إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [520]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الجمادات خلق من خلق الله تعالى، فتعظم ما عظم رب العزة سبحانه، وليس معظم في الإسلام شيء ككتاب الله تعالى؛ ولذا لو أنزل على جبل لخشع وتصدع من خشيته للمتكلم بهذا الكتاب وتعظيمه. وكذا عظم الجبل سيد البشر وأذعن لأمره؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مرسل من خالقه ومرسيه، وكان تعظيمه له بأن كف عن ارجافه؛ لأن عليه النبي الكريم خير من مشى على ظهر المعمورة، وعليه صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها، والشهيدان بكل ما تعنيه معنى الشهادة، وعما أفضل الأمة بعد صديقها بإجماع أهل السنة. فسبحان الله ما أطوع أحر لأمر النبي ومعرفته لمنازل الرجال.

    1.   

    تابع ما جاء في الخلفاء

    شرح حديث (اثبت حراء؛ إنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء عن ابن إدريس أخبرنا حصين عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم ، وسفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم المازني ، ذكر سفيان رجلاً فيما بينه وبين عبد الله بن ظالم المازني قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: لما قدم فلان إلى الكوفة أقام فلان خطيباً، فأخذ بيدي سعيد بن زيد فقال: ألا ترى إلى هذا الظالم، فأشهد على التسعة إنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم إيثم -قال ابن إدريس : والعرب تقول: آثم- قلت: ومن التسعة؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حراء: (اثبت حراء؛ إنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد. قلت: ومن التسعة؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف قلت: ومن العاشر؟ فتلكأ هنية ثم قال: أنا)].

    سبق أن مر جملة من الأحاديث في باب الخلفاء، ولكن فيها تفضيل منزلتهم، وليس هناك تعرض للخلافة أو الخلفاء، وإنما فيها التفضيل، كهذا الحديث، وإن كان أوله يتعلق بالأمراء وذكر الأمير، ولكن الحديث الذي سيق يدل على التفضيل، وفيه ذكر العشرة المبشرين بالجنة.

    وأورد أبو داود حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وقد حدث به بمناسبة، وهي أنه لما قدم فلان الكوفة أقام فلان خطيباً، ولعل الذي قدم هو المغيرة بن شعبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أقيم خطيباً لعله شخص آخر أقامه المغيرة بن شعبة ، وهو الذي حصل منه الكلام الذي أنكره سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقال: انظر إلى هذا الظالم، يعني: الذي خطب، والذي أقيم خطيباً، ثم ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر تسعة في الجنة، وقال: لو شئت لسميت العاشر، ويعني بذلك نفسه رضي الله عنه وأرضاه، فإنه هو أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه، فأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد حراء وأنه اضطرب فقال له: (اثبت حراء؛ إنما عليك نبي أو صديق أو شهيد) وكان معه أبو بكر وهو الصديق ، وشهيدان وهما: عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، وذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمى تسعة أو عشرة وقال: إنهم من أهل الجنة، وقال سعيد عن نفسه: لو شئت لسميت العاشر، فقيل له: من؟ فقال: أنا، وهذا يدل على تواضع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهضمهم لأنفسهم تواضعاً لله عز وجل، فهو مع كونه أحدهم لم يبادر إلى إظهار نفسه وإلى إبراز نفسه وإضافة هذا الفضل إلى نفسه، وإنما ذكر فضل غيره ممن كان معه وسكت، فروجع في ذلك فقيل: من العاشر؟ فتلكأ وما استعجل في الجواب، بل تردد وتمهل، ثم بعد ذلك قال: أنا، مخبراً بالواقع وبما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يدل على فضل هؤلاء، وفي هذا الحديث إثبات أن أولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون معه تسعة، لكن العشرة هم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الروايات، والعاشر أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، والعشرة هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ، فهؤلاء وصفوا بهذا الوصف وحصل لهم لقب العشرة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سردهم في حديث واحد فقال: فلان في الجنة وفلان في الجنة، فكل واحد منهم يكون مبتدأ ويخبر عنه بأنه في الجنة، فلهذا اشتهروا بهذا اللقب، وصار ينص عليهم بهذا الوصف الذي هو العشرة، والترضي عن العشرة وبيان فضل العشرة الذين هم هؤلاء.

    والحديث ليس فيه أبو عبيدة بن الجراح ، وإنما فيه أولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاشرهم سعيد بن زيد الذي أخبر عن نفسه في آخر الأمر بعدما سئل وتلكأ، وهو العاشر رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، وهذا يدل على فضلهم وأنهم من أهل الجنة، والشهادة بالجنة حصلت لغيرهم في مناسبات، لكنهم وصفوا بهذا الوصف أو لقبوا بهذا اللقب لأنهم سردوا في حديث واحد وهم عشرة، وأما غيرهم فقد جاء في مناسبات مختلفة، مثل: ثابت بن قيس بن شماس ، وعكاشة بن محصن ، والحسن والحسين ، وبلال ، وغيرهم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أكرمهم الله وتفضل عليهم بأن جعلهم من أهل الجنة وشهد لهم بذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    [ أقام فلان خطيباً ].

    في عون المعبود قال: المقصود من فلان وفلان: معاوية والمغيرة بن شعبة ، ولا أدري هل معاوية قدم الكوفة هو والمغيرة ، وأنه المقصود من الاثنين، أو أن المقصود به المغيرة وأنه قدم الكوفة أميراً عليها..

    تراجم رجال إسناد حديث (اثبت حراء؛ إنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن إدريس ].

    هو عبد الله بن إدريس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا حصين ].

    هو حصين بن عبد الرحمن السلمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هلال بن يساف ].

    هلال بن يساف ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن ظالم ].

    عبد الله بن ظالم صدوق، أخرج له أصحاب السنن.

    [ وسفيان عن منصور ].

    وهذه طريق ثانية عن منصور ، فيحتمل أن يكون سفيان بن عيينة وأن يكون سفيان الثوري ، والمعروف في الرواية عن المنصور بن المعتمر هو سفيان الثوري ، وهلال بن يساف معروف بالرواية عن سفيان الثوري ، وكلاهما بصري، وسفيان بن عيينة مكي، فكون عبد الله بن إدريس يروي عن حصين ويروي عن سفيان عن منصور هو الذي لا إشكال فيه، وأما كون الراوي محمد بن العلاء يروي عن سفيان فهذا غير واضح، وإنما إذا كانت الرواية عن سفيان بن عيينة إذ قد أدركه، وأما سفيان الثوري فلم يدركه، فقد توفي سفيان الثوري وعمر محمد بن العلاء ست سنوات؛ لأن الثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، ومحمد بن العلاء توفي سنة سبع وأربعين وعمره ست وثمانون سنة، فمعناه أنه أدرك أربعين وسبع، وذاك توفي سنة واحد وستين، فيكون لما توفي الثوري عمره ست سنوات، فلم يدركه إدراكاً بيناً، وإنما أدركه وهو صغير، لكن إذا كان عبد الله بن إدريس هو الذي يروي عن سفيان، والذي يروي عن الحصين يكون ليس فيه إشكال، وسفيان هو الثوري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم المازني ].

    مر ذكرهما.

    ذكر سفيان رجلاً فيما بين هلال بن يساف وبين عبد الله بن ظالم المازني في الذي بعد هذا هو ابن حيان .

    وهنا سفيان جزماً هو الثوري فعليه يحمل الأول.

    وقول صاحب العون هو ابن عيينة أو الثوري ما هو بواضح، ثم أيضاً كونه يروي عن منصور هذا يوضح أنه سفيان الثوري .

    [ سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ].

    سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    تراجم رجال إسناد حديث (اثبت حراء إنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال أبو داود : رواه الأشجعي عن سفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن ابن حيان عن عبد الله بن ظالم بإسناده نحوه ].

    أورد أبو داود الطريق التي ذكر فيها سفيان رجلاً بين هلال بن يساف وبين عبد الله بن ظالم وهذا الرجل ذكر هنا في هذه الطريق المعلقة، وأنه ابن حيان .

    [ رواه الأشجعي ].

    الأشجعي هو عبيد الله بن عبيد الرحمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود ، وهنا ذكره تعليقاً، ومعلوم أن التعاليق عند أبي داود لا يعتبر من رجاله إذا كان ما روى له في المتصلات، ولهذا يأتي كثيراً ذكر هؤلاء الذين يأتون في التعاليق ولا يرمز لهم برواية أبي داود عنهم.

    [ عن سفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن ابن حيان ].

    ابن حيان لا يعرف ولم يسم، ويقال: اسمه حيان بن غالب، أخرج له أبو داود والنسائي .

    أبو عبيدة بن الجراح من العشرة وإن لم يذكر في هذا الحديث

    ترك سعيد بن زيد رضي الله عنه ذكر أبي عبيدة مع كونه -بلا شك- من العشرة لعله على اعتبار أنه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون عشرة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إنكار سعيد بن زيد على المغيرة كونه لم ينكر الطعن في آل البيت

    جاء في مسند الإمام أحمد : أن الخطيب هو غير المغيرة ، وفيه: إنكار سعيد بن زيد على المغيرة وذلك لعدم إنكاره على هذا الخطيب، فقال له: أيسب عندك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنكر؟!

    وسيأتي في حديث آخر أنه قيس بن علقمة ، وهو الذي حصل منه الطعن وأنكر عليه سعيد بن زيد ، لكن كون الذي قدم وأقام خطيباً، لعله المغيرة ، وقد قدم أميراً على الكوفة، وأقام خطيباً يعني: شخصاً آخر، ويكون هذا هو الذي حصل منه الكلام الذي عيب وأنكر عليه.

    شرح حديث (عشرة في الجنة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن الحر بن الصياح عن عبد الرحمن بن الأخنس أنه كان في المسجد، فذكر رجل علياً رضي الله عنه، فقام سعيد بن زيد رضي الله عنه فقال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أني سمعته وهو يقول: (عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف) ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد ].

    ذكر أبو داود رحمه الله تعالى: الحديث من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله تماماً، يعني عشرة وذكر منهم: الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وفيه أن رجلاً تكلم، وذكر علياً ؛ فأتى بالحديث، وبيّن أن علياً من أهل الجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    تراجم رجال إسناد حديث (عشرة في الجنة...)

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر النمري ].

    حفص بن عمر النمري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحر بن الصياح ].

    الحر بن الصياح ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.

    [ عن عبد الرحمن بن الأخنس ].

    عبد الرحمن بن الأخنس مستور -أي: مجهول الحال- أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ فقام سعيد بن زيد ].

    سعيد بن زيد مر ذكره.

    شرح حديث سعيد بن زيد في ذكر العشرة من أهل الجنة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو كامل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا صدقة بن المثنى النخعي حدثني جدي رياح بن الحارث قال: (كنت قاعداً عند فلان في مسجد الكوفة وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له: قيس بن علقمة ، فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد : من يسب هذا الرجل؟! فقال: يسب علياً ، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير؟! أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل فيسألني عنه غداً إذا لقيته-: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة.. وساق معناه، ثم قال: لمشهد رجل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح) ].

    أورد أبو داود حديث سعيد بن زيد من طريق أخرى وفيه أن فلاناً وهو لم يسم، ولعله يشير بذلك إلى أمير الكوفة المغيرة بن شعبة ، وأنه جاء فحياه ورحب به، يعني: المغيرة رحب بـسعيد بن زيد وأجلسه معه، ثم جاء رجل يقال له قيس بن علقمة ، فسب وسب، فقال: من يسب هذا؟! قالوا: علياً ، فقال: ما هذا؟! يعني: كيف يسب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأنت لا تنكر ولا تغير؟! ثم قال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عشرة في الجنة) وإني لغني عن أن أقول عليه ما لم يقل، يعني: أنه لا يكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يضيف إليه شيئاً لم يقله، وهذا يدل على تثبته وعلى تحققه مما يحدث به ومما يخبر به، ثم ذكر معنى الحديث المتقدم، ثم قال: (لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح) يعني: أن عمل الرجل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته وفي جهاده لا يساويه عمل الكثير ممن جاء بعدهم؛ وذلك لأن الذي حصل منهم إنما حصل لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم والذب عنه ونشر دينه والأخذ عنه والتلقي عنه.

    قوله: [(لمشهد)] معناه: كونه يشهد غزوة من الغزوات فيحصل له الغبار في وجهه بسبب هذه الغزوة؛ شأن ذلك عظيم عند الله عز وجل. (خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح) ومدة دعوة نوح عليه السلام تسعمائة وخمسين سنة فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا [العنكبوت:14] وهذا قبل أن يبعث ويرسل إلى قومه، ومعنى ذلك: أن العمل القليل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لا يساويه عمل الكثير من غيرهم، وهذا يدل على فضلهم ونبلهم رضي الله عنهم وأرضاهم، والمقصود بالمشهد: مشاهد الغزوات، ولهذا يأتي في تراجم الرجال من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم: وشهد المشاهد كلها، يعني: شهد الغزوات كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما طعن هذا الرجل في علي رضي الله عنه وسبه أمام المغيرة وسكوته عنه وعدم إنكاره عليه لا ندري به، لكن المظنون بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم واللائق بهم أنهم على أحسن حال، ويجب أن تحسن بهم الظنون ولا يذكرون إلا بخير.

    تراجم رجال إسناد حديث سعيد بن زيد في ذكر العشرة من أهل الجنة من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا أبو كامل ].

    هو أبو كامل الجحدري الفضيل بن حسين، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الواحد بن زياد ].

    عبد الواحد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا صدقة بن المثنى النخعي ].

    صدقة بن المثنى النخعي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثني جدي رياح بن الحارث ].

    رياح بن الحارث ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ فجاء سعيد بن زيد ].

    سعيد بن زيد رضي الله عنه مر ذكره.

    سب الصحابة من الكبائر

    الوقوع في واحد من الصحابة وسبه لا يجوز، فهذا من الأمور الخطيرة والأمور الكبيرة، والذهبي رحمه الله ذكر ذلك في كتابه الكبائر، حيث جعل سب أصحاب رسول الله الكبيرة السبعين التي ختم بها كتابه الكبائر، وسب أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم أمر خطير؛ وذلك أنه سب لخير الناس وأفضل الناس، فـ: (سباب المسلم فسوق) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقتاله كفر) فكيف بسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شك أنه من أخطر ما يكون ومن أسوأ ما يكون؛ لأنه سب لخير الناس.

    شرح حديث (اثبت أحد؛ نبي وصديق وشهيدان)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع ح

    وحدثنا مسدد حدثنا يحيى المعنى -قالا: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم صعد أحداً فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه نبي الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال: اثبت أحد؛ نبي وصديق وشهيدان) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو يدل على فضل هؤلاء الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحداً فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف الجبل فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال: (اسكن أحد؛ نبي وصديق وشهيدان) والشهيدان هما: عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، وهذا يدل على فضلهما وعلى أنهما نالا الشهادة.

    تراجم رجال إسناد حديث (اثبت أحد؛ نبي وصديق وشهيدان)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يزيد بن زريع ].

    يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا مسدد عن يحيى ].

    مسدد تقدم ذكره، ويحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ المعنى قالا: حدثنا سعيد بن أبي عروبة ].

    ما أدري وجه التحويل مع أن الشيخ واحد والصيغة متفقة وهي التحديث فيما بين مسدد وشيخيه.

    [حدثنا سعيد بن أبي عروبة ].

    سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (...أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هناد بن السري عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي خالد مولى آل جعدة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله! وودت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة، فقال أبو بكر : وددت أن أكون معك حتى أراه، فقال: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي) يعني: أنك لن تراه فقط وإنما تأتيه وتتجاوزه داخلاً الجنة وتسبق كل أمتي، ولكن الحديث في إسناده رجل ضعيف، وهو الذي يروي عنه أبو خالد الدالاني ، ولا شك أن أبا بكر رضي الله عنه من أول من يدخل الجنة من هذه الأمة إن لم يكن أول من يدخلها منهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (... أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي)

    قوله: [ حدثنا هناد بن السري ].

    هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي ].

    عبد الرحمن بن محمد المحاربي لا بأس به، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد السلام بن حرب ].

    عبد السلام بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي خالد الدالاني ].

    أبو خالد الدالاني صدوق يخطئ كثيراً، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أبي خالد مولى آل جعدة ].

    هذا مجهول، أخرج له أبو داود .

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الرملي أن الليث حدثهم عن أبي الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) وهذا يدل على فضل أهل بيعة الرضوان عموماً، وكانوا ألفاً وأربعمائة، وقوله: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) أي: في بيعة الرضوان، فهو دال على فضلهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ولهذا يأتي في تعريف الصحابة أن يقال: شهد بيعة الرضوان، شهد أحداً، فينصون على أنه من أهل بيعة الرضوان أو أنه ممن شهد بدراً، وذلك للفضل الذي ورد فيهما، فيذكر مع كونه صحابياً أنه من أهل بيعة الرضوان؛ لأن أهل بيعة الرضوان ورد فيهم فضل خاص وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) فهو دال على فضلهم جميعاً، وأنهم لا يدخلون النار، وإنما يدخلون الجنة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ويزيد بن خالد الرملي ].

    يزيد بن خالد الرملي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ أن الليث حدثهم ].

    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير ].

    هو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعنعنة أبي الزبير لا تضر؛ لأن الحديث من رواية الليث ، وما رواه الليث عن أبي الزبير فهو مما سمعه من جابر .

    والحديث نفسه ورد من طريق أخرى عن صحابي آخر، وهو في صحيح مسلم من حديث أم مبشر ، وهو بهذا الذي دل عليه حديث جابر .

    والإسناد رباعي؛ لأن أبا داود روى عن اثنين في طبقة واحدة، فلا يقال: إنه خماسي؛ لأن الاثنين في طبقة واحدة، وهما شيخا أبي داود .

    النص على بعض الصحابة أنهم من أهل الجنة فيه زيادة مزية على أن بقية الصحابة تشملهم فضائل أخرى

    النص على أهل بيعة الرضوان أنهم لا يدخلون النار فيه زيادة فضل على باقي الصحابة.

    ومعلوم أن من ورد فيه نص خاص بأنه من أهل الجنة فيشهد له تبعاً للنص، لكن لا يعني ذلك أن غيره يؤمر به إلى النار؛ لأنه قد جاء في القرآن ما يدل على أنهم وعدوا جميعاً الحسنى، والحسنى هي الجنة، كما قال الله عز وجل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10].

    شرح حديث (فلعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة ح وحدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال موسى -: (فلعل الله -وقال ابن سنان : اطلع الله- على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ].

    هذا الحديث يدل على فضل أهل بدر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لعل الله اطلع على أهل بدر) كما قاله موسى أحد شيخي أبي داود ، واللفظ الثاني للشيخ الثاني: (اطلع الله) ولم يقل: لعل الله.

    وهذا يدل على فضل أهل بدر، وأن الله تعالى قد غفر لهم، ولهذا صار لهم فضيلة وصار لهم ميزة، فيقال لأحدهم: إنه بدري أو إنه شهد بدراً لهذه الفضيلة ولهذه الخصيصة، ولهذا جاء في قصة حاطب بن أبي بلتعة المشهورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فهو دال على فضلهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وكانوا أكثر من ثلاثمائة.

    تراجم رجال إسناد حديث (فلعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد بن سلمة ].

    هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ ح وحدثنا أحمد بن سنان ].

    أحمد بن سنان ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي في مسند مالك وابن ماجة .

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا حماد بن سلمة عن عاصم ].

    عاصم هو ابن أبي النجود بهدلة، وهو صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وحديثه في الصحيحين مقروناً.

    [ عن أبي صالح ].

    هو أبو صالح السمان ، واسمه ذكوان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    مر ذكره رضي الله عنه وأرضاه.

    توجيه الأحاديث الدالة على الوعيد بالنار لمن فعل فعلاً ثم صدر عن بعض الصحابة

    الشيخ الألباني يصحح حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قاتل عمار وسالبه في النار) والذي قتله: أبو الغادية وهو صحابي!!

    لكن كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير الناس، وما حصل منهم من أمور قد تستنكر أو تؤخذ عليهم، فلهم من الفضائل ولهم من المناقب ولهم من الميزات التي حصلت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفوقون بها من بعدهم، وقد مر كلام سعيد بن زيد الذي قال فيه: (لمشهد أحدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح).

    شرح حديث وقوف المغيرة بن شعبة على رأس النبي زمن الحديبية يحرسه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ جدثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثهم عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية..) فذكر الحديث، قال: (فأتاه -يعني: عروة بن مسعود - فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، وعليه المغفر، فضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحيته، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟! قالوا: المغيرة بن شعبة) ].

    ذكر أبو داود رحمه الله تعالى حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه الذي فيه: أن المغيرة بن شعبة كان من أهل بيعة الرضوان، وكان بارزاً في تلك الغزوة، وأنه كان واقفاً على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم يحرسه ومعه السيف، فإذا جاء الكفار وجلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للصلح، فإذا المغيرة واقف على رأسه، وهذا فيه الدلالة على إجلاله واحترامه وتوقيره وحرص الصحابة عليه، وهي منقبة للمغيرة بن شعبة كونه قام بهذه المهمة، وهو أنه كان واقفاً على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم يحرسه، وكان عروة بن مسعود الثقفي يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام وكان أثناء ذلك يأخذ بلحية الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان المغيرة يضرب يده بنعل السيف -وهو أسفل السيف- ويقول: أخر يدك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟! قالوا: المغيرة ، والحديث مختصر، وهو حديث طويل جاء في صحيح البخاري وفي غيره، وفيه عقد الصلح وما حصل عند عقده، وهو دال على فضل المغيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ودال أيضاً على أن الوقوف على رأس الإمام عند مجيء الأعداء وإظهار احترامه وتوقيره سائغ وجائز، وهو يدل على أن ما جاء في الحديث الصحيح من النهي عن القيام على رأس الرجل أنه إذا كان في غير هذه الحال كما جاء في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بأصحابه وهو جالس: (لما جحش وصلى بالناس جالساً، فجاء الناس وصلوا وراءه قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، ولما سلم قال: كدتم أن تفعلوا آنفاً فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم جلوس) فهذا يدل على استثناء مثل هذه الحال إذا كان المقام يقتضي بيان احترام الإمام وتوقيره وإظهار الاحتفاء به والحرص عليه والمحافظة عليه، وأن القيام على الرجل في مثل هذه الحالة سائغ، وليس من قبيل الممنوع الذي جاء النهي عنه في الحديث؛ لأنه تشبه بفعل الفرس والروم الذين يقومون على ملوكهم وهم جلوس، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه عن ذلك، وقد فعل المغيرة بن شعبة هذا الفعل، فيدل على أن مثل هذه الحالة مستثناة، وأن مثل ذلك سائغ وجائز.

    والقيام للرجل له ثلاث حالات: قيام للرجل، وقيام إلى الرجل، وقيام على الرجل، والذي معنا هو القيام على الرجل، وهو جائز في مثل هذه الصورة، وأما القيام إلى الرجل فهذا سائغ، كون الإنسان يكون جالساً ثم يأتي إنسان فيقوم من أجله ليصافحه أو ليعانقه أو ليستقبله فإن ذلك سائغ؛ لأنه قيام إليه، وأما القيام له وهو أن يقوم الإنسان من مجلسه ويجلس من أجل الرجل، يعني: لم يقم ليعانقه ولا ليصافحه ولا ليستقبله، وإنما هو قيام وجلوس للإكرام فقط، هذا هو الذي جاء النهي عنه وأنه لا يسوغ ولا يجوز، فإذاً القيام له ثلاث حالات: قيام إلى الرجل وهذا سائغ، وقيام للرجل وهذا لا يجوز، وقيام على الرجل وهذا يجوز في مثل الحال التي جاءت في هذا الحديث في قصة المغيرة بن شعبة .

    تراجم رجال إسناد حديث وقوف المغيرة بن شعبة على رأس النبي زمن الحديبية يحرسه

    قوله: [ حدثنا محمد بن عبيد ].

    محمد بن عبيد يحتمل أن يكون المحاربي ، وأن يكون ابن حساب ، وكل منهما روى عنه أبو داود ، وكل منهما روى عن محمد بن ثور ، ومحمد بن عبيد بن حساب الغبري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    و المحاربي صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    مع أن الموجود في تحفة الأشراف محمد بن عبد الأعلى الصنعاني .

    وقد تقدم الحديث في الجهاد من سنن أبي داود ، وتقدم التنبيه على هذا الاختلاف في اسم الراوي من تحفة الاشراف، لكن النسخ كلها اتفقت على محمد بن عبيد، حتى محمد عوامة ما نبه أن في إحدى النسخ الخطية اختلاف.

    ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وعلى كل سواء كان أي واحد من هؤلاء فإنه محتج به.

    فـالصنعاني ثقة، أخرج له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داود في القدر ما روى له في المتصل، لأن عندنا هنا محمد بن عبيد، ونبهنا أن في تحفة الأشراف محمد بن عبد الأعلى .

    وقد مر الحديث في الجهاد من سنن أبي داود وهو هناك وهنا -في الموضعين- محمد بن عبيد، إنما الخلاف في تحفة الأشراف، فقد ذكر أن أبا داود أخرجه في الجهاد وفي السنة، لكن عن محمد بن عبد الأعلى . هكذا في تحفة الأشراف، وفي أبي داود في الموضعين محمد بن عبيد.

    [ أن محمد بن ثور حدثهم ].

    محمد بن ثور ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.

    [ عن معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة بن الزبير ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المسور بن مخرمة ].

    المسور بن مخرمة رضي الله عنه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    فضل المغيرة بن شعبة في الحديبية

    هذه القطعة من الحديث لا يستفاد منها إلا فضل المغيرة ، وهذا يبين أن المغيرة بن شعبة قد نال منه من نال وتكلم فيه من تكلم، فذكر في الحديث شأنه وحاله، وأنه من الأشخاص البارزين في بيعة الرضوان؛ لأن المبايعين في بيعة الرضوان كانوا ألفاً وأربعمائة، وليس جميعهم معروفين، لكن المغيرة كان في غاية الوضوح؛ لأنه كان قائماً على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو قائم بهذه المهمة العظيمة، وذلك يعد شرفاً له وفضلاً، بالإضافة إلى كونه من أهل البيعة ويشمله ما شملهم من الفضل.

    شرح أثر عمر بن الخطاب في سؤاله الأسقف عن الخلفاء في الكتاب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير قال حدثنا حماد بن سلمة أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب قال: بعثني عمر إلى الأسقف فدعوته، فقال له عمر: وهل تجدني في الكتاب؟ قال: نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أجدك قرناً، فرفع عليه الدرة فقال له: قرن مه؟ فقال: قرن حديد، أمين شديد، قال: كيف تجد الذي يجيء من بعدي؟ فقال: أجده خليفة صالحاً غير أنه يؤثر قرابته، قال عمر : يرحم الله عثمان ، ثلاثاً، فقال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد، فوضع عمر يده على رأسه فقال: يا دفراه يا دفراه! فقال: يا أمير المؤمنين! إنه خليفة صالح، ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول، والدم مهراق.

    قال أبو داود : الدفر: النتن ].

    أورد أبو داود هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه أو عن الأقرع الذي هو مؤذن عمر أن عمر أرسله إلى الأسقف وهو عالم النصارى، فقال: كيف تجدني في الكتاب؟ يعني: في كتبكم، فقال: أجدك قرناً، قال: قرن مه؟ قال: قرن حديد، أمين شديد، قال: كيف تجد الذي بعدي؟ قال: إنه خليفة صالح، غير أنه يؤثر قرابته، قال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد، الصدأ يعني: الشيء الذي ما هو جيد في الحديد، فوضع عمر يده على رأسه فقال: يا دفراه يا دفراه.

    والدفر هو: النتن.

    قال: يا أمير المؤمنين! إنه خليفة صالح، ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق.

    وكما هو معلوم فـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه اتفقت عليه الأمة بعد قتل عثمان وأجمعوا عليه كما أجمعوا على خلافة أبي بكر، ولم يكن هناك بعد وفاة عثمان على وجه الأرض من هو خير منه، ولم يكن في أول الأمر شيء من هذا، أي أن الفتنة وقعت على عثمان وقتل وأهريق دمه، وأما هو ففي أول الأمر ما كان هذا الذي أشار إليه، ولكنه بعد ذلك حصلت الفتن، وحصل إراقة الدماء بين المسلمين، ثم بعد ذلك اجتمعت الكلمة بالصلح الذي حصل من الحسن رضي الله عنه وتنازله لـمعاوية ، فاتحدت كلمة المسلمين، وصار على المسلمين خليفة واحد هو معاوية رضي الله تعالى عن الجميع.

    وهذا الأثر فيه نكارة في متنه، فمعناه: أن الذي بعد عمر هو عثمان ، والذي بعد عثمان هو علي ، ومعلوم أن عمر رضي الله عنه جعل الأمر في ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما يدرى من يكون الخليفة منهم، وانتهت المسألة إلى أن دار الأمر بين عثمان وعلي، ثم حصلت المشاورة في إسناد الأمر إلى علي أو عثمان.

    فلو كان ذلك مسلماً به لصار معروفاً، والإسناد رجاله لا بأس بهم، والألباني ضعف الحديث، ولكن ما أدري ما وجه التضعيف، ولكن من ناحية المتن لاشك أن فيه نكارة.

    تراجم رجال إسناد أثر عمر بن الخطاب في سؤاله الأسقف عن الخلفاء في الكتاب

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير ].

    حفص بن عمر أبو عمر الضرير صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا حماد بن سلمة ].

    حماد بن سلمة مر ذكره.

    [ أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم ].

    سعيد بن إياس الجريري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن شقيق العقيلي ].

    عبد الله بن شقيق العقيلي ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب ].

    الأقرع مؤذن عمر ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ عن عمر ].

    عمر رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل، ثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    والإسناد ظاهره مستقيم، ولا أدري إذا كان فيه انقطاع أو كان فيه شيء، ولكن الألباني قال: إنه ضعيف الإسناد.

    1.   

    الأسئلة

    ذكر من كفر الحجاج بن يوسف من السلف

    السؤال: هل كفر الحجاج أحد من السلف؟!

    الجواب: يقول طاوس : عجبت لمن يسميه مؤمناً، وكفره جماعة منهم: سعيد بن جبير ، والنخعي ومجاهد وعاصم بن أبي النجود والشعبي ، ذكر هذا الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب بعد أن ذكره تمييزاً.

    حكم من تاب من انتقاص الصحابة

    السؤال: وجد في أشرطة بعض الدعاة كلمات فيها لمز للصحابة، مثل قوله: تأويل فاسد.. وهذا صدر عنهم جهلاً بمراد الله ورسوله.. وأسامة بن زيد خالف الأصول.. وهناك سوء التربية.. فهذه كلمات صدرت من هذا الداعية عفا الله عنه، فما الموقف منها؟

    الجواب: هذا الداعية قد ظهر منه الرجوع عن هذا، ومن تاب تاب الله عليه.

    التحذير ممن يقع في الصحابة

    السؤال: أنا مدرس لي زميل في العمل من الرافضة، فهل أسلم عليه وأصافحه وأجلس معه؟

    الجواب: الإنسان عليه أن يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي في الله ويعادي في الله، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، فمن كان مبغضاً للصحابة ومحارباً لهم فإنه يجب بغضه في الله عز وجل، وعدم مجالسته وعدم مخالطته؛ لأن ذلك يؤثر.

    حكم من يبيع أشياء خفيةً لأن لديه ترخيصاً من ولي الأمر ببيع غيره

    السؤال: لي صديق يشتغل في محل سجله التجاري مأكولات خفيفة، وقانوناً يمنع من بيع بعض المأكولات الثقيلة، إلا أن صاحب المحل يبيعها خفية بحجة أن الجميع يفعل هذا للهروب من الضرائب الباهضة، فهل هذا الأمر يعتبر خروجاً عن طاعة ولي الأمر؟

    الجواب: المناسب لمثل هذا أن يأخذ الترخيص الذي يسوغ له أن يفعل هذه الأمور كلها، أما كونه يظهر شيئاً ثم يفعل خلافه فهذا لا ينبغي، وإذا أراد أن يحصل منه البيع على وجه أوسع وعلى وجه أتم وأكمل فإنه يحصل على الترخيص الذي يسوغ له ذلك حتى لا يحتاج إلى الحيل.

    وأما العامل فإنه يجوز له أن يعمل في هذا المحل ولكن عليه أن ينصح صاحب المحل.

    ومال صاحب المحل الذي يتقاضاه من هذا البيع لا بأس به، ولكن عليه أن يحسن العمل، وأن يكون لديه رخصة في بيع المأكولات الثقيلة.

    فضل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يره

    السؤال: ما حال حديث: (أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم: هل يوجد قوم أحسن منا؟ قال: نعم، قوم يؤمنون بي ولم يروني

    الجواب: جاء حديث في فضل الذين يؤمنون به ولم يروه، لكن لا يقال: إنه يأتي أحد بعد الصحابة خير من الصحابة، بل العلماء متفقون على أن أي فرد من أفراد الصحابة هو خير ممن جاء بعدهم، أي فرد منهم، والتفضيل للجميع لا للمجموع، وقد جاء عن ابن عبد البر وحده القول بأنه قد يكون بعض من يأتي بعد الصحابة خير من بعض الصحابة، لكن الجمهور على القول بأن تفضيلهم هو تفضيل للجميع، وأن أي واحد منهم فهو أفضل من أي واحد بعدهم، ويوضح ذلك الأثر الذي مر بنا عن سعيد بن زيد أحد العشرة حيث قال: (لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح).

    والجمع بين هذا الحديث وبين حديث: (يأتي زمان أجر العامل فيه أجر خمسين منكم) أنه قد تأتي شدة وأمور خطيرة تحتاج إلى صبر وتجلد، فيكون ذلك العمل عظيماً، لكن فضل الصحبة لا يعدله شيء.

    شرعية قول (عليه الصلاة والسلام) عند ذكر أي نبي

    السؤال: هل تشرع (الصلاة والسلام) عند ذكر أي نبي من الأنبياء عموماً؟

    الجواب: نعم، يشرع الصلاة والسلام عليه.

    عتق العبد أفضل من عتق الأمة

    السؤال: أيهما أفضل أن أعتق عبداً أم أمة؟

    الجواب: العبد أفضل؛ لأنه جاء أن: (من أعتق رجلاً كان فكاكاً من النار، ومن أعتق جاريتين كانتا فكاكاً من النار)، فدل على أن عتق الرجل أفضل؛ لهذا الحديث الصحيح، وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون المرأة فيها على النصف من الرجل، فهي على النصف من الرجل في خمسة أمور: في الشهادة، وفي الميراث، وفي الدية، وفي العتق، وفي العقيقة.

    حكم وصف الله تعالى بـ (حاضر) و(ناظر)

    السؤال: هل يجوز وصف الله تبارك وتعالى بحاضر أو ناظر؟

    الجواب: الله تعالى شاهد كما جاء، وينبغي التقيد بما جاء في النصوص، ولا يخرج عنها إلى عبارة أخرى قد يلزم فيها لوازم وهي لم ترد، ولكن الذي ورد فيه النصوص هو الذي ينبغي للإنسان أن يعبر به.

    حكم استدلال أصحاب الديمقراطية والتغريب بسؤال عبد الرحمن بن عوف المسلمين فيمن يختارونه للخلافة

    السؤال: هل حصل أن مر أحد الصحابة على جميع البيوت ليستشيرهم أيهم يختارون: علياً أم عثمان ؟

    الجواب: ما يقال: إنه مر على الجميع، ولكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما تولى هذه المهمة ما كان يتلذذ بنوم ولا يستريح، وكان يطوف على الناس ويسألهم، أما أنه مر على جميع البيوت فلا يظهر أن ذلك حصل.

    أما من استدل بهذا الفعل على الانتخابات والديمقراطية في الإسلام! فالإسلام في وادٍ وأصحاب الديمقراطية في وادٍ آخر، هذا شيء جاء من الغرب، والذي عليه المسلمون جاء من السماء.