إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [516]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم النعم على المسلم أن يسن خيراً ثابتاً في الشريعة مسبقاً لم يكن يفعل، بل كان مجهوراً، فمن كان سبباً في إحياء وإظهار هذا الخير بين الناس، فله أجر من فعله، وفي مقابل هذا: من سن منكراً أو بدعة فاقتدى به الناس في ذلك فعليه أوزار من تبعه، والعياذ بالله، فياويل من فتحوا دور البغا، أو أحدثوا بدعة في دين الله، أو شرعوا تشريعات تضاهي شريعة الله، كم من الآثام سيحملون؟ والأوزار سيقلون؟

    1.   

    باب لزوم السنة

    شرح حديث (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب لزوم السنة.

    حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا إسماعيل -يعني ابن جعفر - أخبرني العلاء -يعني ابن عبد الرحمن _ عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) ].

    قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب لزوم السنة.

    ولزوم السنة: هو الثبات عليها، والأخذ بها، والبعد والحذر مما يخالفها، وقد سبق أن مر قبل هذا الباب باب يشبهه، وهو بلفظ: باب في لزوم السنة، وهذا الباب: باب لزوم السنة، ومؤداهما واحد، إلا أننا نجد أن أكثر ما في هذا الباب الثاني هي الآثار، وأما الباب الأول الذي تقدم فكله أحاديث مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أدري ما وجه هذا التفاوت في التبويب مع أن الترجمة واحدة تقريباً، إلا أن الأول فيه زيادة (في)، أي: باب في لزوم السنة، وهذا باب لزوم السنة.

    وأورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، وهذا الحديث عظيم، وهو يدل على عظم شأن الدعوة إلى الخير، وكثرة ثوابها وأجرها، ويدل أيضاً على خطر الدعوة إلى الضلالة، وكثرة عذابها وآثامها.

    وفي هذا الحديث أيضاً الحث على الدعوة إلى الخير، والدعوة إلى الهدى، والدعوة إلى الكتاب السنة، ولزوم ما كان عليه سلف هذه الأمة؛ لأن في ذلك الخير والثواب من الله عز وجل، والله تعالى يثيب الداعي على دعوته سواء قُبل منه أو لم يقبل، وسواء استجيب له أو لم يستجب؛ لأنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ولأنه دل على الخير وحذر من الشر، فهو مأجور على فعله، وإن استجيب له فإن الله تعالى يأجر ذلك المستجيب له على عمله، ويأجر من كان سبباً في هدايته مثل أجره، أي: أن الداعي يجد من الأجر مثل أجر المدعو الذي يستجيب للدعوة ويعمل عملاً صالحاً، ثم وضح ذلك بقوله: (من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) أي: أن هذا الثواب الذي يجده الداعي بسبب اهتداء غيره على يديه ليس مأخوذاً من أجر المدعو، أو أنه بعض من أجر المدعو، وإنما يكون أجر المدعو له كاملاً، والله تعالى يثيب الداعي بمثل ما أثاب به المدعو تفضلاً منه وإحساناً؛ لأنه هو الذي دله على الخير، وهو السبب في هذا الخير الذي حصل لذلك المدعو، فقوله صلى الله عليه وسلم: (من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً) فيه احتراز لئلا يظن أن هذا الأجر الذي يناله الداعي من الله هو جزء من الأجر الذي يجده المدعو على عمله الصالح، والذي يظفر بهذا الأجر العظيم وهذا الثواب الجزيل على التمام والكمال هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي دل أمته على كل خير، وحذرها من كل شر، فله أجور أعماله صلى الله عليه وسلم، وله مثل أجور أمته كلها من أولها إلى آخرها، فمن دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، وهذا يدل على عظم مكانته وعلو منزلته، وأسعد الناس حظاً ونصيباً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى هذا الحديث هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأنهم هم الذين تلقوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم الحق والهدى، ونقلوه إلى الناس، ودلوا الناس عليه، فكل من حفظ سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغها للناس، وعمل بها الناس من بعده، فإنه يكون مأجوراً على ذلك بمثل أجور كل الذين عملوا بهذه السنة التي جاءت من طريقه، ولهذا فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام، فما عرف الناس حقاً ولا هدىً إلا عن طريق الصحابة، فهم الذين تلقوا الكتاب والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين نقلوهما إلى الناس من بعدهم على التمام والكمال، فلهم أجور أعمالهم، ولهم مثل أجور من استفاد خيراً بسببهم، وكل سنة رواها صحابي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم تلقاها الناس عنه وعملوا بها، فإن ذلك الصحابي الذي حفظها وأداها له مثل أجور كل من عمل بهذه السنة التي جاءت من طريقه.

    وعلى العكس من ذلك: الدعوة إلى الضلال، فإن من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً، أي: أن هذا الذي دعي إلى الإثم وأخذ به فإنه يعاقب ويؤاخذ على ضلاله الذي حصل، ثم يعاقب الداعي الذي دعاه إلى الضلالة، فيكون عليه من الإثم مثل آثام ذلك الذي دعي وعمل بتلك البدعة، أو بذلك الأمر المحرم، فكما أن من دعا إلى هدى له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، فكذلك من دعا إلى ضلالة فإن عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ولا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً، فهذا يدلنا على الترغيب في الخير، والدعوة إلى الحق والهدى، وبيان ما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ويدل أيضاً على خطر الدعوة إلى الضلال، وما فيها من الإثم العظيم، والخطر الكبير، وأن الواجب على الإنسان أن يحرص على أن يكون من دعاة الهدى، ليظفر بالثواب من الله عز وجل على دعوته سواء استجيب له أو لم يستجب، وإن استجيب له فإنه يؤجر بمثل أجور الذين تبعوه واستفادوا من دعوته، وعلى العكس من ذلك: من دعا إلى ضلالة فإنه يأثم، سواء تضرر بدعوته واستجيب إلى ما دعا إليه من الضلالة، أو لم يستجب؛ لأن مجرد دعوته إلى الضلال إضلال منه لغيره، فهو يأثم بهذه الدعوة، لكنه إن توبع على ذلك فإنه يأثم مثل آثام الذين استجابوا لدعوته إلى الضلال، وهذا من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو حديث عظيم، فيه الترغيب والترهيب، وكثيراً ما يأتي في الكتاب والسنة الجمع بين الترغيب والترهيب.. الترغيب فيما هو خير، والتحذير مما هو شر.

    تراجم رجال إسناد حديث (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه...)

    قوله: [ حدثنا يحيى بن أيوب ].

    يحيى بن أيوب ثقة، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأبو داود والنسائي في (مسند علي ).

    [ حدثنا إسماعيل -يعني ابن جعفر - ].

    كلمة: (يعني) قالها من دون يحيى بن أيوب : إما أبو داود أو من دون أبي داود ، والمقصود من ذلك أن يحيى بن أيوب لما روى الحديث لم يعبر إلا بقوله: إسماعيل فقط، ولم يأت بالنسب، ولكن من دونه أراد أن يوضح هذا الراوي المهمل الذي ذكر باسمه فقط، فأضاف إليه هذه الجملة وهي قوله: (يعني ابن جعفر)، فالمقصود من ذلك أن هذه الزيادة جاءت للتوضيح، وهي ممن دون التلميذ، وكلمة (يعني) فعل مضارع وفاعلها ضمير مستتر يرجع إلى يحيى بن أيوب .

    و إسماعيل بن جعفر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وفي طبقته إسماعيل بن علية ، فكلاهما من شيوخ شيوخ أبي داود ، فإذا جاء إسماعيل فيحتمل أن يكون هذا ويحتمل أن يكون هذا، لكن إذا جاءت مثل هذه العبارة وضحت من هو هذا المهمل، ولو لم تأت فإنه يمكن معرفة المهمل بشيوخه وتلاميذه.

    [ أخبرني العلاء -يعني ابن عبد الرحمن - ].

    العلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي ، وهو صدوق، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    أبوه ثقة أخرج له البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته) ].

    أورد أبو داود حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته) أي: أنه تسبب في حصول ذلك الضرر للناس، ومعلوم أن هذا إنما هو في زمن التشريع والوحي، والمقصود بذلك الأسئلة التي يكون فيها تجاوز وتشديد أو يكون فيها تعنت وتنطع، أو غير ذلك مما يترتب عليه إلحاق الضرر بالناس، وأما الأسئلة التي يحتاج إليها الناس في معرفة أمور الدين؛ فيعرفون ما هو واجب عليهم كي يفعلوه، وما هو محرم عليهم كي يتركوه، فإن هذا موجود وحاصل، وقد جاء في القرآن عدة أسئلة سألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم الله عز وجل عنها في القرآن في مواضع عديدة، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحتاجونه، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وإنما المقصود من ذلك الأسئلة التي يترتب عليها مضرة، والتي لا يصلح ولا ينبغي أن يسأل عنها، وذلك مثل السؤال الذي سأله الرجل لما نزلت فريضة الحج، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، فقام رجل وقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ أي: هل فرضه الله تعالى علينا في كل عام؟ فغضب الرسول لهذا السؤال، وقال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) فكيف يحج الناس كلهم في كل سنة؟! ثم إن مكة لا تسع الناس، فهذا السؤل ما كان ينبغي أن يسأل عنه؛ ولهذا قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) أي: الأسئلة التي فيها تكلف، وهذا من جنس أسئلة بني إسرائيل عن البقرة التي أمروا بذبحها، وكان يكفيهم أن يذبحوا أي بقرة فيحصل المقصود بها، لكنهم تشددوا تعنتوا، فسألوا ما لونها؟ وما هي؟ حتى جاء وصفها على هيئة، فقيل: إنهم بحثوا عن تلك البقرة المصوفة فصعب عليهم الحصول عليها، مع أنه كان يكفيهم أن يذبحوا أي بقرة، فتلك الأسئلة هي التي نهي عنها، وهي التي حذر منها، وما أعلم مثالاً على تحريم شيء بسبب مسألة إنسان فترتب على ذلك حرج بالمسلمين، ولكن هذا فيه ترهيب وتحذير من مثل هذه الأسئلة، والمقصود هو التنفير من مثل هذه الأسئلة التي هي من جنس ذلك السؤال الذي سأله السائل عن الحج.

    وأما مناسبة هذا الحديث للباب فهو يشبه الجملة الثانية من الحديث السابق: (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، والمراد: أن من كان سبباً في لحوق الضرر بالمسلمين بسبب سؤاله عن أمر كان حلالاً فحرم عليهم، فإنه يصيبه ذلك الإثم بسبب ذلك الجرم الذي حصل منه، وهو يشبه ما جاء في الحديث الآخر (ما قُتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل).

    تراجم رجال إسناد حديث (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فقد أخرج له في (عمل اليوم والليلة).

    [ حدثنا سفيان عن الزهري ].

    سفيان هو ابن عيينة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عامر بن سعد ].

    هو عامر بن سعد بن أبي وقاص ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح أثر معاذ بن جبل (إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره أن يزيد بن عميرة -وكان من أصحاب معاذ بن جبل - أخبره قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه يوماً: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لـمعاذ : ما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟! ولا يثنينك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلقى الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً.

    قال أبو داود : قال معمر عن الزهري في هذا الحديث: ولا ينئينك ذلك عنه، مكان: يثنينك، وقال صالح بن كيسان عن الزهري في هذا: المشبهات، مكان: المشتهرات، وقال: ولا يثنينك كما قال عقيل ، وقال ابن إسحاق عن الزهري قال: بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟ ].

    أورد أبو داود هذا الأثر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال يزيد بن عميرة وهو من أصحابه: إن معاذاً لم يكن يجلس مجلساً للذكر إلا قال: إن الله حكم قسط، هلك المرتابون، أي: إنه كان يقول هذه العبارة ويكررها في مجالسه التي يذكر فيها الناس ويعظهم، ثم إنه قال يوماً من الأيام: (إن من ورائكم -يعني: أمامكم- فتناً يكثر فيها المال) أي: يفيض فيها المال على الناس.

    قوله: [ (ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير) ] أي: كلهم يقرأ القرآن، فالمؤمن يقرأ القرآن، والمنافق يقرأ القرآن، والصغير يقرأ القرآن، والكبير يقرأ القرآن، والمرأة تقرأ القرآن، والرجل يقرأ القرآن، فكل هؤلاء يكونون على علم ومعرفة بالقرآن.

    قوله: [ فيوشك قائل أن يقول: ما بال الناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ] معنى ذلك: أنه يدعوهم إلى القرآن وإلى ما فيه فلا يستجيبون له، ثم بعد ذلك يقوم بأمر منكر، وهو: أنه يفكر أو تحدثه نفسه بأن يحدث لهم شيئاً غير القرآن حتى يتبعوه؛ لأنهم لم يتبعوه على الحق.

    قوله: [ (ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره) ]، فيبتدع لهم بدعة فيدعوهم إليها، وعند ذلك قال معاذ : (فإياكم وما ابتدع) وهذا فيه تحذير وترهيب مما ابتدعه المبتدع ودعاهم إليه.

    قوله: [(فإن ما ابتدع ضلالة)]؛ لأن كل بدعة ضلالة، وقد قال رسول الله صلى الله وسلم: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).

    قوله: [ (وأحذركم زيغة الحكيم) ] وهو الإنسان الذي عنده حكمة، وعنده كلام حسن جميل، فيحصل منه خطأ وزلل، أو يغويه الشيطان فيحصل منه سوء فهم، فيأتي بكلام باطل يعتبر زيغة وزلة من هذا الحكيم، فيجب أن يحذر من تلك الزلات، ويجب أن تجتنب حتى لا يغتر بها.

    قوله: [ (فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم) ] أي: إن الشيطان قد يضل الإنسان حتى يقول كلمة الباطل والضلال، مع أنه معروف بالكلام الطيب والجميل، فإنه يحذر من زللـه وخطئه وزيغه، وعكس ذلك أن المنافق قد يقول كلاماً حسناً جميلاً، فالحق يؤخذ ممن جاء به، والباطل يترك ممن جاء به.

    قوله: [ (قلت لـمعاذ : ما يدريني رحمك الله! أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟) ] أي: أن يزيد بن عميرة سأل معاذ بن جبل عن ذلك، فأجابه معاذ بقوله: (بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟) أي: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات أو المشبهات التي تجعل الإنسان يسأل عنها: ما هذه؟ أي: لكونها شيئاً غريباً يلفت النظر، فهي قد اشتهرت بغرابتها، وبمخالفتها للكلام الحسن الذي معه، وهذا يشبه ما جاء في الحديث الذي فيه: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك) أي: أن الإنسان قد يرتاب ويتوقف ويتردد في الشيء لأن فيه شبهة جعلته يتردد فيه، وجعلته يقف ويسأل عن ذلك، فالإنسان أحياناً قد يسأل عن شيء فيه اشتباه؛ لأن نفسه مترددة فيه، وهناك أشياء لا يسأل عنها، وهذا مثل بعض التسميات، فيأتي ويسأل عن بعض الأسماء: هل يجوز التسمية بهذا الاسم أو لا يجوز؟ لأنه في نفسه شيء من هذه التسمية، فهذا مثال يبين أن الإنسان قد يحصل منه التوقف أو التردد في شيء، فكلام الحكيم الذي يجتنب ويحذر هو الذي يشتهر بمخالفته لغيره مما هو مستقيم، مما يجعل الناس يقولون: ما هذا؟ فهذه هي علامة ذلك الكلام الذي يكون فيه زيغ الحكيم.

    قوله: [ (قال اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع) ]، أي: أن هذا الحكيم الذي حصل منه هذا الزلل والخطأ فأمرت باجتنابه وتركه، لا يثنينك ذلك عنه، بمعنى أنك لا تنابذه وتبتعد عنه وتعاديه، فلعله أن يراجع فيعود ما كان على ما كان، وقد يكون لُبس عليه، وقد يكون قال بقول خطأ فنبه عليه فرجع، فيجتنب خطؤه ولا يفاصل ويعادى، ولهذا قال: لا يثنينك، أي: لا يرجعنك ويعطفنك عنه، وفي بعض الروايات: لا ينئينك عنه، أي: لا يبعدك عنه ذلك؛ وهو من النأي، وهو البعد، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [الأنعام:26] أي: يبتعدون عنه.

    قوله: [ (وتلقى الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً) ]، وهذا يرجع إلى المنافق، أي: إن الحق يعرف ممن هو مبطل وعلى ضلال، فإذا كان كلاماً حسناً وصحيحاً فهو مقبول، والحق ضالة المؤمن يأخذه حيث وجده؛ ولهذا جاء في القرآن لما ذكر الله عز وجل عن الكفار: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:28]، فأنكر الله عليهم واحدة وأقر الثانية؛ لأنها حق مطابق للواقع، فقولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا هذا حق، فلم يرد عليهم الله تعالى ذلك، ولم يتعرض لها، وإنما تعرض للفقرة الثانية وهي قولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف:28]، ولهذا جاء في القرآن: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، فهذا هو الواقع.

    [ قال أبو داود : قال معمر عن الزهري في هذا الحديث: ولا ينئينك ذلك عنه مكان (يثنينك) ] أي: أن معمراً روى الحديث عن الزهري ، ولكنه أتى بدل: (يثنينك) (ينئينك)، ومعنى (وينئينك): يبعدنك فهو من النأي، وهو: البعد، والمعنى: لا تنأ ولا تبتعد عنه، ولا تفاصله وتتركه وتنفض يدك منه، ولا تسلط لسانك عليه بسبب هذه الزلة، فإنه لا يسلم أحد من الزلل، ولا يسلم أحد من الخطأ، ولو كان كل من أخطأ ينابذ ويبتعد عنه لما سلم أحد من ذلك، فالعالم إذا حصل منه خطأ فإنه يقبل ما عنده من الحق، ويحذر مما عنده من الخطأ، ولا يترك ما عنده من العلم، فإن من العلماء من ابتلوا ببعض مشايخهم، فحصل لهم التضرر ببعض المشايخ، فصار عندهم شيء من الانحراف في العقيدة، ومع ذلك فهم علماء ومحدثون، ولهم مؤلفات واسعة، والناس لا يستغنون عن علمهم وعن حديثهم، فلو كان كل من حصل منه خطأ يترك ويترك ما عنده، لتركت هذه المجلدات الكثيرة التي ألفها بعض أهل العلم من المحدثين الذين حصل منهم شيء من الأخطاء في العقيدة، مثل ما حصل للإمام البيهقي رحمة الله عليه، فإن له كلاماً في العقيدة في بعض الجوانب لم يصب فيه، قيل: إن السبب في ذلك هو من المشايخ، حيث يحصل بسببهم شيء من المخالفة في بعض الأمور، والإمام البيهقي محدث وإمام كبير، وله كتاب (السنن الكبرى) في مجلدات كثيرة، والناس يرجعون إليه وإلى علمه، فلو كان كل من حصل منه خطأ يترك من أجل ذلك فلن يسلم أحد من أن يترك، وكل الناس سيتركون، أو لا يسلم من الترك إلا من شاء الله عز وجل، فمن ذا الذي يسلم من الخطأ؟ وإنما الذي ينابذ هو المبتدع الذي يدعو إلى بدعة، وأما إنسان من أهل السنة وممن خدم السنة، واجتهد في نفع الناس، ثم حصل منه خطأ فإنه لا يترك، ولا تترك جهوده، ولا يحذر منه، وإنما يحذر من خطئه وزلته، وينتفع بعلمه، ويدعا له، ويحث على الاستفادة من علمه.

    قوله: [ وقال صالح بن كيسان عن الزهري: في هذا المشبهات، مكان (المشتهرات) ]، أي: أن صالح بن كيسان عبر بقوله: (المشبهات) بدل (المشتهرات)، وكل منهما صحيح، فالمشتهرات هي التي اشتهرت بغرابتها، والمشبهات هي التي فيها شبهة، وهذا مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى...) الحديث.

    قوله: [ وقال: لا يثنينك، كما قال عقيل ] أي: في الرواية التي ساقها المصنف، ولم يقل: (ينئينك) كما قال معمر .

    قوله: [وقال ابن إسحاق عن الزهري (قال: بلى، ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول: ماذا أراد بهذه الكلمة؟) ]، يعني: لأنه كلام مشتبه غير واضح.

    تراجم رجال إسناد أثر معاذ بن جبل (إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال...)

    قوله: [ حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الهمداني ].

    يزيد بن خالد ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عقيل ].

    هو عقيل بن خالد بن عقيل ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله ].

    ابن شهاب مر ذكره، وأبو أدريس الخولاني اسمه: عائذ الله ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن يزيد بن عميرة ].

    يزيد بن عميرة ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ معاذ بن جبل ].

    معاذ بن جبل رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : قال معمر عن الزهري ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وقال صالح بن كيسان عن الزهري ].

    صالح بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وقال ابن إسحاق عن الزهري ].

    ابن إسحاق هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    ويؤخذ من قول معاذ رضي الله عنه: (ولا يثنينك ذلك عنه) أن إقامة الحجة واجبة على المخالف، وأنه لا ينابذ ابتداء.

    1.   

    الأسئلة

    من ابتدع بدعة وسار عليها الناس، ثم تاب هو منها

    السؤال: من ابتدع بدعة وسار الناس عليها، ثم تاب هذا المبتدع، ولكن الناس ما زالوا سائرين على منهجه، فهل يقال: إن عليه آثام من تبعه، مثل أبي الحسن الأشعري رحمه الله؟

    الجواب: إذا تاب من بدعته فقد سلم من مغبتها، فلا يصل إليه إثم العاملين بها.

    حكم من يحج عنه من أسلم على يديه

    السؤال: استدل العلماء بحديث (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه...) على أنه لا يجوز أن يحج أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأجر له، فهل يشمل هذا من أسلم على يديه شخص أنه لا يحج عنه؛ لأن الأجر له؟

    الجواب: أما بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فالإنسان إذا أراد أن يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شيء من الأجر بسببه فما عليه إلا أن يعمل عملاً صالحاً، فإن الله تعالى يثيب نبيه عليه الصلاة والسلام بمثل ما أثابه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم له مثل أجور جميع أمته من أولها إلى آخرها، فهو الذي دلهم إلى الحق والهدى، ولهذا لم يكن الصحابة يحجون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا يعملون الأعمال الصالحة، والله تعالى يثيب نبيه مثل ما أثابهم، لكن لا يقال: إن من أحسن إلى إنسان فإن ذلك المحسن إليه لا يحج عنه، سواء كان إحسانه بكونه أسلم على يديه، أو كونه رباه ونشأه، أو عمل له أعمالاً أخرى، فإن هذا من مقابلة الإحسان بالإحسان.

    طلب العلم عند أهل البدع

    السؤال: هل يدل أثر معاذ على جواز طلب العلم عند أهل البدع إذا علمت بدعتهم؟ وكثير من طلاب العلم يقولون: إن الحق يؤخذ من كل أحد حتى من المبتدع، وبناء على ذلك فيجوز القراءة في كتب أهل البدع، ويجوز الاستماع لأشرطتهم، لأخذ الحق الذي عندهم، فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: لا يجوز القراءة في كتب أهل البدع، ولا الاستماع إلى أشرطتهم إلا لبيان ما عندهم من الضلال؛ حتى يحذر الناس ذلك، فعلى المسلم أن يشتغل بشيء لا يكون مظنة للضرر، بل يكون مأمون الجانب، فالإنسان يمكنه أن يستمع من الأشرطة، وأن يقرأ من الكتب الشيء الكثير مما هو سليم ومأمون الجانب، ويترك الذين عندهم اشتباه، أو عندهم انحرافات وأخطاء وزلات، ولا يقول: أنا آخذ وأترك، فعمرك لا يتسع لأن تقرأ كل شيء، وأن تستمع لكل شيء، فمادام أن الأمر كذلك فاشغل وقتك فيما السلامة فيه محققة.

    وقد يستمع الإنسان لبعض الكلام في الأشرطة، أو يقرأ بعض الكتب فيكون ذلك سبباً في تضرره.