إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [555]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت الشريعة الإسلامية والتعاليم الربانية -على لسان سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم- بكل ما هو خير للناس، وبما يحفظ لهم أموالهم وأعراضهم، ومن ذلك أنها نهت عن الغيبة، هذا الداء العضال الذي يفتك بالأمم والجماعات إذا فشا وانتشر، ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أمته وحذرهم هذا الداء أيما تحذير، فيجب على المسلم الحذر من الغيبة، والابتعاد عن المجالس التي تذكر فيها.

    1.   

    التحذير من الغيبة

    شرح حديث أبي هريرة في التحذير من الغيبة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الغيبة.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد - عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنه قيل: يا رسول الله! ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الغيبة، والغيبة كما جاءت في الحديث: ذكرك أخاك بما يكره، وقيل لها: غيبة لأنه يذكره في غيبته بما يكره.

    وأورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أنه قيل: ما الغيبة يا رسول الله؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، يعني: كونك تذكره بشيء هو فيه وهو يسوءه فإن هذا غيبة، ولكنك إن كذبت عليه، وأضفت إليه شيئاً ليس فيه فإن هذا يكون بهتاً له؛ لأنه كذب وبهتان، فإضافة شيء إليه وهو بريء منه هذا بهتان، وإن كان فيه فهو غيبة، وكله كلام فيه في غيبته، فإن كان الذي تُكلم فيه في غيبته هو فيه فهو غيبة؛ لأن ذلك يسوءه، وإن لم يكن فيه وإنما هو مفترىً عليه وكذب فإنه يكون بهتاناً وهو أشد وأعظم.

    وإن كان فيه وهو حاضر والمقصود من ذلك التظلم، كأن يقول: إنك ظلمتني أو إنك خنتني أو إنك كذا في أمور هي واقعة فيه فهذا لا بأس به، أما إذا كان ذلك كذباً عليه أو ما إلى ذلك فإن هذا لا يجوز، وكذلك إذا كان ليس هناك مناسبة أو ليس هناك أمر يقتضيه.

    والغيبة استثني منها أمور ذكرها العلماء تصل إلى سبعة، وذكرت في المصطلح وفي الجرح والتعديل، وذكرها النووي في رياض الصالحين عند ذكر الغيبة، ومنها كون الإنسان يتظلم، كأن يذهب إلى القاضي ويقول: ظلمني فلان، ولهذا جاء في الحديث (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) أي: يحل عرضه بأن يتكلم فيه، لكونه ظلمه، فالمظلوم يتكلم في ظالمه في حدود ما ظلمه ولا يتجاوز ذلك، هذا سائغ.

    وكذلك في المشورة، فعندما يستشار الإنسان في إنسان من أجل مصاهرة أو من أجل مشاركة في تجارة، أو ما إلى ذلك، فإن المستشار يذكر ما فيه, والرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءت المرأة وقالت: إن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه).

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التحذير من الغيبة

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ].

    عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    حدثنا [ عبد العزيز يعني ابن محمد ].

    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن العلاء عن أبيه ].

    هو العلاء بن عبد الرحمن الحرقي ، وهو صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. وأبوه ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    شرح حديث عائشة (حسبك من صفية كذا وكذا...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا -قال غير مسدد : تعني قصيرة- قال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. قالت: وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم في صفية : (حسبك من صفية كذا وكذا) أي: يكفيك منها أنها قصيرة، وهذا كما جاء في الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) أي: يكفيه من الشر أن يحقر أخاه المسلم وإن لم يضف إليه شر آخر.

    وقوله: ( قال غير مسدد : تعني قصيرة ) هذا هو الذي كني عنه في بعض الروايات بقوله: كذا وكذا، يعني: أنها قالت: قصيرة.

    فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) أي: لو خلطت به لشدتها وخطورتها لغيرت ماءه، وهذا فيه إشارة إلى خطورة مثل هذا الكلام الذي هو الغيبة.

    وقوله: [ قالت: (وحكيت له إنساناً، فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا) ].

    أي: أنها فعلت مثل فعله، أو قلدت هيئته، فقال: (ما أحب أني حكيت إنساناً ولي كذا وكذا) أي: أن هذا العمل غير سائغ، وهذا الحديث يدل على تحريم التمثيل، الذي هو مبني على الحكاية، ومبني على التقليد، وعلى -كما يقولون- تقمص شخصية شخص آخر، وأنه يأتي بحركات وأفعال تضاف إليه، فهو من جملة الأحاديث التي تدل على أن التمثيل الذي ابتلي به كثير من الناس في هذا الزمان غير جائز، ومما يدل على تحريمه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ويل لمن يكذب ليضحك القوم، ويل له ثم ويل له)، ومعلوم أن التمثيل مبني على الكذب.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة (حسبك من صفية كذا وكذا...)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى ].

    يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني علي بن الأقمر ].

    علي بن الأقمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي حذيفة ].

    أبو حذيفة هو سلمة بن صهيب الأرحبي ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم تقليد الأصوات وحكاية الآخرين

    وتقليد الأصوات هو من التمثيل أو الحكاية، وإذا كان ذلك الذي يفعل معه يكرهه فإنه يكون من الغيبة.

    يقول المنذري : الحكاية حرام إذا كانت على سبيل السخرية والاستهزاء والاحتقار؛ لما فيها من العجب بالنفس والاحتقار للخلق والأذية لهم، وهذا فيما لا كسب فيه من خلق الله عز وجل، فإذا كان مما يكسبون، فإن كان في معصية جازت حكايتهم على طريق الزجر فيما لا يذهب بالوقار والحشمة، وإن كانت في الطاعة جازت الحكاية فيه، إلا أن يتوب العاصي فلا يجوز ذكر المعصية له.

    ولعله ليس المقصود هنا أنه يمثله، وإنما يقول: إنه قال كذا، أو إنه فعل كذا.

    شرح حديث (من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عوف حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا عبد الله بن أبي حسين حدثنا نوفل بن مساحق عن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) ].

    أورد أبو داود حديث سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم بغير حق) أي: أن يتكلم في عرضه، وهذا هو الغيبة.

    وقوله: (بغير حق) أي: أنه إذا كان بحق فإن ذلك سائغ، كما جاء في الحديث: (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته) فإن هذا بحق، أي: كونه يتكلم في عرضه، والمقصود بالعرض أنه يسبه، ويقول: إنه ظلمني، ويغتابه؛ لأن هذا من الغيبة المباحة المستثناة من المنع، وهذا يدل على خطورة الغيبة وأكل لحوم الناس، والولوغ في أعراضهم؛ لأن هذا من أخطر الأمور، ومن أشد الأمور على الناس، والإنسان لا يعجبه أن يعامل هو نفس هذه المعاملة، وإذا كان لا يحب أن يعامل هذه المعاملة فعليه أن يعامل الناس نفس المعاملة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عمرو : (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله وباليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) أي: يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه به، وإذا كان هو لا يرضى ولا يحب أن يغتاب، فأيضاً عليه ألا يغتاب الناس.

    تراجم رجال إسناد حديث (من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عوف ].

    هو محمد بن عوف الطائي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة وفي مسند علي .

    [ حدثنا أبو اليمان ].

    أبو اليمان هو الحكم بن نافع ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعيب ].

    هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الله بن أبي حسين ].

    عبد الله بن أبي حسين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا نوفل بن مساحق ].

    نوفل بن مساحق ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ عن سعيد بن زيد ].

    سعيد بن زيد رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا زهير عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من أكبر الكبائر استطالة الرجل المسلم في عرض أخيه بغير حق)، وهذا مثل الذي قبله الذي قال فيه: (إن من أربى الربا)، وهنا قال: (من أكبر الكبائر)، وكل هذا يدل على خطورتها، والربا هو من أكبر الكبائر، وإذا كان هذا من أربى الربا فمعناه أنه من أشده وأقبحه، وأنه متناهٍ في القبح والخبث.

    وقوله: (استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق) ذكر الرجل في الحديثين وفي غيرهما ليس له مفهوم؛ فهو يشمل المرأة كذلك، فاستطالة المرأة في عرض المرأة واستطالة الرجل في عرض المرأة، والمرأة في عرض الرجل، كله سواء، وإنما جاء ذكر الرجل لأن الغالب أن الخطاب للرجال، وإلا فليس له مفهوم بمعنى أن النساء تختلف عن الرجال في ذلك، بل النساء والرجال في ذلك سواء، والأحكام التي تكون للرجال هي للنساء، ولا يفرق بين الرجال والنساء إلا فيما جاءت السنة فيه بالتفريق، بأن يقال: النساء لهن كذا، والرجال لهم كذا، مثل حديث: (ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية)، ومثلما يتعلق بالأمور الخمسة التي فيها المرأة على النصف من الرجل، وهي: الدية، والعتق، والعقيقة، والميراث، والشهادة.

    فهذه الأمور تختلف النساء فيها عن الرجال، وإلا فإن الأصل هو التساوي بين الرجل والنساء في الأحكام، فإذا جاء ذكر الرجل في حديث وليس ذلك من خصائص الرجل أو يختص بالرجال، فإن المرأة مثله، وهذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) وكذلك المرأة، وكذلك حديث: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء) وكذلك لو وجده عند امرأة قد أفلست أو العكس.

    وقوله: (ومن الكبائر السبتان بالسبة) أي: كون الإنسان عندما يعاقب يزيد في العقوبة، فإذا سب بسبة واحدة يأتي بسبتين، فيأتي بالكلمة التي قالها وزيادة، أو يأتي بسبتين بدل الواحدة، وعلى الإنسان إذا عاقب أن يعاقب بمثل ما عوقب به ولا يزيد، وإن ترك العقوبة فهو خير له، وهو أولى؛ لقوله عز وجل: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126] أما أن يزيد في العقوبة، ويزيد في السب، فإن هذا غير سائغ.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق ...)

    قوله: [ حدثنا جعفر بن مسافر ].

    جعفر بن مسافر صدوق ربما أخطأ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا عمرو بن أبي سلمة ].

    عمرو بن أبي سلمة صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زهير ].

    زهير هو ابن محمد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ].

    العلاء بن عبد الرحمن وأبوه وأبو هريرة مر ذكرهم.

    و الألباني ضعف هذا الحديث، ولا أدري وجه تضعيفه، مع أنه مثل الذي قبله ومشابه له، وفيه زيادة السبتين بالسبة، ومعلوم أن هذا من الظلم، أي: أن يظلم الإنسان ثم يتحول من كونه مظلوماً إلى كونه ظالماً، بأن يزيد في العقوبة ويزيد في السب.

    شرح حديث (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن المصفى حدثنا بقية وأبو المغيرة قالا: حدثنا صفوان قال: حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما عرج به مر بأناس لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم .).

    قوله: (لهم أظفار من نحاس) أي: أن فيها قوة تؤثر ما لا تؤثره الأظفار العادية؛ لأنها من نحاس صلبة قوية.

    وقوله: (يخمشون بها وجوههم) أي: يخمشونها ويقطعونها، وقوله: (فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذي يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) أي: أن الجزاء من جنس العمل، فلما كان بغيبته وبكلامه على الناس مثل الذي يأكل لحومهم، صارت عقوبته بأن يمزق جلده ولحمه بنفسه بتلك الأظفار، كما أكل لحوم الناس بولوغه في أعراضهم، فإنه هو نفسه بتلك الأظفار من النحاس يمزق لحمه ويقطع جلده بفعله، والجزاء من جنس العمل، فكما أكل لحوم الناس فإنه يأكل لحمه بتلك الأظفار.

    تراجم رجال إسناد حديث (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ... )

    قوله: [ حدثنا ابن المصفى ].

    هو محمد بن المصفى ، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا بقية ].

    هو بقية بن الوليد ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ وأبو المغيرة ].

    هو عبد القدوس بن الحجاج ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا صفوان ].

    هو صفوان بن عمرو ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني راشد بن سعد ].

    راشد بن سعد ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ وعبد الرحمن بن جبير ].

    هو عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    طرق أخرى لحديث (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ...)

    [ قال أبو داود : حدثناه يحيى بن عثمان عن بقية ليس فيه أنس ].

    ذكر المصنف طريقاً أخرى للحديث، وأنه حدثه به شيخ آخر له وهو يحيى بن عثمان عن بقية بالإسناد نفسه ولم يذكر أنساً ، أي: أنه مرسل.

    وقوله: [ وحدثناه يحيى بن عثمان ].

    يحيى بن عثمان هو ابن سعيد بن كثير بن دينار ، وهو صدوق أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا عيسى بن أبي عيسى السيلحيني عن أبي المغيرة كما قال ابن المصفى ].

    أورد إسناداً آخر، وهو كما قال ابن المصفى ، أي: أنه متصل كالأول الذي ذكره ابن المصفى .

    وقوله: [ حدثنا عيسى بن أبي عيسى السيلحيني ].

    عيسى بن أبي عيسى السيلحيني صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن أبي المغيرة ].

    أبو المغيرة قد مر ذكره.

    شرح حديث (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا الأسود بن عامر حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) ].

    أورد حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قبله! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عورتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع عورته يفضحه في بيته).

    قوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه) هذا يدل على أن من يفعل مثل هذه الأفعال عنده نقص في الإيمان أو نفاق؛ لأن قول الله عز وجل في الآية: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] فسرت بتفسيرين: فمنهم من قال: إن المقصود بها أناس منافقون، وهذا هو الذي مشى عليه البخاري رحمه الله، ومنهم من قال: إن المقصود بهم ليسوا منافقين، وإنما هم مؤمنون ناقصو الإيمان، فعندهم ضعف في الإيمان وليسوا من المنافقين، أي: أنهم لم يتمكن الإيمان في قلوبهم.

    وعلى أي حال فإن هذا الخطاب وذكر مثل هذا الكلام معناه أن من اتصف بمثل هذه الصفة فيه ضعف في الإيمان، أو نفاق.

    ثم ذكر أن الجزاء من جنس العمل فقال: (فإن من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) أي: أنه تحصل له الفضيحة ولو كان في بيته، وإن لم يكن بين الناس تصل إليه العقوبة وتصل إليه الفضيحة ويصل إليه جزاؤه في الدنيا بأن يفضحه الله عز وجل.

    تراجم رجال إسناد حديث (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا الأسود بن عامر ].

    الأسود بن عامر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو بكر بن عياش ].

    أبو بكر بن عياش ثقة، أخرج له البخاري ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ عن الأعمش ].

    الأعمش مر ذكره.

    [ عن سعيد بن عبد الله بن جريج ].

    سعيد بن عبد الله بن جريج صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن أبي برزة الأسلمي ].

    أبو برزة الأسلمي هو نضلة بن عبيد رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حيوة بن شريح المصري حدثنا بقية عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن وقاص بن ربيعة عن المستورد رضي الله عنه أنه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسي ثوباً برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة) ].

    أورد أبو داود حديث المستورد بن شداد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في نار جهنم) أي: من أكل برجل مسلم بالنيل منه عند شخص يعجبه النيل منه، ويريد النيل منه، فأطعمه طعاماً من أجل أنه تكلم في هذا الشخص الذي يريد الكلام فيه؛ فإن الله تعالى يعاقبه بأن يطعمه مثله في نار جهنم، أي: أن هذا الطعام الذي حصله من أجل أنه نال من عرض إنسان عند إنسان يرغب في النيل من عرضه فأطعمه، ومعناه: أنه توصل بهذا النيل من عرض إنسان إلى دنيا، فإن الله تعالى يعاقبه بأن تكون تلك الأكلة التي أكلها يعطى مثلها في نار جهنم، أو يأكل مثلها في جهنم.

    قوله: (ومن كسي ثوباً برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في نار جهنم) أي: أنه كسي من أجل نيله من رجل مسلم فكساه ذلك الذي نال عنده والذي يعجبه الكلام فيه والذي يريد الكلام فيه، فإنه يعاقب بذلك بأن يكسى في نار جهنم، فكما كسي في الدنيا تلك الكسوة بطريق محرم، فإنه يعاقب على ذلك بكسوة مماثلة، ولكن في نار جهنم والعياذ بالله!

    وقوله: (ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة) يعني: من قام برجل أو نال منه من أجل السمعة والرياء، فإن الله تعالى يعاقبه يوم القيامة على ذلك بأن يقوم مقام سمعة ورياء.

    تراجم رجال إسناد حديث ( من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ...)

    قوله: [ حدثنا حيوة بن شريح المصري ].

    الصواب أنه حيوة بن شريح الحمصي وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ، وهناك حيوة بن شريح المصري ولكنه متقدم، فهما متفقان في الاسم واسم الأب، إلا أن أحدهما متأخر وهو من شيوخ أبي داود وهو هذا، والثاني متقدم وقد أخرج له الجماعة، وهذا هو الحمصي، وقوله في هذه النسخة: (المصري) غلط؛ لأن حيوة بن شريح المصري في الطبقة السابعة، أي: أن بينه وبين أبي داود مسافة، فكلمة (المصري) هذه تعدل، وتكتب: الحمصي وليس المصري.

    [ حدثنا بقية ].

    بقية بن الوليد الحمصي مر ذكره.

    [ عن ابن ثوبان ].

    هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    أبوه ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن مكحول ].

    هو مكحول الشامي وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن وقاص بن ربيعة ].

    وقاص بن ربيعة مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود .

    [ عن المستورد ].

    المستورد بن شداد رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    شرح حديث (كل المسلم على المسلم حرام ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا أسباط بن محمد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث طويل، وهو من الأحاديث التي أوردها النووي في الأربعين النووية؛ لأنه من الأحاديث الجامعة, وفيه هاتان الجملتان: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).

    قوله: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) المقصود بقوله: (وعرضه) أنه لا يتكلم في عرضه ولا يغتابه.

    ثم قال: (حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) أي: كونه يتكلم فيه أيضاً هذا من الغيبة، وكذلك من غمط الناس واحتقارهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (كل المسلم على المسلم حرام ...)

    قوله: [ حدثنا واصل بن عبد الأعلى ].

    واصل بن عبد الأعلى ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أسباط بن محمد ].

    أسباط بن محمد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن سعد ].

    هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن زيد بن أسلم ].

    زيد بن أسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح عن أبي هريرة ].

    أبو صالح وأبو هريرة قد مر ذكرهما.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية التحلل من الغيبة

    السؤال: قد يقع الإنسان في الغيبة ثم يندم، إلا أنه لا يقدر على مقابلة الشخص الذي وقع في عرضه، فما العمل؟

    الجواب: إذا كان يخشى أن يترتب على ذلك مضرة فإنه يثني عليه في ذلك المجلس الذي اغتابه فيه، أو يثني عليه عند الناس الذين اغتابه عندهم، وكذلك يدعو له ويستغفر له، ولعل الله تعالى أن يتجاوز عنه.

    حكم غيبة الفاسق والمجهول

    السؤال: ما حكم غيبة الفاسق أو الكافر أو المجهول؟

    الجواب: الفاسق إذا كان المقصود من ذلك بيان شره والتحذير منه فإن ذلك سائغ.

    وأما المجهول الذي لا يعلم فإنه مثل الحكاية عن شخص لا يتوصل إلى معرفته، أما إذا كان الكلام فيه من غير تسميته فيه شيء يدل على معرفته فإن ذلك غير سائغ، وأما إذا كان غير ذلك فإنه سائغ، كما جاء في قصة حديث أم زرع الطويل الذي فيه أن نسوة كن يتحدثن عن أزوجهن وكل واحدة تقول: كذا وكذا، وهن غير مسميات.

    حكم البحث عن أخطاء الدعاة وطلاب العلم ونشرها بين الناس

    السؤال: هل يفهم من هذه الأحاديث النهي عن البحث عن أخطاء الدعاة وطلاب العلم واستخراجها والاشتغال بنشرها وإذاعتها بين الناس؟

    الجواب: نعم، لا شك أن هذا الأمر تدل عليه هذه الأحاديث، والذين يقعون في أعراض الناس هم لا يحبون أن يقع الناس في أعراضهم.

    حكم ذكر الرجل في غيبته بخير

    السؤال: ما حكم ذكر الأخ بخير في غيبته إذا كان يكره ذلك؟

    الجواب: لا بأس بذلك؛ لأن المقصود هو النهي عن ذكره بشيء يسوءه، وأما أن يذكره بخير لأمر يقتضي ذلك مع أنه يكره ذلك لو سمعه فلا بأس، وقد يكون إذا مدح في وجهه قد لا يعجبه، ولكن أن يذكر بخير عند أناس للتشجيع أو للتأسي به، وأن يكون غيره على حالة حسنة، حتى وإن كان لا يرغب في ذلك من أجل التواضع، ومن أجل أنه لا يحب أن يتكلم فيه، وإنما يحب أن يكون مغموراً، ولا يحب أن يذكر وأن يشتهر، فذلك لا بأس به، من أجل المصلحة التي هي أن غيره قد يأتسي به.

    حكم الجمع بين صيامين أو أكثر بنية واحدة

    السؤال: هل يجوز أن أنوي صوم الأيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وأصوم الإثنين والخميس، وأن أنوي كذلك صيام ست من شوال، بنية واحدة؟

    الجواب: الذي ينبغي للإنسان الذي يصوم ثلاثة أيام من كل شهر أن يجعلها غير الأيام الستة التي هي ست من شوال، فيصوم الستة ويصوم الثلاثة، يصوم الستة لأنها تابعة لرمضان، ويصوم الثلاثة لأنها كل يوم عن عشرة أيام، وذلك كصيام الدهر كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون بذلك كأنه يصوم الدهر مرتين، ويعطى ثواب صيام الدهر مرتين، مرة لكونه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، ومرة لكونه صام ثلاثة أيام من كل شهر، فالذي ينبغي للإنسان ألا يجمع بين الثلاثة الأيام من كل شهر وبين الست من شوال، وإنما يفرد هذه عن هذه.