إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [552]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الآداب التي ينبغي مراعاتها في المجالس: أن تعمر بذكر الله عز وجل والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، وعدم اغتياب الناس، وبعد انتهاء المجلس يستحب أن تقال كفارة المجلس لأجل ما قد يقع فيه من اللغو والكلام الباطل.

    1.   

    كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله

    شرح حديث (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله.

    حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا إسماعيل بن زكريا عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله، أي: أن يكون ذلك المجلس الذي قام منه خالياً من ذكر الله، ولم يذكر الله عز وجل فيه، والمقصود من هذا: أن المجالس ينبغي ألا تكون خالية من ذكر الله، وينبغي أن تكون معمورة بذكر الله عز وجل، وألا تكون مجالس لهو وغفلة وسهو وليس فيها ذكر لله سبحانه وتعالى.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله عز وجل فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة).

    يعني: أن هذا الذي حصل في هذا المجلس وقاموا منه إنما مثلهم كمثل الذي قام عن جيفة حمار، أي: عن شيء منتن، وحصل في ذلك المجلس شيء خبيث غير طيب، وصار قيامهم عن ذلك المجلس كهذه الهيئة السيئة الخبيثة التي قاموا فيها عن مثل جيفة حمار.

    وقوله: (وكان عليهم حسرة) أي: ندامة، يعني: أنهم يندمون على ما حصل منهم في ذلك المجلس الذي عمر باللهو والغفلة، ولاسيما إذا عمر بالخوض والاشتغال والطعن في أعراض الناس، فإن ذلك يكون عليهم حسرة وندامة، ويكون شأنهم يوم القيامة أن يؤخذ من حسناتهم للذين أساءوا إليهم وتكلموا في أعراضهم، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المفلس: (المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النار).

    فهذا يدل على أن المجالس لا يجوز أن تعمر وأن تشغل بالغيبة والنميمة والكلام الفاحش الساقط الهابط الذي ليس بشيء، وإنما تعمر المجالس بذكر الله عز وجل؛ لأنها إذا عمرت بذكر الله حضرتها الملائكة، وإذا عمرت بغير ذلك حضرتها الشياطين، وفرق بين حضور الملائكة وحضور الشياطين، فهذا في غاية الحسن وهذا في غاية السوء.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن الصباح البزاز ].

    محمد بن الصباح البزاز ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إسماعيل بن زكريا ].

    هو إسماعيل بن زكريا الخلقاني ، وهو صدوق يخطئ قليلاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه ].

    سهيل بن أبي صالح صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة، وروايته عند البخاري مقرونة، وأبوه أبو صالح ذكوان السمان ويقال: الزيات، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق فرضي الله عنه وأرضاه.

    وجه تشبيه المجلس الذي ليس فيه ذكر الله عز وجل بجيفة الحمار

    ووجه التشبيه بجيفة الحمار هو الخبث والنتن، وأن الذين لم يعمروا مجالسهم بذكر الله عز وجل، وعمروها بشيء آخر، شأنهم كشأن الذين قاموا عن جيفة حمار، أي: أن هذا مذموم وهذا مذموم، وإذا كان مجلسهم يتعلق بأعراض الناس فيكون معنى ذلك أنهم أكلوا لحوم الناس ونهشوا أعراضهم، وقاموا عن هذه الصورة السيئة الخبيثة وهي أنهم قاموا عن جيفة أو نتن جيفة حمار.

    وهذا الحديث يدل على أن المجالس المطلوب فيها والذي ينبغي فيها أن تعمر بذكر الله عز وجل وبما يناسب مما هو مباح، أما إذا عمرت بما هو محرم فإن ذلك يكون بهذه الصورة الذميمة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مشابهة تلك الجلسة أو ذلك الاجتماع بجيفة حمار، فالجيفة هي في حد ذاتها خبيثة، وإذا كانت جيفة حمار فهي أسوأ وأسوأ، وهذا يعني: أن هذا سوء فوق سوء، فهي جيفة، وجيفة حمار، كما يقال: حشف وسوء كيلة.

    شرح حديث (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قعد مقعداًلم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من جلس مجلساً لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة) ، والترة: هي النقص، أي: أنه يكون عليه نقص، كما قال الله عز وجل: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35]، أي: لن ينقصكم؛ لأن الترة هي النقص، ومعنى ذلك: أنهم حصلوا على نقص، وحصلوا على ضرر، وكذلك أيضاً من اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه كان عليه من الله ترة، أي: نقص، وهذا ذم وبيان لوء هذا الصنيع، وأن الإنسان في مجلسه يشتغل بذكر الله، أو لا يخلو مجلسه من ذكر الله عز وجل مع وجوب أن يخلو من الأمور المحرمة، وكذلك على الإنسان عندما يضطجع أن يذكر الله عز وجل، ولا يخلو ذلك الاضطجاع من ذكره لله سبحانه وتعالى حتى يكون له ذلك كمالاً وزيادةً في درجاته وحسناته، وإلا فإنه يكون نقصاً عليه.

    وقوله: (ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة) أي: من اضطجع لأجل النوم، هذا هو المقصود، ويقصد به أيضاً الجلوس، فسواء كان مضطجعاً أو جالساً كل هذا يقال له: جلوس، ولكن الاضطجاع في الغالب يكون معه النوم، والمعنى: أن الإنسان حين يريد أن ينام ويضطجع لا يخلو ذلك الاضطجاع من ذكر الله سبحانه وتعالى.

    تراجم رجال إسناد حديث (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ...)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عجلان ].

    هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن، وقد ذكر في ترجمته أنه بقي في بطن أمه أربع سنوات، أي: حملت به أمه أربع سنين.

    [ عن سعيد المقبري ].

    هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    أهمية ذكر الله عز وجل في المجالس

    إذا كان هناك أناس جالسين في المجلس وأحدهم يقول: أستغفر الله وهم يسمعون، فإنهم يكونون مشتركين في هذا، ولكن لا ينبغي أن يكون الذي يذكر الله واحداً منهم وهم يغفلون عن الذكر؛ لأنه قد يكون هناك مجلس يجتمع فيه أناس وواحد منهم يذكر الله عز وجل والباقون ساهون لاهون، فكونه ذكر الله عز وجل لا يكفي عن سهوهم وعن غفلتهم ولهوهم، بل يذكرون الله عز وجل جميعاً.

    وإذا كان المجلس في أمر مباح فليس فيه شيء ولكن عند قيامهم يأتون بالذكر المشروع الذي هو كفارة المجلس، هذا هو الذي ينبغي أن يكون.

    1.   

    كفارة المجلس

    شرح أثر عبد الله بن عمرو (كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كفارة المجلس.

    حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو أن سعيد بن أبي هلال حدثه أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: (كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن عليه كما يختم بالخاتم على الصحيفة: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) ].

    أورد أبو داود باب كفارة المجلس، أي: الكلمات أو الذكر الذي يقال عند انتهاء المجلس ليكون ختاماً له، ليكون ختامه مسكاً، ويكون ختامه على وجه مشروع فيه اتباع للسنة التي أرشد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الإتيان بهذا الذكر عند انتهاء المجلس، فإذا حصل فيه شيء من اللغو أو شيء مما لا ينبغي فيكون ذلك كفارة لما حصل.

    وأما إذا كان المجلس فيه كلام في أعراض الناس، فهذه حقوق للناس لا يكفي فيها أن يقول الإنسان هذا الذكر ويظن أن تلك الحقوق قد سقطت، وإنما هذا الذكر في الأمور التي يمكن أن تكون مكفرة لما يحصل من لغو في ذلك المجلس، وأما حقوق الناس فهذه بينه وبين الناس، فإذا طلب منهم المسامحة والعفو وعفوا عنه فإنه يكون بذلك قد سلم من التبعة؛ لكونهم سامحوه وأعفوه من ذلك الذي حصل، وإلا فإن مجرد القيام بكونه يأتي بهذا الذكر لا يسقط عنه حقوق الناس الذين ألحق بهم الأذى والذين نال منهم، بل هذا لا بد أن يكون بطلب المسامحة منهم.

    وقد أورد أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه).

    الأحاديث وردت في الإتيان بهذا الذكر مرة واحدة، وهذا الحديث جاء فيه أنه يقولها ثلاث مرات، لكن الأحاديث الكثيرة والروايات المتعددة جاءت بأن الذكر يقال مرة واحدة، وقد صح الحديث بدون ذكر الثلاث، ولم يأت ذكر العدد إلا في هذا الموضع.

    وقوله: (أو لا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن عليه كما يختم بالخاتم على الصحيفة).

    معنى ذلك: أن الصحيفة كلها خير، وأن المجلس معمور بالخير ثم جاءت هذه ختاماً له وصارت خيراً على خير، فإذا كان هناك مجلس حصل فيه لغو، وحصل فيه أمور لا تنبغي فإن هذا الذكر يكفرها، وإذا كان المجلس كله ذكر وخير، وليس فيه خطأ ولا سوء، فيكون هذا الذكر خيراً على خير، وتكون ختاماً لذلك الخير، وطابعاً على ذلك الخير.

    وقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).

    هذا ثناء على الله عز وجل وذكر له سبحانه وتعالى، ودعاء واستغفار؛ لأن الاستغفار دعاء، فجمع فيه بين الثناء عليه وتنزيهه سبحانه وتعالى، وبين توحيده والاعتراف بألوهيته، وبين الاستغفار الذي هو طلب المغفرة من الله عز وجل، فجمع بين هذه الأمور كلها في هذا الذكر المختصر الذي هو ذكر ودعاء.

    تراجم أثر عبد الله بن عمرو (كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا ابن وهب ].

    ابن وهب مر ذكره.

    [ قال: أخبرني عمرو ].

    هو ابن الحارث المصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن سعيد بن أبي هلال ].

    سعيد بن أبي هلال صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثه أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ].

    سعيد بن أبي سعيد المقبري مر ذكره، وعبد الله بن عمرو بن العاص صحابي جليل أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وما ذكره عبد الله بن عمرو هنا ليس مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي.

    شرح حديث أبي هريرة في كفارة المجلس وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال: قال عمرو : وحدثني بنحو ذلك عبد الرحمن بن أبي عمرو عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ].

    أورد أبو داود هذا الحديث من طريق أخرى مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مثل الذي قبله، والذي قبله له حكم الرفع، ولكن هذا فيه الرفع تصريحاً؛ لأنه أضافه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: مثله، يعني: المماثلة والمطابقة.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال: قال عمرو: وحدثني بنحو ذلك عبد الرحمن بن أبي عمرو ].

    عبد الرحمن بن أبي عمرو مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي.

    [ عن المقبري عن أبي هريرة ].

    المقبري وأبو هريرة تقدم ذكرهما.

    الإتيان بكفارة المجلس بعد مجالس الخير وغيرها

    البعض ينكر كفارة المجلس في مجالس العلم، بدليل أنهم لم يذنبوا حتى يستغفروا، وهذا غير صحيح؛ فإن الحديث الذي مر فيه أنه إذا أتي بكفارة المجلس في مجلس خير تكون خيراً على خير، وتكون كالطابع على الصحيفة، وعلى هذا فيؤتى بها في المجلس الذي هو مجلس ذكر وخير، ويؤتى بها في المجلس الذي هو مشوب بأمور أخرى.

    والذي يبدو أن كفارة المجلس يقولها كل من كان جالساً في المجلس.

    حكم كتابة كفارة المجلس على جدران المجالس

    كتابة كفارة المجلس في جدران المجالس ليتذكر الجالسون عند ختم المجلس هذا قد يكون فيه زيادة حجة على الإنسان؛ لأن هذا أمر موجود والناس مع ذلك يرونه ثم لا يطبقونه، فيكون ذلك أشد عليهم، ولكن على الناس أن يتفقهوا في الدين وأن يعرفوا الأحكام الشرعية وأن يتأدبوا بالآداب، ولا يكون الشأن أن تعلق تلك الأشياء ثم قد يراها الإنسان ويغفل عنها، فيكون ذلك زيادة حجة عليه.

    شرح حديث أبي برزة في كفارة المجلس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي وعثمان بن أبي شيبة المعنى أن عبدة بن سليمان أخبرهم عن الحجاج بن دينار عن أبي هاشم عن أبي العالية عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. فقال رجل: يا رسول الله! إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى؟ فقال: كفارة لما يكون في المجلس) ].

    أورد أبو داود حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه في كفارة المجلس، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في آخر أمره، ويدل هذا على أن ذلك إنما حصل من الرسول صلى الله عليه وسلم في أواخر أيامه، أو آخر أمره عليه الصلاة والسلام، وأن على الإنسان أن يحرص على اتباع هذا الأمر، وعلى الإتيان بهذا الذكر ليكون كفارة لما يحصل، ويكون زيادة خير فيما إذا كان ليس هناك شيء مكفر وإنما المجالس مجالس خير مثل مجالس ذكر العلم، فيكون ذلك زيادة خير على خير، ونور على نور.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي برزة في كفارة المجلس

    قوله: [ حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي ].

    محمد بن حاتم الجرجرائي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.

    [ وعثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ أن عبدة بن سليمان ].

    عبدة بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرهم عن الحجاج بن دينار ].

    الحجاج بن دينار لا بأس به، وهي بمعنى صدوق، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أبي هاشم ].

    هو أبو هاشم الرماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي العالية ].

    هو أبو العالية رفيع الرياحي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي برزة الأسلمي ].

    أبو برزة الأسلمي اسمه نضلة بن عبيد رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حكم الإتيان بكفارة المجلس

    ذكر كفارة المجلس من الآداب ومن الأمور المستحبة، ولو لم يأت بها الإنسان فلا يقال: إنه يأثم أو إنه ترك أمراً واجباً.

    الإتيان بقول (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ...) بعد الوضوء

    يقول الحافظ في تلخيص الحبير: روى النسائي في عمل اليوم والليلة والحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) ، واختلف في وقفه ورفعه، وصحح النسائي الموقوف وضعف الحازمي الرواية المرفوعة.ا.هـ كلام الحافظ، وقال الألباني في إرواء الغليل (1/135): فائدة: يستحب أن يقول عقب الوضوء أيضاً: (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) وصححه في صحيح الجامع الصغير (6170-2059) وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/438-440) رقم الحديث (2333).

    وسواء كان مرفوعاً أو موقوفاً فإنه يؤتى به، وما دام بهذا الوصف فله حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك هذا لا يقال من قبل الرأي، فإذا كان الإسناد صحيحاً وأنه انتهى إلى الصحابي فسواء كان موقوفاً أو مرفوعاً فيؤُتى به؛ لأن هذا الموقوف له حكم الرفع، وعلى هذا يؤتى بهذا الذكر مع الذكر الآخر الذي ورد وهو الشهادة وقول: ( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ).

    1.   

    رفع الحديث من المجلس

    شرح حديث (لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب رفع الحديث من المجلس.

    حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا الفريابي عن إسرائيل عن الوليد قال أبو داود: ونسبه لنا زهير بن حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل في هذا الحديث قال الوليد بن أبي هشام عن زيد بن زائد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: باب رفع الحديث من المجلس، والمقصود من ذلك رفع الحديث عن الغير، وأن تكون المجالس خالية من الكلام في الغير بنميمة أو بغيبة أو ما إلى ذلك، هذا هو المقصود من رفع الحديث من المجلس.

    وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً)، بمعنى: أنه يتكلم فيه بشيء يسيء إليه، ويسيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الإبلاغ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يحب أن يخرج وقلبه ليس فيه شيء على أحد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لكن الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده من هو متكلم فيه، وهو الوليد بن أبي هشام .

    تراجم رجال إسناد حديث ( لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ].

    محمد بن يحيى بن فارس ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا الفريابي ].

    هو محمد بن يوسف الفريابي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إسرائيل ].

    هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الوليد قال أبو داود ونسبه لنا زهير بن حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل في هذا الحديث، قال الوليد بن أبي هشام ].

    أي: أنه جاء في إسناد شيخه الأول بدون نسبة، أي: الوليد فقط، ولكن زهير بن حرب الذي هو أحد شيوخ أبي داود هو الذي نسبه، ثم ذكر الإسناد إلى إسرائيل وقال: إنه الوليد بن أبي هشام، والوليد بن أبي هشام مستور، والمستور بمعنى مجهول الحال، أخرج له أبو داود والترمذي .

    وزهير بن حرب أبو خيثمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [ عن حسين بن محمد ].

    هو حسين بن محمد بن بهرام التميمي المروذي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زيد بن زائد ].

    زيد بن زائد مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي.

    [ عن عبد الله بن مسعود ].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    والحديث فيه مقبول، والمقبول هو الذي يقبل حديثه إذا توبع وحصل له ما يعضده، وفيه أيضاً ذلك المستور الذي هو مجهول الحال؛ لأن المستور بمعنى مجهول الحال، وعلى هذا فالحديث ضعيف، ولكن كون المجالس تسلم من الكلام في الناس والاشتغال في أعراض الناس هذا أمر مطلوب.

    ونقل الحديث على وجه يكون فيه الإفساد هذا هو النميمة، وأما الغيبة فهي ذكر الإنسان في غيبته بما يكره، وكل منهما مذموم، النميمة والغيبة.