إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [522]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من عقيدة أهل السنة والجماعة: السكوت عما حصل في الفتنة بين الصحابة، فهم يعتقدون أن الصحابة مجتهدون في ذلك لا يعدمون الأجر والأجرين، ويسلمون صدورهم وألسنتهم من الخوض أو الطعن في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأن من خرج عن هذا فقد ابتدع في الدين، وضل عن هدي رب العالمين.

    1.   

    ما يدل على ترك الكلام في الفتنة

    شرح حديث (إن ابني هذا سيد، وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة.

    حدثنا مسدد ومسلم بن إبراهيم قالا: حدثنا حماد عن علي بن زيد عن الحسن عن أبي بكرة ح وحدثنا محمد بن المثنى عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي :(إن ابني هذا سيد، وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي) وقال في حديث حماد : (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة ].

    لأن ما جرى من فتن وأمور حصلت بين الصحابة فإنه يترك الكلام فيها، وهذا هو معنى ما جاء عن كثير من العلماء في كتب العقائد، لا سيما المختصرة منها: الكف عما شجر بين الصحابة، يعني: من عقيدة أهل السنة والجماعة الكف عما شجر بينهم، وألا يتكلم فيهم إلا بخير، وأن تحسن بهم الظنون، وأن يحمل ما جرى منهم على أحسن المحامل، وفي ذلك سلامة القلوب وطهارتها ونظافتها من أن يقع فيها شيء لا يليق في حق بعض الصحابة، فالواجب الترحم على الجميع والترضي عنهم، واعتقاد أنهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، فمن اجتهد منهم فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

    وقد جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: إن الفتن التي كانت في أيامهم قد صان الله منها سيوفنا، فنسأله أن يصون منها ألسنتنا، يعني: ما كنا في زمانهم حتى يكون لأيدينا مشاركة، وبقيت الألسن فنسأل الله عز وجل أن يصونها وأن يحفظها من أن تتكلم فيهم بما لا ينبغي وبما لا يليق، بل الواجب محبة الجميع وتعظيمهم وتوقيرهم، وألا يشتغل بما جرى بينهم، وإذا اشتغل به فيكون بالاعتذار وبيان سلامتهم، وكثير مما نقل عنهم زيد فيه ونقص منه، وبعضه كذب، وما صح منه فهم دائرون فيه بين الأجر والأجرين، إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران، وإما مجتهدون مخطئون فلهم أجر واحد، والخطأ منهم مغفور، هذا هو الواجب في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    وقد أورد أبو داود حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان على المنبر ومعه ابنه الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من أمتي)، وفي بعض الروايات: (بين فئتين من المسلمين عظيمتين) وهذا يدل على إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأمر مغيب يأتي في المستقبل، وهو من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وذلك من الإيمان بالغيب؛ لأن الإيمان بالغيب يكون عن أخبار ماضية وعن أمور مستقبلة، وعن أمور موجودة لكنها غير مشاهدة ولا معاينة، وهذا مما حصل فيه الإخبار عن أمر مستقبل وقريب من زمنه صلى الله عليه وسلم، فإنه أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن هذا الغلام سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، وقد فهم من هذا أن الحسن سيعيش، وأنه لن يموت طفلاً، بل سيبقى حتى يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن ذلك، وخبره لا يتخلف، بل هو صدق، وهو لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد حصل هذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بثلاثين سنة، فتحقق هذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، واجتمعت كلمة المسلمين بتنازل الحسن رضي الله عنه وأرضاه، وسمي ذلك العام الذي هو عام (41)هـ عام الجماعة، لاجتماع كلمة المسلمين، وكونه صار لهم خليفة اجتمع عليه الناس وصارت الكلمة واحدة، وتحقق ذلك الذي أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وفيه إطلاق السيد على المخلوق، وقد جاء إطلاقه على الله عز وجل، فالله تعالى من أسمائه السيد، ويطلق على المخلوق سيد كما جاء في هذا الحديث حيث قال: (إن ابني هذا سيد).

    وفيه أيضاً وصف الفئتين اللتين يحصل الصلح بينهما بأنهما مسلمتان، وهذا فيه بيان أن هؤلاء الذين حصل بينهم الخلاف مسلمون وأن كلمتهم ستجتمع بتنازل هذا الرجل العظيم لـمعاوية رضي الله تعالى عن الجميع، وقد جاء عن سفيان بن عيينة رحمه الله أنه كان يقول: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (من المسلمين) يعجبنا جداً، يعني: وصف الطائفتين بأنهما من المسلمين مع اقتتالهم واختلافهم، فهو يقول رحمه الله: إن هذا يعجبنا جداً؛ لأنه حكم بإسلام الجميع، وأن هذا اختلاف بين مسلمين، وأن هذا الاتفاق حصل بين فئتين عظيمتين من المسلمين على يد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن ابني هذا سيد، وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي..)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ ومسلم بن إبراهيم ].

    هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا حماد ].

    هو حماد بن زيد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علي بن زيد ].

    هو علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن الحسن ].

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بكرة ].

    هو أبو بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا محمد بن المثنى ].

    (ح) أي: طريق أخرى، ومحمد بن المثنى العنزي أبو موسى الملقب بـالزمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ عن محمد بن عبد الله الأنصاري ].

    محمد بن عبد الله الأنصاري ثقة، من كبار شيوخ البخاري ، وممن روى عنهم الثلاثيات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني الأشعث ].

    الأشعث يحتمل أن يكون الأشعث بن عبد الله الحداني أو الأشعث بن عبد الملك الحمراني ، وكل منهما محتج به، فالأول: صدوق أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن، والثاني: ثقة أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن، وقد ذكر في ترجمة محمد بن عبد الله الأنصاري أنه روى عنهما جميعاً، وكذلك في ترجمة الحسن أنهما رويا عنه جميعاً، وهو محتمل لهذا ولهذا، وكل منهما حجة.

    والمحشي يقول: إنه الأشعث بن عبد الملك الحمراني ؛ لأن المصنف أخرجه برقم (3775) من رواية ابنه عنه فاتضح أنه ابن عبد الملك الحمراني .

    [ عن الحسن عن أبي بكرة ].

    الحسن وأبو بكرة مر ذكرهما في الإسناد السابق، وعلى هذا فالإسناد الذي مر وفيه علي بن زيد بن جدعان لا يؤثر؛ لأن هذا إسناد يغني عن الطريق الأولى.

    مناسبة حديث (إن ابني هذا سيد..) للتبويب في ترك الفتن

    أما مناسبة الحديث للترجمة فهو من جهة أن ما حصل من الصلح كان قبله اختلاف وفتنة، وقد انتهت بهذا الذي تم على يد الحسن رضي الله تعالى عنه، أي: أن الفتن التي حصلت قبل ذلك الصلح من الأشياء التي كان المطلوب أن يكف عن الكلام فيها وألا يتكلم فيها إلا بما هو خير وبما هو لائق في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما جرى من الاقتتال بين الصحابة لا يدخل في قوله (إذا التقى المسلمان بسيفهما..)

    وهناك من يستدل بحديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما..) الحديث، على أن ما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم داخل ضمن الوعيد، ولا نص يستثني الصحابة من ذلك.

    والحق أنه ليس من هذا القبيل؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حصل ما حصل منهم باجتهاد، وكل منهم كان يرى أنه على حق، وأما اللذين ذكرا في الحديث فإنهما يلتقيان وكل واحد منهما يريد أن يقتل الآخر، أي: يريد أن يعتدي عليه، ولا يرى أنه على الحق.

    حديث حذيفة (ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة...) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد أخبرنا هشام عن محمد قال: قال حذيفة : (ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه، إلا محمد بن مسلمة ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تضرك الفتنة) ].

    أورد أبو داود حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أنه قال: (ما أحد من المسلمين إلا وأخشى عليه الفتنة ما عدا محمد بن مسلمة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: لا تضرك الفتنة) وسيأتي أنه اعتزل الفتن..

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا يزيد ].

    هو يزيد بن هارون الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا هشام ].

    هو هشام بن حسان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد ].

    هو محمد بن سيرين ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حذيفة ].

    هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح أثر حذيفة (إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن الأشعث بن سليم عن أبي بردة عن ثعلبة بن ضبيعة قال: دخلنا على حذيفة فقال: إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً، قال: فخرجنا فإذا فسطاط مضروب، فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة رضي الله عنه، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت ].

    أورد أبو داود حديث حذيفة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله قال: إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتنة، ثم إنهم رأوا فسطاطاً منصوباً يعني: خيمة، فدخلوا وإذا فيه محمد بن مسلمة ، فسألوه عن شأنه فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت، يعني: الفتن، وهو يريد أن يعتزل الناس حتى تنتهي الفتنة وتنجلي.

    تراجم رجال إسناد أثر حذيفة (إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً..)

    قوله: [ حدثنا عمرو بن مرزوق ].

    عمرو بن مرزوق ثقة له أوهام، أخرج له البخاري وأبو داود .

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأشعث بن سليم ].

    الأشعث بن سليم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بردة ].

    هو أبو بردة بن أبي موسى ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثعلبة بن ضبيعة ].

    ثعلبة بن ضبيعة مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ عن حذيفة ].

    حذيفة مر ذكره.

    [ فإذا فيه محمد بن مسلمة فسألناه عن ذلك ].

    محمد بن مسلمة صحابي، أخرج له أصحاب السنن.

    أثر حذيفة (إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً..) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن الأشعث بن سليم عن أبي بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي بمعناه ].

    وهذا إسناد آخر بمعنى اللفظ المتقدم في الإسناد السابق.

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة ].

    أبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أشعث بن سليم عن أبي بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي ].

    في الإسناد المتقدم ثعلبة بن ضبيعة ، وهنا قال: ضبيعة بن حصين ، وهو هو.

    وهذا الحديث صحيح، ويقول في العون: هذا الحديث سكت عنه المنذري .

    شرح أثر علي في سبب مسيره إلى البصرة لملاقاة أهل الجمل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن عن قيس بن عباد قال: قلت لـعلي رضي الله عنه: أخبرنا عن مسيرك هذا، أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأي رأيته؟ فقال: ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، ولكنه رأي رأيته ].

    أورد أبو داود هذا الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد سئل عن مسيره في بعض الأحوال التي التقى فيها مع من يقابله من المسلمين، وذلك في الجمل أو صفين، فقيل: هل مسيرك هذا شيء عهد إليك به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أنه رأي رأيته؟ فأخبر بأنه لم يعهد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك، وإنما هو رأي رآه، واجتهاد حصل منه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    تراجم رجال إسناد أثر علي في سبب مسيره إلى البصرة لملاقاة أهل الجمل

    قوله: [ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي ].

    إسماعيل بن إبراهيم الهذلي ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن علية ].

    هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يونس عن الحسن ].

    يونس هو ابن عبيد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والحسن تقدم.

    [ عن قيس بن عباد ].

    قيس بن عباد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ قلت لـعلي ].

    علي هو أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق) ].

    أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري في الخوارج أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) والمقصود من ذلك الخوارج الذين خرجوا بعدما حصل التحكيم وانحازوا في مكان يقال له: حروراء، وحصل منهم ما حصل، وقاتلهم علي رضي الله عنه وأرضاه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)، وهذا يدلنا على أن علياً رضي الله عنه أولى من غيره.

    وقوله: (على حين فرقة من المسلمين) هو مثل الحديث الذي مر في قوله: (يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، فإنه وصف المختلفين والمفترقين أنهم مسلمون، فهذا مثل ذاك، وهو يدل على أن علياً رضي الله عنه كان محقاً، وأنه أولى بالحق، ومعاوية رضي الله عنه كان مجتهداً، وكل من المجتهدين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، فالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور رضي الله تعالى عن الجميع.

    والخوارج هم الذين خرجوا من جيش علي رضي الله عنه بعدما حصل التحكيم، ولا يقال عن جيش معاوية : خوارج، وإنما هم مجتهدون؛ لأن معاوية رضي الله عنه رأى أن يقتص أولاً من الذين قتلوا عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم يسلم الشام، وعلي رضي الله عنه رأى أنه يتم تسليم الشام أولاً ثم ينظر في الأمر، وكل وقف عند رأيه، وحصل ما حصل، وكلهم كما ذكرت لا يعدمون الأجر أو الأجرين.

    قال في عون المعبود: أجمع العلماء على أن الخوارج مسلمون، فأقول: إن بعض العلماء كفرهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين..)

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    مسلم بن إبراهيم مر ذكره.

    [ حدثنا القاسم بن الفضل ].

    القاسم بن الفضل ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي نضرة ].

    هو أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي سعيد ].

    هو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد رباعي.

    أقوال كبار أئمة السلف في وجوب السكوت عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم

    قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته. وهذا مذكور في كتاب سير أعلام النبلاء.

    وقال الإمام الطحاوي رحمه الله: علماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.

    وقال الحافظ ابن عساكر : واعلم -يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول بأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختار الله منهم خلق ذميم، وقد عد أهل العلم الطعن للصحابة زندقة مفضوحة، وقرروا أنه لا يبسط لسانه فيهم إلا من ساءت طويته في النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والإسلام والمسلمين. وهذا مذكور في كتاب الإمامة لـأبي نعيم الأصفهاني .

    وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله حيث سئل عن القتال الذي حصل بين الصحابة: تلك دماء طهر الله يدي منها، أفلا أطهر منها لساني؟! مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها. وهذا مذكور في مناقب الشافعي للرازي .

    وسئل الحسن البصري عما حصل بين الصحابة فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي .

    وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية ؟ قال: ما أقول فيهم إلا الحسنى. من مناقب الإمام أحمد لـابن الجوزي .

    وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة ومن بعدهم: نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، وقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ العمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم. من الإبانة.

    وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، ولأن الله غفر لهم وأخبرنا بالرضا عنهم. من الجامع لأحكام القرآن.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة: ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون. من العقيدة الواسطية.

    ونقل الحافظ ابن حجر عن أبي المظفر السمعاني رحمه الله أنه قال: التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان صاحبه، بل هو بدعة وضلاله. من فتح الباري. انتهى.

    وهذه فوائد عظيمة تتعلق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضها يتعلق بأهل العلم، وهذا هو اللائق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والواجب أن تكون الألسنة والقلوب سليمة ونظيفة في حقهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فتكون القلوب سليمة خالية من الحقد والغيظ والبغض، والألسنة سليمة خالية من السب والذم والثلب والعيب، وإذا كانت الغيبة محرمة في حق سائر المسلمين، فإن الاغتياب لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أشد حرمة فهم خير هذه الأمة والواسطة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين نقلوا الكتاب والسنة إلى الناس؛ والغيبة لهم وقيعة في خير الناس، وفيمن ساق الله للناس الخير على أيديهم، وهو الوحي الذي تلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أدوه إلى من بعدهم، فمن حسن حظ المرء أن يكون قلبه ولسانه نظيفين نزيهين سليمين في حق الصحابة، ومن علامة السوء وسوء الحظ للإنسان أن يحرك لسانه فيما لا ينبغي في حقهم، وأن يقع في قلبه شيء مما لا ينبغي في حقهم جميعاً رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    وقد نقلت في آخر كتابي الانتصار للصحابة الأخيار نقولاً عديدة في هذا الأمر، ومن أعظمها وأشدها وأوضحها ما قاله أبو زرعة الرازي رحمة الله عليه: إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الكتاب حق، والرسول حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يريدون أن يجرحوا شهودنا فيبطلوا الكتاب والسنة، فالجرح بهم أولى، وهم زنادقة.