إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [512]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتأمل في هذه الشريعة المحمدية ليدرك أنها قد كرمت هذا الإنسان، وحافظت على دمه من الإهدار، حيث وقد جاءت بأحكام خاصة بالمكاتب وأهل الذمة، ومنها: أن المكاتب إذا استحق دية أو ميراثاً، فإنه يثبت له من الدية والميراث بحسب ما عتق منه، ومنها: أن المكاتب إذا قتل، فإن ديته دية حر بقدر ما قد أداه من مكاتبته، وما بقي فإنه يكون دية عبد، ومنها كذلك: أن دية الذمي والمعاهد والمستأمن نصف دية الحر.

    1.   

    ما جاء في دية المكاتب

    شرح حديث (قضى رسول الله في دية المكاتب يقتل يودى ما أدى من مكاتبته دية الحر وما بقي دية المملوك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في دية المكاتب.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد وحدثنا إسماعيل عن هشام وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا حجاج الصواف جميعاً عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دية المكاتب يقتل، يودى ما أدى من مكاتبته دية الحر، وما بقي دية المملوك)].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ باب في دية المكاتب ].

    المكاتب: هو العبد الذي اتفق معه سيده على أن يسعى للحصول على مال ليدفعه إلى سيده فيعتقه، ويكون منجماً، إذا أدى آخره فإنه يكون حراً، وقبل أن يؤديه يكون باقياً في رقه وفي عبوديته له؛ ولهذا جاء في الأحاديث التي سبق أن مرت : (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) وأنه إذا وجد ما يؤدي به المكاتبة، فإنه يُحتجب منه؛ لأنه عند ذلك يكون حراً، يعني: أن سيدته تحتجب منه، فقد كان لها ألا تحتجب منه وهو عبد، كما جاء في القرآن: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31] .

    أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في المكاتب أنه إذا قتل، فإن ديته دية حر بقدر ما قد أداه من مكاتبته، وما بقي فإنه يكون دية عبد، بمعنى: أنه إذا كان قد أدى نصف ما عليه فإن نصفه يكون دية حر، والنصف الباقي يكون قيمة عبد، فتكون ديته مجموعة من هذا ومن هذا، فهذا هو معنى هذا الحديث وهذا هو مقتضاه، وقد جاء القول به عن بعض العلماء، وقال الخطابي: أجمع عامة الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته والجناية عليه. ولكن هذا الحديث نص في الدية وبيان مقدارها، وهو ثابت.

    فإذاً: مقتضاه أن الدية تكون بهذه الطريقة، ما سبق أن أداه يعامل معاملة الحر، وما بقي عليه ولم يؤده يعامل فيه معاملة العبد.

    تراجم رجال إسناد حديث (قضى رسول الله في دية المكاتب يقتل يودى ما أدى من مكاتبته دية الحر وما بقي دية المملوك)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى بن سعيد ].

    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وحدثنا إسماعيل ].

    الذي يبدو أن كلمة حدثنا هذه زائدة؛ لأنه قد يفهم منها أنها راجعة لـأبي داود ، وأبو داود لا يروي عن إسماعيل بن علية، وإنما يروي عنه بواسطة والموجود في نسخة عون المعبود بدون حدثنا، فيكون مسدد يروي عن يحيى ويروي عن إسماعيل عن هشام.

    [ وإسماعيل ].

    هو إسماعيل بن علية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام ]

    هو هشام الدستوائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يعلى بن عبيد ].

    يعلى بن عبيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حجاج الصواف ].

    حجاج الصواف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ جميعاً عن يحيى بن أبي كثير ].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    عكرمة وابن عباس قد مر ذكرهما.

    شرح حديث (إذا أصاب المكاتب حداً أو ورث ميراثاً يرث على قدر ما عتق منه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أصاب المكاتب حداً أو ورث ميراثاً يرث على قدر ما عتق منه) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أصاب المكاتب حداً أو ورث ميراثاً يرث على قدر ما عتق منه).

    يعني: أن المكاتب إذا استحق دية أو ميراثاً؛ فإن له على قدر ما عتق منه، ولكن جاء في بعض الأحاديث فيما يتعلق بالميراث: (أنه عبد ما بقي عليه درهم) والأحاديث سبق أن مرت بنا في كتاب العتق، لكن معنى الحديث: أنه إذا كان للمكاتب دية أو ميراث فإنه يثبت له من الدية والميراث بحسب ما عتق منه، كما لو أدى نصف كتابته ثم مات أبوه وهو حر ولم يخلف غيره، فإنه يرث منه نصف ماله.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا أصاب المكاتب حداً أو ورث ميراثاً يرث على قدر ما عتق منه)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة ].

    مر ذكرهما.

    [ عن أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    وقد مر ذكرهما.

    حديث (إذا أصاب المكاتب حداً أو ورث ميراثاً...) من طرق أخرى وتراجم رجال إسناده

    [ قال أبو داود : رواه وهيب عن أيوب عن عكرمة عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ].

    يعني: ذكر طريقاً أخرى وهي عن علي رضي الله عنه.

    قوله: [ رواه وهيب عن أيوب عن عكرمة عن علي ].

    هو وهيب بن خالد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أيوب عن عكرمة عن علي ].

    علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأرسله حماد بن زيد وإسماعيل عن أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ].

    يعني: أنه ذكره عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر علياً ولا ذكر ابن عباس .

    قوله: [ وجعله إسماعيل بن علية قول عكرمة ].

    يعني: هو موقوف عليه وليس مرسلاً، وإنما هو يصير من قبيل المقطوع.

    ورجال الإسناد مر ذكرهم كلهم.

    1.   

    ما جاء في مقدار دية الذمي

    شرح حديث (دية المعاهد نصف دية الحر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في دية الذمي.

    حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (دية المعاهد نصف دية الحر) ].

    قوله: [ باب في دية الذمي ].

    الذمي والمعاهد والمستأمن حكمهم واحد، والدية لهم هي نصف دية الحر كما جاء في هذا الحديث، وجاء في غير هذا الحديث أن دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين.

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دية المعاهد نصف دية الحر).

    يعني: أنها على النصف، فتكون على هذا خمسون من الإبل.

    تراجم رجال إسناد حديث (دية المعاهد نصف دية الحر)

    قوله: [ حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي ].

    يزيد بن خالد بن موهب الرملي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن إسحاق ].

    عيسى بن يونس مر ذكره، ومحمد بن إسحاق هو المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عمرو بن شعيب ].

    هو عمرو بن شعيب بن محمد وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    هو شعيب بن محمد، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وجزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن جده ].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حديث (دية المعاهد نصف دية الحر) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    [ قال أبو داود : رواه أسامة بن زيد الليثي وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب مثله ].

    أسامة بن زيد الليثي صدوق يهم، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    و عبد الرحمن بن الحارث صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن عمرو بن شعيب مثله ].

    يعني: مثل المتن الأول.

    والإسناد الأول فيه رواية محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب ، وقد روى بالعنعنة وهو مدلس، ولكن المتابعات التي ذكرها أبو داود عن أسامة بن زيد الليثي وعن عبد الرحمن بن الحارث تزيل احتمال التدليس في هذه الرواية.

    1.   

    الأسئلة

    مقدار دية المرأة الذمية

    السؤال: هل المرأة الذمية على النصف من دية الحرة المسلمة؟

    الجواب: يبدو والله أعلم أن المرأة الذمية على النصف من المرأة المسلمة الحرة، ودية الرجل الذمي على النصف من دية الرجل؛ لأنه لو بقيت الذمية على النصف من الرجل المسلم صارت مساوية للمسلمة.

    بطلان وصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحجرة النبوية

    السؤال: إن الوصية المزعومة بوصية الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحجرة توزع في الحرم خصوصاً عند النساء، فحبذا لو تكلم الشيخ عنها؛ لكي يسمع النساء كلام الشيخ؟

    الجواب: هذه الوصية يتم إظهارها ونشرها من حين لآخر، وهي مشتملة على باطل واضح، ولشيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمة الله عليه رسالة قيمة في بيان بطلانها وما فيها من الكذب، وأنه لا يجوز النظر فيها، وأنها حقيقة بالتمزيق والإتلاف، وهذه الرسالة مطبوعة ضمن أربع رسائل بعنوان: ((التحذير من البدع)) واحدة منها في بيان بطلان هذه الوصية، ومما يدل على ما فيها من بطلان أن فيها وعداً بأنه من فعل كذا فله كذا، ومن كتبها أو كذا فإنه يكون كذا وكذا، وهذا شيء لا يحصل في القرآن ولا في غيره، فكيف بهذا الكلام الباطل؟!! وفي آخرها يقول: وحلمت يوم الإثنين بأنه من قام بنشر ثلاثين ورقة من هذه الوصية بين المسلمين فإن الله يزيل عنه الهم والغم، ويوسع عليه رزقه، ويحل له مشاكله، ويرزقه خلال أربعين يوماً تقريباً، وقد علمت أن أحدهم قام بنشر ثلاثين ورقة من هذه الوصية، فرزقه الله بخمسة وعشرين ألف (روبية)، كما قام شخص آخر بنشرها فرزقه الله بستة ألاف (روبية).

    وهذا من أعجب العجائب، وكيف تصدق العقول مثل هذا الكلام؟! أين الفقراء؟! أين أصحاب المشاكل؟! أين هم عن هذا الكلام الباطل، فهم لا يحصلون من ورائه إلا السراب والكلام الباطل؛ فالقرآن نفسه ليس فيه هذا الكلام، وحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو خير الكلام بعد كلام الله عز وجل، ليس فيه هذا الكلام، فكيف يصدق بمثل هذا الباطل؟!

    الحاصل أن إظهارها ونشرها حرام؛ لأنه نشر للباطل، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) ونشرها هو من نشر الضلال، وكل من ابتلي بها أو حصل له ضرر بسببها فعلى الذي دله عليها أو أرشده إليها مثل آثامه، من غير أن ينقص من آثام الذي ضل شيئاً، بل الضال عليه إثم ضلاله، والمضل عليه إثم إضلاله مع ضلاله.

    ضابط قبول تبديع المشايخ لأحد من الناس

    السؤال: لو قال أحد المشايخ عن أحد من الناس: هذا مبتدع، هل يلزم الطالب أن يأخذ بهذا التبديع؟ أم لا بد من معرفة وجه التبديع؛ لأنه قد يطلق هذا التبديع على من كان على سنة؟

    الجواب: ما كل يقبل كلامه في هذا، إذا جاء عن مثل الشيخ ابن باز أو مثل الشيخ ابن عثيمين فيمكن أن يعول على كلامه، أما من هب ودب، فلا يأخذ منه مثل هذا الكلام.

    حكم قبول خبر الثقة دون تثبت

    السؤال: هل يقبل خبر الثقة مطلقاً دون تثبت، كأن يقول أحد المشايخ: إن فلاناً سب وطعن في الصحابة، فهل يجب علي أن آخذ بهذا القول وأحكم عليه، أم لا بد من التثبت؟

    الجواب: لا بد من التثبت, ولو كان القائل من أهل العلم، إلا إذا عزاه إلى كتاب له، والكتاب موجود وبإمكان الناس أن يرجعوا إليه، أما مجرد كلام من غير أن يذكر له أساساً، لا سيما إذا كان الشخص من الموجودين، أما إذا كان من المتقدمين، وهو معروف بالبدعة، أو من أئمة أهل البدع وكل الناس يعرفه، مثل: الجهم بن صفوان فلو قال: إنه مبتدع فإن كلامه صحيح، أما من يحصل منهم خطأ وزلة، وعندهم جهود عظمية في خدمة الدين، فتجد بعض الناس يقضي عليهم بمجرد هذه الزلة وهذا الخطأ، فهذا غير صحيح.

    ضرورة حمل المجمل على المفصل عند التعارض

    السؤال: إذا وجد للعالم كلام مجمل في قضية ما، وقد يكون هذا الكلام المجمل ظاهره يدل على أمر خطأ، ووجد له كلام آخر في موضع آخر مفصل في نفس القضية موافق لمنهج السلف، فهل يحمل المجمل من كلام العالم على المفصل؟

    الجواب: نعم، يحمل المجمل على المفصل، ما دام الشيء موهماً فالشيء الواضح الجلي هو المعتبر.

    دية الضرس المركب إذا خلع

    السؤال: الضرس المركب إذا خلع هل فيه دية مثل الضرس الأصلي؟

    الجواب: لا، ليس مثل الضرس الأصلي؛ لأن الضرس المركب يمكن أن يركب مكانه من جنسه، وليس الشيء الذي وضع تعويضاً كالشيء الذي أوجده الله عز وجل، بل إن هذا له قيمة وهذا له قيمة.