في هذا الكتاب؟! يقول الله:

    إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [المطففين:22] هذا هو المكتوب في الكتاب: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين:22-24] كما كانت في وجوههم نضرة الإيمان، ونضرة البهاء والصلاح، ونضرة الخوف والمراقبة، فأيضاً يوم القيامة: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين:24].

    أما أولئك -والعياذ بالله- الذين غفلوا، ومرت الأعمار عليهم هكذا سراعاً وراء بعضها دون تأمل ولا مراجعة، ولا وقفة ولا محاسبة، فيقول الله فيهم: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:7-9] ماذا في الكتاب؟! وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين:10] نعوذ بالله وإياكم من ويل، ومن عذاب الله عز وجل.

    فنحن نمتطي مطايا الليل والنهار، فهذه الأيام مطايا ونحن ركوب على ظهورها، وننزل من مطية الليل إلى مطية النهار، ونفرح بدوران الشهر من أجل أن نستلم الراتب، أحب الأيام إلينا أيام: (28) و(29) و(30)، وأسوأ الأيام إلينا أيام: (4) و(5) و(6)، نبيع أعمارنا برواتبنا، والأيام والليالي تسير بنا ونحن لا ندري، لا نستطيع أن نقف على عجلة الزمان أو نوقفها عند نقطة معينة، بل تسير بنا الأيام ونحن لا ندري، ولا مجال للتريُّث، ولا معنى للانتظار، فإن الزمان لا ينتظر أحداً، ولا يتريَّث لأحد، يروي الإمام مسلم حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ضرورة السرعة في العمل الصالح مع الله، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، وبسط اليد بالليل والنهار دليلُ استعجال، أي: بسرعة تُبْ إلى الله، ما دمتَ أسأت في الليل فإن الله بسط يده لك من أجل أن تتوب؛ لأنك مسيء؛ هذا فيه عملية حث، عملية شحذ للهمم وأنك تسير ولا تدري ما المصير الذي تصير إليه، فلا بد أن تتنبه وأن تكون عاقلاً، لا تسِرْ مع الذين يعيشون بعقلية البهائم، ولا همَّ لهم إلا هذه الدنيا، ولا ينتبهون إلا وهم يَقْتَحِمون ويُقْذَفون ويُدَعُّون على رءوسهم إلى النار وهناك يقولون:

    يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66].. يَا وَيْلَتَى [الفرقان:28].. لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27].

    يقول الظالم: رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] لماذا؟ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ... [المؤمنون:100] حسناً! لماذا كنت غافلاً؟! من الذي أخرك؟! يقول الله: ... كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    فكل تأخير -يا أخي في الله- في إنقاذ نفسك وتصحيح مسارك لا يعني إلا تعريضك لمزيد من الخسارة، وتعريضك لنهاية المصير والانحدار والدمار، وما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم وضعه مع الله بين الحين والحين! وأن يُرْسِل نظرات ناقدة في جوانب نفسه ليتعرف على عيوبها وأخطائها، ويرسم السياسات القصيرة والعاجلة للتخلص من الأخطاء والخطايا!

    يا أيها الإخوة في الله: في كل بضعة أيام ينظر أحدنا إلى مكتبه، ويعيد ترتيب أوراقه، فيقضي على الفوضى التي حلت على المكتب من قصاصات متناثرة، وسِجِلات مبعثرة، وأوراق أدت غرضها، ويقوم بترتيب كل شيء، ويضع كل شيء في وضعه الصحيح؛ فالمعاملات القابلة للحفظ تُحْفَظ، والمعاملات اللازم تحويلها تُحَوَّل، والأوراق التي لا غرض لها تُمَزَّق وتُهْمَل.

    وفي البيت تصبح الغرف والحجرات غير مرتبة ومتناثرة، فإذا بأيدي الإصلاح تتدخل من الزوجة أو الخادمة وتجول هنا وهناك، وتنظف الأثاث المُغْبَر، وتطرد القمامة الزائدة، وتعيد كل شيء إلى مكانه ونظامه.

    بل ثوبك الذي على جلدك تراجعه كل ثلاثة أيام؛ لتزيل ما عَلِق به من أوساخ وأقذار، ولتلبس ثوباً جديداً تستطيع أن تعيش به بين الناس.

    أيها الإخوة في الله: ألا تستحق حياة الإنسان منا مثل هذا الجهد؟!

    ألا تستحق نفسك أن تتعهدها بين الحين والحين؛ لترى ما لحق بها من اضطراب فتزيله، وما تعرضت له من إثم فتنفيه، مثلما تنفي القمامة من ساحات منزلك وبيتك؟!

    ألا تستحق النفس أيها الإخوة! -بعد كل مرحلة تقطعها من مراحل الحياة- أن نعيد النظر فيما أصابها من غُنْم أو خسارة، وأن نرجع إليها، وأن نعيد إليها توازنها، وأن نعيد بناءها وترتيبها. فالنفس تحتاج إلى توازن مثل السيارة؛ فالسيارة تمشي في الطرق المعبَّدة والعادية سليمة؛ لكن إذا مشيت بها على مَطَبٍّ فإنها تَرتجُّ، وبالتالي تحتاج إلى ميزان، فتذهب بها إلى الجهاز من أجل أن توزن عجلات السيارة.

    أنت الآن تعيش وتقع في مطبات، ونفسك ترتج بالأزمات، وتهتز بالفتن والمشكلات، وهي في عراك دائب على ظهر هذه الحياة.

    إجراء الإصلاحات ومعالجة العلل والآفات

    إن الإنسان -أيها الإخوة والله الذي لا إله إلا هو- لَهُو أحوج ما يكون إلى التنقيب والتفتيش في أرجاء نفسه، وتَعَهُّد حياته، وإجراء الصيانات لها من العلل والأمراض والآفات. ما السبب؟!

    السبب أن الإنسان قلَّما يبقى متماسكاً، فلا بد له من تثبيت، السيارة التي تمشي دائماً في المطبات تتخلخل وتتحلل مساميرها (وصواميلها) وتحتاج منك أن تجري لها بين فترة وأخرى إعادة تثبيت وتوازن وفحص دوري لتَفَقُّد أجزائها، ونحن واقعيون مع سياراتنا، فلا يمكنك أن تجدد الاستمارة حتى تفحص السيارة.

    لكن هل فحصنا قلوبنا؟!

    هل فحصنا جوارحنا؟!

    هل أعدنا التدقيق مع أنفسنا؟!

    نفحص أجسادنا، ونجري فحصاً كاملاً للجسم: فحصٌ للعينين؛ وهل هي سليمة!

    فحصٌ للرئتين؛ ومدى قوة التهوية فيهما!

    فحصٌ للكبد.

    فحصٌ للأمعاء.

    لكن القلوب التي في الصدور لم نجرِ لها فحصاً!

    إن حِدَّة الاحتكاك، وضغط الشبهات، وضروب الشهوات تؤثر في النفس، فإذا غفل الإنسان عن نفسه، وترك عوامل الهدم تنال منها، فسوف تقضي عليه لا محالة، وينفرط عليه أمره، ويكون شأنه كمن قال الله فيه: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] فكثير من الناس الآن أمره فُرُطٌ؛ لماذا؟! لأنه غافل عن الله، والله يقول قبل هذا: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] ينفرط عليه دينه فلا يجمعه، يضيع صلاته، يضيع عقيدته، يضيع الزكاة، وإذا قلت له: الصلاة!

    قال: يا شيخ، نحن مشغولون!

    - الزكاة!

    - يا رجل -الله يهديك- أنت ما زلت تريد زكاةً، الناس عندهم (مليارات)، ونحن ماذا عندنا؟ نحن ليس معنا شيء!

    - والحج!

    يقول: الحج زحمة، وحَرٌّ هذه السنة.

    - والعمرة!

    يقول: العمرة، نحن قد أدينا، العمرة تكفي مرة.

    - والصوم!

    - الله المستعان!

    - ويذهب ليصوم في ( كازابلانكا )، أو في ( تايلاند )، ويحج، ويأتي بعمرة! لا إله إلا الله! فهذا مفرط!

    اليوم وأنا في الفندق نائم ضرب الجرس عليَّ شخص، وأنا في ساعة استغراق النوم، الساعة الثالثة، وهو أحسن وقت، وإذا بالهاتف يدق، قال: ألوه.

    قلت: نعم.

    قال: طائرة (بومباي) متى تقلع؟

    قلت: من تريد أنت؟!

    قال: الخطوط السعودية؟!

    قلت: لا يا رجل، أنا في الفندق، أين تريد أنت؟!

    قال: أريد ( بومباي ) .

    قلت: لماذا؟! ماذا في ( بومباي )؟! تريد عمرة؟! تحج؟!

    قال: لا. فقط نوسِّع الخاطر.

    قلت: والله تضيِّق الخاطر أيها الأخ! والله يضِيْق فكرك وبالك بمعصية الله، وغضب الله وسخطه، هناك ذنوبٌ وآثامٌ حماك الله منها، وتحجز بالطائرة من أجل أن تذهب لتتمتع وتراها وتوسِّع البال.

    الله أكبر! كيف يتَّسع فكر مسلمي هذا الزمان بمعصية الله؟!

    إن القلوب تنعكس، والنفوس تنقلب حين ترى أن معصية الله توسيعٌ للبال! إنا لله وإنا إليه راجعون!

    فرح الله بتوبة عبده

    يا أخي المسلم: يا أخي في الله! وقفةٌ مع النفس مع بداية هذا العام الجديد، وقفةٌ صادقة جادة تصحح المسار، وتزيل الأخطاء، وترجع إلى الطريق الصحيح، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولا تعتذر يا أخي بكثرة خطاياك، فلو كانت كزبد البحر ما بالى الله بها، إذا اتجهت إليه قصداً، وإذا انطلقت إليه ركضاً، إن الخطأ القديم لا يجوز أن يكون عائقاً أمام التوبة الصادقة، يقول ربنا عز وجل -وهو يخاطب أصحاب الأخطاء الكبيرة، المسرفين على أنفسهم، يقول فيهم ويدعوهم بدعاء وبنداء العبودية ويتحبب لهم- في سورة الزمر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... [الزمر:53] أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والخطايا. ... لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] إذاً: ماذا نعمل؟ قال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:54-55] ما هو العذاب الذي يأتيك بغتة إذا كنت عاصياً؟

    إنه الموت، هل يرسل الموت إنذارات قبل أن يأتي؟!

    لا. بل يركب الرجل منا سيارته ولا ينزلونه منها إلا ميتاً.

    ويلبـس ثوبه ولا يَخْـلَعُ ثوبه هو، بل يُقَطَّع ثوبُه من عند أزراره، إي نعم هذا معناه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى ... [الزمر:56-59] اسمعوا هنا! بلى للإضراب، بلى أنت كذاب أيها العبد: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:59] لا تكن المعاصي عائقةً، فتقول: والله، أنا كثير الذنوب. فإذا كنتَ كثير الذنوب؟! إذاً: فالله كثير المغفرة. تقول: ذنوبي عظيمة؟! فالله مغفرته أعظم من ذنوبك، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم لقيت الله مستغفراً غفر الله لك، لو كانت ذنوبك كزبد البحر، أو كعدد الرمل، أو كعدد قطر السماء، فرحمة الله أوسع: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] فقط حوِّل (الموجة)، هذا الذي نريده منك، الماضي هذا كله يغفره الله لك، بتبعاته ومسئولياته وما فيه من أخطاء، كلها يبدلها الله لك حسنات، فهل يوجد أعظم من هذا يا أخي؟! أي فضل أعظم من هذا! إذا غفر الله لك فهذه كرامة؛ لكن كونه يغفر لك وتكون عليك (مليون) سيئة، فيحولها الله لك (مليونَي) حسنة، فهذا فضلٌ لا يضيعه إلا خاسر لا خير فيه، والعياذ بالله.

    وأيضاً: مع أن الله يغفر لك يفرح بك! ففي الحديث الذي في صحيح البخاري يقول عليه الصلاة والسلام: (لَلَّهُ أشد فَرَحاً بتوبة عبده من رجل كان في فلاة -مسافر- ومعه راحلته، وعليها زاده وماؤه، فضلت عنه، وبحث عنها فلم يجدها، فلما يئس منها استسلم للموت، وأتى إلى تحت شجرة، وانطرح تحتها ينتظر الموت -انتهى! ليس من وسيلة للنجاة!- وبينما هو نائم ينتظر الموت إذا بناقته تعود وتقف بين يديه، فلما فتح عينيه وجدها -ما معنى هذا؟! معناه أنه وجد الحياة- قام فَرِحاً وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، لم يعرف أن يتكلم؛ لأنه كان موقناً بالموت والهلاك، والآن أعاد الله له وسائل الحياة، فأخطأ من شدة الفرح.

    فاللهُ يا أخي يفرح بتوبتك أعظم من فرحة هذا الرجل بعودة ناقته!

    أفلا تُفْرِح ربك؟!

    ألا تريد أن يفرح ربك بك يا أخي؟!

    تريد الشيطانَ عدوك أن يفرح بك، لتكون عبداً وحماراً له، يركب على ظهرك ورقبتك، ويسوقك إلى جهنم، ثم يقذفك فيها، ثم يتخلى عنك في النار ويقول: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22] ما أخذتك بكتاب ولا بعصا: إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22]* فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم:22] خزي والله أعظم خزي!

    أيُّ مجد وأيُّ عَظَمَة أعظم من أن يفرح بك ربُّك، ويكرمك ويحفظك في الدنيا، ثم يدخلك الجنة في الآخرة؟

    أخي في الله: ألا يُبْهِرك هذا الترحيب، وهذه الفرحة من ربك؟! أترى سروراً أو فرحةً تعدِل هذه البهجة الخالصة من الله عز وجل؟!

    متطلبات العودة إلى الله

    يا أخي في الله: إن تصحيح وضعك بعد إجراء المحاسبة، هو تجديد لحياتك، ونقلة حضارية حاسمة لتغير معالم نفسك، وذلك لا يعني أن تدخل أعمالاً صالحة وسط جملة ضخمة من العادات القبيحة، والتصرفات والأخلاق السيئة، فهذا خلط وتغشيش لا يصلح.

    إن العودة تتطلب منك أن تعيد ترتيب حياتك كلها، وأن تستأنف مع ربك علاقةً كاملة أفضل، وعملاً أكمل، وعهداً، وعقيدةً، وهو يدعوك سبحانه وتعالى إلى هذا في سيد الاستغفار؛ ففي صحيح البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، خلقتَني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

    إن العودة إلى الله تقتضي أن تعيد تنظيم حياتك كلها، وتُجْري تغييراً كاملاً:

    تغييراً للشريط الذي كنت تسمعه!

    وتغييراً للمجلة التي كنت تشتريها!

    وتغييراً لطريقة النوم!

    وتغييراً لوقت النوم!

    وتغييراً لوقت الاستيقاظ!

    وتغييراً للزملاء والأصدقاء!

    وتغييراً لمواعيد الدوام؛ كنتَ تأتي الساعة التاسعة؛ لكن عندما التزمتَ لا تأتي السابعة والنصف إلا وأنت على المكتب؛ لأنك تريد أن تأكل حلالاً!

    وتغييراً لأسلوب العمل؛ كنتَ تدخل وأنت تنفخ، وتصيح على الموظفين والمراجعين؛ لكن لما التزمتَ أصبحت تدخل مبتسماً؛ لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة، ولأنك لا تحقر من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.

    وتغييراً في أسلوب أدائك لعملك؛ كنت من قبل تتنصل عن المعاملات، وتمشِّي الأوراق، وتزيحها، وتمرِّرها، يعني: فقط تتخلص، لكن لَمَّا صرتَ ملتزماً ومسلماً لا تنهي معاملة إلا بعد ضبطها (100 %)، تبحثها من أول ورقة إلى آخر ورقة، لماذا؟! لأنك تغيرت تغيراً كاملاً!

    وتغييراً لعينيك؛ إلى أين كانت تنظر؟!

    وتغييراً لأذنيك؛ ماذا كانت تسمع؟!

    وتغييراً للسانك؛ بِمَ كان يَهْرِف ولا يعرف؟!

    وتغييراً لبطنك؛ ماذا كان يأكل؟!

    وتغييراً لفرجك؛ أين كان يقع؟!

    وتغييراً ليديك!

    وتغييراً لقلبك!

    وتغييراً لكل شيء في حياتك!

    لماذا؟

    لأنك راجعتَ نفسك، وجدَّدتَ حياتك.

    1.   

    أهمية المحاسبة ومعرفة الربح والخسارة

    أيها الإخوة: إننا واقعيون مع كل شيء في حياتنا إلا مع أنفسنا، فما من عمل إلا وله حساب يتقنه، ويعرف مدخله ومخرجه، وربحه وخسارته، بدءاً بالفرد، ومروراً بالمؤسسة والإدارة والوزارة، وانتهاءً بالدولة؛ هناك ميزانيات سنوية، وسنة مالية، يعرف فيها كل إنسان مركزه المالي، وربحه وخسارته.

    وكذلك لا بد من سنة مالية إيمانية لك أيها الأخ، تعرف فيها خسارتك وربحك مع الله عز وجل.

    وموضوع المحاضرة هو: ميزانية نهاية العام، سوف نضع الآن ميزانية للمدخلات والمخرجات، للأرباح والخسائر، للمعاصي والطاعات؛ لنعرف مركزنا الإيماني:

    أين نحن من الله؟!

    أنحن من أهل البر؟! أم نحن من أهل الإثم؟!

    أنحن من أهل الجنة؟! أم من أهل النار؟!

    هل فكر أحدنا أن يمسك قلماً ودفتراً، ويسجل فيه ما يفعله، ويعرف بين الحين والآخر رصيده من الخير والشر، لو أننا نخبط في هذه الدنيا خبط عشواء، ونتصرف دون معقِّبٍ أو محاسِبٍ أو رقيب، لجاز لنا أن نبعثر حياتنا كما يبعثر السفيه ماله؛ ولكن كيف نبعثر أيامنا! وكيف نضيع شهورنا وأعوامنا! والله قد حفظ ودوَّن علينا مثاقيل الذر، وأعد قوائم الحساب الطويل؟!

    يقول الله عز وجل: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].

    ويقول عز وجل: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29] كل شيء أنت تعمله تكتبه الملائكة، أنت تُملي وهي تكتب، وكل يوم يكتمل تكتمل معه صفحته، فإذا اكتملت السنة اكتمل السِّجِل، وإذا اكتمل العمر حوِّل إلى الآخرة بسِجِلَّاته، فتأتي فتحملها، قال الله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31] ترد على الآخرة ومعك سجلاتك، إما بيضاء فيبيِّض الله وجهك، أو سوداء فيسوِّد الله وجه البعيد والعياذ بالله.

    يقول ربنا عز وجل: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * مَنِ اهْتَدَى ... [الإسراء:13-15] الهداية لِمَنْ؟ ... فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ ... [الإسراء:15] عندما تضل هل ستضل الناس؟! لا. بل تضل نفسك وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15].

    أليس الأجدر بنا والأولى أن نستكشف نحن هذا الإحصاء والحساب؟!

    إذا كان عندك رصيد في أي بنك أو في أي مكان، فإنك في كل يومين أو ثلاثة أيام تقول: أعطوني كشف الحساب

    لماذا؟!

    لأعرف كم ذَهَبَ! وكم بَقِي!

    حسناً، وكشف حسابك مع الله:

    ألا تريد أن تعرف كم ذَهَبَ، وكم بَقِي؟!

    ألا تريد أن تعرف كم ربحك، وكم خسارتك؟!

    تريد أن تعيش هكذا ضائعاً، حتى تفاجأ وإذا بالأرصدة كلها ديون على ظهرك!

    مَن أكل ولم يدرِ افتقر وهو لا يدري، نحن نُجْري موازنة على شكل مبسط في بيوتنا، كل واحد منا يعمل موازنة شهرية، في يوميْ (28) و(29) ينظر فيهما كم بقي من الراتب، فإذا كان الذي بقي (20) أو (30)، أو (100) فإنها تكفيك حتى آخر اليوم.

    ولكن ما هي المشروعات المستقبلية في الشهر الآتي؟! كم تصرف؟

    الراتب (4000) ريال:

    (1000) ريال تصرفه.

    و(1000) ريال لقسط السيارة.

    و(1000) ريال لقسط الأرضية.

    و(1000) ريال توفره.

    هذه المحاسبة تشبه هذه الميزانية؛ لكن بشكل مبسط.

    إن الأجدر بنا أن نستكشف نحن حساباتنا، وأن نحصي على أنفسنا الذي يخصنا وحدنا، أما ينبغي أن تكون -يا أخي- على بصيرة بمقدار وحقيقة ما تفعل من خطأٍِ أو صواب؟!

    حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا

    أيها الإخوة في الله: إن الانطلاق في هذه الحياة دون اكتراث، والاكتفاء ببعض الأعمال الباردة لهو نذيرُ هلاكٍ وعلامةُ خسارة.

    وإن إهمال النفس، وعدم محاسبتها، والاستغراق في شهواتها، والانغماس في ملذات الحياة، والمنافسة على الحطام الفاني دليلٌ على ضعف الإيمان أو على انعدامه.

    فمحاسبةُ النفس ضرورة تتمشى مع طبيعة هذا الدين، يقول عز وجل وهو ينادي أهل الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ... [الحشر:18] ما معنى هذه الآية؟ يعني: محاسبة وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] حتى لا تقول: أنا والله لم أعلم يا ربِّ، لا. بل اتقِ الله، فالله يعلم ماذا تعمل.

    ثم يحذرك ويقول: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ ... [الحشر:19] هؤلاء هم الضائعون، نسوا الله، فماذا حصل؟! ... فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ... [الحشر:19] يعني: ما حاسبوا أنفسهم وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19].

    ثم بين الله أن هؤلاء لا يستوون مع هؤلاء، فقال عز وجل: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ... [الحشر:20] مَن هم أصحاب الجنة؟! هم الذين حاسبوا أنفسهم، مَن هم أصحاب النار؟! هم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. ... أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20] بِمَ فازوا أيها الإخوة؟! بالمحاسبة.

    ويروي الترمذي حديثاً في السنن وهو حسـن، قال عليـه الصـلاة والسـلام: (الكيِّـس -يعني: الفطن، اللبيب، العاقل، الأريب- من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت -هذا هو الكيِّس- والعاجز مَن أتبع نفسَه هواها، وتمنى على الله الأماني).

    وهناك أثر لـعمر يقول فيه: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على ربكم، وإن قوماً حاسبوا أنفسهم في الدنيا فسَهُل عليهم الحساب يوم القيامة، وإن قوماً أهملوا الحساب في الدنيا فشَقَّ عليهم الحساب يوم القيامة].

    والذي يحاسب نفسه الآن في أنظمة المرور، فيراجع دائماً رخصة القيادة ومتى تنتهي، ويراجع رخصة (الاستمارة) ومتى تنتهي، فيجددها، ويراجع علامة (الفحص) الدوري ومتى تنتهي، فيجددها، هذا عندما يمر في الشارع ويجد نقطة مرور وفي هذه اللحظة تقوم بالتفتيش على السيارات، فبمجرد أن ينظر المرور في الرخصة وإذا بها مجدَّدة، والاستمارة مجدَّدة، (والفحص) جديد، ما رأيكم في هذا؟! هل هو مستريح أم غير مستريح، فعندما يرى الناس كلهم واقفين، يمضي ورأسه مرفوع في السماء، فلا يخاف من شيء، وإذا وقف عند العسكري:

    - أين الرخصة؟

    - خذ.

    - أين (الاستمارة)؟

    - تفضل.

    - عجيب! أين الفحص؟

    - انظر، أما تراه أنت؟!

    - يتكلم ورأسه في السماء.

    - لماذا؟!

    - لأنه حاسب نفسه قبل أن يأتي إلى هذا المكان.

    - فماذا يفعل به العسكري؟!

    - غصباً عنه يقول: تفضل.

    - لماذا؟

    - لأنه محاسبٌ لنفسه، ماضٍ في الخط.

    لكن ما ظنكم بشخص رخصته انتهت منذ ثلاث سنوات، (والاستمـارة) من يوم أن أخذها لم يجددها، (والفحـص) الدوري ما زال على ذلك اللون الأصفر من الـ(1408هـ)، قد جاء (1409هـ)، و(1410هـ)، و(1411هـ)، وهو ما زال في (1408هـ)؟! ما رأيكم؟!

    وعندما مرَّ في الخط السريع، وإذا بنقطة المرور تقف هناك، فنظر وقال: أوه! ضرب الفأس في الرأس. بعضهم يقف جانباً وينزل ويذهب ويقول: سأقعد إلى ما بعد العشاء ثم آتي لآخذ السيارة؛ لكن أفراد المرور أذكياء يضعون له قيوداً يقيدون بها سيارته، وإذا رجع إليها فإذا بها مقيدة، فلا يأخذها إلا بأمرهم. وبعضهم يحول ويرجع إلى ورائه كيْلْوَيْن أو ثلاثة من أجل أن يبحث له عن مخرج يخرج منه؛ لكن أفراد المرور أذكياء، لا يقفون عند المكان الذي فيه مخرج، بل يقفون عند مخنق، حتى لا يستطيع أحد أن يفر من عندهم. وبعضهم يقول: والله ورطة؛ لكن الله يخلصنا، لعلنا نخرج من هذا المأزق، بأن يتركنا رجل المرور هذه المرة ويكون طيباً، ويواصل، فإذا وصل عند العسكري ترى السائق وجهه صغيراً، وصوته خافتاً:

    - أين الرخصة؟!

    - حاضر.

    لا يريد أن يخرجها، يريد أن يلهيه قليلاً حتى يقول العسكري: خلفك أناس، هيا اذهب فقط، وفي المرة الأخرى حضِّرها وأخرجها بسرعة، عندما ترى النقطة حضِّر الرخصة.

    ولكن العسكري يقول له: لِمَ لَمْ تحضِّرها؟! ألا تعرف أنا نطالب الناس بالرخص؟!

    فيقول: دعني أَنْظُر.

    فيبحث في جيبه فلا يجدها، فيفتح الدرج فلا يراها:

    يا أخي ...!

    أقول لك شيئاً؟! فيقول العسكري: قف جانباً، قف جانباً، دع غيرك يمشي، ما دام أنه لا رخصة معك فقف جانباً.

    ثم يُضْطَرُّ إلى أن يُخْرِجَ الرخصةَ؛ لأن عدم وجود الرخصة مصيبة ثانية، فالذي ليس معه رخصة مصيبته أعظم من الذي معه رخصة ليست مجدَّدة، ثم يأتي بها إليه، ويقول له: والله أنا آسف يا شيخ، المعذرة، والله لم أستطع أن أجدد الرخصة، كان عندي ظروف.

    لماذا إذاً تهين نفسك؟! لماذا تذل نفسك؟! لماذا لم تجدد رخصتك وتجعل رأسك في السماء؟!

    أيها الإخوة! هذا في الدنيا.

    فكيف بمن لا يراجع نفسه، ويأتي يوم القيامة وليس عنده رخصة سير إلى الله! بل كان يسير إلى النار، وليس عنده (استمارة) توصله إلى الجنة، وليس عنده بطاقة (فحص) دوري لقلبه وإيمانه؟!

    يأتي عند الزبانية فلا يقف ربع ساعة ولا نصف ساعة، بل غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] يقول:

    عِشْ ما بدا لك جاهداً     في ظل شاهقةِ القصورِ

    يُغْدَى عليك بما اشتهيتَ     لدى الرواحِ إلى البكورِ

    فإذا النفوس تَقَعْقَعَتْ     في ضيق حشرجة الصدورِ

    فهناك تعلم موقناً     ما أنت إلا في غرورِ

    إذا بلغت الروح وحَشْرَجَتْ ونَشِبَتْ، فهناك يعرف الإنسان أن هذه الدنيا كلها غرور ومكر وخداع ويقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [الحاقة:25]* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة:26].

    تعويد النفس على فعل الخير وإبعادها عن المؤثرات التي تصرفها عنه

    أيها الإخوة: إن ترويض النفس على الخير وفطامها عن الضلال، يحتاج إلى طول رقابة ومحاسبة، وإن إقامة دار جديدة على أنقاض دار خربة، لا يتم إلا بصعوبة بالغة وجهد جهيد، فكيف ببناء نفس؟!

    أترون ذلك يتم بالغفلة والإهمال والمكر؟!

    كلا والله، لا بد من الحساب الدقيق، والمقارنة، والإحصاء، واليقظة.

    إن علاج الأمور بمغالطة النفس، وتغطية العيوب، وتلميع النفس، والتطبيل لها، وتزيين المظاهر لها، لا جدوى منه ولا خير فيه، وكُلُّ ما يحرزه الإنسان من هذا العلاج، هو رواج كاذب لن يغير من الحقيقة شيئاً.

    إن الإنسان يتجاوب مع المؤثرات التي تحيط به من الخير والشر، كما يتجاوب جهاز الاستقبال في المذياع مع الموجات التي تملأ الجو، كل شخص يتأثر، هناك موجات ومؤثرات عليك، خير وشر.. وقلبك يتأثر بالخير كما يتأثر بالشر، إذا جلست في مجلس علم فإنه يحيي قلبك، وإذا جلست في مجلس لغو ولهو وغيبة ونميمة وطرب ولعنة -والعياذ بالله- يتأثر قلبك، مثل المذياع، فالجو مملوء كله بالموجات، وأنت تختار الإذاعة التي تريدها، تريد إذاعة القرآن، هذا حسن! تريد صوت أمريكا! من الممكن أن تلقاها، وهكذا.

    إن الإنسان يتأثر، وبحسب وضع قلبك وضبطه على جهة الاستقبال، تكون طبيعة الإذاعة التي تصدر عنك يا أخي في الله.

    كذلك الإنسان إذا حاسب نفسه، وضبط المعايير، فيضبط عينَيه، لا يتركهما مفتوحتين على كل شيء، بل يضبطهما: يا عين! لا تنظري إلا الحق، ويا أذُن! لا تسمعي إلا الحق، ويا لسان! لا تتكلم إلا بالحق.

    أما أن يفتح عينَيه على الحق والباطل، وأذُنَيه على الحق والباطل، ولسانه في الحق والباطل، وبطنه في الخير والشر، فمعنى هذا أنه مطلق، ليس عنده مسارات ولا قيود، ولا نظام محاسبة، ثم إن هذا المطلق، لا بد له من قبضة، يقول الله تبارك وتعالى: كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [القيامة:11-12] مَن يفلته مِن قبضة الله؟! مَن يمنعه مِن أن يناديه الله؟! الله يقدر عليه ولا يمنعه مِن الله مانع، والله يمنعه فلا يقدر عليه أحد إذا منعه تبارك وتعالى.

    حالات ضبط النفس وإهمالها

    إن ضبط مسارات النفس -أيها الأخ في الله- إذا حاسبتها فإنها تطيب، وإذا أهملتها فإنها تخبث.

    ففي الحالة الأولى: يحيا الإنسان في جو من الخير، فينحسر دونه، وتنحسر وتمتنع موجات الإثم والعصيان، وهو ما أشار الله إليه عز وجل بقوله في القرآن عن الشيطان: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:99] فليس للشيطان سلطان عليك.

    لماذا؟!

    لأنك حددتَ اتجاهاتك، ضبطت موجات الاستقبال عندك، قال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:99] فعلى مَن سلطانُه؟!

    قـال: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ ... [النحل:100] مَنْ هُمْ؟! ... يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل:100] ضبطوا الموجات على استقبال الشيطان؛ الأغاني تضرب في أذن أحدهم كل يوم، ويريد من الله أن يهديه، والنظر المحرم كذلك، كل يوم يذهب إلى الأسواق والمعارض فينظر بعينيه في محارم المسلمين كالكلب، ويريد أن تأتيه الهداية، وبطنه مملوء بالربا والحرام والرشوة، ولسانه لا يكف عن الكلام طوال اليوم، في اللعن والسب والشتم والغيبة والنميمة!

    قال عز وجل: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ... [النحل:100] تولوا الشيطان، ... وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:100].

    وفي الحالة الثانية: الذي لا يستجيب لدواعي الإيمان ويستجيب لدواعي الشيطان ماذا يحصل له؟!

    تؤزُّه الشياطين.

    لماذا؟

    لأنه أصبح مَركباً لها، يقول الله: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ... [مريم:83] ماذا تصنع بهم؟! ... تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:83-84] هم يغفلون والله لا يغفل، هم لا يحسبون والله يحسب: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ ... [المجادلة:6] وماذا؟! ... وَنَسُوهُ [المجادلة:6]، إذا نسيتَ فإن الله لم ينس، وإذا غفلت فإن الله لم يغفل، وإذا لم تحسب فإن الله يحسب عليك، أنت لست مغفولاً عنك، فإذا غفلتَ سلط الله عليك الشياطين، وأرسلها: تَؤُزُّهُمْ [مريم:83] قال العلماء: تؤزُّهم: تدفعهم إلى المعاصي، تدعوهم إلى المعاصي، تصدهم عن الهداية.

    لماذا؟!

    لأنهم أصبحوا حميراً للشيطان، أصبحوا مَراكب لإبليس. والعياذ بالله!

    وقد طلب الله من عباده أن يتحصَّنوا من الداخل ضد كيد الشيطان باليقظة أولاً، وصدق التوجه، والاستعاذة، واللجوء إلى الله؛ للاحتماء بقوته، والاستجارة بعزته؛ ولكن لا بد مع الاستعاذة من عمل، فإذا قال الطالب في آخر الامتحان: أعوذ بالله من السقوط في الامتحان، فلا يغنيه هذا إلا إذا أقبل على دروسه، فيقبل على الدروس ويذاكر ويقول: أعوذ بالله من السقوط، أما أن ينام ويلعب طوال العام ويقول: أعوذ بالله من السقوط فإنه يسقط غصباً عنه.

    وإذا قال التاجر: أعوذ بالله من الخسارة، فلا يُقْبَل منه ذلك حتى يعرف رأس ماله، وأرباحه، وخسائره، وإلا خسر.

    فحين تستقر الحقائق الإيمانية في قلب المؤمن، ييئس الشيطان ويندحر، ولا يتمكن منك أيها المسلم؛ لأنك قوي.

    انظر يا أخي إلى الرياح العاصفة، إذا هبت على الصحراء أثارت غبارها، وإذا مرت على المياه حركت لُجَجها؛ ولكن هذه الرياح العاتية، حينما تتناوش مع قمم الجبال الشمّاء، لا تنال منها منالاً، الريح العاصفة إذا جاءت في الصحراء تُحْدِث زوبعة، وتأخذ الرمال وترفعها إلى السماء، وإذا جاءت على البحر تُحَرِّك الأمواج؛ ولكن إذا جاءت إلى الجبال ماذا تفعل بها؟! هل تحرك الجبال؟! أبداً. الريح تعرض والجبل ثابت.

    كذلك أنت يوم أن تكون جبلاً من جبال الإيمان، إذا مرت بك رياح المعاصي، وعواصف الشهوات؛ لا تكن سهلاً فتعصف بك، ولا تكن ماءً فتحركك، فكن جبلاً من جبال الإيمان والعقيدة، تمر بك العواصف فتتبخر وأنت ثابت، لا تنال منك منالاً لأن رأسك في السماء، وقمتك سامقة:

    سأعيش رغم الداءِ والأعـداءِ     كالنسر فوق الهمة القعساءِ

    ويقول الناظم:

    ومن يتهيَّب صعود الجبالِ     يعش أبد الدهر بين الحُفَرْ

    الذي يتهيَّب صعود جبال الإيمان يعيش في حُفَر ومستنقعات المعاصي، في حفرة الغناء، والزنا، والربا، والمنكرات، ومن عاش في الحُفَر سُلِّطت عليه الأقذار والأوبئة. (فالبيارة) تحفر في الوادي ليس في رأس الجبل، هل رأيت شخصاً يحفر (بيارته) في رأس الجبل؟!

    وكذلك الشيطان لا يحفر (بياراته) في قمم جبال أهل الإيمان، وإنما يحفرها في صدور أهل الفسق والنفاق والعياذ بالله.

    فالإنسان حينما يكون أمره فرطاً، وحياته غفلة، وأيامه لاهية، فإن الشيطان يستولي عليه، ويتحكم فيه، أما يوم أن يحزم أمره، وينظم شئونه، ويحاسب نفسه، فهيهات أن تنال منه الشياطين شيئاً.

    1.   

    مواطن محاسبة النفس

    إن ميادين وأبواب محاسبة النفس ثلاثة:

    فأبواب (الميزانيات) عندنا أربعة أبواب: بابٌ أول، وبابٌ ثانٍ، وبابٌ ثالثٌ، وبابٌ رابعٌ؛ هذه أبواب الميزانية.

    كذلك أبواب ميزانية حساب النفس ثلاثة أبواب:

    الباب الأول: حساب رأس المال.

    الباب الثاني: حساب الأرباح.

    الباب الثالث: حساب الخسائر.

    وأعتقد والله -إن شاء الله- ولا أَتَأَلَّى على الله، أعتقد جازماً أن وقفة صادقة منك أيها المسلم تقضيها مع نفسك لهي جديرة بأن تكشف لك الحسابات، وإذا عرفت مركزك الإيماني فبعدها مباشرة تصحح وضعك، فإذا عرفت أن مركزك المالي في المؤسسة أنه خاسر، فمباشرة تصحح الوضع، فتطوي قيد بعض العمالة، تخفض المصروفات، تحاول أن تزيد الدخل، تعمل لك أنشطة أخرى جانبية مساعدة؛ لكن عندما لا تحاسب فإنك لا تدري بنفسك إلا وأنت مديون بعشرة ملايين، فيقال: خذوه إلى السجن.

    وكذلك الذي يتعامل مع الله، إذا لم يحاسب نفسه فإنه لا يعلم بها إلا عند الموت، وإذا به مديون بالسيئات، فيقال: إلى السجن؛ والسجن هو النار.

    يا أخي: بمناسبة انصرام عام من أعمارنا وهو عام: (1410هـ)، فإننا نطلب من المكلفين أن يقفوا مع أنفسهم وقفات للمحاسبة والمراجعة؛ لمعرفة وضعهم الإيماني، فيحاسبوا أنفسهم على: رأس المال، والأرباح، والخسائر.

    وهذه الميادين الثلاثة سوف أذكرها على سبيل الإيجاز:

    رأس المال وكيفية المحافظة عليه

    إن رأس مالك -يا أخي في الله- هو الفرائض فلا تضيعه. وأهمه: توحيدك، وعقيدتك، فحاسب نفسك وراجعها:-

    هل عقيدتك صافية؟!

    هل توحيدك خالص؟!

    هل تصرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله؟

    هل تدعو غير الله؟! لأن الدعاء مخ العبادة، والذي يدعو غير الله يشرك بالله!

    هل تذبح لغير الله؟!

    هل تنذر لغير الله؟!

    هل ترجو غير الله؟!

    هل تخشى غير الله؟!

    هل تخاف من غير الله؟!

    هل تتوكل على غير الله؟!

    هل تستغيث بغير الله؟!

    هذه هي أنواع العبادة؛ توحيد الألوهية.

    راجع نفسك:

    هل تقسم بغير الله كما يصنع بعض الجهلة، إذا جاءه ضيف لا يقسم بالله ولكن يحلف بالطلاق؛ لأنه يرى أن القسم بالله سهل، وأن الناس سيسبونه، وإذا ذهبوا قالوا: فلان والله دعانا إلى وليمة سهلة.

    عجيب! الذي يطلق إنسان كريم، والذي يحلف بالله سهل! بعضهم يطلق وليس عنده امرأة، يتدرب، حتى لا تأتيه المرأة إلا وقد صار عارفاً برأس ماله، وبعضهم يطلق وامرأته ليست غالية عنده؛ فيقولون: لا تحرمونه من زوجته، طَلَّقَ يا جماعة!

    لكن إذا قال لهم: والله لا تذهبوا حتى تأكلوا ذبيحتكم.

    قالوا: لا. نحن مشغولون، آسفون.

    يقسم لهم بالله، فلا يقدِّرونه، ويقسم لهم بالطلاق فيقدِّرُونه. هذا من الشرك بالله، ومن تعظيم غير الله عز وجل؛ لأن الحلف بالله تعظيم، والحلف بغير الله تعظيم لغير الله، فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله، ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك.

    هل تدعو غير الله كما يصنع بعض الناس، هناك من يدعو غير الله في بعض البلاد الإسلامية، فيدعون قبوراً عليها القباب، يطاف بها كما يطاف بالكعبة، وتقدم لها النذور، ويُطلب منها ما لا يُطلب إلا من الله؛ يُطلب من صاحب القبر أن يزوج البنت، وأن يشفي المريض، وأن يكشف البلوى، ويقول الشخص لصاحب القبر: يا سيد العارفين، الشكوى على أهل البصيرة عيب، والعارف لا يُعرَّف، يقول: أنت تعرف ماذا في قلبي، والشكوى عليك عيب، أخيرك بالذي في قلبي وأنت تعرفه وذاك ميت مسكين! يقول الله عز وجل: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14].

    فلا تدعُ غير الله، ولا تذبح لغير الله، ولا تنذر لغير الله، ولا تذهب إلى كاهن، أو مشعوذ، أو ساحر؛ فإن الذهاب إلى هؤلاء الذين يسمونهم: أصحاب الطب العربي، وهو طب شيطاني وشركي وهو نسف لعقيدتك وتدمير لحياتك: (مَن أتى كاهناً أو عرَّافاً فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد)فإذا ابتلاك الله بمرض، أو ابتلى زوجتك، أو ابنتك، فلا تذهب إلى هؤلاء الكهنة، ولا تذهب إلى ساحر لتصرف قلباً عن قلب، أو تعطِّف قلباً على قلب، فإن السحر كفر، والله يقول في القرآن الكريم: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102].

    فالذهاب إلى السحرة كفر!

    بعض الناس يزوج ابنته -مثلاً- ثم يريد أن يطلقها من هذا الرجل، من أجل أن يبيعها بمائة ألف أخرى، ليس معه وظيفة إلا ابنته، هي سلعته، يبيعها كل سنة على شخص، وبعد أن يزوجها على رجل يقول: لا بد أن يطلقها، فيذهب إلى ساحر فيقول: نريدك أن تصرف الرجل عنها، نريده أن يراها مثل الأتان.

    فيقول: نعم.

    فيعطيه ألف ريال، وانتهى!

    هؤلاء هم السحرة وهذا كفر والعياذ بالله.

    فلا تذهب إلى ساحر، ولا تصرف، فإن هذا سحر والعياذ بالله.

    كل هذه أنواع من الشرك الذي يجب أن تحاسب نفسك عليه؛ لتعرف مقدار عقيدتك وتوحيدك مع الله عز وجل.

    أيضاً: حاسب نفسك في الصلاة؛ لأنها أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، وهي الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، مَن وصلها وصَلَه الله ومَن قَطَعها قطعه الله.

    حاسب نفسك على الصلاة:

    أين أنت من الصلاة؟!

    هل تؤديها؟!

    وهل تؤديها بكامل الطهارة؟!

    وهل تؤديها بكامل الخضوع والخشوع وحضور القلب في الصلاة؟!

    وهل تؤديها مع جماعة المسلمين في المسجد؟! فإن الله لا يقبل الصلاة منك إلا في المسجد إلا مِن عذر، فقد أثنى الله على المؤمنين وقال فيهم: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [النور:36]* رِجَالٌ [النور:37] يا سلام! ما أعظم هذا اللقب من الله! سَمَّاهم الله رجالاً، والرجولة هنا لا تعني الذكورة، الواحد مِن الناس إذا كان لا يصلي يقول: أنا رجل. وهو لا يصلي.

    فنقول: لا. لستَ رجلاً.

    فيقول: كيف لستُ رجلاً؟!

    فنقول: أنت ذكر فقط. حتى الحمار ذكر، والكلب ذكر، والقرد ذكر؛ لكن لست برجل، أنت رجلٌ يوم أن تصلي، فالله يقول: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [النور:36] مَن هُم؟! رِجَالٌ ... [النور:37] ما عملهم؟ قال: ... لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ... [النور:37]، والتعبير بالتجارة؛ لأنها غالب ما يشغل الناس، وإلا فقد ينشغل الإنسان بغيرها، فتلهيه وظيفته، ويلهيه أولاده، وتلهيه شهواته؛ لكن غالب ما يُلهي الناس عن الدين هي التجارة، ثم قال عز وجل: ... يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37].

    هذا هو الذي دفعهم إلى المحافظة على الصلاة في المساجد: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43].

    لا بد أن تراجع نفسك وتحاسبها:

    هل أنت تصلي الصلوات الخمس في المسجد؟!

    إذا كان الجواب: نعم. فأنْعِم والحمد لله.

    وإذا كان الجواب: لا. فصحِّح من الآن ومن غد، قل: والله لن أصلي إلا في المسجد، خصوصاً الفجر والعشاء، لماذا؟! لأنها مقياس الإيمان، إذا أردت أن تقيس إيمانك، فابحث عن نفسك في صلاة الفجر.

    فإن كنت في أحضان المرأة، أو على الفراش فالله المستعان، خَلَفَ الله عليك في إيمانك، وإن كنت في الروضة وفي الصف الأول فأنعِم وأكرِم، للحديث الذي في صحيح البخاري ومسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).

    حاسب نفسك على الصلاة؛ لأن الصلاة مكيال، مَن وفَّى وُفِّي له، ومَن طَفَّفَ طُفِّف عليه.

    حاسب نفسك في الخشوع:

    لأن الشيطان يمكر بك، يدعك تصلي؛ لكن يسحب قلبك في الصلاة وليس لك من صلاتك إلا ما حَضَر فيها قلبُك، فجاهد شيطانك. فما الفائدة إذا أبعدت قلبك عن الصلاة؟! تريد أن تتمتع بالدنيا؛ لكن جسدك في المسجد؟! فأنت ملزومٌ ملزوم، وما دام أنك ملزومٌ ملزوم إذاً أحْضِر قلبَك، ثم اخرُج، صلِّ العشاء، كم مدة صلاة العشاء من الدقائق؟! (10) دقائق، أحْضِر قلبك (10) دقائق، ثم وسوس بعدها إلى الفجر، كم معنا من بعد صلاة العشاء إلى الفجر؟! كم ساعة معك؟ ثمان ساعات، هلا وسوسنا فيها؟! لكننا لا نوسوس إلا في العشر الدقائق الخاصة بالصلاة، وبعد الصلاة انتهى، ليس هناك وسواس، ولا هواجس ولا أفكار، وإذا وُضع الطعام أمامنا وبُسطت السفرة من الأرز، واللحم، والإدام، والفاكهة، والخضرة، هل يفكر أحد في غير هذا، هل يأتيك وسواس في العمارة أو في الدراسة وأنت تأكل الأرز؟! لا والله، لن توسوس إلا في الأرز فقط، متر في متر فتوسوس فيه! لماذا؟! لأنك هنا في عمل يحبه الشيطان، أو يرضى عنه أو يبيحه؛ لكن الصلاة أعظم عمل لمحاربة الشيطان؛ ولذا يدخل عليك،ويقسم على باب المسجد ويقول: والله لأخرجنك منها مثلما أدخلتك. يقول: أنت معاند، الناس أطاعوني وقعدوا يلعبون ويسمرون وأنت أبيت إلا أن تصلي؛ لكن سأريك، أنت عنيد، فيقسم على رأسك وأنت عند الباب: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ:20].

    بعض الناس يبر بِقَسَمِ الشيطان فإنه من حين أن يقول: الله أكبر، يسلِّم قلبه للشيطان، ويذهب فيبيع ويشتري ويسافر ويعود ويبني ويهدم ويضرب ويعمل كل شيء أثناء الصلاة، فإذا انتهت الصلاة وسألتَه: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى.

    قال: لا أدري.

    - أين أنت يا طويل العمر؟! أين أنت؟!

    - والله موجود؛ لكني أفكر في الدنيا.

    لا إله إلا الله! ما قيمة وجود جسدك في المسجد إذا كان قلبك غير موجود!

    أحد العلماء يقول وقد سأل شخصاً بعد أن أتم صلاته، قال له: ماذا قرأ الإمام في المغرب في الركعة الأولى؟!

    قال: لا أدري.

    قال: وفي الثانية؟!

    قال: لا أدري.

    قال: لماذا؟!

    قال: لم أكن موجوداً.

    فقال العالم: لو سألنا هذا العمود (الإسمنت): يا عمود، ماذا قرأ الإمام في المغرب؟! تكلم يا عمود!

    لقال: لا أدري.

    العمود يقول: لا أدري، وفعلاً هو لا يدري!

    حسناً! ما الفرق بين العمودين؟! العمود المتحرك والعمود الثابت؟ العمود الثابت لا يدري، والعمود صاحب الرجلين لا يدري! إذاً: كلاهما لا يدريان؛ لكن الأفضل العمود الثاني؛ لأنه (24) ساعة لم يخرج، وذاك (10) دقائق وما ضبطها، ضيَّع نفسه!

    فحاسب نفسك في خشوعك في الصلاة؛ لأن الصلاة جسد، والخشوع روح، ولا قيمة للجسد بدون الروح، الآن إذا مات شخص ما الذي يخرج منه؟!

    روحه.

    هل بقي قيمة لجسده؟!

    لا.

    فلا بد من توفر الخشوع في الصلاة؛ لأن الله يقول: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] لن تفلح إلا إذا خشعت في صلاتك.

    حاسبوا أنفسكم يا إخواني على هذا الموضوع.

    والخشوع له أسباب قبل الصلاة وبعد الصلاة.

    وهناك شريط محاضرة ألقيتها في أبها عن رسالة إلى المصلي، وجهتُها إليه وقلت له: يا مصلِّي صلِّ وأنت خاشع، والشريط موجود في الأسواق:

    كيف تصلي؟!

    وكيف تعمل حتى يخشع قلبك قبل الصلاة؟!

    وماذا تعمل أثناء الصلاة؟!

    وماذا تعمل بعد الصلاة حتى تكون من الخاشعين؟!

    سُئل حاتم الأصم وكان من أخشع عباد الله في الصلاة، قيل له: [ماذا تصنع؟! -كيف تعمل؟!- قال: إذا سمعتُ نداء ربي توضأتُ، ثم أقبلت على مصلاي أو مسجدي، ثم أقف بين يدي ربي، فأتصور أن الكعبة أمامي، وأن الصراط تحت قدمي، وأن الجنة عن يميني، وأن النار عن يساري، وأن ملك الموت خلف ظهري يقبض روحي بعد هذه الصلاة، -ربما تكون آخر صلاة-، ثم أكبر بتحقيق: -الله أكبر! أكبر من الدنيا وما عليها، تحقيق، وبعض الناس يكبر ويقول: الله أكبر، كأنه يضارب! كأنه مخبول! أين التكبير؟!- وأقرأ بترتيل] هذا هو الخشوع؛ لكن ذاك الذي يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:1-3] ويستعجل.

    شخص صلَّى أربع ركعات في غمضة عين وفتحها، فقيل له: ماذا بك؟! لِمَ أسرعتَ؟!

    قال: الصلاة لا تبقَى عند الغَمْر النشيط. يقول: الغَمْر النشيط يؤديها بسرعة، هذا بطل! الله أكبر! لا إله إلا الله! قال: [أكبِّر بتحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع في خضوع، وأسجد في خشوع، وأجلس في طمأنينة، وأتشهد في يقين، وأسلِّم على أمل، ولا أدري أَقُبِلت صلاتي بعد هذا أم رُدَّت عليَّ].

    الله المستعان كيف هي صلاتنا يا إخواني؟!

    يتقطع القلب وأنت ترى المصلي وعينه في السماء وهو يصلي!

    ويتقطع قلبك ألماً وندماً وأنت ترى المصلي ينظِّف أنفه بين يدي ربه، هل يستطيع جندي أن يقف أمام ضابط ويؤدي التحية وهو يفعل هذا الفعل، هل يستطيع؟!

    هل يستطيع الموظف أن يدخل عليه المدير وهو ينظف أنفه؟!

    سيقول له: أما تستحي من نفسك؟! أما وجدت وقتاً لتنظيف أنفك إلا عندي؟!

    ونحن نقول لهذا الغافل: أما وجدت فرصة لتنظيف أنفك إلا بين يدي مولاك وخالقك؟!

    هذه قلة أدب والله يا إخواني.

    وبعضهم يحك ظهره في الصلاة، وينظر إلى ساعته في الصلاة، ويعد نقوده في الصلاة، ويركِّب (مِرْزابَه) (20) مرة في الصلاة، وبُشْتَه يرجِّعه (20) مرة، وعقاله يصلحه، كلما وقع قام برده، هذه شغلته. الناس في وادٍ، والصلاة في وادٍّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    نحن الآن لا نطلب من الناس أن يصلوا.

    لماذا؟

    لأنهم يصلون والحمد لله على هذه النعمة، والله لقد انشرح قلبي بالأمس، وأنا أصلي صلاة العشاء في مسجدٍ بجوار فندق أبي الخيل في البطحاء، أمام سوق الخيام، فلما أذَّن وتوضأتُ وأتيتُ ودخلت أنا والأخ عبد العزيز المسند ، فما وجدنا مكاناً، والله إن المسجد كان مملوءاً من أوله إلى آخره في صلاة العشاء، والدور الثاني مليءٌ أيضاً، ما هذه النعمة؟!

    الناس الآن يصلون؛ لكن نطلب منهم أن يخشعوا في الصلاة؛ لأن الخشوع هو الصلاة، وبغير الخشوع كأنك لم تصلِّ، يُكتب للمسلم في صلاته ما حَضَر فيها قلبه، يُكتب له ثلث صلاته، أو ربع صلاته، أو عُشر صلاته، بعض الناس يدخل ولا تُكتب له من صلاته حسنةٌ واحدة.

    فحاسب نفسك على الصلاة!

    حاسب نفسك على الزكاة:

    هل تؤدي زكاة مالك؟!

    أم أنك تقول: لا والله، أنا لستُ بتاجرٍ، ولا يزكي إلا التجار؟!

    لا. بل كل مَن ملك نصاباً وحال عليه الحول فعليه الزكاة, والنصاب يملكه كثير من الناس.

    إذاً: لا بد أن تزكي، اجعل لنفسك حولاً واحداً، ولا تجعل لكل مال حولاً، فقط خصِّص يوماً من أيام السنة وسمِّه: يوم الزكاة، المال الذي عندك زَكِّ عليه، حتى تكون من أهل الزكاة.

    حاسب نفسك على الصيام:

    هل عبادتك زكية؟!

    وهل صيامك صيام المؤمنين؟!

    أم أنه صيام الغافلين؟! ينام من الصباح إلى المغرب، ويقوم ليأكل من المغرب إلى الفجر، ثم يقول: إني صائم، ولا عَبَدَ الله، ولا صلَّى التراويح، ولا قرأ؛ بل يسهر فقط طوال الليل على الورق، وعلى (البالوت)، وعلى (التمشيات)، وعلى اللعب، وفي النهار ينام، لا يصلي ظهراً ولا عصراً ولا مغرباً، وإذا جاء قبل المغرب أيقظته أمه وقالت: قم فأفطر، والله يرحم صلاة الظهر والعصر والمغرب! ثم يقوم!

    أهذا صيام؟!

    هذا لعب! نعم.

    كذلك حاسب نفسك على الحج:

    هل حججت وأديت فريضتك؟!

    يوجدُ أناسٌ في بلادنا إلى الآن لم يحجوا، وكلما جاءت سنة قال: زحام، يريد أن نمنع الناس من الحج من أجله؛ كي يحج هو لوحده، ويرمي الجمرات لوحده، لا يريد أن يزاحم! وماذا يحصل -يا أخي- لو زاحمتَ؟! الناس هؤلاء حيَّات وعقارب هل تخاف أن يأكلوك؟! إذا التصق جلد المسلم بك ليس هناك شيء، لن يأكلك المسلم، وليس هو بثعبان أو أسد؛ لكن وقت استلام الرواتب أو الأرضيات، ليس هناك أسرع منه، مثل الجرافة يرمي بالناس على الجوانب، من أجل أن يصل فيأخذ الذي يريد؛ لكن في دين الله عز وجل لا يريد الزحمة، يريدنا أن نمنع الناس من الحج من أجل أن يحج لوحده، إذاً: اذهب وحُج الآن، لا يوجد في عرفة شخص واحد، ولا عند الجمرات أحد، اذهب وحُج لك حجاً خاصاً! لا إله إلا الله!

    هل حججت حجة الإسلام؟!

    هل اعتمرت في رمضان؟!

    هل اعتمرت بين فترة وأخرى؟! فإن (العمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما من الذنوب ما اجتنبت الكبائر).

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول -والحديث في السنن -: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب عن المرء كما تنفي النار خبث الحديد).

    ضرورة محاسبة النفس على التقصير في وجوه البر والطاعات

    حاسب نفسك على برك لوالديك:

    هل أمك وأبوك أحياء؟!

    لاحظ أن والديك عندهما التحويلة إلى الجنة، أقرب طريق إلى الجنة من عند أمك وأبيك، اغتنم فرصة وجودهما، لو مات أبوك أو أمك وهما غضبانان عليك، فإنك تتعذب طوال حياتك، هل تعيدهما من القبور لكي تبرهما؟! هل تبدلهما في المعرض لكي تأخذ أباً أو أماً جديدة فتبرهما أو أحدهما، ليس معك إلا أبوك، وليس معك إلا أمك، فاغتنم فرصة وجودهما في حياتك، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام قال: (رَغِم أنف من أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة) هذا خاسر لا خير فيه.

    صحِّح وضعَك مع والديك، فإنهما جنتك ونارك، وبر الوالدين من أعظم القربات، وعقوقهما من أعظم الكبائر، والله قرن طاعته بطاعتهما فقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14].

    وقال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23].

    وقال: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36].

    وفي الحديث الصحيح في صحيح البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين).

    ومن عقوبات عقوق الوالدين: أن الله يسلط على العاق ولداً يعقه أعظم مما عَقَّ أباه، وكما تدين تدان ، فمن بر والديه بره أبناؤه، ومن عق والديه عقه أولادُه، وكما تكيل يكال لك.

    حاسب نفسك مع الوالدين، وارجع من الآن، وحاذر ثم حاذر أن تردَّ على أبيك أو أمك! فمن أعظم ما يُغْضِب الوالد والوالدة أن ترد عليهما، بل إذا قالا شيئاً قل: حاضر، ثم إذا قلتَ: حاضر، لا تقل: حاضر بصوت مرتفع، لا. بل بصوت منخفض، وألبس صوتك بسمة؛ لأن هذا أبوك، والله يقول: فَلا تَقُلْ لَهُمَا ... [الإسراء:23] ماذا؟! .. أُفٍّ [الإسراء:23] ما هو الأف؟! الأف ليس بكلام، الأُفُّ مظهرُ التضجُّر، أي: إذا قال لك أبوك شيئاً فلا تقل: أُفّ؛ لأن (أف) هذه حرام، كيف يتكلم على أبيه؟! لا إله إلا الله!

    أحدهم يخبرني بقصة لعامل في منجرة، تكلم على أبيه، فترك المنجرة ودخل على أبيه ليفطر، فقال لأبيه: كذا وكذا.

    فتكلم معه أبوه بلطف، وأبوه شائب، وهذا عضلاته مفتولة؛ لأنه عامل يأخذ الأخشاب، ويشتغل في منجرة.

    فقام يتكلم على أبيه، ويمد يده إلى عين أبيه، ويقول: أصلك أنت أنت! حتى كاد أن يفقأ عين أبيه، وأبوه يشير يشير إليه خائفاً منه، ماذا يفعل به؟!

    فيخرج من عنده ويدخل إلى المنجرة، ويأتي بلوح الخشب وهو مغضب، ويسيره على المنشار، فيقطع الله إصبعه.

    لماذا؟

    لأنها إصبع خبيثة كادت أن تخرج عين الوالد.

    فلا تعق والديك، حاسب نفسك على هذا، وصحح الوضع، فأبوك يريد أن تكون قريباً منه ويرجع صالحه لك، فهو يحبك، ويدعو لك، ودعوة أبيك وأمك لك أعظم من الدنيا وما عليها، يوم أن تمشي وأبوك وأمك راضون عنك، وإذا سُئل أحدهما عنك، قال: الله يوفقه، الله ييسر أمره، الله يجعل له من أمره يسراً.

    لكن يوم أن يُسأل أبوك عنك، وإذا بك عاق، قال: الله يجعلها نكداً عليه، الله لا يوفقه. الله أكبر! ما أعظم من هذه يا أخي! فلا تبحث عن حتفك بنفسك.

    حاسب نفسك على صلة أرحامك:

    هل لك أرحام؛ عمات، وخالات، وجدات، وأخوات؟ هؤلاء عليك أن تحاسب نفسك عليهن، هل أنت تصلهن أم قاطع لهن؟ مَن وَصَلهن وَصَله الله ومَن قطعهن قطعه الله، إن قاطع الرحم لا تنزل عليه الرحمة، ولا تنزل على قوم يجلسون معه، قاطع الرحم ملعون بنص الكتاب، يقول الله عز وجل: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22]* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:23].

    حاسب نفسك على تلاوة القرآن الكريم:

    فهذا من رأس مالك.

    كم تقرأ في كل يومٍ قرآناً؟!

    كيف أنت مع القرآن؟!

    كيف هي علاقتك مع القرآن؟! قوية أم واهية وضعيفة؟!

    هل القرآن معك في كل وقت وفي كل حين؟! أم أنه مهجور من حياتك؟!

    صحح وضعك!

    إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، فاسأل نفسك عن منزلة القرآن في نفسك، فإن كنت تحب القرآن، فاعلم أن الله يحبك، وإن كنت تألف القرآن، فاعلم أن الله يألفك، وإن كنت تداوم وتعيش مع القرآن، فاعلم أن الله معك ما دمتَ مع كتاب الله عز وجل، أما أن تهجر القرآن ولا تقرأه إلا على ما يناسبك ويناسب ظروفك فلا. بل يجب أن تخصص لك ورداً معيناً من القرآن لا يقل عن جزء؛ هذا أقل شيء، والذي يختم في أكثر من شهر هاجرٌ لكتاب الله، والله يخبر أن الرسول عليه الصلاة والسلام يشتكي هؤلاء يوم القيامة فيقول: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30].

    والله قد أمرنا بتلاوة القرآن فقال: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4].

    وقال: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان:32].

    ويقول النبي عليه السلام: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).

    يأتي يوم القيامة ويقال لقارئ القرآن: (اقرأ ورتل واصعد في درج الجنة، فمنزلتك عند آخر آية تحفظها .....) هذا شرف كبير لك يا أخي المسلم.

    اعرف نفسك وحاسبها على الأذكار؛ أذكار الصباح والمساء :-

    هل تذكر الله في الصباح؟! أم تبكِّر إلى الدوام من دون ذكر، والله قد أمرك وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران:41]؟!

    لا بد من أذكار الصباح؛ لأنها حفظ وحرز وحصن، ولا بد من أذكار المساء.

    وأذكار الصباح قبل شروق الشمس، وأذكار المساء قبل غروب الشمس.

    وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130].

    لا بد أن تذكر الله وتحصن نفسك بالآيات والأذكار التي شُرِعت، ودل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي موجودة في كتب الأذكار، لا بد أن تكتبها في ورق وتتحفَّظها، وتداوم عليها في ورقة إلى أن تحفظها، وبعد شهرين لن تعد تحتاج إلى كتاب؛ لأنك داومت عليها أكثر من مرة فحفظتها.

    ثم تعلم أذكار الأحوال والمناسبات:

    أذكار الطعام، الشراب، النكاح، دخول الحمام، الخروج من الحمام، رؤية باكورة الثمار، رؤية القمر، لبس الثوب، رؤيتك للمرآة.

    هذه الأذكار كلها يجب أن تكون عالماً بها؛ لتكون مع الله في كل حين وفي كل وقت.

    حاسب نفسك على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر:

    هل تغضب لله إذا رأيت منكراً؟! أم أنك بارد الإحساس متجمد؟

    لا بد أن تنكر، والإنكار بإحدى المراتب الثلاث:

    بالتغيير باليد: إذا كنتَ من أهل السلطة.

    أو باللسان: إذا كنتَ من أهل العلم، وعندك علم، وتريد أن تبينه للناس.

    أو بالقلب: إذا كنت عادياً، ولا تقدر أن تغير بلسانك ولا بيدك، فتغير بقلبك، وتنكر المنكر وتبغضه،وتقاطعه، ولا تجلس في مجلس هو فيه، وذلك أضعف الإيمان، وليس من الإيمان بعد ذلك مثقال حبة خردل من إيمان، فالذي يعايش المنكر ويجلس مع أهله ويستريح معهم، فهذا منكر هو بنفسه، هذا مشارك للذي عمل المنكر؛ لكن إذا أتيت إلى مجلس ولم تستطع أن تغير بيدك، ولا بلسانك، ولم تستطع إلا بقلبك فذلك أضعف الإيمان، ويريد منك قلبُك مغادرة المنكر، فتخرج، أما أن تقعد وتقول: أنا سأغير بقلبي فلا يصلح. لا تغير بقلبك وأنت جالس.

    حاسب نفسك على الدعوة إلى الله:

    ما نصيبك من الدعوة إلى الله؟!

    هل لك دور؟!

    مَن تنتظر أن يقوم بدورك في الدعوة؟! الدعوة رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، مات وخلَّف رسالته هذه على أمته، فلم يعد هناك نبي جديد، ليس إلا أنا وأنت؛ فلا بد أن ندعو إلى الله.

    هل تقوم بالدعوة؟! والدعوة بحسب طاقتك طبعاً:

    - دعوتك لنفسك دعوة، وكثَّر الله خيرك يوم أن تقوم بنفسك.

    - دعوتك لزوجتك دعوة، مَن يعينك على امرأتك، ويدق عليها الباب، ويعلمها الدين إذا لم تعلِّمها أنت؟!

    - دعوتك لأمك، وأبيك، وإخوانك، وأخواتك دعوة.

    - دعوتك في مكتبك، وزملائك في العمل دعوة.

    - دعوتك في حيك، وجيرانك، ومسجدك دعوة.

    ليس بالضروري أن تكون خطيباً، أو أن تكون عالماً كبيراً؛ لكن إذا علمتَ شيئاً من دين الله فبلغه: (بلغوا عني ولو آية) بلِّغ عن الرسول ولو حديثاً، احمل هموم الداعية، احمل هموم الإسلام، افرح للدين، اغضب للدين، أحب في الله، أبغض في الله.

    هذه اسمها: حساب رأس المال، وهو الباب الأول.

    1.   

    الأرباح وكيفية المحافظة عليها

    الباب الثاني: حساب الأرباح وهي: النوافل:

    - قيام الليل.

    - صلاة الضحى.

    - الرواتب.

    - السنن.

    - صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع.

    - صيام ثلاثة أيام من كل شهر.

    - صَدَقات.

    - عمرة نافلة.

    - حج نافلة.

    - ذكر لله.

    هذه كلها نوافل، وهي أرباح.

    فإذا حفظت رأس مالك حفظتَ أرباحك.

    لكن يوم أن تُضَيِّع رأسَ المال تَضِيْعُ الأرباح من باب أَولى.

    1.   

    مراجعة الخسائر وكيفية تفاديها

    ثم أنتقل إلى الباب الثالث من أبواب ميزانية هذا العام، وهو: مراجعة الخسائر، وأبواب الخسائر سبعة:

    أمراض القلب

    الباب الأول والكبير: باب القلب:

    وتدخل منه أكبر خسارة على الإنسان؛ لأن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.

    وأمراض القلب هي: الشبهات والشهوات.

    فالقلب يجب عليْك أن تتفقده، وأن تعمل له (فحصاً)، فتحاسبه:

    هل هو سليم من الشبهات والشهوات والبغضاء والحقد والكبرياء والغضب والأنفعال؟!

    هذه أمراضه، إذا كان فيه شيء فنظِّفه قبل أن يكون التنظيف في النار.

    جارحة اللسان الخطيرة

    ثم انتَقِل إلى الباب الثاني والجارحة الأولى والخطيرة وهي: جارحة اللسان:

    فإنها من أخطر الجوارح على دين الإسلام، فاللسان قنبلة تدمر دين العبد؛ يصلي، ويصوم، ويعمل ويعمل، ثم يقول كلمة تنسف عمله كله، وتعرفون الحديث الذي في صحيح مسلم ؛ حديث الرجل الذي كان صالحاً وكان له أخ عاصٍ، وكان ينصحه باستمرار، ولا يستجيب له، فأتى إليه يوماً وهو على المعصية فقال له: (والله لا يغفر الله لك) الله أكبر! ما هذه الكلمة! رغم أن بواعثها ودوافعها حسنة؛ والغضب كان لله؛ لكن تجاوز الحد، فقال الله له: (من هذا الذي يتألَّى عليَّ؟! قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك) كلمة واحدة أوبَقَت دنياه وآخرته: ( رُبَّ كلمة قالت لصاحبها: دَعْني ).

    والحديث الآخر في الصحيح : (أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس من لا درهم ولا دينار لديه، قال: لا. المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات، وصلاة، وصيام، مثل الجبال، ثم يأتي وقد شتم هذا، ولعن هذا، وأكل مال هذا، وسب هذا، وهتك عرض هذا، فيؤتى لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته -تقسم أعماله على العباد- فإذا فنيت حسناته أُخِذ من سيئاتهم، ثم طُرِحَت عليه، ثم طرح في النار).

    من الذي ضيعه وأحبط عمله؟!

    إنه لسانه.

    والحديث في سنن أبي داوُد ، ومسند أحمد ، من حديث معاذ رضي الله عنه، وهو صحيح، قال عليه الصلاة والسلام وهو يوصي معاذاً بما يدخله الجنة، وينجيه من النار، قال له في نهاية الأمر: (أفلا أدلك على ملاك ذلك كله؟َ -يعني: السور الذي يحمي لك دينك كله- قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا -أمسِك لسانك- قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يَكُبُّ الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!).

    والحديث الآخر: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) بكلمة واحدة.

    والذين كانوا في غزوة تبوك قالوا كلمة واحدة فكفروا بها، وليتهم ما تكلموا؛ لكنها مضت ولم تصحح أبداً، قالوا: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعني: الرسولَ وأصحابَه- أوسع بطوناً، وأجبن عند اللقاء! ...) يريدون أن يضحكوا ويقطعوا الطريق وهم سائرون، وإذا بالقرآن ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65].. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] لا إله إلا الله! كفر بكلمة؟! نعم. يقول راوي الحديث: (كأني بالرجل هذا وهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله، والحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: يا رسول الله، والله ما أعنيها! يا رسول الله، إنما هي حديث الركب! يا رسول الله، أندخل النار وأنت بين أظهُرنا؟! يا رسول الله: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65] والرسول يقول له: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]) كلمة واحدة ضيعته وأفقدته دينه كله، وخسر الدنيا والآخرة.

    فلسانك حصانك، لماذا سمي اللسان حصاناً؟

    لأن للحصان عناناً، والحصان الذي ليس له عنان تراه يشرد ويهرب ولا يستطيع أحد أن يمسكه؛ لكن عندما يوضع له العنان وهي: حديدة تُدْخَل تحت لسانه، ثم يمسكها الفارس من فوقه، عندها تستطيع أن تمسك به، ولسانك حصانك إن صنته صانك وإن أهنته أهانك.

    وعنانك -أيها المسلم- إيمانك، يزمَّ لسانك، فلا تستطيع أن تتكلم مع الناس في الباطل، فإنك إذا سمعت الناس يخوضون في الباطل سكت، لماذا؟! لأنه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فلا يتكلم الإنسان إلا بحق أو يسكت، فالمؤمن صمام ثابتٌ وصندوقٌ تجاري مقفل، لا أحد يدري ما وراءه، وإذا تكلم تكلم بعقل، وأما ذاك المنافق فهو غبي ملجلج، يتكلم بباطل وحق، وغيبة ونميمة، وشتم وقيل وقال وقلنا وسمعتم.. ما هذا الكلام؟! (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) لا ندري كيف تشيع الإشاعات بين الناس؟!

    عندما جئت إلى الرياض سمعتُ أخباراً كثيرة عن الإخوان الدعاة في أبها ، قال شخصٌ: هل صحيحٌ أنك مسجون؟! وقال ثانٍ: هل صحيح أن الشيخ الفلاني مسجون؟!

    قلت: من الذي يروِّج هذا؟!

    قالوا: يقولون.

    قلت: الله أكبر! ما هذه الوكالة؟

    هذه وكالة إبليس، وكالة أنباء (يقولون)، لا يروج لها إلا الأبالسة الذين قد ورد فيهم عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: (نهى عن القيل، والقال) قيل، وقال، ويقولون، هذه قَلْقَلَةٌ!

    - مَن قال؟!

    - لا أدري، سمعتهم والله يقولون.

    - ليس لك عَمَل إلا النقل كلما سمعت شيئاً ذهبت لتقوله؟! إذا سمعت كلاماً فقل: اسمعوا يا جماعة الخير! إن كان عندكم خبر أكيد فأتوا به، فإذا قيل لك: والله يقولونه، فقل لهم: استحوا على أنفسكم: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع). هذه الأراجيف، وهذه الإشاعات، وهذه الخزعبلات، لا تروج إلا في المجتمعات المريضة، ونحن في مجتمع سليم والحمد لله، مجتمع نظيف، فمجتمعنا وديننا يأمرنا أن نكون عقلاء، لا نحدِّث إلا بالحقائق، ولا نروج الإشاعات والأباطيل والخزعبلات بيننا.

    فحاسب لسانك، ولا تتكلم بكلمة إلا وأنت تعرف أن لك عند الله بها ثواباً، وإلا ( إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ) والذهب أفضل من الفضة، لكن بعض الناس لا يريد ذهباً، ويا ليته يتكلم فضة، بل يتكلم -والعياذ بالله- تراباً وعذاباً؛ يتكلم بغيبة، وبنميمة، وبلعن، وبسب، وبكذب، ويتكلم -والعياذ بالله- بشهادة الزور، ويحلف بالله فجوراً، ولسانه يشتغل (24) ساعة يهلكه، ويدمِّر دينه، وينسف إيمانه، والعياذ بالله!

    محاسبة العين

    ثم الباب الثالث والجارحة الثانية: حاسب عينك :-

    أين تنظر عينك؟!

    هل تنظر في كتاب الله؟!

    هل تنظر في ملكوت الله؟!

    أم أنها تنظر فيما حرم الله؟!

    تنظر إلى النساء الحرام؟! (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم).

    أم أنك تنظر إلى ما متع الله به الناس من نعم، فتنظر إلى هذا الذي معه سيارة أو معه وظيفة أو معه عمارة فتحسده؟!

    أم تنظر إلى الآخرين بعين الازدراء والاحتقار، بينما ترى نفسك في الأعلى؛ لأنك منفوخ بنفخة الكبرياء؟! يأتي إبليس فيضع فيه الكبر وينفخه، فيرى نفسه كبيراً وهو منفوخ، هو في الأصل مثل (البالونة) التي ليس فيها هواء، ترونها صغيرة؛ لكن إذا نُفِخَت كبرت.

    فهذا المنتفخ بماله: المال ليس لك، هو مال الله ساقه إليك من حيث لا تدري.

    والمنتفخ بصحته وعافيته: العافية ليست منك، الله هو الذي أعطاك العافية.

    والمنتفخ برتبته ومنصبه: المنصب ليس منك، الله الذي رفعك.

    تنتفخ لماذا؟!

    لماذا تتعالى على الناس؟!

    لماذا تنظر إلى الناس أنك أعظم منهم، وأحسن منهم؟! (مَن تواضع لله رفعه، ومن تعاظم وتكبر على الله وضعه) فإذا أردت العزة والرفعة فتواضع، وإذا أردت الذلة فتكبر، والعياذ بالله!

    محاسبة الأذن

    ثم الباب الرابع والجارحة الثالثة: انتَقِل من عينك إلى أذنك وحاسبها:

    إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

    ماذا تسمع؟!

    ماذا تصبُّ هذه القناة السمعية على قلبك؟!

    هل تصبُّ قرآناً ومواعظ وخيراً، أم تصبُّ أغاني وشراً وغيبة ونميمة؟!

    فلا تسمع إلا خيراً؛ لأنك مسئول، ولأنك تتأثر بكل ما تسمع.

    محاسبة البطن

    الباب الخامس والجارحة الرابعة: حاسب نفسك على بطنك:

    ماذا ينزل فيه؟!

    ماذا تأكل؟!

    هل تشرب الدخان وأنت طيب؟! كيف تأخذ خبيثاً؟! والله يقول: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [النور:26] وأنت طيب أم خبيث؟!

    أنت طيب.

    إذاً لماذا تحب الخبيث؟!

    لماذا تشرب الخبيث؟!

    بل لماذا تُقَبِّل الخبيث؟!

    الخبيث كلٌّ يقول: الله يكفينا شره، وأنت تأخذه، وتسلم عليه، وتمصه بشفتيك، وتحمله في جيبك، وتشتريه بمالك، وتبخر به نفسك، وتحارب به ملائكتك، وتغضب به ربك، وتنشِّط به عدوك، وتقوِّي به مصانع أعداء الإسلام، بواخر تأتي بدخانٍ وتذهب بأموال من عند المسلمين! لا إله إلا الله!

    هل تشرب الدخان؟!

    هل تشرب الشيشة، أو الشمة؟!

    أحد الناس قال: أبشرك تركت الدخان؛ لكن تحوَّلت إلى الشيشة.

    قلت: الله لا يكثر خيرك (عَيَّا من اللحمة وشرب مرقتها)، مثل ثور (الخلبة)؛ ينزع يده من (الخلبة) ويضع رجله مكانها، لا، هذه ألعن من تلك، ولماذا؟!

    قال: أبشرك، الشيشة لا أستطيع أن أشربها إلا عند شرب القهوة أو في البيت، أما الدخان فأشربه في كل مكان.

    قلت: والله هذا عذر أقبح من فعل.

    هذه خبيثة نجسة -والعياذ بالله- فيها ماء يُقاس على بول الكلاب -والعياذ بالله- هذه تنسف الصدر، وتخرب الكبد والأعضاء، وتغضب الرب، ليس فيها خير، يسمونها: (تعميرة)، يدخل القهوة وهو ما يزال واقفاً فيقول: عبئ حجراً، (عمِّر). وهو يعبئ جمراً أحمر مدمراً والعياذ بالله، وليس يعمِّر. بل يخرب.

    فيا أخي الكريم: هل تشرب الشمة؟!

    الشمة هذه مسحوق مثل الطين الأصفر، يضعه الشخص داخل فمه، ثم يتفل مثل غائط الدجاج، والعياذ بالله! فتسوِّس أسنانه وتخرب صدره، وترى شكله وهو قاعد في المجلس ومعه علبته أو معه منديله وهو يبصق، ما هذا؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172].

    هل تشرب الخمر؟

    هل تروج المخدرات أو تتناولها؟

    هل تأكل الربا؟

    هل تأكل الرشوة؟

    هل تأكل الهدية المحرمة؟

    فإذا كنت مسئولاً أو في منصب، وأتتك هدية وقبلتها أو لبستها كثوبٍ هديةً -مثلاً- من أجل أن تمشِّي معاملة، هذا حرام في دين الله، ورشوة لا تجوز لك.

    نظِّف بطنك، فإن (كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به).. (الله طيب لا يقبل إلا طيباً).. (أطب مطعمك تُجَب دعوتك).

    لا يجوز لك أن تأكل إلا طيباً، فكل حلالاً، والله لو تأكل طيناً لهو أفضل لك من الحرام.

    اليد والرجل ومحاسبتهما

    ثم أنتَقِل إلى الباب السادس والجارحة الخامسة: جارحة الرِّجْل:

    هل تحملك قدمك إلى حرام؟!

    ثم انتقل إلى الباب السابع والجارحة السادسة: جارحة اليد:

    هل تكتب بيدك حراماً؟!

    هل تبطش بيدك حراماً؟!

    هل تغمز بها حراماً؟! (من مد يده على امرأة لا تحل له، جاءت يده يوم القيامة مغلولة إلى عنقه).

    هذه هي الحسابات.

    انتهت ميزانية العام، حاسب نفسك من الآن يا أخي، إن كنت ناجحاً ورابحاً فالحمد لله، واسألْ من الله الثبات، وإن كنت خاسراً فغيِّر الميزانية الآن، اجْرِ -مباشرةً- تصحيحات في الداخل، لا تقبل بالخسائر، وقل:

    يا عين، والله لن تخسِّريني بعد اليوم! إن الحسنات كل يوم تذهب بسببك!

    يا أذن، والله لن تخسِّريني بعد اليوم، ولن أسمع شيئاً حراماً!

    يا لسان، لم تعد هناك خسائر!

    يا رِجْل، لم يعد هناك رَواح لمنكر!

    يا يد، لن تكوني في منكر!

    أوْقِف الخسائر.

    وبعد ذلك تعال إلى رأس المال وحافظ عليه.

    وارجع إلى الأرباح وزوِّدها.

    ستجد نفسك إن شاء الله من الرابحين.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يختم بالصالحات أعمالنا.

    اللهم اختم لنا عامنا الماضي بخير، واجعل عامنا الحاضر عام نصرٍ وعزةٍ للإسلام والمسلمين، وردَّنا فيه إلى دينك القويم، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

    1.   

    الأسئلة

    المحافظة على صلاة الفجر دليل الإيمان

    السؤال: هل من كلمة توجيهية لتارك صلاة الفجر في جماعة؟

    الجواب: نعم. نوجه إخواننا ونقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا أن علامة إيمانكم صلاة الفجر، وعلامة نفاقكم ترك صلاة الفجر، فلا تسأل أحداً عن إيمانك ولا عن نفاقك، اسأل نفسك عن صلاة الفجر، وجاهد نفسك يا أخي، وبالمجاهدة -بإذن الله- يتم لك التغلب على هذه العادة، وسوف تستأنس بها بعد أن يعلم الله صدقك وجديتك في طلب طاعة الله عز وجل.

    حقيقة هجرة القلب إلى الله ورسوله

    السؤال: هل للقلب هجرة إلى الله ورسوله؟

    الجواب: نعم. يوجد كتاب اسمه: طريق الهجرتين وباب السعادتين ، لـابن القيم رحمه الله، يقول فيه: طريق الهجرتين:

    - هجرة بالقلب إلى الله: بالعبودية.

    - وهجرة أخرى بالقلب إلى رسول الله: بالاتباع.

    هذه طريق الهجرتين، تهاجر بقلبك إلى مولاك فتعبده، وإلى رسولك فتتبعه.

    ثم يترتب على هجرتيك هاتين باب السعادتين:

    - سعادة الدنيا.

    - وسعادة الآخرة.

    فنحن نستغل هجرة العام الهجري؛ لنهاجر بقلوبنا إلى الله، إذْ (لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية).

    نصائح للآباء بضرورة تزويج الأبناء

    السؤال: أنا شاب وفقني الله للهداية، والحمد لله، وطلبت من والدي الزواج، وهو مستطيع؛ ولكنه يمانع بحجة التخرج من الجامعة، وأنا لا أستطيع أن أصبر، وأخشى على نفسي من الفاحشة، فما توجيهكم جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أقول لأخي الكريم الذي هداه الله: أسأل الله أن يثبتك، وأن تستمر في طريق الهداية، وأن يصبرك عن الحرام والفاحشة، ولا بد أن تصبر، وإخوانك صابرون؟! فلماذا أنت لا تصبر؟! إذاً ما هو الحل إذا رفض أبوك؟! هل تذهب فتزني؟! لا. اصبر غصباً عنك، إن كنت تريد الجنة لا بد أن تصبر.

    أما توجيهي لوالد هذا الشاب الذي يقدر على تزويج ابنه ولم يزوجه: فأنا أقول: إنه آثم، وإنه يتعرض للعذاب من الله عز وجل، فكما أنه مأمور بحفظ صحة وغذاء ولده؛ فإنه مأمور -أيضاً- بحفظ دينه وعرضه، وما دام أنه قادر فعليه أن يزوجه.

    وقضية تركه إلى أن يتخرج، من أجل أن يعتمد على نفسه، فهذا فيه حثٌّ لولدك على أن يعقَّك؛ لأن ولدك يوم أن تزوجه من مالك، وتخسر عليه، وتقوم بلوازمه، فإنك تكتنفه وتستولي عليه، وتجعله ردءك ومعك؛ لكن يوم أن تقول: ما لي ولك، كُن رجلاً.. زوج نفسك.. فكأنك تقول: ليس لي منك شيء، ولهذا منذ أن يتخرج ويتزوج يَقْلِب لك ظهر المجن، وينسى أنك أبوه؛ لأنك أنت الذي علَّمته طريق العقوق.

    لا يا أخي، هم فلذة كبدك، ما هي الخمسون الألف أو الستون الألف التي تدفعها على ولدك؟! خسارة هذه؟! والله ليست بخسارة، الدنيا كلها ضعها تحت القدم.

    فزوِّج ولدك يا أخي! حتى تحفظ دينه، وحتى ترضي الله، وتخرج أنت من الإثم.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن يوفقنا لِمَا يحبه ويرضاه، وأن يحفظ علينا أمننا وطمأنينتنا واستقرارنا، وأن يجعل من أرادنا في هذه البلاد بسوء أو شر أو كيد أو مكر، أن يجعل كيده في نحره، وأن يجعل تدميره في تدبيره، وأن ينزل عليه بأسه الشديد، وعذابه الأكيد، فإنه لا يُعْجِز الله عز وجل.

    اللهم آمِنَّا في دورنا، ووفِّق وأصلح واهدِ ولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم وفقهم لِمَا تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

    والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.