إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [562]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الرحمة صفة من صفات الله تعالى، فمن تحلى بها من عباده في حدود قدرته شملته رحمة الله الواسعة، فالله يرحم الرحماء من عباده؛ ولرحمته سبحانه بخلقه لم يقنط المسرفين من عفوه ومغفرته، وكذا من خدوا الأخاديد للمؤمنين ورموهم فيها، هددهم بعذاب جهنم إن لم يتوبوا وهذه كلها من دلائل رحمته بخلقه، ثم ندب عباده إلى التحلي بهذه الصفة، التي تقتضي النصيحة، وستر العورات، وعدم هتك الحرمات.

    1.   

    ما جاء في الرحمة

    شرح حديث (الراحمون يرحمهم الرحمن ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرحمة.

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومسدد المعنى قالا: حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي قابوس مولى لـعبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء) لم يقل مسدد : مولى عبد الله بن عمرو ، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب في الرحمة، والمقصود بذلك أن يرحم الإنسان الخلق ويرحم الناس ويرحم الدواب والبهائم، أي: ما ينتفع به ولا يؤذي، أما ما يؤذي ولا يستحق الرحمة بل بإيذائه يستحق أن يتخلص منه مثل الحيات والعقارب وما إلى ذلك، فهذا يعمل على التخلص منه، وعلى إتلافه وقتله حتى يسلم الناس من شره، ولكن ذلك فيمن يستحق الرحمة، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن) وهذا لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أنهم يَرحمون يُرحمون، فحينما حصلت منهم رحمة للخلق الذين يستحقون الرحمة فجزاؤهم أن يرحمهم الله تعالى.

    وقوله: (من في السماء) أي: الله، والمقصود بالسماء: العلو، والله تعالى في العلو فوق العرش، وهذا هو معنى السماء التي يقال: إن الله تعالى فيها، أي: في العلو، وكل ما علا فهو سماء، والله تعالى عالٍ على خلقه فوق عرشه، لا أنه في داخل المخلوقات، فإن المخلوقات لا تحويه سبحانه وتعالى، بل هو أعظم وأجل.

    والله عز وجل لما خلق الخلق كان هو وحده وليس معه غيره، ثم خلق الخلق، وهو عز وجل مغاير لخلقه ليس حالاً فيهم وليسوا حالين فيه، وإنما هم مباينون له، والله عز وجل فوق العرش وهو في السماء، أي: في العلو، وهذا هو المقصود بقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16].

    ولا يتصور أو يفهم أن المقصود بذلك السماء التي بناها الله عز وجل وخلقها وأوجدها، فالله تعالى فوقها وفوق كل شيء، وهو عالٍ على خلقه وفوق خلقه، لا يحل في المخلوقات والمخلوقات لا تحل فيه سبحانه وتعالى، هذا هو معنى السماء هنا.

    ومن العلماء من قال: إن المقصود بالسماء: السماء المبنية، ولكن (في) بمعنى (على)، ويكون معنى (في السماء) أي: فوقها، ويكون نظير قول الله عز وجل: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] أي: على جذوع النخل؛ لأنه لن يصلبهم في وسط الجذوع بأن يحفر لهم ويدخلهم فيها، وإنما يصلبهم على الجذوع، فـ(في) بمعنى (على)، فإذا أريد بالسماء السماء المبنية فالله تعالى عليها، أي: فوقها وفوق كل شيء، وإن أريد بالسماء العلو فهو على بابه، والله تعالى في السماء فوق العرش بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، ليس حالاً فيهم، وليسوا حالين فيه سبحانه وتعالى.

    تراجم رجال إسناد حديث (الراحمون يرحمهم الرحمن ...)

    قوله: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ].

    أبو بكر بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [ ومسدد قالا: حدثنا سفيان ].

    مسدد مر ذكره، وسفيان هو ابن عيينة المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو ].

    هو عمرو بن دينار وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي قابوس مولى لـعبد الله بن عمرو ].

    أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي .

    وأبو قابوس هذا مقبول، ولكن له متابع، وللحديث شواهد من غير رواية عبد الله بن عمرو ، فالحديث صحيح بشواهده وللمتابع الذي تابع أبا قابوس .

    [ عن عبد الله بن عمرو ].

    عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما صحابي جليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    عناية المحدثين ودقتهم في ضبط الرواية

    قوله: [ لم يقل مسدد : مولى عبد الله بن عمرو ].

    يعني: أن الذي قال: مولى عبد الله بن عمرو هو أبو بكر بن أبي شيبة، فهو الذي انفرد بقوله: مولى عبد الله بن عمرو ، وأما مسدد فقال: أبو قابوس ، فقط ولم يزد عليها.

    ثم أيضاً هناك فرق آخر بين مسدد وبين أبي بكر، وهو أن مسدداً في روايته عندما أوصل الحديث إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما اللفظ الذي ساقه المصنف فهو على رواية أبي بكر بن أبي شيبة، حيث قال فيه: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل مثل هذه العبارة يأتي بها الراوي إذا لم يتحقق الصيغة التي قالها الصحابي، هل قال: سمعت، أو قال: قال رسول الله، أو قال: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإذا شك فإنه يعبر بهذه العبارة ويقول: يبلغ به النبي، ومعنى ذلك: أنه مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـأبو بكر بن أبي شيبة جاء من طريقه أن أحد الرواة لم يجزم بالصيغة التي قالها بل أتى بقوله: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، وأما مسدد فإنه أتى بصيغة واضحة، وهي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا يدلنا على دقة المحدثين وعنايتهم بالألفاظ والصيغ، ومن ذلك أنهم يميزون بين من يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين من يقول: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم. أو يقال عنه: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، بل أدق من هذا وأكثر احتياطاً أنهم يفرقون بين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين: قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: فلان قال: قال النبي، وفلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من كمال العناية، وإلا فإنه من ناحية إطلاق النبي والرسول المعنى واحد، فقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك واحد، ولا فرق من حيث الإطلاق، ولكن هذا للدقة، فإنهم أحياناً يميزون ويقولون: قال فلان: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فلان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث مسلسل بالأولية، حيث إن كل واحد من رواته كان يقول: حدثني فلان وهو أول ما حدثني، حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه.

    شرح حديث (لا تنزع الرحمة إلا من شقي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا ح وحدثنا ابن كثير قال: أخبرنا شعبة قال: كتب إليَّ منصور، قال ابن كثير في حديثه: وقرأته عليه، وقلت: أقول: حدثني منصور ؟ فقال: إذا قرأته علي فقد حدثتك به، ثم اتفقا عن أبي عثمان مولى المغيرة بن شعبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الحجرة يقول (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) ].

    أورد أبو داود حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) والمقصود بالشقي: الكافر أو من يكون عاصياً، وهذه الشقاوة شقاوة جزئية أو شقاوة نسبية.

    وهذا يدل على عظم شأن الرحمة والحث عليها والتحذير من عدم الاتصاف بها، وأن من نزعت منه الرحمة يوصف بهذا الوصف الذي جاء في هذا الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تنزع الرحمة إلا من شقي)

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    هو حفص بن عمر النمري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.

    [ قال: حدثنا ح وحدثنا ابن كثير قال: أخبرنا شعبة ].

    أتى بالتحويل قبل أن يذكر من في الطبقة الثانية، وذلك للفرق بين حدثنا وأخبرنا؛ لأن الأول عبر بحدثنا، والثاني عبر بأخبرنا، ومن أجل ذلك جاء بالتحويل، أي: من أجل الصيغة فقط، وإلا فإن الاثنين شيخا أبي داود ، ولكنه أتى بالتحويل من أجل أن الأول عبر بحدثنا، والثاني عبر بأخبرنا، والتفريق بين التعبير بحدثنا والتعبير بأخبرنا يدل على عناية المحدثين ومحافظتهم على الألفاظ والصيغ؛ لأن أبا داود رحمه الله أتى بالتحويل من أجل أن يقول: إن هذا قال: حدثنا، وهذا قال: أخبرنا، مع أن حدثنا وأخبرنا أحياناً يكون معناهما واحداً، وفي نفس الإسناد هذا ما يدل عليه، وذلك في الكلام الذي سيأتي بين شعبة ومنصور؛ لأنه قرأه على منصور ثم قال: أحدث عنك؟ قال: ما قرأته عليَّ إلا وأنا أريد أن تحدث به عني، ومعنى ذلك أن حدثنا تستعمل بمعنى أخبرنا؛ لأن المشهور أن ما قرئ على الشيخ يقال فيه: أخبرنا، والمشهور أن ما سمع من لفظ الشيخ يقال فيه: حدثنا، فيعبر بالمقروء على الشيخ بأخبرنا، ويعبر بالمسموع من الشيخ بحدثنا، لكن قد تستعمل حدثنا مكان أخبرنا وأخبرنا مكان حدثنا، كما هنا؛ فإن حدثنا استعملت مكان أخبرنا، كما في المحاورة التي جرت بين شعبة وبين شيخه منصور بن المعتمر .

    [ حدثنا ابن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: كتب إلي منصور ].

    هو منصور بن المعتمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال ابن كثير في حديثه: وقرأته عليه ].

    يعني: قرأ عليه الحديث.

    [ وقلت: أقول: حدثني منصور؟ فقال: إذا قرأته علي فقد حدثتك به ].

    يعني: أنه أقره أن يقول: حدثني، مع أن القراءة على الشيخ تسمى عرضاً، والتعبير عنها يكون بأخبرنا، ومع ذلك أجابه بأن يقول: حدثنا فيما قرأ عليه، وكما سبق أن حدثنا تأتي مكان أخبرنا، وأخبرنا مكان حدثنا، والغالب هو عدم التفريق بينهما.

    [ ثم اتفقا عن أبي عثمان مولى المغيرة بن شعبة ].

    أبو عثمان مولى المغيرة بن شعبة هو سعيد التبان وهو مقبول، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه وقد مر ذكره.

    وقوله: [ قال أبو هريرة : سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة ].

    يعني: أنه كان يحدث وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره بكنيته ووصفه بأنه صادق مصدوق عليه الصلاة والسلام، وذكر أنه صاحب هذه الحجرة، وهذا لتأكيد الخبر وكونه يجمع إلى وصف الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كنيته الإشارة إلى حجرته، وأبو القاسم كنيته صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر : إن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالكنية حسن، وبوصف الرسالة أحسن، فكون الإنسان يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من أن يقول: أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا حسن؛ لأن ذكره بكنيته حسن، ولكن ذكره بوصف الرسالة أحسن.

    شرح حديث (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن السرح قالا: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن ابن عامر عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يرويه قال ابن السرح: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبرينا فليس منا)، وهذا يدل على حصول الرحمة للصغار وعلى التوقير للكبار، ومعرفة حقهم، وإنزالهم منازلهم، وهذا فيه تحذير وترهيب من مثل هذا العمل الذي وصف بأن فاعله (ليس منا)، وهذا يدل على خطورة ذلك وعلى أنه فعل شنيع وشديد الخطورة.

    تراجم رجال إسناد حديث (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا)

    قوله: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن السرح ].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح ].

    ابن أبي نجيح هو عبد الله بن يسار وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عامر ].

    ابن عامر قيل: اسمه عبد الرحمن وقيل: عبيد الله، وهو مقبول، أخرج له أبو داود.

    [ عن عبد الله بن عمرو ] وقد مر ذكره.

    1.   

    ما جاء في النصيحة

    شرح حديث (إن الدين النصيحة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في النصيحة.

    حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله وكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم، أو أئمة المسلمين وعامتهم) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: باب النصيحة، والنصيحة كلمة جامعة فيها إيصال الخير ودفع الشر، وهي من أجمع الكلمات التي يندرج تحتها كل خير مطلوب والتخلص من كل شر؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) وكأن الدين هو النصيحة؛ وذلك لعظم شأن النصيحة، وهذا مثل قوله: (الحج عرفة) ففيه تعظيم شأن عرفة، فكذلك هذا الحديث فيه تعظيم شأن النصيحة.

    وقد أورد أبو داود حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المؤمنين وعامتهم، أو قال: لأئمة المسلمين وعامتهم) وهذا شك من الراوي، وهذا الحديث من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام.

    وقد أورده النووي في الأربعين النووية التي اختار فيها أربعين حديثاً من جوامع الكلم، وقد ألف كثير من العلماء مؤلفات في الأربعين، وقد ورد حديث ضعيف فيه ذكر الأربعين وهو: (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ...) ولكن الذي اشتهر هو تأليف النووي ، فتأليفه هو الذي اشتهر من بين المؤلفات الكثيرة في الأربعين؛ وذلك لأن الأحاديث التي جمعها كلها من جوامع الكلم؛ لأن من العلماء من كان يجمع أربعين حديثاً في موضوع واحد، وأما النووي فقد جمعها واختارها من جوامع الكلم، وذكر اثنين وأربعين حديثاً، وزادابن رجب الحنبلي رحمه الله عليها ثمانية، وألف في شرحها كتابه الذي سماه: "جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم"، وهو من أحسن الكتب ومن أوضحها وأجمعها وأكثرها فوائد؛ لأنه شرح تلك الأحاديث الخمسين في مجلد كبير، وهو شرح نفيس، مشتمل على الآثار عن السلف، وعلى التحقيق في بعض المسائل؛ لأنه رحمه الله على منهج السلف وعلى طريقتهم، فشرحه نفيس جداً، لا سيما وهو مظنة لذكر الآثار.

    وهذا الحديث من جملة الأحاديث التي أوردها النووي في الأربعين، ولكن النووي عزاه إلى مسلم ، وفيه أنه قال: (قالها ثلاثاً) وقد وهم رحمه الله، فإن مسلماً لم يكررها، وليس فيه: (قالها ثلاثاً) وإنما الذي في صحيح مسلم أنه قال: (الدين النصيحة) مرة واحدة ولم يكررها، ولكنها مكررة عند أبي داود، ومكررة أيضاً في مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، وأما صحيح مسلم فليس فيه ذكر التكرار، فقول النووي رحمه الله في الأربعين: (قالها ثلاثاً) وعزاه إلى مسلم وحده، هذا وهم من النووي رحمه الله.

    وقوله: (الدين النصيحة، الدين النصيحة ، الدين النصيحة) كررها ثلاثاً هذا يدل على الاهتمام بها، والاهتمام بها من جهتين: من جهة أن الدين هو النصيحة، وأن هذا يدل على عظم شأن النصيحة، ثم من جهة أنه كررها ثلاثاً، فكان الاهتمام من رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة قصر المبتدأ على الخبر وهو قصر الدين على النصيحة، وهذا يدل على عظم شأن النصيحة في الدين، وهو مثل قوله: (الحج عرفة) ؛ لأن أهم أعمال الحج هي عرفة، وهي التي لها وقت محدد، وإذا فات الوقوف بعرفة فات الحج، بخلاف الأركان الأخرى كالطواف والسعي فإنها ليس لها وقت محدد، فيمكن للحاج تداركها لو فاتت أو أخطأ فيها، لكن من فاته الوقوف فقد فاته الحج، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) .

    إذاً: الاهتمام من جهتين: من جهة قصر المبتدأ على الخبر، ومن جهة التكرار وكونها قالها ثلاثاً.

    ثم إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم سألوه: فقالوا: لمن يا رسول الله! تكون النصيحة؟ أي: ما دام هذا شأن النصيحة وهذه أهميتها فلمن تكون؟ فقال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).

    فالنصيحة لله هي: أن يعبد العبد ربه ولا يشرك به شيئاً، ويوحده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فيؤمن بربوبية الله وأنه رب كل شيء، ومليك كل شيء، وخالق كل شيء، وأنه المألوه الذي يعبد وتصرف له العبادة وحده، ولا يشرك معه أحداً فيها؛ لأن توحيد الربوبية هو توحيد الله في أفعاله، ككونه خالقاً رازقاً محيياً مميتاً، فهو سبحانه وتعالى واحد لا شريك له فيها، فيجب توحيد الله تعالى في أفعاله وأنه لا شريك له في أفعاله التي هي الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها.

    وتوحيد الألوهية: هو توحيد الله في أفعال العباد، فتكون أفعال العباد التي يتعبد بها ويتقرب بها خالصة لله عز وجل، كالدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر والاستغاثة والاستعانة والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادة، فكلها لابد أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.

    وتوحيد الأسماء والصفات: أن يثبت لله عز وجل كل ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام من الأسماء والصفات، ولكن هذا الإثبات يكون على ما يليق بالله سبحانه وتعالى إثباتاً ليس معه تشبيه، وتنزيهاً ليس معه تعطيل؛ لأن الذين انحرفوا عن عقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات منهم من أثبت وشبه، فلم يحصل منه التنزيه، ومنهم من نزه فلم يثبت خوفاً من التشبيه فعطل، وأهل السنة والجماعة أثبتوا ونزهوا كما قال الله عز وجل عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فأثبت السمع والبصر في قوله: (وهو السميع البصير)، ونفى المشابهة بقوله: (ليس كمثله شيء)، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وهكذا يقال في جميع الصفات، فما يضاف إلى الله عز وجل من الصفات يختص به، فلا يشبه الخلق في صفاتهم، ولا الخلق يشبهون الله عز وجل في صفاته، بل صفات الباري تليق بكماله وجلاله، وصفات المخلوقين تليق بضعفهم وافتقارهم إلى الله سبحانه وتعالى.

    فالنصيحة لله هي عبادته وعدم الإشراك به وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتوحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، وكلها تندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم في وصيته لـابن عباس : (احفظ الله يحفظك) أي: قم بما يجب عليك نحو ربك من كل ما هو مطلوب منك وجزاؤك على ذلك أن يحفظك الله.

    قوله: (ولكتابه)، وهو هذا الكتاب المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يقرأه المسلم، ويتعبد الله بتلاوته، ويعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويعلم أنه كلام الله، وأنه منزل من عنده، وأنه مشتمل على ما فيه الخير والسعاد لهذه الأمة مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: (ولرسوله) رسوله هو محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بالإيمان به وتصديقه، وأنه جاء بالحق من عند الله، وأنه دل الناس على كل خير، وبلغ البلاغ المبين، وما ترك أمراً يقرب إلى الله إلا ودل الأمة عليه، وما ترك أمراً يباعد من الله إلا وحذر منه، وقد بلغ البلاغ المبين، قال الزهري رحمة الله عليه كما ذكره البخاري عنه في الصحيح: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم.

    فالذي من الله قد حصل؛ لأنه قد أرسل، وعلى الرسول البلاغ وقد بلغ البلاغ المبين، وعلينا التسليم، وهنا ينقسم الناس إلى موفق وغير موفق: موفق يسلم ويستسلم وينقاد، وغير موفق يحصل منه الانحراف وعدم الانقياد والاستسلام، فالموفق يشهد بأنه رسول الله حقاً، وأنه أفضل الرسل، وأنه جاء بالحق والهدى، وأن من أخذ بما جاء به فقد ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عما جاء به فإنه يخسر الدنيا والآخرة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

    قوله: (ولأئمة المسلمين) وهم ولاة أمر المسلمين، والنصح لهم يكون بدلالتهم على الخير، والدعاء لهم، وترك الخروج عليهم ولو كانوا جائرين، وبذل النصح لهم، وغير ذلك مما هو مطلوب في حق الرعية للراعي والوالي؛ ولهذا جاء عن جماعة من السلف بيان ما يدل على عظم شأن الدعاء للولاة والنصح لهم، وذلك أنه يحصل بصلاحهم إذا صلحوا الخير الكثير؛ فقد جاء عن الإمام أحمد وعن الفضيل بن عياض أن كل واحد منهما قال: لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان. لأنه حينئذ سوف ينفع الناس ويصلحهم، ومعلوم أن الراعي إذا صلح فإن الأمور تصلح بصلاحه.

    وكذلك من طريقة أهل السنة والجماعة الدعاء للولاة وعدم الدعاء عليهم، وعلامة أهل السنة أنهم يدعون للولاة، وعلامة أهل البدع أنهم يدعون على الولاة.

    قوله: (وعامتهم) أي: عامة المسلمين، وذلك بالنصح لهم ودلالتهم على الخير وإعانتهم عليه، وإرادة الخير لهم، ودفع الشر عنهم، وغير ذلك من الأمور التي يشملها النصح لعامة المسلمين، وهذا حديث عظيم من جوامع كلم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن الدين النصيحة ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن يونس ].

    أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وهذا هو الذي وصفه الإمام أحمد بأنه شيخ الإسلام.

    [ حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سهيل بن أبي صالح ].

    سهيل بن أبي صالح صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ورواية البخاري له مقرونة؛ ولهذا لم يرو البخاري عنه هذا الحديث؛ لأن فيه سهيلاً وليس على شرطه، ولكنه أورد تحته حديث جرير بن عبد الله البجلي المتفق على صحته (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)، فإنه قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وذكره إياه في ترجمة باب يدل على صحته عنده، لكنه لم يورده في الصحيح مسنداً؛ لأنه ليس على شرطه؛ لأن سهيل بن أبي صالح ليس ممن خرج لهم استقلالاً، بل خرج له متابعة.

    [ عن عطاء بن يزيد ].

    هو عطاء بن يزيد الليثي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن تميم الداري ].

    هو تميم بن أوس الداري رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    شرح حديث جرير (بايعت رسول الله على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو بن عون حدثنا خالد عن يونس عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم، قال: وكان إذا باع الشيء أو اشتراه قال: أما إن الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر) ].

    أورد أبو داود حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم) والرواية التي في الصحيحين: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) .

    والسمع والطاعة تكون لولاة الأمر وذلك بالمعروف، كما جاء ذلك في الأحاديث التي ذكرت أن السمع والطاعة إنما يكون في المعروف.

    قوله: (والنصح لكل مسلم) هذا هو محل الشاهد وهو ذكر النصيحة، وفيه بيان عمومها وشمولها، وأنها تكون لكل مسلم سواء كان راعياً أو مرعياً.

    وكان من إتمام التزامه رضي الله عنه بمبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم أنه كان إذا اشترى شيئاً يقول لصاحبه: إن الذي اشترينا منك أحب إلينا مما دفعنا إليك فاختر، أي: إذا كنت تريد أن ترجع فارجع؛ وهذا كله تنفيذاً لقوله: (والنصح لكل مسلم)، وهذا يدل على كمال انقياد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما يتلقونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يستسلمون وينقادون وينفذون ويقومون بتطبيق السنن التي يروونها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا اشترى شيئاً يقول للبائع: إن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر، فإن شئت أن ترجع فارجع.

    تراجم رجال إسناد حديث جرير (بايعت رسول الله على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم...)

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عون ].

    عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا خالد ].

    هو خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يونس ].

    هو يونس بن عبيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن سعيد ].

    عمرو بن سعيد ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير ].

    أبو زرعة بن عمرو بن جرير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن جده جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وهو صحابي جليل أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قال الحافظ في ترجمته: وروى الطبراني في ترجمته -يعني جريراً- أن غلامه اشترى له فرساً بثلاثمائة، فلما رآه جاء إلى صاحبه فقال: إن فرسك خير من ثلاثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة!!

    1.   

    ما جاء في المعونة للمسلم

    شرح حديث (... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في المعونة للمسلم.

    حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة المعنى قالا: حدثنا أبو معاوية قال عثمان : وجرير الرازي ح وحدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا أسباط عن الأعمش عن أبي صالح وقال واصل : قال: حُدثت عن أبي صالح ثم اتفقوا: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).

    قال أبو داود : لم يذكر عثمان عن أبي معاوية : (ومن يسر على معسر) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى باباً في المعونة للمسلم، أي: في فضل ذلك، وعظم الأجر في ذلك من الله عز وجل، والمعونة هي أن يعينه، سواء كانت الإعانة بدنية بأن يحمل له شيئاً يحسن إليه، ويعينه في مهمة هو مكلف بها، أو غير ذلك مما يدخل في العون، وهو لفظ عام.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) .

    والكربة: هي الضيق والشدة التي تحصل للإنسان، فينفس المسلم على أخيه المسلم تلك الكربة التي حلت به، وذلك الضيق الذي حصل له، فيكون عوناً له فينفس عنه فهذا عمل حسن، والجزاء من جنس العمل، وهو أن الله تعالى ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة؛ لأن العمل تنفيس في الدنيا والجزاء تنفيس في الآخرة.

    (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) وهذا أيضاً يدخل تحت تنفيس الكربة؛ لأن الكربة التي تصيبه قد يكون سببها ما عنده من إعسار وضيق وشدة فيحتاج إلى أخيه المسلم، فيعينه فيزول عنه ذلك العسر والضيق الذي حصل له.

    وقوله: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) وهذا من باب الجزاء من جنس العمل؛ لأن العمل في الدنيا تيسير والجزاء تيسير في الدنيا والآخرة.

    قوله: (ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة) وهذا كذلك العمل ستر والجزاء ستر، والجزاء من جنس العمل، والستر فيه تفصيل: فيستر من وقع في زلة، أو أقدم على خطأ وليس معروفاً به، أما من كان معروفاً بالشر والفسق والمعاصي فإنه لا يستر مثل صاحب الزلة، بل يرفع أمره إلى من يقوم بردعه والحيلولة بينه وبين الاستمرار على ما هو عليه من الباطل.

    قوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) هذا هو محل الشاهد من الحديث، والذي تقدم كله يدخل في العون؛ لأن تنفيس الكربة عون، والتيسير على المعسر عون، وستر الإنسان على من يستحق الستر يعتبر عوناً له، وقد يكون ذلك سبباً في إقلاعه عن الذنب، وسبباً في صلاحه وابتعاده عن الوقوع مرة أخرى في تلك الورطة التي وقع فيها.

    تراجم رجال إسناد حديث (... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)

    قوله: [ حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ].

    أبو بكر هو عبد الله بن محمد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    وأخوه عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا أبو معاوية ].

    هو محمد بن خازم الضرير الكوفي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال عثمان : وجرير الرازي ].

    يعني: أن عثمان -وهو الشيخ الثاني لـأبي داود في هذا الإسناد- رواه عن شيخين، وأما أبو بكر فقد رواه عن شيخ واحد، وقد اتفقا في روايته عن أبي معاوية ، ولكن عثمان زاد أيضاً أنه رواه عن جرير بن عبد الحميد الضبي الرازي ، فروايته للحديث عن شيخين، وأما أخوه أبو بكر فروايته عن شيخ واحد، وجرير بن عبد الحميد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا واصل بن عبد الأعلى ].

    واصل بن عبد الأعلى ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أسباط ].

    هو أسباط بن محمد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح ].

    أبو صالح هو ذكوان السمان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وقال واصل : قال: حدثت عن أبي صالح ].

    أي: قال واصل عن الطريق الأخيرة: قال الأعمش : حدثت عن أبي صالح ، أي أن هناك واسطة غير مذكورة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    [ قال أبو داود : لم يذكر عثمان عن أبي معاوية (ومن يسر على معسر) ].

    أي: أن عثمان بن أبي شيبة في روايته عن أبي معاوية ليس فيها هذه الجملة، وإنما فيها قضية التيسير والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ولكنها مذكورة في رواية جرير الرازي .

    شرح حديث (كل معروف صدقة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة رضي الله عنه قال قال نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل معروف صدقة) ].

    أورد أبو داود حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال: نبيكم صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة) وهذا لفظ عام يشمل الإعانة، والتيسير، وتنفيس الكرب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكل شيء فيه خير ومعروف؛ لأن (كل معروف) المقصود به كل ما هو في مقابل المنكر، بحيث إن الإنسان يحسن إلى أخيه سواء كان بإعانته بفعله، أو بجاهه، أو بماله، أو بأي وسيلة من وسائل النفع؛ فإن ذلك كله صدقة، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يفسر ذلك حيث قال: (والكلمة الطيبة صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة ... إلخ) وكل هذا من أنواع المعروف.

    تراجم رجال إسناد حديث (كل معروف صدقة)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    هو الثوري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي مالك الأشجعي ].

    أبو مالك الأشجعي هو سعد بن طارق ، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ربعي بن حراش ].

    ربعي بن حراش ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حذيفة ].

    هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل أخرج له أصحاب الكتب الستة.