إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [543]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أحكام الشريعة الإسلامية بنيت على مراعاة مصالح العباد في العاجل والآجل، من ذلك أنها أجازت لمن هجم عليه اللصوص أو قطاع الطرق أن يقاتل دون ماله، إذا كان اللصوص لا يندفعون إلا بالقتال.

    1.   

    قتال اللصوص

    شرح حديث عبد الله بن عمرو في قتال اللصوص

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قتال اللصوص.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني عبد الله بن حسن قال حدثني: عمي إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ باب في قتال اللصوص ]، واللصوص هم السراق الذين يسطون على الناس ويهجمون عليهم، ويبتزون أموالهم منهم، فهؤلاء يمنعون من أخذ الأموال، وإذا كانوا لا يندفعون إلا بالقتل فإنهم يقتلون، وإذا اعتصموا وصاروا يقاتلون فإنهم يقاتلون حتى يقتلوا ويتخلص منهم، وذلك إذا لم يمكن القبض عليهم ومنعهم من الاعتداء على الناس، وتطبيق الأحكام الشرعية عليهم.

    وإذا هجموا على أحد فإنه يدافعهم، فإذا قتل أحداً منهم فإنه قتل بحق، وإن قتل فهو شهيد، أي: في ثواب الآخرة، ولكنه في أحكام الدنيا لا يعامل معاملة الشهيد، وإنما يعامل معاملة غيره من المسلمين، بمعنى أنه يغسل ويصلى عليه، بخلاف الشهداء فإنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم؛ ولهذا أورد النووي رحمه الله في رياض الصالحين باباً ذكر فيه جماعة من الأحاديث التي تتعلق بالشهداء غير شهداء المعركة، فقال: باب ذكر جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة.

    وأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد).

    يعني: من سطا عليه لصوص وأرادوا أن يأخذوا ماله فله أن يدفعهم بالأخف فالأخف، فإن لم يندفعوا إلا بالقتل فله ذلك، وإذا قتل فقتله بحق، وإن قتلوه فهو شهيد؛ لأنه يقاتل بحق، وأولئك قتلوا بالباطل، وإن قتلوا فهم مقتولون بفعلهم المنكر، وفاعلون الشيء الذي به يستحقون القتل.

    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو في قتال اللصوص

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    يحيى بن سعيد القطان ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    سفيان الثوري ، وقد مر ذكره.

    [ حدثني عبد الله بن حسن ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن.

    [ حدثني عمي إبراهيم بن محمد بن طلحة ].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن عمرو ].

    عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث سعيد بن زيد في قتال اللصوص

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو داود الطيالسي وسليمان بن داود -يعني أبا أيوب الهاشمي - عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد) ].

    أورد أبو داود حديث سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) وهذا مثل الذي قبله.

    قوله: [ (ومن قتل دون أهله، أو دون دمه، أو دون دينه، فهو شهيد) ].

    يعني إذا أراد أحد أن يعتدي على أهله، فمنع من ذلك، أو حال بين المعتدين وبين ما يريدون فقتلوه، فإنه يكون شهيداً؛ لأنه قتل وهو يدافع على عرض أهله، ودون الوقوع في أهله، سواء زوجته أو قريبته، وكذلك إذا قتل دون دينه، أي: لأمر يتعلق بدينه مثل قتال الخوارج؛ لأنه قتل دفاعاً عن الدين.

    تراجم رجال إسناد حديث سعيد بن زيد في قتال اللصوص

    قوله: [ حدثنا هارون بن عبد الله ].

    هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أبو داود الطيالسي ].

    وهو سليمان بن داود الطيالسي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ وسليمان بن داود يعني أبا أيوب الهاشمي ].

    سليمان بن داود الهاشمي ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد وأصحاب السنن.

    [ عن إبراهيم بن سعد ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    و هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ].

    وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن طلحة بن عبد الله بن عوف ].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن سعيد بن زيد ].

    سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين حديث (من قتل دون ماله) وحديث (كن كخير ابني آدم)

    السؤال: كيف يجمع بين حديث: (من قتل دون ماله فهو شهيد)، وحديث: (كن كخير ابني آدم

    الجواب: أنا لا أعرف مدى صحة هذا الحديث: (كن كخير ابني آدم) فلا أعرف عنه شيئاً، لكن الإنسان إذا دافع عن ماله أو عن أهله فهي مدافعة بحق، فإن قَتَل فهو على حق، وإن قُتِل فهو على حق ويكون شهيداً.

    حكم قصة التحكيم بين علي ومعاوية

    السؤال: هل خبر القصة المطولة التي نقلها صاحب العون في قضية التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما صحيحة؛ حيث ذكر أنه حصلت مكيدة من عمرو بن العاص ؟

    الجواب: قضية المكيدة أو الذي قيل إنه حصل بين أبي موسى الأشعري وهو من جانب علي رضي الله عنه، وبين عمرو بن العاص وهو من جانب معاوية رضي الله تعالى عنه، وأنهما اتفقا على أن كلاً منهما يخلع صاحبه، وأن عمرو بن العاص طلب من أبي موسى أن يبدأ، فبدأ فخلع علياً ، ثم إن عمرو بن العاص لم يخلع معاوية ، هذا كلام غير صحيح، وقد ذكر ابن العربي بطلانه في العواصم من القواصم، وهو لا يليق بالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، إذ كيف يتفقان على شيء فيتقدم أحدهما لتنفيذ ما اتفقا عليه ويغدر الآخر فلا يفعل ذلك؟!

    حكم التفجيرات التي يقوم بها بعض الشباب باسم الدين

    السؤال: بعض الشباب يقاتلون الحكام ويقومون بالتفجيرات في البلاد الإسلامية وغيرها، وقد رأيت الناس فيهم على قسمين: قسم يقول: هؤلاء خوارج، مع أنهم ليس عندهم عقائد الخوارج الأخرى، وقسم يقول: هؤلاء أبطال مجاهدون صدعوا بالحق، مع أن فعلهم هذا على خلاف ما عند علماء السنة، فنرجو منكم القول الفصل فيهم؟

    الجواب: حصول الفتن، وإيجاد القلاقل، وإخلال الأمن، وحصول الاضطرابات والفوضى، هذا ليس من الإسلام في شيء، ومعلوم أن مثل هذه الأعمال هي من هذا القبيل، ولا يحصل من ورائها إلا المضرة للمسلمين.

    وأهل السنة والجماعة طريقتهم ومنهجهم أن الوالي إذا كان عنده أخطاء وأمور محرمة فإنه لا يعمل معه مثل هذه الأعمال التي تخل بالأمن، وإنما يصبر على ما يحصل منه من الجور، وعلى ما يحصل منه من الأمور غير المحمودة، ومن قواعد الشريعة: ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما، ومعلوم أن بقاء الناس على ما هم عليه مع وجود الجور ومع وجود الخلل والنقص أخف ضرراً من الفوضى والاضطرابات التي يحصل معها فساد الأمور، ويحصل معها أن الناس لا يأمنون على أرواحهم، بل ينتظرون الموت بين لحظة وأخرى، فمعلوم أن هذه ليست من الإسلام في شيء، وليست مما جاء به الإسلام، وإنما جاء الإسلام بمنع من مثل هذه الأعمال السيئة.

    حكم قتل الشرطة للخارجين على النظام الحكومي

    السؤال: في بلدنا حرب وقتال بين النظام الحاكم والخوارج الذين خرجوا على الحاكم، فإذا حدث اشتباك بين رجال الأمن وهؤلاء الذين خرجوا على الحاكم هل يكون في قتلهم أجر، أم أن هذه فتنة وشر؟

    الجواب: هذه لاشك أنها فتنة وشر، والقتل لا يكون إلا إذا لم يندفع المعتدون إلا بالقتل، وأما إذا أمكن القبض عليهم وإيداعهم السجون، ومنعهم من الاعتداء على الناس، فهذا هو المطلوب؛ لأنه أخف الضررين، ولكن إذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يجوز القتل، ومن قتلهم وقد قاموا بالفتن فهو محق.

    حكم خروج ابن الأشعث على الأمويين

    السؤال: هل يصح أن يقال: إن عبد الرحمن بن الأشعث الخارج في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان داعية فتنة؟ وماذا تقولون إذا كان الأمر كذلك لمن يعتبره تابعياً جليلاً وصادعاً بالحق؟

    الجواب: لاشك أن الخروج على الإمام والوالي لا يحصل منه إلا الفتن والضرر، وليس في مصلحة ولا فائدة.

    حكم المظاهرات الشعبية

    السؤال: ما حكم المظاهرات التي هي من أجل تحقيق مصالح الأمة؟ وهل هي نوع من الخروج؟

    الجواب: هي نوع من السفه والفوضى.

    حكم الكلام على مخالفات الحكام في المنابر

    السؤال: هل يعتبر الكلام على المنابر ببعض المخالفات التي تصدر من الحكام خروجاً عليهم، لا سيما ما يتعلق بالإخلال بالعقيدة كالسماح للمنصرين بالعمل، وتشييد الكنائس، والدعوة إلى تقارب الأديان؛ علماً بأن الخطيب يذكر ذلك لئلا يغتر الجهال والعوام بفعل السلطان، فهل يعد ذلك خروجاً عن الحاكم؟

    الجواب: العوام لا يقدمون ولا يؤخرون، والتقديم والتأخير إنما هو عند السلطان، والمصلحة بمراجعة السلطان والاتصال به، وأما بالنسبة للعوام فإنهم لا يستفيدون شيئاً من هذا ولا يقدمون ولا يؤخرون.

    حكم الانقلاب الأبيض على الحاكم

    السؤال: هل أحاديث النهي عن الخروج تشمل ما يعرف الآن بالانقلاب الأبيض، أي: خلع الحاكم بالقوة دون إراقة دماء؟

    الجواب: بين الرسول صلى الله عليه وسلم الحكم الشرعي في ذلك وأنه لا يكون إلا مع الكفر البواح الذي عند الناس فيه من الله برهان، وأما غير ذلك فإنه غير سائغ.

    حكم عزل الحاكم

    السؤال: إذا عزل الحاكم وامتنع عن تسليم الحكم فما الحكم؟ وكيف يتعامل معه؟

    الجواب: لا يسوغ عزل الحاكم، وليس للناس إلا أن يسمعوا ويطيعوا إذا لم يحصل منه الكفر، وعليهم أن يناصحوه، وأما كونهم يعزلونه ثم يمتنع فتحصل فوضى، فهذا لا يصلح، فإذا كان العزل ضرورياً وأمكن القيام به بدون أضرار ومفاسد فهذا شيء آخر، ولكن كونه يقف في صف وهم يقفون في صف ويحدث قتال وفتن، فهذا ليس بطريق صحيح.

    حكم من لم يقر بطاعة الولاة

    السؤال: هل يقال: من خرج على حكام هذه البلاد، بمعنى أنه رفض أن يسمع لهم فيما يأمرون به في غير معصية الله؛ هل يقال إنه من الخوارج، لاسيما أنه أبعد من هذه البلاد؟

    الجواب: لاشك أن الإنسان الذي تحصل منه فتن، وتحصل منه الرغبة في التخلص من الولاة، أنه قد سلك طريقة الخوراج، فهذا هو منهج الخوارج، فهم يريدون التخلص من الولاة وأن تكون الولاية لهم، أو تكون لغيرهم ولو كانت بأسوأ وبأشد وأبعد عن الحق والهدى.

    فالذي يحصل منه الفتن والتأليب على الولاة، ونشر الفوضى, لاشك أنه يعمل عمل الخوارج.

    وما أكثر من يحصل منه ذلك، ثم يظهر اسمه يوماً من الأيام، أو أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً أو شهرين ثم يكون بعد ذلك في سلة المهملات.

    حكم الدعوة للخروج على الحكّام بالقوانين الوضعية

    السؤال: ما قولكم في الحركات المعاصرة التي تتبنى الخروج على الأنظمة التي تحكم بالقوانين الوضعية، مع أن الأصل في حكامهم الإسلام، فهل هؤلاء خوارج أم أنهم أنهم متأولون، أم أنهم على الحق لأنهم خرجوا لإقامة شرع الله؟

    الجواب: الواجب عليهم أن ينصاحوا من كان ولياً للأمر، وأن يسعوا في نصحه ما دام أنه ليس بكافر، وأنه إنما حكم القوانين مع علمه بأنه مخطئ، وأن هذا العمل غير سائغ، ولكنه قد يكون ابتلي بتركة ورثها وهو مغلوب على أمره في كونه لا يستطيع التغيير، فلا يخرج على وال حصل بوجوده أمن الناس واطمئنانهم، ثم أيضاً ماذا سيحقق هؤلاء الذين سيخرجون؟! وهل عندهم السلامة في معتقداتهم وأفكارهم وآرائهم؟

    نصيحة للشباب الذين يسبون الحكام

    السؤال: يوجد شباب في الجامعة يوزعون أشرطة فيها السبُّ للحكام، والتهييج عليهم والتعريض بهم، فما هي نصيحتكم؟

    الجواب: إذا كان هذا صحيحاً فعلى هؤلاء الشباب أن يتقوا الله عز وجل، وأيضاً على من يعلم أعيانهم وأشخاصهم ألا يسكت عليهم، وإنما يبلغ أمرهم إلى المسئولين حتى يوقفوهم عند حدودهم.

    نصيحة للدعاة الذين يتهمون العلماء بالمداهنة، ويهيجون الناس على الحكام

    السؤال: هل من نصيحة توجهونها إلى الدعاة الذين يهيجون الناس على ولاتهم، ويتهمون العلماء بالمداهنة وأنهم لا علم لهم بالواقع؟

    الجواب: هذا الأمر من الفتن، وهو من الغرور ومن البلاء الذي يحصل للناس، أعني: أنهم يشغلون أنفسهم بمتابعة الإذاعات والصحف والمجلات، وليس عندهم وقت ليشتغلوا بالعلم النافع والعمل الصالح، ثم بعد ذلك يتكلمون في حق من بذل نفسه لنفع الناس وتعليمهم وهدايتهم، وإفتاء الناس في أمور دينهم، فيتكلمون عليه لكونه ما اشتغل في الشيء الذي شغلهم، فهؤلاء لو اشتغلوا في الذي اشتغلوا فيه بقي الناس بدون هداة وبدون مراجع يرجعون إليهم في معرفة أمور الدين.

    فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، وأن يشتغلوا بالعلم النافع الذي يقربهم إلى الله عز وجل، والأعمال الصالحة التي تنفعهم عند الله عز وجل، وألا يشغلوا أنفسهم بمتابعة الإذاعات المختلفة، وإشغال أنفسهم بالتحليلات التي قد تكون في كثير من الأحيان خاطئة، ثم بعد ذلك يصفون من لا يشغل نفسه بذلك بأنه لا يفقه للواقع، ولا شك أن هذا من مكر الشيطان بهم، ومن جنايتهم على أنفسهم، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.