إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [569]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن التكلف والتشدق والتقعر في الكلام مذموم في الشرع، وأما البلاغة والفصاحة والبيان من غير تكلف فمحمودة إذا استخدمت في الخير، وفي نشر العلم والأخلاق والفضيلة. والشعر منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، فالمحمود ما كان في الخير، وما لم يشغل عن القرآن والحديث والذكر، وما لم يكن الاشتغال به هو الغالب، وإلا فسيصبح مذموماً، والشعر الحسن يجوز إنشاده في المسجد.

    1.   

    ما جاء في المتشدق في الكلام

    شرح حديث (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في المتشدق في الكلام.

    حدثنا محمد بن سنان الباهلي -وكان ينزل العوقة- حدثنا نافع بن عمر عن بشر بن عاصم عن أبيه عن عبد الله -قال أبو داود : هو ابن عمرو رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها) ].

    أورد أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في المتشدق في الكلام ] وفي بعض النسخ: [ باب التشدق في الكلام ] والمقصود بذلك الإنسان الذي يتفاصح ويتقعر ويتعمق في الكلام ويتكلفه، ولم يكن ذلك له سليقة، فيتكلف ويأتي بشيء عن طريق التكلف، أما إذا كان من غير تكلف بأن يعطي الله الإنسان فصاحة وبلاغة فتكلم واستخدم فصاحته وبلاغته في بيان الحق، فإن ذلك غير مذموم.

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها) ].

    وهذا الحديث فيه أن الله يبغض الذي يتكلف البلاغة، ويأتي بشيء عن تقعر وتكلف، ووصفه بأنه يشبه البقرة التي تتخلل بلسانها وتحرك لسانها وتديره وتمده، يعني: أنه يتكلف ويتقعر كما أن البقرة هذا شأنها وهذه طريقتها في كونها تستعمل لسانها في أكلها، وقيل: إن البقرة ليست كالبهائم؛ لأن البهائم تتناول الشيء بأسنانها، وأما هي فتتناول الشيء بلسانها.

    فشبه من يتفاصح ويتكلف البلاغة والفصاحة بالبقرة التي تحرك لسانها وتمده وتميله يميناً وشمالاً.

    وفي هذا إثبات صفة البغض لله عز وجل حيث قال: [ (إن الله يبغض) ] فهذه من صفات الله عز وجل التي يجب إثباتها لله عز وجل كما يليق به، كما هو الشأن في جميع الصفات.

    وفيه: تحريم مثل هذا العمل وذمه، وأن صاحبه ممن هو مبغض عند الله سبحانه وتعالى.

    قوله: [ (الباقرة) ] يعني: المقصود بها البقرة، والجمع الباقر، والمفرد الباقرة كما أن المفرد البقرة، والجمع البقر، وهذه من الجموع التي يكون فيها وزن المفرد أكثر من وزن الجمع؛ لأن الجمع مبناه أقل من مبنى المفرد، لأن المفرد مبني من أربعة حروف، والجمع مكون من ثلاثة حروف، بقر وبقرة، فمبناه أكبر من معناه؛ لأنه إذا اتسع اللفظ قل المعنى، فإذا قيل: بقرة فهي واحدة، وإذا قيل بقر ونقص حرف في الآخر صار يقصد به الجمع، فهي من الجموع التي تكون فيها حروف المفرد أكثر من حروف الجمع.

    والباقرة لغة في البقرة، وإذا حذفت التاء صار الجمع باقراً، كما أن البقرة إذا حذفت التاء منها صار الجمع بقراً، ومثل بقرة وبقر: شجرة وشجر.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سنان الباهلي وكان ينزل العوقة ].

    محمد بن سنان الباهلي هو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ حدثنا نافع بن عمر ].

    نافع بن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بشر بن عاصم ].

    بشر بن عاصم وهو ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    هو عاصم بن سفيان وهو صدوق، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن عبد الله ، قال: أبو داود هو ابن عمرو ].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادله الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، فيطلق عليهم لفظ العبادلة من الصحابة، وإن كان في الصحابة عدد كبير ممن يسمى عبد الله مثل: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن لفظ العبادلة غلب على هؤلاء الأربعة الذين هم من صغار الصحابة، والذين عمروا حتى استفاد من أدركهم من علمهم، وأما غيرهم ممن يسمى عبد الله فهم في الغالب من المتقدمين من الصحابة الذين لم يدركهم من التابعين مثل هؤلاء الذين أدركوا هؤلاء الصحابة الذين هم من صغارهم.

    شرح حديث (من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن السرح حدثنا ابن وهب عن عبد الله بن المسيب عن الضحاك بن شرحبيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال أو الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة : [ (من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال أو الناس) ]

    يعني: تصاريفه والتعمق فيه من أجل أن يسبي عقول الرجال ويستميل قلوب الناس إليه، وأنه إنما تعلم من أجل أن يصرف الناس إليه فهذا هو المذموم.

    قوله: [ (لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلا) ] يعني: هذا يدل على أنه مذموم، والصرف النافلة والعدل الفريضة، وقيل غير ذلك، ولكن الحديث في إسناده ضعف من جهة أن فيه من هو مقبول، ومن جهة أن الضحاك قيل: إنه لم يرو عن الصحابة، وإنما روايته عن التابعين وليست عن الصحابة، ففيه احتمال الانقطاع، وفيه أيضاً الرجل الذي هو مقبول وهو عبد الله بن المسيب .

    تراجم رجال إسناد حديث (من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال)

    قوله: [ حدثنا ابن السرح ].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن المسيب ].

    عبد الله بن المسيب وهو مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ عن الضحاك بن شرحبيل ].

    الضحاك بن شرحبيل وهو صدوق يهم، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    شرح حديث ابن عمر (... إن من البيان لسحراً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس -يعني: لبيانهما- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، أو إن بعض البيان لسحر) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: [ (قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس يعني لبيانهما) ] فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: [ (إن من البيان لسحراً، أو إن بعض البيان لسحر) ].

    وهذا فيه بيان أن من الكلام ما يكون فيه فصاحة وبلاغة، فإن كان عن تكلف فهو الذي سبق أن مر ذمه، وأما إذا كان من غير تكلف فإنه محمود إذا صرف فيما هو خير، ومذموم إن صرف فيما هو شر.

    والإمام أبو داود أورده في باب التشدق في الكلام، ومعلوم أن التشدق في الكلام مذموم، لكنه يحمل على ما إذا كان عن تكلف، وأما إذا كان عن طبيعة وجبلة وسليقة وليس فيه تكلف، فإنه يكون محموداً إذا كان الإتيان به فيما هو خير، أما إذا كانت الفصاحة والبلاغة الجبلية الطبيعية صرفت فيما هو شر فهي شر.

    ومعلوم أن الباب باب ذم وليس باب مدح، ولكنه كما أشرت يحمل على أن المقصود به ما إذا كان عن تكلف، أو فصاحة طبيعية جبلية ولكنها صرفت في شر، ولكن ورود حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: [ (إن من البيان لسحراً) ] الذي يبدو أنه مدح؛ لأنه كلام أعجبوا به، وليس فيه شيء يدل على الذم، ولكنَّ أبا داود أورده في باب التشدق فيحمل إيراده إياه على ما إذا كان عن طريق التكلف، أو أنه استعمل في شر، لأن من الناس من يكون فصيحاً بليغاً فيستخدم بلاغته في الشر ونشر الباطل وإظهار الباطل وإغواء الناس والعياذ بالله، ومنهم من يكون فصيحاً وفصاحته تستعمل في الخير.

    قوله: [ (قدم رجلان من المشرق) ].

    الرجلان هما: الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم .

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر (... إن من البيان لسحراً ...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زيد بن أسلم ].

    زيد بن أسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عمر ].

    عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الإسناد رباعي وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    شرح حديث عمرو بن العاص (... لقد أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز هو خير)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني أنه قرأ في أصل إسماعيل بن عياش وحدثه محمد بن إسماعيل ابنه قال: حدثني أبي قال: حدثني ضمضم عن شريح بن عبيد قال: حدثنا أبو ظبية أن عمرو بن العاص رضي الله عنه (قال يوماً وقام رجل فأكثر القول، فقال عمرو : لو قصد في قوله لكان خيراً له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لقد رأيت -أو أمرت- أن أتجوز في القول؛ فإن الجواز هو خير) ].

    أورد أبو داود حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: [ (أن رجلاً تكلم فأكثر الكلام، فقال عمرو رضي الله عنه: لو تجوز في الكلام لكان خيراً له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت أو أمرت أن أتجوز في القول؛ فإن الجواز هو خير) ].

    يعني: اختصار الكلام والإتيان به مختصراً غير مطول هو خير، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، فكان يأتي بالكلام القليل المبنى الواسع المعنى؛ لأن كلامه جوامع عليه الصلاة والسلام.

    قوله: [ (أمرت أن أتجوز) ] إذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [ (أمرت) ] فالآمر له هو الله، وإذا قال الصحابي أمرت بكذا أو أمرنا بكذا فالآمر هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد شك الراوي هل قال: أمرت أو رأيت.

    تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن العاص (.... لقد أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز هو خير)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني ].

    سليمان بن عبد الحميد البهراني هو صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ أنه قرأ في أصل إسماعيل بن عياش ].

    يعني: في أصل كتابه.

    [ وحدثه محمد بن إسماعيل ابنه قال: حدثني أبي ].

    وأيضاً حدثه ابن إسماعيل بن عياش عن أبيه، فصار يروي الحديث من جهتين: من جهة أنه قرأه في أصل كتاب إسماعيل ثم رواه عنه، ومن جهة أنه رواه عن ابنه عن أبيه.

    وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن.

    أما محمد بن إسماعيل بن عياش فقد عابوا عليه أنه حدث عن أبيه من غير سماع، وحديثه أخرجه أبو داود .

    [ حدثني ضمضم].

    هو ضمضم بن زرعة الحمصي ، وهو من أهل بلد إسماعيل بن عياش ، وهو صدوق يهم، أخرج له أبو داود وابن ماجة في التفسير.

    [ عن شريح بن عبيد ].

    شريح بن عبيد وهو حمصي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا أبو ظبية ].

    أبو ظبية وهو مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وقد رجعت إلى تهذيب التهذيب فما وجدت شيئاً من الكلام فيه، وإنما الكلام الذي فيه حسن، فقد وثقه يحيى بن معين كما نقل عنه ذلك من طريقين، وأثنى عليه أناس غيره، فقول الحافظ فيه: إنه مقبول غير مستقيم.

    [ أن عمرو بن العاص ].

    عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية إثبات صفة البغض لله وغيرها من الصفات

    السؤال: هل صفة البغض تثبت لله مطلقاً، أم لا بد من تقييدها مثل بغض المنافقين؟

    الجواب: الله تعالى يبغض ويحب، فكما أن المحبة تثبت لله عز وجل وهي ليست لكل أحد، فالبغض يثبت لله عز وجل ولكن ليس لكل أحد.

    فالمحبة تثبت لله ويقال: من صفات الله المحبة، ويقال: من صفاته البغض، ولا يقال: إنه لا يذكر إلا مقيداً فيقال: من صفات الله بغض كذا، ومن صفات الله محبة كذا، بل يقال: من صفاته أنه يحب ويبغض، ولكن يحب من هو أهل للحب، ويبغض من هو أهل للبغض.

    الكلام في نسبة محمد بن سنان الباهلي إلى العوقة

    السؤال: ما معنى قوله عن محمد بن سنان الباهلي كان ينزل العوقة ؟

    يعني: أنه كان يسكن وينزل هذه البلدة التي هي العوقة، والباهلي نسبة إلى قبيلة باهلة.

    قال الحافظ في التقريب: محمد بن سنان الباهلي أبو بكر البصري العوقي بفتح المهملة والواو بعدها قاف.

    فنسبه إلى البصرة ثم نسبه إلى العوقة، يعني: أن نسبته الأصلية بصري، ثم نزل العوقة، مثل ما يقولون: إن فلاناً كان في بلد كذا ثم انتقل إلى كذا، ولهذا يقول هنا: البصري ثم العوقي، ويقال في مثله البصري نزل كذا أو نزيل كذا.

    يعني: إن قيل: العوقي فنسبته صحيحة، وإن قيل: البصري فنسبته صحيحة.

    وقال صاحب العون: يذكر أن العوقة هذه محلة من محال البصرة.

    وأيضاً هي قرية في اليمامة.

    وهذا مثل الذي مر بنا أبو داود الحفري وهو كوفي.

    والحفر محلة من محلات الكوفة، فيقال له أحياناً : الحفري وأحياناً الكوفي ، وهذا إذا قيل له: العوقي أحياناً فهو نسبة إلى العوقة، وهي محلة في البصرة، وهي نسبة خاصة، وإذا قيل: البصري فهي نسبة عامة.

    حكم تعلم إلقاء الخطبة والمسابقة في ذلك

    السؤال: ما حكم تعلم إلقاء الخطبة والاشتراك في المسابقة فيها؟

    الجواب: لا بأس أن يتعلم الإنسان أو يعود نفسه على الخطابة، ويأتي بالخطب في بعض الأحيان من أجل التمرن ومن أجل التعود لا بأس بذلك؛ لأن العلم بالتعلم، والإنسان لا يأتيه العلم فجأة وإنما يأتيه بالتدرج، فإذا حصل منه أن تعلم الخطابة وأتى بالخطبة في بعض المساجد من أجل أن يتمرن ويتعود فلا بأس بذلك.

    وكون الإنسان يخطب من أجل أن يتعود ويتمرن على الخطابة فهذا ليس من التكلف في البلاغة والفصاحة والتشدق والتعمق والتقعر في الكلام.

    1.   

    ما جاء في الشعر

    شرح حديث (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الشعر.

    حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) ].

    أورد أبو داود [ باب ما جاء في الشعر] يعني: فيما يتعلق بالاشتغال به وإنشاده وفي مدحه أو ذمه.

    أورد أبو داود هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) ] والحديث يدل على أن الانهماك فيه والاشتغال به عن القرآن والحديث وعن ذكر الله عز وجل مذموم، وأما إذا كان الاشتغال فيه ليس هو الغالب وإنما الغالب هو الاشتغال بالقرآن والحديث وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر الله فإنه لا يكون مذموماً؛ لأن إنشاده وحفظ ما هو مفيد منه محمود وليس بمذموم، ولكن الذم فيما إذا شغل عن ذكر الله وشغل عن القرآن وشغل عن الحديث وشغل عن العلم النافع، وأما إذا لم يشغل فإنه لا مانع منه ولا محذور فيه؛ ولهذا بوب البخاري رحمه الله باباً للحديث يوضح هذا المعنى قال: باب ما يكره من الإكثار من الشعر حتى يشغل عن ذكر الله.

    يعني: أن المقصود به هو الإكثار منه والاشتغال به حتى يغلب الإنسان ويشغله عما هو أهم منه، ويقال: إن معناه إذا كان الشعر محرماً. وهذا لا يقال فيه: قليله حلال وكثيره حرام، بل لو لم يكن فيه غير بيت من الشعر وهو شر، ويظل الإنسان به ويحفظه ويحافظ عليه ويعجبه، فإنه مذموم ولو كان بيتاً واحداً، وإنما الكلام في قوله: [ (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) ] يعني: هو الشعر المحمود، ولكنه يشغل عن ذكر الله وعن القرآن وعن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المذموم، أما إذا كان عنده شعر قليل ولكنه ليس شغله الشاغل واهتمامه بما هو أهم منه وبما هو أولى منه، فإنه لا بأس بذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)

    قوله: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي ].

    هو هشام بن عبد الملك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح ].

    هو ذكوان السمان اسمه ذكوان ولقبه السمان وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة وقد مر ذكره.

    نقل أبي علي اللؤلؤي عن أبي عبيد وجه الذم للمشتغل بالشعر ومعنى البيان وسحره

    [ قال أبو علي : بلغني عن أبي عبيد أنه قال: وجهه أن يمتلئ قلبه حتى يشغله عن القرآن وذكر الله، فإذا كان القرآن والعلم الغالب فليس جوف هذا عندنا ممتلئاً من الشعر.

    وإن من البيان لسحراً: قال: كأن المعنى أن يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قول، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سحر السامعين بذلك ].

    هذا الكلام فيما يتعلق بالشعر مطابق لما بوب به البخاري من أن المقصود هو الإكثار من الشعر بحيث ­يغلب ويطغى على غيره مما هو أهم منه، وأما إذا كان الغالب هو القرآن والحديث وما فيه ذكر الله عز وجل، وكان عنده شيء من الشعر وهو مغمور وليس هو الأكثر، فإنه ليس هو المذموم الذي قال فيه: [ (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً) ] فهذا لا بأس به إذا كان عنده شيء من الشعر، ولكنه ليس هو الغالب، بل الغالب عليه ما هو أهم منه وهو القرآن والحديث وما فيه اشتغال بالعلم النافع.

    ثم ذكر ما يتعلق بالسحر وقال: (إن من البيان لسحراً) وهو أن الإنسان بفصاحته وبلاغته يمكن أن يمدح إنساناً فيأتي به، ويذم إنساناً فيأتي به، ولكن المحمود منه فيما إذا كان بخير، والمذموم منه فيما إذا كان بشر.

    ترجمة اللؤلؤي وأبي عبيد وسبب عدم رواية صاحبي الصحيحين لبعض الثقات

    قوله: [ قال أبو علي بلغني عن أبي عبيد ].

    أبو علي هو اللؤلؤي راوي الكتاب عن أبي داود ، وأبو عبيد هو القاسم بن سلام وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وفي جزء القراءة، وأبو داود .

    لم يخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما، مع أنه إمام من الأئمة رفيع المنزلة، وهذا يبين لنا أن البخاري ومسلماً ما رويا عن كل ثقة، كما أنهما لم يرويا كل حديث صحيح، فقد رويا أحاديث صحيحة وتركا أحاديث صحيحة، ورويا عن ثقات وتركا الرواية عن ثقات، وليس تركها الرواية عن الثقات لأنهما لا يريان الاحتجاج بهما، أو أنهم ليسوا حجة عندهما.

    كما أنهما تركا جملة من الأحاديث الصحيحة، وليس معنى ذلك أنهما لا يريانها أحاديث صحيحة، بل إنهما انتقيا وأوردا هذا المقدار من الأحاديث الصحيحة، وتركا من الصحيح ما هو كثير لم يأتيا به، فكذلك أيضاً اتفق لهما أن رويا أحاديث عن جماعة من الثقات ولم يرويا عن جماعة من الثقات، وهذا يبين لنا أن البخاري ومسلماً لم يلتزما إخراج كل صحيح، فلا يستدرك عليهما أحاديث صحيحة ولم يلتزما الإخراج عن كل ثقة، فلا يقال: كيف لم يخرجا لفلان وهو ثقة؟ فقد يكون الإنسان ثقة وفي غاية الأوصاف الحميدة ثم لا يرويان عنه، فـأبو عبيد أثنى عليه الحافظ في التقريب ثناء عظيماً قال: القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي أبو عبيد الإمام المشهور ثقة فاضل مصنف.

    ويقول الحافظ : لم أر له في الكتب حديثاً مسنداً، بل من أقواله في شرح الغريب.

    وهذا كما هو معلوم أن طريقة الحافظ أنه يذكر الشخص إذا كان من خرج له اتصالاً، أما إذا كان في التعاليق فإنه لا يرمز له، بل يرمز لمن خرج له اتصالاً.

    وهنا على خلاف طريقة أبي داود فقد رمز له الحافظ بدال.

    حكم إيراد المفسرين بعض أشعار العرب في التفسير

    أهل العلم قد شرطوا في المفسر أن يكون ملماً بلغة العرب وأشعارها وبخاصة المعلقات، رغم أن فيها الغزل الماجن، وقد كان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في دروسه يأتي بأبيات عجيبة، ويبين أن المراد هو الوصول بها إلى التفسير وفهم كلام الله عز وجل.

    أقول: إذا كان الإنسان مثل الشيخ الشنقيطي في السعة في الحديث والتفسير وكلام العرب فليحفظ المعلقات، وأما كونه يشتغل بالمعلقات وهو لا يعرف التفسير ولا يعرف شيئاً من الأمور المهمة في التفسير فهذا هو الذي ينطبق عليه حديث ذم الشعر والاشتغال به.

    وهذه الأشعار التي كان يأتي بها الشيخ الشنقيطي عند التفسير فهو يأتي أولاً بتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالحديث، وتفسير القرآن بكلام الصحابة، وتفسير القرآن بكلام التابعين، ثم يأتي بكلام العرب وأشعارهم، فالإنسان الذي عنده القدرة على أن يكون كذلك فليفعل.

    حكم حفظ المنظومات العلمية

    أما عن حفظ المنظومات العلمية، فإنها لا تدخل في الذم، فمن حفظ هذه المنظومات من أجل أن يستذكر، فلا بأس؛ لأن حفظ الشعر أسهل من حفظ النثر، لكن لا يكون شغله هو النظم، بل يحفظ النظم وغير النظم، إنما النظم يأتي به من أجل التوصل به إلى العلم، مثل المنظومات في المصطلح، وفي الفرائض وغيرها من أجل أن يستذكر، فمثل هذا لم يشغله عن ذكر الله، بل هو نظم في ذكر الله.

    شرح حديث (إن من الشعر حكمة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن مروان بن الحكم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث عن أبي بن كعب رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الشعر حكمة) ].

    أورد أبو داود حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (إن من الشعر حكمة) ] وهذا مدح للشعر؛ لأن من الشعر ما يكون فيه حكم، وما يكون فيه أمور جميلة، وما يكون فيه عظة وعبرة، وما أكثر الشعر الذي هو من هذا القبيل، مثل شعر أبي العتاهية فإنه مليء بالحكم.

    فإذاً: من الشعر ما هو محمود، ولكن كما مر في الحديث الأول لا يكون شغل الإنسان الشاغل هو الشعر ولو كان محموداً؛ لأنه إذا شغل عما هو أهم منه وعما هو أولى منه صار مذموماً.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن من الشعر حكمة)

    قوله: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ].

    أبو بكر بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا ابن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ].

    أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع منهم.

    ذكر فقهاء المدينة المتفق عليهم والمختلف فيهم

    إن فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين ستة متفق على عدهم، والثالث فيه ثلاثة أقول، المتفق على عدهم هم:

    عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن العوام والسابع فيه أقوال ثلاثة:

    قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن هذا الذي معنا.

    وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .

    وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر .

    وابن القيم رحمه الله ذكر في أول كتابه إعلام الموقعين جماعة من المفتين من الصحابة، ثم جماعة من المفتين من التابعين في مختلف البلدان، ولما جاء عند ذكر المدينة وذكر الفقهاء فيها، ذكر من فقهاء المدينة في عصر التابعين سبعة، وذكر سابعهم هذا الذي معنا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وذكر بيتين من الشعر اشتمل البيت الثاني على ذكر السبعة، فقال:

    إذا قيل من في العلم سبعة أبحر

    روايتهم ليست عن العلم خارجه

    فقل هم عبيد الله عروة قاسم

    سعيد أبو بكر سليمان خارجه

    يعني هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود

    عروة بن الزبير .

    القاسم بن محمد .

    سعيد بن المسيب .

    أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .

    سليمان بن يسار .

    خارجة بن زيد بن ثابت .

    تابع تراجم رجال إسناد حديث (إن من الشعر حكمة)

    قوله: [ عن مروان بن الحكم ].

    مروان بن الحكم الخليفة، وقد قال عنه عروة بن الزبير : إنه لا يتهم في الحديث، وقد خرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ].

    عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج له البخاري وأبو داود وابن ماجة.

    [عن أبي بن كعب ].

    أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    طريق أخرى لحديث (إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً) وترجمة رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يتكلم بكلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: [ (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يتكلم بكلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً) ] وهو بمعنى الحكمة.

    وقوله: [ (إن من البيان سحراً) ] سبق أن مر في الحديث السابق. وقد مر أيضاً في حديث سابق: (إن من الشعر حكمة).

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ حدثنا أبو عوانة ].

    هو وضاح بن عبد الله اليشكري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك ].

    هو سماك بن حرب وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عكرمة ].

    هو عكرمة مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب صحابي جليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث كما هو معلوم فإن الذي فيه جاء في أحاديث أخرى صحيحة، فهو إما أن يكون ثابتاً أو أن له شواهد.

    شرح حديث (إن من البيان سحراً وإن من العلم جهلاً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا سعيد بن محمد حدثنا أبو تميلة حدثني أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (إن من البيان سحراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً، وإن القول عيالاً).

    فقال صعصعة بن صوحان : صدق نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أما قوله: (إن من البيان لسحراً) فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق.

    وأما قوله: إن من العلم جهلاً، فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهله ذلك.

    وأما قوله: إن من الشعر حكماً، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس.

    وأما قوله: إن من القول عيالاً، فعرضك كلامك، وحديثك على من ليس من شأنه ولا يريده ].

    أورد أبو داود حديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (إن من البيان سحراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيالاً) ].

    وقوله: [ (إن من البيان سحراً) ] مر ذكره.

    صعصعة بن صوحان فسر قوله: [ (وإن من العلم جهلاً) ] بعدة تفسيرات وهذا المذكور عن صعصعة منها، وهناك تفسيرات أخرى ذكرها في عون المعبود غير هذا اللفظ قال فيها: أي: لكونه علماً مذموماً، والجهل به خير منه.

    يعني: وجود الجهل خير من ذلك العلم؛ لأن علمه فيه ضرر والجهل به فيه نفع.

    ثم قال: أو لكونه علماً بما لا يعنيه، فيصير جهلاً بما يعنيه.

    يعني: إما أن يكون اشتغل بما لا يعنيه أو ترك ما يعنيه.

    ثم قال: وقيل: ألا يعمل بعلمه، فيكون ترك العمل بالعلم جهلاً.

    يعني: أنه يكون بمثابة الجاهل؛ لأنه لم يعمل بعلمه، بل الجاهل أحسن حالاً منه، كما يقول الشاعر:

    إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة

    وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

    ثم قال: وفي النهاية قيل: هو أن يتعلم ما لا حاجة إليه كالنجوم وعلوم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة. وقيل: هو أن يتكلف العالم القول فيما لا يعلمه فيجهله ذلك.

    وهذا معنى كلام صعصعة بن صوحان الذي ذكره أبو داود ونقله عنه.

    قوله: [ فيجهله ذلك ].

    يعني: ينسب به إلى الجهل؛ لأنه تكلم بغير علم.

    قال أبو يوسف : الجهل بالكلام هو العلم.

    قوله: [ (وإن القول عيالاً) ] بكسر أوله، قال الخطابي : هكذا رواه أبو داود : [ (عيالاً) ] ورواه غيره (إن من القول عيلاً).

    قال الأزهري : قوله عليه الصلاة والسلام: [(عيلاً)] من قولك: علت الضالة أعيل عَيْلاً وعَيَلاً، إذا لم تدر أية جهة تبغيها.

    قال أبو زيد : كأنه لم يهتد لمن يطلب علمه فعرضه على من لا يريده.

    يعني: كأنه وضعه في غير موضعه، حيث شغل وقته في غير طائل، كأنه أهدي هدية لا يريدها، وهذا مثل ما يقولون: صيحة في واد ما لها نتيجة ولا لها ثمرة.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن من البيان سحراً وإن من العلم جهلاً...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ].

    هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا سعيد بن محمد ].

    سعيد بن محمد صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا أبو تميلة ].

    هو يحيى بن واضح وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت ].

    عبد الله بن ثابت وهو مجهول، أخرج له أبو داود .

    [ عن صخر بن عبد الله بن بريدة ].

    وهو مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ عن أبيه ].

    هو عبد الله بن بريدة وهو تابعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جده ].

    هو بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    والحديث ضعيف من حيث الإسناد، ولكن الجملة الأولى والجملة الثالثة وهما قوله: [ (إن من البيان سحراً) ] وقوله: [ (وإن من الشعر حكماً) ] قد جاءت الأحاديث بهما، وأما قوله: [ (وإن من العلم جهلاً) ] وقوله: [ (وإن من القول عيالاً) ] فهما جاءا في هذا الإسناد، فيكون فيهما ضعف؛ لأنهما جاءا من هذا الطريق.

    شرح حديث (مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن أبي خلف وأحمد بن عبدة المعنى قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد قال (مر عمر بـحسان رضي الله عنهما وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك) ].

    أورد أبو داود حديث حسان وفيه: أن عمر مر به وهو ينشد شعراً في المسجد فلحظه، يعني: نظر إليه بعينه نظرة فيها إنكار، فقال: مجيباً عن الفعل الذي قام مقام القول:[ (قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك) ] يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا يدل على جواز إنشاد الشعر في المسجد وذكره في المسجد إذا كان سليماً وكان حكماً، مثل ما كان شعر حسان رضي الله عنه دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك)

    قوله: [ حدثنا ابن أبي خلف ].

    هو محمد بن أحمد بن أبي خلف وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ وأحمد بن عبدة ].

    هو أحمد بن عبدة الضبي وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [حدثنا سفيان بن عيينة ].

    هو سفيان بن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سعيد ].

    الزهري مر ذكره، وسعيد هو ابن المسيب وهو ثقة، وهو من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ مر عمر بـحسان ].

    هو حسان بن ثابت رضي الله عنه وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    الحكم على رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    قال المنذري : وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر ، فإن كان سمع ذلك من حسان بن ثابت فيتصل .

    يعني: هو يحكي الذي قد حصل، فيمكن أن يكون سعيد سمع من حسان ، ويمكن أن يكون سمع من عمر ؛ لأن ابن القيم رحمه الله ذكر في تهذيب السنن ما يدل على سماعه منه، وأثبت سماعه منه.

    قال ابن القيم : وقد تكرر له في هذا الكتاب في مواضع .

    يعني: تكرر أن المنذري يقول مثل هذا الكلام.

    قال ابن القيم رحمه الله: وبه يعلل ابن القطان وغيره حديث سعيد عن عمر ، وهو تعليل باطل أنكره الأئمة كـأحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان وغيرهما، قال أحمد : إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل؟! سعيد عن عمر عندنا حجة.

    وقال حنبل في تاريخه: حدثنا أبو عبد الله يعني: أحمد بن حنبل ، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا سعيد عن إياس بن معاوية قال: قال سعيد بن المسيب ممن أنت ؟ قلت من مزينة، قال:إني لأذكر يوم نعى عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني على المنبر.

    وهذا صريح في الرد على من قال: إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر.

    وقال: يحيى بن سعيد الأنصاري : كان سعيد بن المسيب راوية عمر بن الخطاب ؛ لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه.

    وقال مالك : بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره.

    هذا ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر ، بل قابلوها كلهم بالقبول والتصديق، ومن لم يقبل المرسل قبل مرسل سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقال الحاكم في علوم الحديث: سعيد بن المسيب أدرك عمر وعلياً وطلحة وباقي العشرة وسمع منهم.

    والمقصود: أن تعليل الحديث برواية سعيد له عن عمر تعنت بارد، والصحيح أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر فيكون له وقت وفاة عمر ثمان سنين، فكيف ينكر سماعه، ويقدح باتصال روايته عنه! والله الموفق للصواب

    وقد أخرجاه في الصحيحين وذكره أبو داود عقب هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، فذكر الحديث بمعنى ما تقدم دون ذكر الزيادة .

    طريق أخرى لحديث حسان عن أبي هريرة وزاد فيه (... فخشي أن يرميه برسول الله فأجازه) وترجمة رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى :[ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه بمعناه زاد: (فخشي أن يرميه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجازه) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة وقال: بمعناه، وزاد: [ (فخشي أن يرميه برسول الله) ] يعني: خشي أن يقول له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أنشدته وهو خير منك .

    قوله: [ (فأجازه) ] يعني: أن عمر تركه.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    هو أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سعيد بن المسيب ].

    الزهري وسعيد بن المسيب مر ذكرهما.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة وقد مر ذكره.

    شرح حديث (كان رسول الله يضع لحسان منبراً في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سليمان المصيصي لوين حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة وهشام عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لـحسان رضي الله عنه منبراً في المسجد، فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن روح القدس مع حسان ، ما نافح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها الذي فيه بيان ما ذكره حسان في الحديث السابق حيث قال: (كنت أنشده وفيه من هو خير منك) يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر هنا الحديث الذي فيه إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأن ينشد الشعر، وأنه كان يضع له منبراً يقوم عليه وينشد الشعر ينافح ويدافع به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهجو المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يهجوهم ويقابل هجاءهم للرسول صلى الله عليه وسلم بهجائه إياهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ (إن روح القدس مع حسان) ] وروح القدس هو جبريل.

    قوله: [ (ما نافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ] فهو يدل على توضيح ما ذكر في الحديث السابق من إنشاد الشعر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يضع لحسان منبراً في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سليمان المصيصي لوين ].

    هو محمد بن سليمان المصيصي، ولوين لقبه، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن أبي الزناد ].

    هو عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    وهذا عبد الرحمن هو الذي يكنى به أبو الزناد أبوه يقال له: أبو عبد الرحمن ، وأبو الزناد ليست كنية وإنما هي لقب، ولكنه على صيغة الكنية.

    [ عن أبيه ].

    هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني ثقة مكثر من الرواية عن أبي هريرة ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ وهشام عن عروة ].

    يعني: أن هشاماً مثل أبي الزناد يروي عن عروة ، وهشام هو ابن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح أثر ابن عباس في نسخ (والشعراء يتبعهم الغاوون)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] فنسخ من ذلك واستثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الشعراء:227] ]

    أورد أبو داود أثر ابن عباس قال: [ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] فنسخ من ذلك واستثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الشعراء:227] ] فاللفظ الأول عام، وهم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون الذين وصفهم الله، فالذين استثناهم الله عز وجل من اللفظ العام بقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الشعراء:227] ليسوا من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وإنما الذين يتبعهم الغاوون هم الذين ليسوا موصوفين بهذه الأوصاف التي جاءت في هذا الاستثناء.

    قوله: [ فنسخ من ذلك واستثنى ] أي: نسخ بعض ما يدل عليه العموم؛ لأن النسخ هو رفع الحكم الشرعي بحكم شرعي آخر متراخ عنه، وهذا نسخ الحكم جملة، وأما الاستثناء فيقال له: تخصيص؛ لأنه استثنى بعض أفراد العام، وأطلق عليه نسخ؛ لأنه في الجملة رفع للشيء وإن لم يكن الرفع فيه كلياً، وإنما هو رفع للبعض؛ ولأن اللفظ العام قوله: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] يشمل كل شاعر، فلما استثني منه هؤلاء الذين اتصفوا بالإيمان والعمل الصالح وذكر الله، صار الحكم العام باقياً في حق غير هؤلاء المستثنين.

    تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس في نسخ (والشعراء يتبعهم الغاوون)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد المروزي ].

    هو أحمد بن محمد بن ثابت المروزي المشهور بـابن شبويه وهو ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا علي بن حسين ].

    هو علي بن حسين بن واقد وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    وهو ثقة له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن يزيد النحوي ].

    هو يزيد بن أبي سعيد النحوي وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    عكرمة وابن عباس قد مر ذكرهما.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الأناشيد التي تسمى بالإسلامية

    السؤال: بمناسبة الحديث عن الشعر فقد كثرت الأسئلة عن الأناشيد التي تسمى بالإسلامية، خاصة وأنها الآن ربما ألقيت في حفلات تقام في المسجد، ويحتجون بحديث حسان مع عمر رضي الله عنه؟

    الجواب: هذه الأناشيد التي يتغنى بها والتي غالباً ما يحرص فيها على الأصوات ولا يحرص فيها على المعاني، ليست من قبيل الشعر المحمود الذي يثنى عليه؛ لأنه يغلب عليه الرغبة في الأصوات والاستمتاع بها أكثر من الاستمتاع بالمعاني.

    حكم من صلى وفي ثوبه نجاسة من دم أو غيره

    السؤال: صليت وكان في ثوبي دم وهذا الدم كان من رجلي، فهل صلاتي صحيحة؟

    الجواب: الإنسان إذا صلى وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة، فإن صلاته صحيحه، سواء كانت بولاً أو دماً أو غير ذلك، وإنما تكون صلاته غير صحيحه لو صلاها بغير وضوء، فإنه يجب عليه الإعادة.

    وأما إذا صلى وعليه نجاسة دون علم بها فإن صلاته صحيحة، والدليل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صلى بأصحابه وكان عليه نعلاه وأصحابه عليهم نعالهم، فلما كان في أثناء الصلاة جاءه جبريل وأخبره بأن في نعليه قذراً فخلعهما، فخلع الناس نعالهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك أخبرهم بأن جبريل أخبره، فدل هذا على أن الصلاة صحيحة؛ لأنه لو كانت الصلاة غير صحيحة لاستأنف الصلاة من أولها، ولم يبن على ما مضى.

    إذاً: لو صلى المرء وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد ما فرغ من الصلاة، أو كان على علم قبل ذلك بالنجاسة ولكن نسيها فإن صلاته صحيحة، وليس عليه الإعادة لهذا الحديث، وإنما تكون الإعادة لو صلى بغير وضوء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).

    حقيقة إهداء النبي صلى الله عليه وسلم بردته لكعب بن زهير حين ألقى عليه قصيدته

    السؤال: هل صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى بردته لـكعب بن زهير عندما ألقى عليه قصيدته، وسميت بالبردة لذلك؟

    الجواب: كون الرسول صلى الله عليه وسلم أهدى لـكعب بردة لا أدري عنه شيئاً، ولكن قصيدة كعب بن زهير مشهورة، والشيخ إسماعيل الأنصاري رحمه الله كتب رسالة خاصة حول قصيدة كعب بن زهير وأنه ألقاها بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر ما يتعلق بها من الأسانيد والأحاديث.

    وأما قضية البردة فلا أعلم عنها شيئاً.

    حكم إطلاق القول بأن القرآن كالسحر

    السؤال: هل يصح القول بأن القرآن كالسحر؟

    الجواب: القرآن هو خير الكلام وأفصح الكلام وأبلغ الكلام، ولكن لا يوصف بهذا الوصف؛ لأن السحر كما هو معلوم يحمد ويذم، والقرآن كله حمد لا ذم فيه.