إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [533]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يثبت أهل السنة صفات الله تعالى الواردة عن طريق الوحي دون تشبيه ولا تأويل، وقد خالف المبتدعة في ذلك فنفوا صفات الله وعطلوها، وقد رد عليهم العلماء بما يبين بطلان مذهبهم المخالف لما كان عليه السلف الصالح.

    1.   

    الجهمية

    شرح حديث: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: من خلق الله)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الجهمية.

    حدثنا هارون بن معروف حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله)].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب في الجهمية ] أي: في بيان فساد مذهبهم، وما ورد من النصوص في الرد عليهم ، والجهمية منتسبون إلى الجهم بن صفوان ، وعندهم بدع مختلفة، وهم ينفون عن الله الأسماء والصفات، ومذهب الجهمية كان موجوداً قبل الجهم ، فإن الذي أسسه هو الجعد بن درهم ، وكان ذلك في عصر التابعين، وقد سبق أن ذكرت أن الحافظ ابن حجر نقل عن الحسن البصري أنه قال: (لو كان ما يقوله الجعد حقاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم) يعني ما جاء عنه من البدع التي أحدثها وتبعه على ذلك غيره، وقد جاء الجهم بن صفوان وأظهر هذا المذهب ونشره، فنسب إليه الجهمية، فهؤلاء هم الجهمية الذين عقد أبو داود رحمه الله هذا الباب في كتاب السنة من كتابه السنن لبيان الرد عليهم.

    وقد أورد في ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد شيئاً من ذلك فليقل: آمنت بالله) ].

    وجاء في بعض الروايات: (فلينته) أي: ليقف عند هذا الحد ولا يتجاوز، والمعنى: فليصل إلى أن الله تعالى هو الخالق وكل من سواه مخلوق، ولا يتجاوز ذلك إلى مثل هذا السؤال الباطل الذي يقذفه الشيطان على بعض الناس، وفي بعض الروايات أنه قال: (فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ففي الحديث: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، وهو يوسوس للإنسان، ويشوش عليه، ويأتيه بالوساوس التي تمر على خاطره، فإذا جاءت على خاطره فعليه أن يدفعها وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وليقل: آمنت بالله، ولا يسترسل مع الشيطان ووساوسه وما يلقيه عليه، فإن ذلك يؤدي به إلى الضرر، فليعرض عن هذه الوساوس ويشتغل بغيرها مما هو حق، فيشتغل بقراءة القرآن أو بذكر الله عز وجل، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي هي من الحسنات ومن الأعمال الصالحة.

    وهذه الخواطر والوساوس لا تؤثر على الإنسان إذا هجمت عليه هجوماً؛ لكن عليه أن يعرض عنها، والإنسان عندما تنقدح في ذهنه هذه الأمور ويستثقلها ويستعظمها فهذه علامة خير فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تزال الناس يتساءلون حتى يقال: من خلق الله)

    قوله: [ حدثنا هارون بن معروف ].

    ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود .

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان هو ابن عيينة ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام ].

    هشام بن عروة ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    عروة بن الزبير بن العوام ، وهو ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    طريق أخرى لحديث: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: من خلق الله)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عمرو حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل - حدثني محمد -يعني: ابن إسحاق - حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكر نحوه، قال: (فإذا قالوا ذلك فقولوا: اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ من الشيطان) ].

    يعني: أن هذه الأمور إذا حصلت له فإنه يقول: اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2] يذكر الله عز وجل ويعظمه، وينصرف عن تلك الأشياء التي خطرت له، فالله واحد لا شريك له، وهو المتفرد بالخلق والإيجاد، وهو الذي يملك النفع والضر، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الخالق لكل شيء سبحانه وتعالى، وهو الصمد الذي هو مستغنٍ عن كل من سواه، وكل من عداه فهو مفتقر إليه، ولا يستغني عن الله طرفة عين.

    فيستحضر هذه المعاني العظيمة، التي تدل على وحدانية الله عز وجل، وعلى تفرده بالخلق والإيجاد، وعلى كمال غناه وفقر كل أحد إليه، وأنه لا يستغني عن الله طرفة عين، وفي ذلك الابتعاد عن هذا الذي يلقيه الشيطان في ذهن الإنسان، من مثل هذه الأمور السيئة التي من الصعوبة على الإنسان أن يتلفظ بها، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (سئل عن الرجل يجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان) يعني: كون الإنسان يستعظم هذه الأمور ويصعب عليه أن يتكلم بها، فهذا يدل على إيمانه.

    لكن من يسهل عليه أن يتكلم بمثل هذه الأمور، أو تأتي شبه فيطلقها ويتبناها ويدعو إليها، فهذا هو الذي أصابه البلاء من الشيطان، بحيث أغواه في الداخل، ثم تجاوز الحد إلى أن أظهر ذلك وتبناه ودعا إليه.

    قوله: [ (اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:2-4]) ].

    فهو لكونه صمداً غني عن كل من سواه، ثم أتى بعد ذلك ما يوضح ويبين استغناء الله عز وجل فقال: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]) فنفى عنه الأصول والفروع والنظراء الذين يشابهونه ويماثلونه وينادّونه، وإنما هو واحد في ذاته وفي صفاته، لا شريك له في الخلق والإيجاد، ولا شريك له فيما يختص به مما يتصف به من الصفات، ولا شريك له في العبادة، بل هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.

    فقوله: [ ( لَمْ يَلِدْ [الإخلاص:3]) ] نفي للفروع، [ ( وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3]) ] نفي للأصول، [ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]) ] نفي للأشباه والنظراء.

    تراجم رجال إسناد الطريق الأخرى لحديث: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: من خلق الله)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عمرو ].

    محمد بن عمرو الرازي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا سلمة -يعني: ابن الفضل - ].

    صدوق كثير الخطأ أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير .

    [ حدثني محمد -يعني ابن إسحاق - ].

    محمد بن إسحاق المدني ، وهو صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم ].

    وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ].

    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكره.

    شرح حديث الأوعال

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب قال: (كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قالوا: والعنان، -قال أبو داود : لم أتقن العنان جيداً- قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السابعة بحراً بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك) ].

    أورد أبو داود حديث العباس بن عبد المطلب ، ومحل الشاهد منه في باب الرد على الجهمية نفاة الصفات أن الله تعالى فوق العرش، فإنه لما ذكر هذا الحديث بطوله، قال في آخره بعد أن ذكر العرش: [ (والله فوق ذلك) ] يعني فوق العرش.

    وفوقية الله عز وجل وعلوه قد جاءت في آيات كثيرة، فهو عز وجل متصف بالعلو بأنواعه الثلاثة: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات.

    وجاء في الآيات والأحاديث الكثيرة أن الله تعالى فوق العرش، وأنه قد استوى على العرش، وأن الملائكة تعرج إليه، وكل ذلك يدل على علو الله عز وجل، وقد ذكر بعض أهل العلم أن أدلة علو الله عز وجل تبلغ ألف دليل من الكتاب والسنة، لكثرتها وتنوعها.

    وهذا الحديث فيه رجل ضعيف، فهو حديث ضعيف؛ ولكن الأمر الذي أورده أبو داود من أجله وهو ما يتعلق بعلو الله عز وجل وفوقيته ثابت بالآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة، فقد جاء الاستواء على العرش في سبع آيات من كتاب الله.

    قوله: [ (كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) البطحاء هي المحصب، وهو مسيل واد فيه دقاق الحصباء فقيل له: المحصب، وهو في مكة.

    قوله: [ (فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قالوا: والعنان) ].

    هذه كلها أسماء للسحاب، قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ [الواقعة:69]، وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [البقرة:164].

    قوله: [ (قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟) ].

    بعد ما بين السماء والأرض التي فيها ذلك السحاب، فالسحاب يكون في هذا العلو الذي بين السماء والأرض، كما قال الله عز وجل: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [البقرة:164].

    قوله: [ (إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة) ].

    يعني: مسيرة ثلاث وسبعين سنة أو اثنتين وسبعين سنة أو إحدى وسبعين سنة، يعني: أن المسافة بعيدة وشاسعة تقطع بهذه السنين.

    قوله: [ (ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات) ].

    يعني: أن ما بين كل سماء إلى سماء مثل هذا المقدار.

    قوله: [ (ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء) ].

    الأوعال من الحيوانات المتوحشة التي مما تكون في البر، وهو من الصيد، وهذا الوصف يخالف ما وصف به الملائكة بأنهم: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1].

    قوله: [ (ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء) ].

    أي أن سمك العرش كذلك.

    والحديث كما أسلفت فيه رجل ضعيف، فهو غير ثابت، ولكن الأمر الذي سيق الحديث من أجله وهو كون الله تعالى فوق العرش ثابت، وفي ذلك رد على الجهمية الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش، ويقولون: إنه في كل مكان، أو يقولون: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فإن قوله: [ (فوق العرش) ] يدل على خلاف ما قالوه وعلى إبطال ما قالوه.

    تراجم رجال إسناد حديث الأوعال

    قوله: [ حدثنا محمد بن الصباح البزاز ].

    محمد بن الصباح البزاز ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الوليد بن أبي ثور ].

    هو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن سماك ].

    سماك بن حرب ، وهو صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن عميرة ].

    هو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن الأحنف بن قيس ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن العباس بن عبد المطلب ]

    عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    ذكر ما نقله السندي في شرح حديث الأوعال والتعليق عليه

    قال السندي في حاشيته على ابن ماجة (الأوعال جمع وعل، والمراد أن الملائكة على صورة الأوعال، (ثم الله فوق ذلك) تصويراً لعظمته سبحانه وتعالى وفوقيته على العرش بالعلو والعظمة والحكم، لا الحلول والمكان انتهى.

    هذه العبارة غير صحيحة، فالله تعالى بذاته وصفاته فوق عرشه، وهو كما يليق به، ولا يجوز أن يتكلم في أمور أخرى ما جاء إثباتها ولا نفيها في الكتاب والسنة، والله عز وجل عظيم الذات وعظيم القدر، وعلي الذات وعلي القدر وعلي القهر، وكل هذه الصفات لله سبحانه وتعالى وهو متصف بها، وهو سبحانه وتعالى بذاته فوق عرشه كما صرح بذلك علماء أهل السنة، ومنهم ابن أبي زيد القيرواني في مقدمة رسالته فإنه قال: فوق العرش المجيد بذاته؛ لكن كيفية استوائه على عرشه لا يبحث عنها، كما قال الإمام مالك رحمة الله عليه لما سأله سائل: كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول.

    فالاستواء معلوم لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمونه، والاستواء معروف أنه العلو والارتفاع، ولهذا فسروه بالعلو والارتفاع، فمعنى أن الله استوى على عرشه أنه ارتفع عليه وعلا عليه، لكن كيفية هذا هي التي لا تعلم، ولهذا فإن أهل السنة يعتقدون التفويض في الكيف دون التفويض في المعنى، بخلاف المبتدعة الذين هم إما مفوضة يقولون: الله أعلم بمراده، فلا يعرفون معنى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ومعنى ذلك أن الناس خوطبوا بكلام لا يفهمون معناه، وإما مؤولة.

    والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا معنى ما خوطبوا به؛ ولم يسألوا عن المعنى لأنهم عارفون بالمعنى، ولكن السؤال عن الكيفية هو الذي لا يجوز.

    قال في الحاشية: ولقد كتب الشيخ زاهد الكوثري في مقالاته مقالة باسم الصورة والأوعال، ونقل عن ابن العربي قوله: أمور تلقفت عن أهل الكتاب ليس لها أصل في الصحة.

    ونحن نقول: حديث الأوعال لم يثبت، ولكن ما يتعلق بعلو الله عز وجل واستوائه على عرشه قد أثبته أهل السنة والجماعة وتأوله من تأوله من المبتدعة، وزاهد الكوثري هو من هؤلاء المبتدعة الذين انحرفوا عن الجادة وعن الصراط المستقيم، وصار عنده كلام كثير في النيل من أهل السنة ولمزهم والتعرض لهم، فهو فيما يتعلق بالعقيدة منحرف وليس من أهل السنة والجماعة، بل هو من ألد أعداء أهل السنة والجماعة .

    طريق ثانية لحديث الأوعال وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن أبي سريج أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ومحمد بن سعيد قالا: أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بإسناده ومعناه.

    ذكر المصنف هذا الحديث بإسناد آخر، فقال عندما وصل إلى سماك : [ بإسناده ومعناه ].

    قوله: [ حدثنا أحمد بن أبي سريج ].

    أحمد بن أبي سريج هو أحمد بن الصباح بن أبي سريج ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ].

    ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ ومحمد بن سعيد ].

    ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن عمرو بن أبي قيس ].

    صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن سماك ].

    مر ذكره.

    وفيه عبد الله بن عميرة الذي هو مقبول.

    طريق ثالثة لحديث الأوعال وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حفص حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بإسناده ومعنى هذا الحديث الطويل ].

    ثم ذكر حديث الأوعال بإسناد ثالث وأحال على الإسناد الأول، وأنه بإسناده ومعناه، وكله عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حفص ].

    أحمد بن حفص بن عبد الله ، وهو صدوق أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثني أبي ].

    هو حفص بن عبد الله ، وهو صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا إبراهيم بن طهمان ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك ].

    قد مر ذكره.

    شرح حديث أطيط العرش بالله تعالى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا: حدثنا وهب بن جرير -قال أحمد: كتبناه من نسخته. وهذا لفظه- قال: حدثنا أبي، سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: (يا رسول الله! جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا -وقال بإصبعه مثل القبة- مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب).

    قال ابن بشار في حديثه: (إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته) وساق الحديث.

    وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار : عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح، وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضاً، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني ].

    أورد أبو داود حديث جبير بن مطعم النوفلي رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: [ (جهدت الأنفس، وضاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإننا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك) ] فلما قال: [ (نستشفع بالله عليك) ] قال عليه السلام: [ (ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبح الرسول صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك!) ].

    أي: وإنما الاستشفاع يكون من المخلوق، حيث يطلب منه أن يشفع مثلما يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا، بأن يطلب منه الدعاء فيدعو ويجيب الله دعوته، وفي الآخرة تطلب منه الشفاعة عندما يكون الناس في الموقف فيشفع، وكذلك يشفع في الخروج من النار، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواع متعددة، فالشفاعة تكون من الأدنى إلى الأعلى أما أن يشفع الأعلى عند الأدنى فلا، والقول بأن الله عز وجل يستشفع به على خلقه قول خطير وأمر عظيم، ولهذا سبَّح النبي صلى الله عليه وسلم مستعظماً ومتعجباً، وقال: [ (شأن الله أعظم من ذلك) ].

    ثم ذكر أنه فوق عرشه، وأن عرشه فوق مخلوقاته، وقال: [ (إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب) ] والرحل هو الخشب الذي يجعل على البعير ويركب عليه الراكب، وإذا كان الراكب ثقيلاً فإنه يصير له صوت من ثقل الراكب عليه.

    وهذا الحديث الذي فيه أن العرش يئط بالله عز وجل غير صحيح، وفي إسناده من هو متكلم فيه، ولكن الشيء الذي ساقه أبو داود من أجله -وهو أن الله تعالى فوق عرشه- قد جاء في آيات كثيرة وأحاديث عديدة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحجة بها دونه، ويكفي ما ورد مما صح عما لم يصح.

    يقول الخطابي : هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة، ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قُصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه، إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام، وبما لطف منه عن درك الإفهام، وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله: (أتدري ما الله؟) معناه: أتدري ما عظمة الله وجلاله؟) وأقول: هذا كلام لا حاجة إليه، والحديث كما هو معلوم غير ثابت، وأما كون الله تعالى فوق عرشه فإنه ثابت في الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة.

    تراجم رجال إسناد حديث أطيط العرش

    قوله: [ حدثنا عبد الأعلى بن حماد ].

    هو لا بأس به، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ ومحمد بن المثنى ].

    محمد بن المثنى أبو موسى الزمن ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ ومحمد بن بشار ].

    محمد بن بشار الملقب بندار ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ وأحمد بن سعيد الرباطي ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ قالوا: حدثنا وهب بن جرير ].

    وهب بن جرير بن أبي حازم ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبي ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت محمد بن إسحاق ].

    محمد بن إسحاق المدني ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ يحدث عن يعقوب بن عتبة ].

    وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم

    ].

    وهو مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ عن أبيه ].

    محمد بن جبير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جده ].

    وهو جبير بن مطعم النوفلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار : عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير ].

    ساق أبو داود إسناد الحديث على لفظ الشيخ الأخير أحمد بن سعيد الرباطي ، وفيه أن يعقوب بن عتبة يروي عن جبير بن محمد ، وأنه تلميذه، وأما الثلاثة الشيوخ الأول فإنهم أتوا بالواو بدل (عن) فصار جبير بن محمد مع يعقوب بن عتبة يرويان عن محمد بن جبير .

    قوله: [ والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح ] معناه أن الصحيح هو ما جاء عن أحمد بن سعيد وهو أن يعقوب بن عتبة يروي عن جبير بن محمد بن جبير بلفظ (عن)، وهي صيغة أداء، وليس فيه لفظ الواو التي هي صيغة عطف، ثم ذكر ما يؤيد ذلك، وهو أن أناساً آخرين رووه كما رواه أحمد بن سعيد ، بل إن محمد بن إسحاق قد رواه عنه أناس آخرون كما رواه أحمد بن سعيد الرباطي ، قال أبو داود : [ وافقه عليه جماعة، منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ورواه جماعة أن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضاً ].

    فأيد أبو داود لفظ أحمد بن سعيد بوجوه هي:

    أولاً: أن يحيى بن معين وغيره قد وافقوه، ورووه بعن كما رواه هو.

    ثانياً: أن محمد بن إسحاق رواه عنه أناس آخرون كما رواه أحمد بن سعيد أي بصيغة (عن).

    ثم أضاف إلى ذلك أن رواية الشيوخ المخالفين لـأحمد بن سعيد كائنة من نسخة واحدة، ولهذا جاء اتفاقهم على ذكر الواو، قال: [ وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني ].

    شرح حديث وصف أحد ملائكة العرش

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.

    قوله: [ (أذن لي) ] الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال: أذن لي، فالآذن له هو الله، كما أنه إذا قال: أمرت ونهيت، فالآمر والناهي هو الله، وأما الصحابة إذا قالوا: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فالآمر والناهي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) ].

    أي: فإذا كان ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه سبعمائة عام، فكيف ببقية جسمه؟ أي فهو على ضخامة عظيمة لا يعلم كنهها وقدرها إلا الله سبحانه وتعالى.

    وقد ذكر هذا الحديث في هذا الباب لأنه يتعلق بإثبات العرش، والله تعالى فوق العرش.

    تراجم رجال إسناد حديث وصف أحد ملائكة العرش

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي ].

    مر ذكرهما.

    [ حدثنا إبراهيم بن طهمان ].

    مر ذكره أيضاً.

    [ عن موسى بن عقبة ].

    موسى بن عقبة المدني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن المنكدر ].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر بن عبد الله ].

    وهو أحد الصحابة السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث وضع النبي أصبعيه على عينه وأذنه لإثبات صفتي السمع والبصر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن نصر ومحمد بن يونس النسائي المعنى قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حرملة -يعني ابن عمران - حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، إلى قوله تعالى: سَمِيعًا بَصِيرًا ، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه)، قال أبو هريرة : (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع أصبعيه) قال ابن يونس : قال المقرئ : يعني أن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً.

    قال أبو داود : وهذا رد على الجهمية ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58]، ويضع إبهامه على أذنه والأصبع التي تليها على عينه، أي: أنه يبين السمع والبصر، ولكن ليس في ذلك تشبيه، وإنما هو بيان للسمع والبصر، وأن الله تعالى سميع بصير.

    ومعلوم أن الله عز وجل له سمع وبصر، لا كالأسماع والأبصار، وللمخلوقين أسماع وأبصار معروفة مشاهدة معاينة، وما يضاف إلى الله عز وجل من السمع والبصر يختلف عما يضاف إلى المخلوقين من السمع والبصر، وإنما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ليبين إثبات السمع والبصر لله تعالى، وليس في ذلك شيء سوى هذا، ولهذا قال في آخره نقلاً عن المقرئ : [ يعني أن لله سمعاً وبصراً ].

    قوله: [ وفي ذلك رد على الجهمية ] أي الذين ينفون صفتي السمع والبصر عن الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل جمع بين إثبات السمع والبصر وتنزيهه عن المشابهة، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فأثبت السمع والبصر ونفى المشابهة.

    فالتشبيه أن يقول الإنسان: لله سمع كسمعي وبصر كبصري، وأما أن يقول: سمع لا كالأسماع وبصر لا كالأبصار، فهذا ليس فيه تشبيه.

    وليس لأحد الآن إذا روى هذا الحديث أن يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد يفعل ذلك من لا يفهم، فيترتب على ذلك المحذور الذي هو التشبيه، أو تصور التشبيه، ولا نفصل فنقول: إن كان بين طلبة علم يعرفون جاز ذلك، بل نقول: يكفي قراءة الحديث، فإنه واضح في تحديد المراد.

    تراجم رجال إسناد حديث وضع النبي أصبعيه على عينه وأذنه

    قوله: [حدثنا علي بن نصر ].

    علي بن نصر هو الجهضمي ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ ومحمد بن يونس النسائي ].

    وهو ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حرملة -يعني ابن عمران - ].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة ].

    وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي .

    [ سمعت أبا هريرة ].

    قد مر ذكره.

    نقل كلام صاحب عون المعبود في شرح حديث وضع النبي أصبعيه على عينه وأذنه

    ذكر صاحب عون المعبود في شرح هذا الحديث كلاماً نفيساً فقال: قال الإمام الخطابي في معالم السنن: وضعه أصبعيه على أذنه وعينه عند قراءته: سَمِيعًا بَصِيرًا معناه: إثبات صفة السمع والبصر لله سبحانه، لا إثبات العين والأذن، لأنهما جارحتان والله سبحانه موصوف بصفاته منفياً عنه ما لا يليق به من صفات الآدميين ونعوتهم، ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء وأبعاض: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]. انتهى.

    ورد عليه بعض العلماء فقال: قوله: لا إثبات العين والأذن.. إلى آخره، ليس من كلام أهل التحقيق، وأهل التحقيق يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، ولا يبتدعون لله وصفاً لم يرد به كتاب ولا سنة، وقد قال تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، وقال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]).

    فقد ورد إثبات العين لله عز وجل، وأما الأذن فلم يرد فيها إثبات ولا نفي، فلا يجوز التكلم فيها لا إثباتاً ولا نفياً؛ لأن هذا شيء غير معلوم ولم يأت به نص، ومعلوم أن صفات الله عز وجل وما يضاف إليه هو من علم الغيب ولا يتكلم في الغيب إلا عن طريق الوحي، ولم يأت وحي بذكر الأذن، فلا يجوز إثباتها ولا نفيها؛ لأن الله تعالى أعلم بذاته وصفاته، فلا يضاف إليه شيء ما ورد، ولا ينفى عنه شيء لا يعلم عنه هل هو متصف به أو غير متصف به؛ لأن الله تعالى بيَّن من صفاته ما بين وسكت عما سكت عنه.

    وقوله: ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء وأبعاض؛ كلام مبتدع مخترع لم يقله أحد من السلف لا نفياً ولا إثباتاً، بل يصفون الله بما وصف به نفسه ويسكتون عما سكت عنه، ولا يكيفون ولا يمثلون ولا يشبهون الله بخلقه، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيهاً، وإثبات صفة السمع والبصر لله حق كما قرره الشيخ. انتهى كلامه.

    قلت: ما قاله هو الحق، وما قاله الخطابي ليس من كلام أهل التحقيق، وعليك أن تطالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ، وإعلام الموقعين، واجتماع الجيوش، والكافية الشافية، والصواعق المرسلة، وتهذيب السنن كلها لـابن القيم رحمه الله، وكتاب العلو للذهبي ، وغير ذلك من كتب المتقدمين والمتأخرين.

    نقل كلام الحافظ ابن حجر في الكلام على الصفات

    فائدة: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.

    ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.

    وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي أنه قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.

    وأخرج الثعلبي من وجه آخر عن الأوزاعي أنه سئل عن قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] فقال: هو كما وصف نفسه.

    وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله! الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه، فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كما وصف به نفسه، ولا يقال: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرجوه! وفي رواية عن مالك : والإقرار به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون، ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون: كيف؟ قال أبو داود: وهو قولنا، قال البيهقي : وعلى هذا مضى أكابرنا.

    وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني أنه قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفصيل، فمن فسر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وفارق الجماعة؛ لأنه وصف الرب بصفة لا شيء.

    هذا هو تفسير الجهمية الذي نتيجته وصف الله بأنه لا شيء، ومعناه أن النهاية أن يقال: إنه لا وجود للذات، لأن الصفات قد نفيت عنها.

    فالتفسير الذي ذمه محمد بن الحسن هو تفسير الجهمية، وليس بيان المعنى وتوضيح المعنى.

    قال: ومن طريق الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي ومالكاً والثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف.

    وأخرج ابن أبي حاتم عن الشافعي أنه يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وأسند البيهقي عن أبي بكر الضبعي أنه قال: مذهب أهل السنة في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال: بلا كيف.

    والآثار فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل .

    وقال الترمذي في الجامع عقب حديث أبي هريرة في النزول: وهو على العرش كما وصف به نفسه في كتابه، كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.

    وقال في باب فضل الصدقة: تثبت هذه الروايات ونؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال: كيف؟ كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا: أمروها بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكروها وقالوا: هذا تشبيه!

    وقال إسحاق بن راهويه : إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد، وسمع كسمع.

    وقال في تفسير المائدة: قال الأئمة نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك.

    وقال ابن عبد البر : أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكيفوا شيئاً منها، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقر بها فهو مشبه.

    وقال إمام الحرمين: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الله تعالى.

    هذه العبارة المنقولة عن إمام الحرمين في تفويض المعاني إلى الله غير صحيحة، بل المعاني معلومة، ومعلوم أن السمع غير البصر، والبصر غير الاستواء، والاستواء غير الكلام، وكل هذه المعاني فهمها الصحابة؛ لأنهم خوطبوا بالقرآن وهو بلغتهم، ولم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك المعاني لأنهم قد فهموها، فلا يفوض المعنى ولكن يفوض الكيف.

    قال إمام الحرمين: والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة؛ للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عهد الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع. انتهى.

    وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار كـالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة؟! انتهى كلام الحافظ رحمه الله.

    وهذا الكلام الأخير الذي ذكره الحافظ بعد كلام إمام الحرمين كلام عظيم جميل لو سلم من الأمور الأخرى التي جاءت في الفتح من ذكر أمور غير واضحة تدل على أنه ليس ثابتاً على عقيدة مستقرة فيما يتعلق بالأسماء والصفات.

    1.   

    الأسئلة

    علاقة الجعد بن درهم بلبيد بن الأعصم

    السؤال: هل صحيح أن الجعد بن درهم يرجع نسبه إلى لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: لا أعرف أنه يرجع إليه، ولكن الذي أعرف أنه أخذ عقيدته عن لبيد بن الأعصم ، أي أنه أخذ هذا المذهب عن اليهود، وهذا هو الذي ذكره بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام.

    المسافة بين كل سماء وسماء

    السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال: (إن ما بعد ما بينهما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة) أي بين كل سماء وسماء، ألا يعارض هذا ما روي أن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام؟

    الجواب: بلى يعارضه، لكن حديث الأوعال غير ثابت، أو يقال: جاء ذكر السبعين على سبيل التكثير.

    مقياس المسافة بين السماوات

    السؤال: هل المقصود بالمسافة المذكورة بين السماوات في الحديث هي التي يقطعها الإنسان برجله أو على الدابة؟

    الجواب: الناس كانوا يعرفون سير الدواب، وكان التقدير بذلك في الغالب لا بسير الأقدام؛ لأن الأقدام لا يحصل بها قطع المسافات الشاسعة وإنما يكون على الدواب.

    وهذه المسافات الشاسعة قطعها الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة ذهاباً وإياباً حين عرج به إلى السماء صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، حتى وصل إلى ما فوق السماوات وكلمه ربه وفرض عليه الصلوات الخمس، وهذا يدل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل أقدر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن رفعه إليه وتجاوزها في ليلة واحدة؛ لأنه ذهب في الليل ورجع في الليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وأيضاً هذا من الأمور الغيبية، وهذا يدل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى.

    وأيضاً: قد حصل لسليمان بن داود عليه الصلاة والسلام من الملك ما لم يحصل لغيره، ولا يكون لأحد من بعده، وذلك أن الله تعالى سخر له الريح، وسخر له الجن والإنس والطير، حتى أتي إليه العرش الذي كان في اليمن قبل أن يرتد إليه طرفه وهو بالشام، قال الله: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:39-40]، وهذا شيء لم يحصل في هذا الزمان الذي ظهر فيه التقدم في الصناعة، ولن يصلوا إلى ذلك أبداً؛ لأن هذا الذي حصل لسليمان ملك أعطاه الله له ولن يعطيه أحداً من بعده، وهذا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى.

    حكم تفسير صفة الاستواء بالجلوس

    السؤال: هل يصح أن يفسر الاستواء في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] بالجلوس؟

    الجواب: الاستواء أكثر ما ورد فيه أنه الارتفاع والعلو، وقد جاء عن السلف أربع كلمات في معناه وهي: علا، وارتفع، وصعد، واستقر.

    فهذه الأربع الكلمات هي التي جاءت عن السلف، وقد ذكرها ابن القيم في نونيته، ولكن أكثر ما جاء عنهم التعبير بعلا وارتفع، لكن هذا العلو وهذا الارتفاع لا يعلم كنهه وكيفيته؛ لأن الذات لا تعلم كيفيتها فكذلك صفاتها لا تعلم كيفيتها، كما يقول بعض العلماء: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أننا نثبت لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فيجب علينا أن نثبت له صفات لا تشبه الصفات، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.