إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [574]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ترشدنا إلى ما ينبغي على المسلم من تأدبة أذكار يقولها عند النوم، والحث على آداب وسنن يعملها المسلم عند نومه، وذلك أن النوم موت أصغر، فيكون آخر عهده من الدنيا إن توفاه الله في منامه أن يموت على طهارة وذكر الله عز وجل.

    1.   

    تابع ما يقال عند النوم

    شرح حديث (أن رسول الله كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أوى إلى فراشه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي).

    يعني: الحمد لله الذي رزقنا الطعام ومكننا من استعماله وجعلنا نستفيد منه.

    قوله: [ (وسقانا) ] يعني: أنزل علينا الماء من السماء وأنبعه من الأرض فيكون بذلك حصول طعامنا وشرابنا.

    قوله: [ (وكفانا) ] أي: من كل شر.

    قوله: [ (وآوانا) ] يعني: هيأ لنا المساكن التي نستكن بها من الحر ومن البرد ونأوي إليها، وكل هذه نعم من الله عز وجل، فهو وحده الذي تفضل بها، وهو الذي جاد بها، وهو المنعم المتفضل بكل نعمة.

    قوله: [ (فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي) ] يعني: كثير من الناس لا يحصل لهم هذا الشيء ويحرمون هذه النعمة، ونحن قد أنعم الله علينا بها، وتفضل بها علينا، فنحن نشكر الله عز وجل على ذلك ونثني عليه ونعظمه.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا ...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    هو يزيد بن هارون الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا حماد بن سلمة ].

    حماد بن سلمة وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ثابت ].

    هو ثابت بن أسلم البناني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (أن رسول الله كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: باسم الله وضعت جنبي ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن ثور عن خالد بن معدان عن أبي الأزهر الأنماري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: باسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، وأخسئ شيطاني، وفك رهاني، واجعلني في الندي الأعلى) ].

    أورد أبو داود حديث أبي الأزهر الأنماري رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: باسم الله وضعت جنبي).

    يعني: إذا بدأ بالنوم وضع جنبه، وقد ورد في الحديث أنه كان ينام على شقه الأيمن ويقول: (باسم الله وضعت جنبي).

    قوله: [ (اللهم اغفر لي ذنبي) ].

    يعني: أنه يسأل الله عز وجل المغفرة للذنوب.

    قوله: [ (وأخسئ شيطاني) ] .

    يعني: اجعله خاسئاً.

    والمقصود من ذلك الشياطين الذي يريدون إيذاءه أنهم يخسئون ويندحرون، وقيل: إن المقصود به القرين من الجن، ولكن قد جاء في الحديث أنه أسلم فكان لا يأمره إلا بالخير كما في صحيح مسلم حيث قال: (ما منكم من أحد إلا وله قرين من الجن وقرين من الملائكة، قالوا: وأنت يا رسول الله، قال: وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)، فيكون المقصود من ذلك الشيطان الذي يريد أن يؤذيه، مثل الشيطان الذي جاء إليه وهو يصلي فأمسكه وقال: (لولا دعوة أخي سليمان: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] لربطته حتى يلعب به الأطفال) أو كما جاء في الحديث.

    قوله: [ (وفك رهاني) ].

    المقصود بالرهان الدين سواء كان ديناً لله عز وجل أو للآدميين، فكل هذا يجري فيه الرهان، والنفس مرتهنة بالأعمال، فإن كانت حسنة فإنها تسلم، وإن كانت غير ذلك فإنه تحصل لها ما يحصل بسبب ذلك، وكذلك فيما يتعلق بالدين عندما يكون فيه رهن، فإنه لا يفك إلا بحصول الدين وسداده.

    قوله: [ (واجعلني في الندي الأعلى) ].

    الندي هو المجتمع أو الجماعة، والمقصود بذلك في الملأ الأعلى، بحيث يذكر في الملأ الأعلى.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: باسم الله وضعت جنبي ...)

    قوله: [ حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي ].

    جعفر بن مسافر التنيسي صدوق ربما أخطأ ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا يحيى بن حسان ].

    يحيى بن حسان هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا يحيى بن حمزة ].

    يحيى بن حمزة هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثور ].

    هو ثور بن يزيد الحمصي وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن خالد بن معدان ] .

    خالد بن معدان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الأزهر الأنماري ].

    أبو الأزهر الأنماري وهو صحابي، أخرج له أبو داود .

    طريق أخرى لحديث أبي الأزهر الأنماري وترجمة رجال إسنادها

    [ قال أبو داود : رواه أبو همام الأهوازي عن ثور قال: أبو زهير الأنماري ] .

    أورد أبو داود طريقاً أخرى معلقة عن أبي همام الأهوازي واسمه محمد بن الزبرقان وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن ثور ، قال: أبو زهير الأنماري ].

    قال: أبو زهير بدل أبو الأزهر .

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي قال لنوفل: اقرأ: قل يا أيها الكافرون ثم نم على خاتمتها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـنوفل : اقرأ: قل يا أيها الكافرون ثم نم على خاتمتها؛ فإنها براءة من الشرك) ].

    أورد أبو داود حديث نوفل الأشجعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اقرأ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، ثم نم على خاتمتها؛ فإنها براءة من الشرك) وهذا يدل على مشروعية قراءة هذه السورة عند المنام، كما أن: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] أيضاً تقرأ، ومثل آية الكرسي أيضاً كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه السورة هي إحدى سورتي الإخلاص؛ ولهذا يقال لها ولـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، سورتا الإخلاص؛ لأن سورة الكافرون تتعلق بتوحيد العبادة و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] تتعلق بتوحيد أسماء الله عز وجل وصفاته.

    فإذاً: سورة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] تتعلق بتوحيد العبادة؛ لأنها مشتملة على البراءة من الشرك.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي قال لنوفل: اقرأ (قل يا أيها الكافرون) ثم نم على خاتمتها ...)

    قوله: [ حدثنا النفيلي ].

    هو عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو إسحاق عن فروة بن نوفل ].

    أبو إسحاق قد مر ذكره.

    وفروة بن نوفل الأشجعي مختلف في صحبته، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ (أن النبي قال لـنوفل) ].

    هو نوفل الأشجعي وهو صحابي، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    الجمع بين حديث (واجعلهن آخر ما تقول) وحديث (ثم نم على خاتمتها)

    مر معنا في حديث البراء : (واجعلهن آخر ما تقول).

    وهنا قال: (نم على خاتمتها).

    فيمكن أنه يكون كل منهما في الآخر؛ بأن يقدم أحدهما على الآخر؛ ولكن قوله: (نم على خاتمتها) لم يأت أنها تكون في الآخر، وإذا كان متعدداً فيمكن أن يقدم هذا في بعض الأحيان، وهذا في بعض الأحيان.

    وحديث نوفل هذا ضعفه الشيخ مقبل رحمه الله وتكلم فيه الترمذي وقال: إنه لا يثبت، وتكلم فيه ابن عبد البر وقال: إنه لا يثبت؛ ولكن جاءت روايات كثيرة وأغلبها يدور على أبي إسحاق السبيعي ، وقد روى بالعنعنة وهو مدلس، ولكن حسنه الحافظ ابن حجر ، وصححه الألباني، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه السورة، ذكر أرجح الطرق له، وذكر طريقاً آخر ليس من طريق أبي إسحاق ، ولكن بيض لاسم الصحابي، وبعض العلماء حسنه من أجل وروده من طرق أخرى غير طريق أبي إسحاق السبيعي .

    شرح حديث (أن النبي كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب الهمداني قالا: حدثنا المفضل -يعنيان ابن فضالة - عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] وينفث في يديه ويمسح بهما وجهه ورأسه وما أمكنه من جسده، وهذا فيه بالإضافة إلى القراءة المسح.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما... )

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ويزيد بن خالد بن موهب الهمداني ].

    يزيد بن خالد بن موهب الهمداني ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن المفضل -يعنيان ابن فضالة - ].

    يعني: أن الشيخين ذكراه بدون نسبة، والذي دون الشيخين هو الذي نسبه، سواء كان أبا داود ، أو من دون أبي داود .

    والمفضل بن فضالة المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عقيل ].

    هو عقيل بن خالد بن عقيل المصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    صفة المسح والنفث عند قراءة المعوذتين والإخلاص عند النوم

    أما كيفية هذا الذكر وكيفية المسح فإن النفث يكون قبل القراءة أو بعدها ثلاث مرات، والذي يبدو أن المسح هو للنفث، والمقصود من ذلك أن ينفث ثلاث مرات؛ لأنه يقرأ وينفث ثم يمسح، فالمقصود من ذلك هو مسح الذي صار في اليد من النفث، والنفث ليس بصاقاً وإنما هو نفخ يسير، والنفث بعد القراءة والمسح هو للمقروء.

    أما المراد من قوله: (ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده) يعني: الذي يمكنه من جسده؛ لأن بعض المواضع من الجسد لا تصل إليها اليد.

    وأيضاً قوله: (يفعل ذلك ثلاث مرات) الإشارة تعود إلى المسح بعد النفث ثلاث مرات وعلى القراءة، يعني: أنه يكررها ويمسح.

    شرح حديث (أن رسول الله كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني حدثنا بقية عن بحير عن خالد بن معدان عن ابن أبي بلال عن العرباض بن سارية رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، وقال: إن فيهن آية أفضل من ألف آية)].

    أورد أبو داود حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد فيقول: إن فيهن آية هي أفضل من ألف آية).

    المسبحات: هي السور التي تبدأ بتنزيه الله عز وجل، وهن سبع سور، (سَبّحَ) في الماضي في ثلاث سور: سورة الحديد، وسورة الحشر، وسورة الصف، و(يُسبح) فعل مضارع في سورتين: الجمعة، والتغابن، والأمر (سبِّحْ) سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] و(سبحان) الإسراء.

    ويقول: (إن فيهن آية هي أفضل من ألف آية) ولكن الحديث ضعيف فيه ابن أبي بلال وهو مقبول.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد ...)

    قوله: [ حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني ].

    مؤمل بن الفضل الحراني صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا بقية ].

    هو بقية بن الوليد وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    وبقية مدلس.

    [ عن بحير ].

    هو بحير بن سعد وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن.

    [ عن خالد بن معدان ].

    خالد بن معدان مر ذكره.

    [ عن ابن أبي بلال ].

    هو عبد الله بن أبي بلال وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن العرباض بن سارية ].

    العرباض بن سارية رضي الله عنه، صحابي أخرج له أصحاب السنن.

    شرح حديث (أن رسول الله كان يقول إذا أخذ مضجعه: الحمد لله الذي كفاني وآواني ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن مسلم حدثنا عبد الصمد حدثني أبي حدثنا حسين عن ابن بريدة عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه حدثه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول إذا أخذ مضجعه: الحمد لله الذي كفاني وآواني وأطعمني وسقاني، والذي منّ عليّ فأفضل، والذي أعطاني فأجزل، الحمد لله على كل حال، اللهم رب كل شيء ومليكه وإله كل شيء، أعوذ بك من النار) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه من النوم، قال: (الحمد لله الذي كفاني وآواني وأطعمني وسقاني) يعني: أنه كفاه الشرور وكفاه ما يخاف ويحذر.

    وآواه يعني: رزقه المسكن، ومكنه من حصول السكن الذي يستكن به، وأطعمه وسقاه، وهذه الأمور الأربعة سبق أن مرت: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا).

    قوله: [ (والذي منّ علي فأفضل) ].

    يعني: من عليه وتفضل عليه بالعطاء، فحصل منه المن والتفضل.

    قوله: [ (والذي أعطاني فأجزل) ].

    يعني: أعطاه وأكثر له من العطاء.

    قوله: [ (الحمد لله على كل حال) ].

    يعني: الله تعالى هو المحمود سبحانه وتعالى في جميع الأحوال، سواء كان الحال حسناً أو كان غير حسن؛ لأن الله تعالى هو المقدر لكل شيء وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، فهو سبحانه الذي يحمد على كل حال بدون استثناء حال من الأحوال، بخلاف غيره فإنما يحمد ويمدح ويثنى عليه إذا حصل منه ما يقتضي ذلك محبوب ومما هو مرغوب.

    وهذا يدل على أن هذا الدعاء يؤتى به في المكروهات وغير المكروهات، ولا يقال إنه خاص بالأمور المكروهة.

    قوله: [ (اللهم رب كل شيء ومليكه، وإله كل شيء) ].

    فالله عز وجل هو الرب وهو المليك الذي بيده ملكوت كل شيء، المتصرف في كل شيء، المربي خلقه بالنعم الموجد لهم من العدم، وهو إلههم وإله كل شيء.

    ففيه الإقرار بربوبية الله عز وجل وألوهيته، أي بكونه رب الناس وخالق الناس، والمتصرف في الخلق كيف يشاء، وكونه الذي يعبد ويخص بالعبادة ولا يُشْرك معه أحد فيها، فكما أنه لا رب سواه وهو الإله الذي لا إله بحق سواه، فلا تصرف العبادة إلا له، ولا يجوز أن يصرف شيء من العبادة لغير الله؛ لأن المتفرد بالخلق والإيجاد هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة سبحانه وتعالى؛ ولهذا يقول العلماء: إن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، يعني: من أقر بأن الله تعالى هو الخالق وحده، الرازق وحده، المحيي وحده، الذي ليس له شريك في الخلق والإيجاد، فيجب أن يفرد بالعبادة وحده، كما أنه واحد في أفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير، فهو أيضاً الواحد في ألوهيته، ويكون معبوداً وحده فيها، فلا يعبد مع الله سواه، ولا يصرف من أنواع العبادة شيء لغير الله، فلا بد من هذا ومن هذا.

    قوله: [ (أعوذ بك من النار) ].

    بعد أن أثنى على الله عز وجل بذلك الثناء، وهو من الوسائل التي يؤتى بها بين يدي الدعاء؛ طلب منه ما يحتاج، فهنا بعد هذا الثناء استعاذ بالله من النار.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان يقول إذا أخذ مضجعه الحمد لله الذي كفاني وآواني ...)

    قوله: [ حدثنا علي بن مسلم ].

    علي بن مسلم هو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الصمد ].

    هو عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبي ].

    هو عبد الوارث بن سعيد العنبري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حسين ].

    هو حسين بن ذكوان المعلم وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن بريدة ].

    هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وجه تقديم الربوبية ثم الملك ثم الألوهية في سورة الناس

    أما عن ترتيب الربوبية ثم الملك ثم الإلهية في سورة الناس فكما هو معلوم أن الله تعالى هو الذي خلق وملك وهو مالك لكل ما خلق، وهو الذي يجب أن يعبد؛ ومعلوم أن العبادة تأتي بعد الخلق والملك، والله عز وجل هو المالك لكل شيء وهو الخالق لكل شيء، فيطلب من العباد أن يخصوه بالعبادة، ولعلّ هذا الترتيب؛ لأن الله تعالى خالق مالك فهو خالق الخلق ومالكه، لا يكون خالقاً ثم يكون غير مالك، بل هو خالق مالك، ومن خلق فهو المالك لما يخلقه، وهؤلاء المكلفون من المخلوقين مأمورون بأن يفردوا الله عز وجل ويخصوه بالعبادة سبحانه وتعالى.

    ثم إن الربوبية والملك مستلزمان للألوهية، فمن حصل منه الإقرار بهما لزمه أن يقر بها؛ لأنه لا يعقل أن يكون هو الخالق وحده وهو الملك وحده المتصرف بالكون وحده، الذي أوجدهم من العدم، ثم يصرف لهم شيئاً من العبادة؟!

    وكيف يليق بالإنسان أن يعبد مخلوقاً مثله، بل المعبود هو الخالق الذي خلق الخلق وأوجدهم من العدم ورباهم بالنعم، فهو الذي يجب أن يفرد بالعبادة.

    شرح حديث (من اضطجع مضجعاً لم يذكر الله تعالى فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حامد بن يحيى حدثنا أبو عاصم عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من اضطجع مضجعاً لم يذكر الله تعالى فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة، ومن قعد مقعداً لم يذكر الله عز وجل فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة) ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من اضطجع مضجعاً لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة، ومن قعد مقعداً لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة) والترة: هي النقص والحسرة، وهي مصدر: وتره يتره ترة، ومنه: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35]، يعني: ينقصكم.

    وهذا فيه بيان أهمية الذكر عند النوم، وأهمية الذكر في المجلس، وأن الإنسان إذا لم يحصل منه الذكر عند النوم يكون هذا نقصاً عليه وحسرة؛ وكذلك إذا ترك الذكر في المجلس يكون نقصاً عليه وحسرة.

    تراجم رجال إسناد حديث (من اضطجع مضجعاً لم يذكر الله تعالى فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة ... )

    قوله: [ حدثنا حامد بن يحيى ].

    حامد بن يحيى ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا أبو عاصم ].

    هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو من كبار شيوخ البخاري ، الذين روى عنهم الثلاثيات التي هي من الأسانيد العالية عنده، وهي من طريق ثلاثة أشخاص أو أربعة من شيوخه، وأبو عاصم هذا أحدهم، وقد روى عنه جملة من الأحاديث الثلاثية؛ لأنه من أتباع التابعين، وكذلك مكي بن إبراهيم روى عنه بعض الثلاثيات ومحمد بن عبد الله الأنصاري روى عنه بعض الثلاثيات.

    [ عن ابن عجلان ].

    هو محمد بن عجلان المدني صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن المقبري ].

    وهو أبو سعيد المقبري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب، وسعيد وأبوه كلاهما ثقتان.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الجليل أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.