إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [529]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حقيقة الإيمان بالقدر أن يعرف المرء أن كل ما حصل له فلا سبيل إلى الخلاص منه، وأن كل ما أخطأه فلا سبيل إلى التحصل عليه، وكل هذه الأقدار التي قدرت على المخلوقين سبق وأن كتبت في اللوح المحفوظ، فقد خلق الله القلم وأمره بكتابة المقادير إلى قيام الساعة، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن هذه الكتابة كانت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فمن أنكر القدر وزعم أن لاوجود له فقد كفر بالدين، وفارق جماعة المسلمين.

    1.   

    تابع ما جاء في القدر

    شرح حديث العمل على ما خلا ومضى من القدر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عثمان بن غياث قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن قالا: لقينا عبد الله بن عمر فذكرنا له القدر وما يقولون فيه، فذكر نحوه زاد قال: (وسأله رجل من مزينة أو جهينة فقال: يا رسول الله! فيم نعمل، أفي شيء قد خلا أو مضى أو في شيء يستأنف الآن؟ قال: في شيء قد خلا ومضى. فقال الرجل أو بعض القوم: ففيم العمل؟ قال: إن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وإن أهل النار ييسرون لعمل أهل النار) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث جبريل من طريق أخرى وفيه الزيادة أن رجلاً من مزينة أو من جهينة سأله عن القدر فقال: (أفي شيء قد خلا أو مضى أو في شيء يستأنف الآن؟ قال: في شيء قد خلا ومضى). يعني: أن الناس يعملون في شيء سبق به علم الله وتقديره وكتابته ومشيئته، فقيل: (ففيم العمل؟) وهذا مثل ما جاء في حديث علي الذي مر قريباً وفيه أنهم قالوا: (أنتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: لا. اعملوا فكل ميسر، أهل السعادة ييسرون للسعادة، وأهل الشقاوة ييسرون للشقاوة)، ومعنى ذلك: أن الناس لا يتركون العمل بناءً على أنه سبق القضاء والقدر بما هم صائرون إليه -فإن الله تعالى قدر ما هم صائرون إليه، وقدر الأسباب التي توصل إليه- بل يأخذون بالأسباب التي قدرها الله عز وجل، والغايات تأتي بعد وجود السبب الذي قدره الله عز وجل من العمل الصالح أو العمل السيئ، فمن عمل صالحاً انتهى إلى نهاية حسنة، ويسر لعمل أهل السعادة، ومن عمل بخلاف ذلك انتهى نهاية سيئة، ويسر لعمل أهل الشقاوة والعياذ بالله!

    تراجم رجال إسناد حديث العمل على ما خلا ومضى من القدر

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عثمان بن غياث ].

    عثمان بن غياث ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثني عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن ].

    هنا حميد بن عبد الرحمن يشارك يحيى بن يعمر في الرواية، والرواية السابقة هي من لفظ يحيى بن يعمر ، وحميد بن عبد الرحمن الحميري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ لقينا عبد الله بن عمر ].

    عبد الله بن عمر مر ذكره.

    شرح حديث جبريل في مراتب الدين بزيادة (والاغتسال من الجنابة) في تفسير النبي للإسلام

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمود بن خالد حدثنا الفريابي عن سفيان قال: حدثنا علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن ابن يعمر بهذا الحديث يزيد وينقص قال: (فما الإسلام؟ قال: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة).

    قال أبو داود : علقمة مرجئ ] .

    أورد أبو داود حديث ابن عمر من طريق أخرى وفيه أنه فسر الإسلام (بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة).

    الاغتسال من الجنابة هي زيادة على ما جاء في الحديث، والحديث جاء فيه زيادات عن عمر وعن أبي هريرة ، وكذلك عن غيرهم.

    وإسناد هذا الحديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، فإذاً هو صحيح، وهناك زيادات أخرى جاءت في طرق أخرى، وقد ذكر الحافظ ابن حجر تلك الزيادات التي جاءت في مختلف الأحاديث، وكذلك ابن رجب في شرح الحديث في جامع العلوم والحكم.

    تراجم رجال إسناد حديث جبريل في مراتب الدين بزيادة (والاغتسال من الجنابة) في تفسير النبي للإسلام

    قوله: [ حدثنا محمود بن خالد ].

    هو محمود بن خالد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا الفريابي ].

    هو محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا علقمة بن مرثد ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سليمان بن بريدة ].

    وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن .

    [ عن ابن يعمر في هذا الحديث يزيد وينقص ].

    هو يحيى بن يعمر .

    [ قال أبو داود : علقمة مرجئ ].

    يعني: أنه ينسب إلى الإرجاء.

    شرح حديث جبريل في مراتب الدين مع زيادة: اتخاذ النبي مكاناً مرتفعاً يجلس عليه ليعرفه الغريب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن أبي فروة الهمداني عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي ذر وأبي هريرة قالا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه قال: فبنينا له دكاناً من الطين، فجلس عليه وكنا نجلس بجنبتيه، وذكر نحو هذا الخبر، فأقبل رجل فذكر هيئته، حتى سلم من طرف السماط فقال: السلام عليك يا محمد قال: فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما، وما تقدم من طرق فهي لحديث عمر رضي الله تعالى عنه، وأما هذا فهو عن أبي ذر وعن أبي هريرة ، وأبو هريرة خرج حديثه البخاري أيضاً كما خرجه مسلم ؛ لأن حديث جبريل متفق عليه من حديث أبي هريرة ، وهو من أفراد مسلم من حديث عمر ، وقد شرح الحافظ ابن حجر حديث أبي هريرة شرحاً مطولاً في كتاب الإيمان، والإمام النووي رحمه الله لما ألف كتابه الأربعين النووية جعل أول حديث فيه أول حديث في البخاري ، وثاني حديث فيه أول حديث في صحيح مسلم ، فالحديث الأول والثاني هما أول ما في الصحيحين، فحديث عمر (إنما الأعمال بالنيات) أول حديث في صحيح البخاري ، وحديث عمر الذي هو حديث جبريل أول حديث في صحيح مسلم .

    قوله: [ (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه) ].

    أي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه غير متميز عنهم، وإذا أتى شخص غريب لا يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم لم يميز من هو الرسول صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الجالسين، فعرض عليه أصحابه أن يبنوا له مكاناً مرتفعاً يجلس عليه حتى يعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يلتبس على الناس، فوافق على ذلك فبنوا له دكاناً، أي: دكة من الطين، وهو مكان مرتفع، فكان يجلس عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وجلوسه مع أصحابه بحيث لا يعرف يعد من تواضعه وكمال خلقه صلى الله عليه وسلم، فرأى أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم أن المصلحة أن يتميز حتى إذا أتى الغريب عرف الرسول صلى الله عليه وسلم من أول وهلة، فكان من شأنهم أن عرضوا عليه، وهذا من أدبهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فإنهم ما أقدموا على ذلك دون إذن، ولكنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الشيء وعرضوه عليه فأجابهم، فبنوا له دكاناً من الطين يجلس عليه وهم يجلسون حوله حتى يعرفه الغريب.

    وفي هذا دليل على جواز كون المعلم يكون على مكان مرتفع كالكرسي أو غيره من أجل أن يكون بارزاً وأن يراه الجميع ويتمكنوا من الاستفادة منه.

    قوله: [ (حتى سلم من طرف السماط) ].

    يعني: المجلس، وهذا فيه دليل على أنه قد سلم، وأن ما جاء في بعض الروايات من عدم ذكر السلام لا يدل على عدمه؛ فيكون بعضهم ذكر ما لم يذكره الآخر، وأتى بما لم يأت به الآخر، فيكون كل ذلك معتبراً، ويكون كل ذلك ثابتاً مادام أنه جاء من طريق صحيح، فلا يقال: إن الرواية التي جاء فيها عدم ذكر السلام تدل على أن السلام لم يحصل، بل قد ثبت في بعض الطرق ما يدل على أن السلام قد وجد فيكون ذلك من فعل بعض الرواة إما لكونه لم يعرف ذلك، أو لكونه اختصر الحديث، فلم يذكر كل ما جاء فيه.

    قوله: (فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم) ]

    جاء بلفظ: (السلام عليك يا محمد) ولا يبعد أن يكون سلم سلاماً عاماً، ثم سلم سلاماً خاصاً.

    تراجم رجال إسناد حديث جبريل في مراتب الدين مع زيادة: اتخاذ النبي مكاناً مرتفعاً يجلس عليه ليعرفه الغريب

    قوله: [ عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي فروة الهمداني ].

    هو عروة بن الحارث، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي ذر وأبي هريرة ].

    أبو ذر هو جندب بن جنادة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وأبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    الأسئلة

    حرية ابن الرجل من أمته

    السؤال: أم الولد هل ابنها من سيدها يكون حراً، أم يكون مملوكاً لسيدها وينسب إليه؟

    الجواب: ابن الرجل من أمته حر؛ لأنه يكون تبعاً لأبيه، بل إن أمه تعتق بسببه، أما الذي يمكن أن يكون عبداً فهو ابن الأمة إذا تزوجها الحر مضطراً إلى ذلك؛ لأنه يكون تبعاً لأمه إلا إذا اشترط الأب.

    لا يجوز بيع أم الولد

    السؤال: أم الولد إذا باعها سيدها على القول بجواز بيعها، فهل يفوت عليها بذلك عتقها بعد موته؟

    الجواب: الصحيح أنه لا يجوز بيع أمهات الأولاد، وإنما تبقى في ملكه ثم تعتق بعد موته ولا تكون ميراثاً لورثته.

    ولهذا كانوا يعزلون عن الإماء مخافة أن تحمل؛ لأنها إذا حملت خرجت من كونها مالاً يتصرف فيه، لأنها أصبحت أم ولد وأم الولد لا تباع، وهم يريدون أن يستمتعوا بهن ويبيعوهن إذا احتاجوا إلى بيعهن.

    حكم القضاء عمن مات وعليه صوم

    السؤال: توفيت والدتي وعليها صيام خمسة وعشرين يوماً أفطرتها من شهر رمضان؛ لأنها كانت مريضة، وقبل وفاتها أوصت أبناءها بصيام هذه الأيام، ولكن أبناءها أطعموا عن كل يوم مسكيناً، فهل نصوم عنها هذه الأيام لأنها أوصت بصيامها، أو نكتفي بالإطعام السابق؟

    الجواب: إذا أفطرت هذه المرأة خمسة وعشرين يوماً، واستمر معها المرض حتى ماتت، فإنه لا قضاء عليها، ولا إطعام؛ لأنها ما تمكنت من القضاء ولم تفرط، أما إذا أفطرت أياماً من رمضان وشفيت بعد ذلك وتمكنت من القضاء ولكنها لم تقض فإنه يقضى عنها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ولا يكفي الإطعام الذي فعلوه عنها؛ لأن هذا دين عليها، وهذا شيء واجب عليها، وقد فرطت فيه؛ حيث تمكنت من القضاء ولم تقض.

    دعوة الصائم عند فطره

    السؤال: قال صلى الله عليه وسلم: (إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد) هل المراد بكلمة (عند) هنا ما قبل الفطور، وهل هذا الدعاء معين أو أي دعوة؟

    الجواب: معلوم أنه يدعو عندما يريد أن يفطر وأثناء البدء بإفطاره، فهذا هو المناسب لهذا الدعاء؛ لأن الفطر يحصل بكونه يأكل أول لقمة، لكن لا نعلم دعاءً معيناً عند الإفطار.

    حكم مناداة الرسول باسمه

    السؤال: جاء في حديث أبي ذر وأبي هريرة قول جبريل: (السلام عليك يا محمد) فناداه باسمه، فهل جاء النهي عن ذلك؟

    الجواب: معلوم أنه جاء في أحاديث كثيرة مناداة النبي باسمه، ولا أعلم حديثاً في النهي عن ذلك.

    1.   

    تابع ما جاء في القدر

    شرح حديث (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن وهب بن خالد الحمصي عن ابن الديلمي قال: (أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، قال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار) .

    قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك.

    قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك.

    قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك ].

    سبق في باب القدر من سنن أبي داود بعض الأحاديث وآخر ما مضى حديث جبريل، وهنا حديث أبي بن كعب ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وقد جاء عبد الله بن فيروز الديلمي إلى أبي بن كعب وقال: (وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي!).

    فقال رضي الله عنه في جوابه على هذا: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ولكن قد جاء به الحديث مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وذلك أنهم يحصل منهم التقصير ويحصل منهم الخلل، فلا يتجاوز عنهم ما يحصل من أي أحد منهم، فيكون قد عذبهم وهو غير ظالم لهم.

    قوله: [ (ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) ] وذلك أن أعمالهم التي يعملونها لله عز وجل هي أيضاً من رحمة الله عز وجل بهم ومن توفيقه لهم، وما حصل منهم شيء من الأعمال الصالحة إلا بتوفيق الله عز وجل، فالفضل لله عز وجل أولاً وآخراً؛ لأنه هو المتفضل بهذه النعمة.

    قوله: [ (ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر) ].

    وذلك أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وقد سبق أن مر مثل ذلك عن عبد الله بن عمر بين يدي حديث جبريل.

    وجوب إيمان العبد بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه

    قوله: [ (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) ].

    هذا هو الإيمان بالقدر، ومعنى هذا: أن كل ما حصل لك لا سبيل إلى تخلصك منه؛ لأن الله تعالى قد قدره فلابد من أن يوجد، والشيء الذي أخطأك ولم يصبك لا يمكن أن يصيبك، وهذا هو معنى قول المسلمين: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) فقولهم: (ما شاء الله كان) مأخوذ من قوله: (وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك) أي أن الشيء الذي قدر الله أن يكون لابد من أن يوجد، والشيء الذي قدر ألا يكون لا سبيل إلى وجوده، فالشيء الذي يحصل لك ويقع لك لا يمكن أن يتخلف، والشيء الذي قدر ألا يحصل لك لا يمكن أن يكون، كما جاء في الحديث الآخر في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس : (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)

    والكلام الذي جاء هنا عن أبي بن كعب قد جاء أيضاً مرفوعاً، والصحابي الآخر قد حدث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبق أن مر بنا أن الحسن البصري رحمة الله عليه لما سئل عما حصل لآدم عليه الصلاة والسلام من الأكل من الشجرة قال: (لو أن آدم اعتصم ولم يأكل من الشجرةلم يكن له بد من ذلك)، وذلك لأن هذا الشيء الذي قدره الله لا بد منه، ولا يقال: إن هذا جبر، وإن العباد لا اختيار لهم، بل لهم اختيار ولهم مشيئة، وما يحصل منهم يكون بمشيئتهم وإرادتهم، ويقع الذي قدره الله عز وجل وقضاه، فيجتمع في ذلك إرادة العبد حصول الشيء الذي قد حصل له، وكون ذلك الذي حصل منه لا يخرج عما قدره الله وقضاه كما قال الله عز وجل: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

    فلا يمكن أن يحصل من العبد شيء ما لم يقدره الله، بل الذي قدره الله عز وجل له سبب يؤدي إليه، والمقدر غاية تأتي نتيجة لهذا السبب، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له كما في الحديث المتقدم: (أنتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة) .

    ولهذا فإن القدر لابد فيه من أمرين: مشيئة من العبد، ومشيئة من الله عز وجل، وهذا في الشيء الذي للعبد فيه إرادة ومشيئة، أما الشيء الذي ليس للعبد فيه إرادة ولا مشيئة فإنما يقع بقضاء الله وقدره، وذلك مثل حركة المرتعش، وأما الأفعال الاختيارية كالأكل والشرب والسفر والذهاب والإياب والبيع والشراء وغير ذلك، فإنها تحصل بمشيئته وإرادته.

    كيف يعرف الناس الشيء المقدر؟

    ذكرت فيما مضى أن الناس لا يعرفون المقدر إلا بأمرين:

    الأمر الأول: الوقوع، فكل شيء وقع فقد قدر؛ لأنه لا يقع إلا ما قدر، (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن):

    فما شئتَ كان وإن لم أشأ

    وما شئت إن لم تشأ لم يكن

    والأمر الثاني: أن يحصل الإخبار من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن أمر مستقبل، فإن هذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لابد أن يقع، وكل شيء يقع لابد أن يكون مقدراً، ومن ذلك إخباره عن الدجال، وعن خروج يأجوج ومأجوج، وعن نزول عيسى بن مريم، وغير ذلك من الأمور التي تقع بين يدي الساعة وما حصل قبل ذلك، وما حصل بعد زمنه بوقت يسير مثل قوله صلى الله عليه وسلم عن الحسن: (إن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) .

    فإن هذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حق وصدق لابد أن يوجد، ويعتقد بأنه سبق به القضاء والقدر؛ لأنه لا يقع في الوجود إلا ما هو مقدر.

    كفر غلاة القدرية الذين ينكرون القدر

    قوله: [ (ولو مت على غير هذا لدخلت النار) ].

    أي: إذا كان منكراً للقدر، وقد سبق أن الغلاة من القدرية الذين ينكرون العلم قد قال العلماء بتكفيرهم، وأما الذين أثبتوا العلم لله عز وجل، ولكنهم قالوا: إنهم ينزهون الله عن أن يقدر المعاصي ويريدها فقد اختلف العلماء في تكفيرهم.

    قوله: [ ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ].

    يعني: أن الصحابة الثلاثة الأولين ذكروا ذلك من غير إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن هذا من الأمور التي لا تقال من قبل الرأي، وأيضاً فإن زيد بن ثابت الذي جاء ذكره آخراً قد رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مرفوعاً من هذا الصحابي، وموقوفاً من أولئك الذين تقدموا، فهو إذاً ثابت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    متى يسأل الإنسان أكثر من عالم؟

    وجاء في بعض طرق هذا الحديث أن كل صحابي كان يجيبه ثم يحيله على أخيه، ولم يسأل هذا السؤال أكثر من واحد من تلقاء نفسه، أخرجه ابن ماجة هكذا، وذكره الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح في القدر.

    ولعل هذا أيضاً وقع منه حتى يتأكد من زوال ما في قلبه من اللبس، لكن فيما يتعلق بالأمور التي هي أحكام شرعية لا يحيل العالم إلا إذا اجتهد في الجواب وقد رجا أن يكون عند غيره دليل، مثل ما جاء عن أبي موسى في قصة الميراث لما أفتى ثم قال للسائل: واذهب إلى ابن مسعود فسيتابعني، فقال ابن مسعود : قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين .... إلخ الحديث. فإذا كان العالم غير مطمئن للجواب فإنه يحيل على غيره، وأما إذا ذهب المستفتي إلى من يثق بعلمه ودينه فأفتاه فلا يكثر الأسئلة؛ لأنه قد يحصل له الجواب على اجتهادات مختلفة فيتشوش، وأما إذا كان الأمر يحتاج إلى استثبات مثل قصة هذا الرجل الذي وقع في نفسه شيء من القدر، وهو يريد أن يتحقق من زوال ما في نفسه منه؛ فله ذلك، ولهذا سأل أكثر من واحد واتفقوا على شيء واحد يجعله يكون مطمئناً لما أجيب به، وهذا إنما هو تبصير وبيان لشيء وقع في نفسه مما يتعلق بالقدر.

    تراجم رجال إسناد حديث (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    سفيان هو الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سنان ].

    هو سعيد بن سنان، وهو صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن وهب بن خالد الحمصي ].

    وهب بن خالد الحمصي ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن ابن الديلمي ].

    هو عبد الله بن فيروز، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ أتيت أبي بن كعب ].

    أبي بن كعب رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ثم أتيت عبد الله بن مسعود ].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي ، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ثم أتيت حذيفة بن اليمان ].

    حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ثم أتيت زيد بن ثابت ].

    زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أول ما خلق الله القلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا جعفر بن مسافر الهذلي حدثنا يحيى بن حسان حدثنا الوليد بن رباح عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني) ].

    أورد أبو داود حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أنه قال لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) وهذا مثل ما تقدم في الحديث السابق الذي جاء عن جماعة من الصحابة، ثم إنه ذكر بعد هذا الذي قاله لابنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: ربَّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة).

    قوله: [ (اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) ] هذا يبين ما ذكره أولاً لابنه من أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أي: أن الذي قدره الله عز وجل وكتبه في اللوح المحفوظ من أن كذا سيصيب هذا الشخص، أو يخطئ هذا الشخص، فالذي أصابه لابد له منه ولا يمكن التخلص منه، والذي أخطأه لا سبيل إلى حصوله؛ لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    وفي الحديث دليل على إثبات القدر وعلى الكتابة، لأن القلم لما خلقه الله عز وجل قال له: (اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)، وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن هذه الكتابة كانت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

    واستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن القلم هو أول المخلوقات في هذا العالم، ومنهم من قال: إن العرش كان قبله؛ لأنه جاء في الحديث الذي فيه الكتابة قوله: (كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) فيكون قوله: (إن أول ما خلق الله القلم) معناه: أنه من أول ما خلقه الله.

    ومنهم من قال: إن العرش كان موجوداً من قبل أن يكتب القضاء والقدر، وقبل أن يخلق القلم الذي أمر بكتابة المقادير التي قدرها الله عز وجل حتى تقوم الساعة.

    و رجح ابن القيم رحمه الله في النونية أنه العرش فقال:

    والناس مختلفون في القلم الذي

    كتب القضاء به من الديان

    هل كان قبل العرش أو هو بعده

    قولان لأهل العلم مشهوران

    والحق أن العرش قبل لأنه

    قبل الكتابة كان ذا أركان

    قوله: [ قال عبادة بن الصامت لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك) ].

    معناه: أن الإيمان بالقدر وحقيقته وكون الإنسان متصفاً بالإيمان به، إنما يكون بمعرفة أن كل ما حصل للإنسان فإنه لا سبيل إلى السلامة منه، وأن كل شيء أخطأه لا سبيل إلى حصوله، وعلى هذا فلابد من الإيمان بالقدر، وأن كل شيء مقدر لابد من أن يكون، وأن ما قدر الله أن يكون فإنه يكون طبقاً لما أراد، وما قدر ألا يكون فإنه لا يمكن أن يكون.

    قوله: [ (من مات على غير هذا فليس مني) يعني: أن من مات على عدم الإيمان بالقدر، أو على إنكار القدر فليس مني.

    تراجم رجال إسناد حديث أول ما خلق الله القلم

    [ حدثنا جعفر بن مسافر الهذلي ].

    هو جعفر بن مسافر الهذلي أبو صالح ، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا يحيى بن حسان ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا الوليد بن رباح ].

    وهو صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ عن إبراهيم بن أبي عبلة ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن أبي حفصة ].

    وهو مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ قال عبادة بن الصامت ].

    عبادة بن الصامت رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.