إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [510]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فصَّلت الشريعة الإسلامية الأحكام المتعلقة بالقصاص والديات، وبينت أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، شبه عمد، خطأ، وحددت لكل ضرب دية معينة. وقد جاءت السنة النبوية ببيان ما يتعلق بديات أعضاء الإنسان، وحددت لكل عضو منها ما يستحق من الدية؛ إكراماً لهذا الإنسان، والمرأة كالرجل في تحمل العاقلة عنها في القتل الخطأ، وعقل المرأة في القتل الخطأ يقسم لورثتها، ومن قتل قريباً له فلا ميراث له منه.

    1.   

    ديات الأعضاء

    شرح حديث ( الأصابع سواء عشر عشر من الإبل )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ديات الأعضاء.

    حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا عبدة -يعني ابن سليمان - حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن غالب التمار عن حميد بن هلال عن مسروق بن أوس عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الأصابع سواء عشر عشر من الإبل) ].

    قوله: [ باب ديات الأعضاء ]

    هذه الترجمة تتعلق بديات أعضاء الإنسان، أما الترجمة السابقة فتتعلق بدية الإنسان كاملاًً، سواء كان القتل عمداً أو شبه عمد أو خطأً، وهنا تتعلق بما يلزم لكل عضو، والذي تدل عليه الأحاديث أن ما كان مكوناً من شيئين فإن فيه دية كاملة، كالعينين وكاليدين وكالرجلين، كل هذه تكون فيها الدية كاملة، وما كان متعدداً كأصابع اليدين والرجلين وكذلك الأسنان فإن كل إصبع فيه عشر من الإبل سواء كان إصبع يد أو إصبع رجل، والأسنان كل سن فيه خمس من الإبل، سواء كان سناً أو ضرساً لا فرق بين سن وسن أو ضرس وضرس، كما أنه لا فرق بين إصبع وإصبع، كل إصبع عنه عشر من الإبل وكل سن عنه خمس من الإبل، فيكون في أصابع اليدين والرجلين ديتان، لأن كل إصبع من أصابع اليدين فيها عشر، وكل إصبع من أصابع الرجلين فيها عشر.

    أورد أبو داود حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأصابع سواء عشر عشر) يعني: كل إصبع فيه عشر، سواء كان من أصابع اليدين أو أصابع الرجلين، ولا يفرق بين إصبع له شأن وله أهمية أكثر من غيره وبين إصبع هو دون ذلك كالإبهام والخنصر، فإن الخنصر والإبهام سواء، مع أن فائدة الإبهام أعظم من فائدة الخنصر؛ لأن الإبهام يكون فيه ملاقات مع الأصابع وفيه الشد معها، بخلاف الخنصر الذي هو الإصبع الأخير فإن فائدته ليست كفائدة الإبهام، ومع ذلك جعلت سواء، وكذلك الأسنان فوائدها مختلفة، ومع ذلك جعلت سواء، كما أنه لا يفرق بين إنسان شريف وغير شريف ولا بين كبير وصغير، بل كلهم على حد سواء فيما يتعلق بالدية، فدية الرجل الكبير والصغير واحدة، ودية الرجل الشريف وغيره واحدة، فكذلك هذه الأشياء أيضاً لا يفرق فيها بين إصبع وإصبع وبين سن وسن.

    تراجم رجال إسناد حديث ( الأصابع سواء عشر عشر من الإبل )

    قوله: [ حدثنا إسحاق بن إسماعيل ].

    هو إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وهو ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا عبدة -يعني ابن سليمان- ].

    عبدة بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سعيد بن أبي عروبة ].

    سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن غالب التمار ].

    هو غالب بن مهران التمار، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن حميد بن هلال ].

    حميد بن هلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مسروق بن أوس ].

    مسروق بن أوس مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي موسى ].

    هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    حديث (الأصابع سواء .... ) من طرق أخرى، وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن غالب التمار عن مسروق بن أوس عن الأشعري عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الأصابع سواء، قلت: عشر عشر؟ قال: نعم) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله: (الأصابع سواء) أي: أن كل واحد فيه عشر عشر.

    قوله: [ حدثنا أبو الوليد ].

    هو هشام بن عبد الملك، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن غالب التمار عن مسروق بن أوس عن الأشعري ].

    وقد مر ذكرهم.

    سقط حميد من هذه الطريق؛ بينما الطريق الأولى فيها حميد بين التمار وبين مسروق ، وقد أشار أبو داود إلى الاختلاف في الطرق وأن غالباً سمع من مسروق .

    [ قال: أبو داود رواه محمد بن جعفر عن شعبة عن غالب قال: سمعت مسروق بن أوس ].

    وهذه إشارة إلى طريق أخرى وفيها حذف الواسطة والتصريح بالسماع بين غالب وبين مسروق ، الذي جعل بينه وبينه في الطريق الأولى حميد بن هلال .

    و محمد بن جعفر هو الملقب بـغندر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو كثير الرواية عن شعبة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ورواه إسماعيل قال: حدثني غالب التمار بإسناد أبي الوليد ].

    إسماعيل بن علية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ ورواه حنظلة بن أبي صفية عن غالب بإسناد إسماعيل ].

    حنظلة بن أبي صفية كأنه ليس له رواية عند أصحاب الكتب متصلة، ولهذا لم يترجم له في التقريب.

    شرح حديث ( هذه وهذه سواء، يعني: الإبهام والخنصر )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا ابن معاذ حدثنا أبي ح وحدثنا نصر بن علي أخبرنا يزيد بن زريع كلهم عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (هذه وهذه سواء، يعني: الإبهام والخنصر) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هذه وهذه سواء، يعني الإبهام والخنصر)، وإن كان بينهما تفاوت إلا أنه جعلهما على حد سواء، كما سوي بين الصغير والكبير، وبين الشريف والوضيع في الدية، فجعلت الأصابع التي بعضها أهم من بعض وأكثر فائدة من بعض سواء.

    تراجم رجال إسناد حديث ( هذه وهذه سواء، يعني: الإبهام والخنصر )

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا ابن معاذ ].

    هو عبيد الله بن معاذ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبي ].

    هو معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا نصر بن علي ].

    هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا يزيد بن زريع ].

    يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ كلهم عن شعبة ].

    يعني: الثلاثة الذين هم يحيى القطان ومعاذ بن معاذ ويزيد بن زريع رووا عن شعبة.

    وشعبة مر ذكره.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة ].

    هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث ( الأصابع سواء، والأسنان سواء: الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عباس العنبري حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس من طريق أخرى قال: [ (الأصابع سواء والأسنان سواء) ] أي: لا فرق بين إصبع وإصبع، ولا فرق بين سن وسن.

    قوله: [ (والثنية والضرس سواء) ] أي: الشيء البارز والخفي من الأسنان لا فرق بينها.

    قوله: [ (وهذه وهذه سواء) ] يعني: إشارة إلى الخنصر والإبهام الذي مر في الطريق الأولى السابقة.

    تراجم رجال إسناد حديث ( الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء )

    قوله: [ حدثنا عباس العنبري ].

    هو عباس بن عبد العظيم العنبري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ].

    عبد الصمد بن عبد الوارث، وهو صدوق ثبت في شعبة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني شعبة ].

    شعبة مر ذكره.

    [ عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ].

    قد مر ذكرهم.

    حديث ( الأصابع سواء والأسنان سواء ...) من طرق أخرى، وتراجم رجال إسناده

    [ قال أبو داود : ورواه النضر بن شميل عن شعبة بمعنى عبد الصمد ]

    يعني: رواه النضر بن شميل عن شعبة بمعنى حديث عبد الصمد السابق.

    قوله: [ النضر بن شميل ].

    النضر بن شميل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : حدثناه الدارمي عن النضر بن شميل ] والدارمي يحتمل شخصين أحدهما: أحمد بن سعيد الدارمي والثاني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الذي هو صاحب المسند، ويقال له: سنن الدارمي ، وهو من الكتب التي تعددت فيها الثلاثيات؛ لأن فيه عدداً من الثلاثيات، ولهذا بعض أهل العلم يجعله الكتاب السادس بدل سنن ابن ماجة وبعضهم يجعل الموطأ.

    فإذاً: الكتب الخمسة متفق عليها، وأما السادس ففيه ثلاثة أقوال: منهم من يجعله ابن ماجة، ومنهم من يجعله سنن الدارمي ، ومنهم من يجعله موطأ مالك ، ولكن الذي اشتهر مع هذه الكتب وألفت فيه المؤلفات، سواء كان ذلك في الأطراف أو في الرجال سنن ابن ماجة ، وذلك لكثرة زوائده عن الكتب الستة، والتي أخرجها البوصيري في كتاب سماه (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة ) وزوائده على الخمسة تبلغ ألفاً وثلاثمائة حديث، وهذه الزوائد فيها الصحيح وفيها الضعيف.

    وكلا هذين الرجلين يروي عن النضر ، لأن في ترجمة النضر في تهذيب الكمال يروي عنه أحمد بن سعيد ويروي عنه عبد الله بن عبد الرحمن وكل منهما ثقة، وهما من الطبقة الحادية عشرة.

    وأحمد بن سعيد الدارمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    حديث (الأسنان سواء والأصابع سواء) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع حدثنا على بن الحسن أخبرنا أبو حمزة عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأسنان سواء والأصابع سواء) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأسنان سواء والأصابع سواء) وهو مثل ما تقدم، لا فرق بين سن وسن ولا بين إصبع وإصبع، لا في يد ولا في رجل.

    قوله: [ حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع ]

    محمد بن حاتم بن بزيع ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا علي بن الحسن ].

    هو علي بن الحسن بن شقيق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا أبو حمزة ].

    هو أبو حمزة السكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، واسمه محمد بن ميمون ، ويقال له: السكري نسبة إلى حلاوة منطقه، وليس كما يتبادر إلى الذهن أنه يبيع السكر أو أنه يصنع السكر؛ ولكن لكون منطقه حلواً وكان فصيح اللسان.

    مثل خالد الحذاء الذي سبق أن مر بنا فهو ما كان حذاءً يبيع الأحذية ولا يصنع الأحذية، ولكنه كان يجالس الحذائين فنسب إليهم، ومثل يزيد بن صهيب الفقير فإنه قد يفهم منه أنه كان فقيراً وليس كذلك وإنما كان يشكو فقر ظهره فقيل له: الفقير، فهذه كلها من النسبة إلى غير ما يتبادر إلى الذهن.

    [ عن يزيد النحوي ].

    هو يزيد بن أبي سعيد النحوي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    عكرمة وابن عباس قد مر ذكرهما.

    شرح حديث (جعل رسول الله أصابع اليدين والرجلين سواء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان حدثنا أبو تميلة عن يسار المعلم عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء) ].

    وهذا حديث ابن عباس من طريق أخرى وفيه التفصيل والتنصيص على أصابع الرجلين واليدين وأنها كلها سواء، يعني: كل إصبع فيه عشر، ومجموع الأصابع في الرجلين واليدين فيها ديتان: مائة من الإبل في أصابع اليدين، ومائة من الإبل في أصابع الرجلين.

    تراجم رجال إسناد حديث (جعل رسول الله أصابع اليدين والرجلين سواء)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان ].

    عبد الله بن عمر محمد بن أبان صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبو تميلة ].

    أبو تميلة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، واسمه يحيى بن واضح .

    [ عن يسار المعلم ].

    يسار المعلم أخرج له أبو داود .

    [ عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ].

    قد مر ذكر الثلاثة.

    شرح حديث ( أن النبي قال في خطبته وهو مسند ظهره إلى الكعبة: في الأصابع عشر عشر )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته وهو مسند ظهره إلى الكعبة: في الأصابع عشر عشر) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في خطبته وهو مسند ظهره إلى الكعبة: في الأصابع عشر عشر).

    يعني: في كل إصبع عشر عشر، وهذا يشمل اليدين والرجلين.

    قوله: [ (قال في خطبته وهو مسند ظهره إلى الكعبة) ].

    هذا يدلنا على أن إسناد الظهر إلى الكعبة ليس فيه عدم احترام لها، ومعلوم أن الخطيب يستقبل الناس ويستدبر الكعبة، وكذلك إذا صلى الإمام وهو بجوار الكعبة فسلَّم فإنه ينصرف إلى الناس ويقابلهم بوجهه وتكون الكعبة وراءه.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي قال في خطبته وهو مسند ظهره إلى الكعبة: في الأصابع عشر عشر)

    قوله: [ حدثنا هدبة بن خالد ].

    هدبة بن خالد ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود .

    البخاري وأبو داود جاء ذكره عندهم بلفظ هدبة ، وأما مسلم فأحياناً يذكره بلفظ هدبة وأحياناً بلفظ هداب ، وهدبة اسم وهداب لقب، واللقب مأخوذ من الاسم، مثل عبد الله وعباد وعبد الله وعبدان وعبد الرحمن ودحيم وهكذا.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى العوذي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حسين المعلم ].

    حسين المعلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عمرو بن شعيب ].

    هو عمرو بن شعيب بن محمد، وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    هو شعيب بن محمد، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وفي جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن جده ].

    هو عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث ( في الأسنان خمس خمس )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (في الأسنان خمس خمس) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الأسنان خمس خمس) يعني: كل سن فيه خمس، لا فرق بين سن بارز كالأسنان وبين مختفية غير بارزة كالأضراس، وإنما كل سن فيه خمس من الإبل، وعلى هذا فإن مجموعها يزيد عن المائة، لأن عدد الأسنان اثنان وثلاثون سناً، ففي كل سن منها خمس من الإبل، يعني: ليس في الأسنان كلها الدية المقدرة، بل كل سن فيه خمس بلغ ما بلغ، بخلاف الأصابع ففي كل إصبع عشر عشر، ومعلوم أن الإصبع الزائد إذا أزيل بجناية ولم يترتب عليه مضرة ولا تشويه فإنه لا يكون له دية؛ لأن الجمال يكون في ذهابه، ومعلوم أن من عنده إصبع زائد وأراد أن يزيله من غير أن يحصل مضرة فإنه لا بأس بذلك، أما إذا أزيل بجناية وترتب عليه مضرة فيكون فيه حكومة لا دية؛ لأن هذا الأصبع زائد، وليس هو من الأصابع التي يستفاد منها والتي فيها الجمال، بينما قد يكون الجمال في ذهابه.

    تراجم رجال إسناد حديث ( في الأسنان خمس خمس )

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة ].

    زهير بن حرب أبو خيثمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    وهذا من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، فقد روى عنه أكثر من ألف حديث.

    وهو يلي أبا بكر بن أبي شيبة الذي روى عنه مسلم ألفاً وخمسمائة حديث.

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].

    قد مر ذكرهم.

    شرح حديث (كان رسول الله يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أوعد لها من الورق ويقومها على أثمان الإبل ...)

    [ قال أبو داود : وجدت في كتابي عن شيبان ولم أسمعه منه، فحدثناه أبو بكر صاحب لنا ثقة قال: حدثنا شيبان حدثنا محمد -يعني ابن راشد عن سليمان -يعني ابن موسى - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوِّم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل، فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخصاً نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم، وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دية عقل في الشاء فألفي شاة، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة، قال: وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأنف إذا جدع الدية كاملة، وإذا جدعت ثندوتة فنصف العقل، خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة، أو ألف شاة، وفي اليد إذا قطعت نصف العقل، وفي الرِّجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل، ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث، أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاء، والجائفة مثل ذلك، وفي الأصابع في كل إصبع عشر من الإبل، وفي الأسنان في كل سن خمس من الإبل، وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عقل المرأة بين عصبتها، من كانوا لا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئاً).

    قال محمد : هذا كله حدثني به سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

    يقول أبو داود : [ وجدت في كتابي عن شيبان ولم أسمعه منه، فحدثناه أبو بكر صاحب لنا ثقة ].

    يعني: ذكر أنه وجد في كتابه عن شيبان ، ولكنه لم يسمع منه، وإنما أخرجه عنه بواسطة، حدثه به صاحب له وصفه بأنه ثقة وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الأبلي ، ذكره في التقريب وقال عنه: صدوق.

    قوله: [ صاحب لنا ].

    يعني: يحتمل أن يكون من شيوخه؛ لأنه قال في التقريب: أخرج له أبو داود ، لكن قال في عون المعبود: تلميذ له، ويمكن أن يكون زميلاً له وهو الأقرب؛ لأن الزملاء يثبت بعضهم بعضاً فيما غفل بعضهم عن أخذه من الشيخ، كما مر بنا في سنن أبي داود في مواضع عدة يقول: وثبتني فلان.

    قوله: [(كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق) ].

    يعني: أن الأصل في الدية هو الإبل، ولكن أهل القرى الذين ليس عندهم إبل وإنما عندهم نقود فكان يقومها عليهم بالذهب والفضة، وأربعمائة دينار وهذا هو الحد الأدنى، وقد تغلو وتصل إلى ثمانمائة دينار، وقد تنقص، فإذا زادت قيمة الإبل زادت القيمة وإذا نقصت نقصت القيمة، وكان الأمر دائراً بين أربعمائة وبين ثمانمائة دينار، وثمانمائة دينار تعادل ثمانية آلاف درهم.

    وقد يصير هناك فرق أحياناً بين الدراهم والذهب، إذ معلوم أنها تزيد وتنقص، كما جاء في الحديث: (فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) .

    قوله: [ (وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل البقر مائتي بقرة) ].

    يعني: وقضى على أهل البقر مائتي بقرة بدل مائة من الإبل.

    قوله: [ (ومن كان دية عقله في الشاء فألفي شاة) ].

    يعني: أهل الشاء وأهل الغنم يصير عليهم ألفا شاة.

    قوله: (وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة) ].

    العقل هو الدية، فإذا قتل قتيل وأخذت ديته فإنها ميراث بين الورثة على قدر ميراثهم، وإن بقي شيء فللعصبة لأولى رجل ذكر؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر).

    والعصبة هم يعقلون عنه إذا أخطأ، ولكنهم لا يرثون إلا ما فضل عن الفرائض المقدرة، وإن استوعبت الورثة فليس للعصبة شيء.

    والعصبة بالنفس كما هو معلوم هم الذين يحوزون المال إذا انفردوا، وإذا وجد أصحاب فروض أخذوا ما أبقت الفروض.

    قوله: [ (وقضى صلى الله عليه وآله وسلم في الأنف إذا جدع الدية كاملة) ].

    يعني: الأنف يكون فيه الدية كاملة.

    بيان ما فيه نصف الدية

    قوله: [ (وإذا جدعت ثندوته فنصف العقل) ].

    يعني: طرفه الذي هو أرنبته ففيه نصف العقل؛ لأن فيه التشويه.

    قوله: [ (خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة، أو ألف شاة)] هذه كلها فيها بيان لنصف الدية.

    قوله: (وفي اليد إذا قطعت نصف العقل) ].

    يعني: كل يد فيها نصف الدية، سواء قطعت من الرسغ أو من المرفق أو من أي مكان.

    قوله: [ (وفي الرجل نصف العقل) ].

    أي: وفي الرجل الواحدة نصف الدية.

    بيان ما فيه ثلث الدية

    قوله: [ (وفي المأمومة ثلث العقل، ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاء) ].

    المأمومة: هي الشجة التي خرقت الرأس حتى وصلت إلى الغشاوة المحيطة بالدماغ، يعني: كسرت العظم وتجاوزته بحيث لم يبق سوى الغلاف الذي في داخله المخ، ففيها ثلث الدية. وهي ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث.

    قوله: [ (وثلث) ] يعني: أن فيها الكسر، وهذا يحسب بقيمة، لأن الكسر لا يجزأ وإنما تقدر قيمته.

    قوله: [ (والجائفة مثل ذلك) ].

    الجائفة: هي الطعنة التي تصل إلى الجوف، فإنها مثل المأمومة فيها ثلث الدية.

    قوله: [ (وفي الأصابع في كل إصبع عشر من الإبل، وفي الأسنان في كل سن خمس من الإبل) ].

    وهذا تكرر في الأحاديث السابقة.

    بيان من يتحمل عقل المرأة إن هي قتلت شخصاً خطأً

    قوله: [ (وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عقل المرأة بين عصبتها، من كانوا لا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل عن ورثتها) ].

    يعني: نص على المرأة؛ لئلا يتوهم أنها تختلف عن الرجل، بل هي كالرجل، أي: أنها لو قتلت خطأً فإن عصبتها هم العاقلة الذين يعقلون عنها ويتحملون جنايتها عن طريق الخطأ، كما أنهم يتحملون جناية الرجل لو حصلت منه جناية خطأً أو حصل منه قتل خطأً، والعاقلة هم العصبة.

    وهنا نص على المرأة لئلا يفهم أنها ليست كالرجل، وأنها تكون مثل العبد الذي تتعلق جنايته في رقبته، فبين أنه لا فرق بين الرجل والمرأة، وأن حكم المرأة في هذا كحكم الرجل، فالعصبة هم الذين يعقلون عنها وليس لهم من الميراث شيء إلا إن فضل شيء أو لم يكن لها وارث سوى العصبة، فإن أقرب قريب للعصبة هو الذي يحوز المال.

    بيان من يأخذ عقل المرأة إن هي قتلت خطأً أو عمداً

    قوله: [ (وإن قتلت، فعقلها بين ورثتها) ].

    هناك القتل منها هي التي قتلت، فعاقلتها هم الذين يتحملون الدية كما أن عاقلة الرجل هم الذين يتحملون الدية، وهنا إذا قُتلت هي خطأً وأخذت الدية عنها، أو كان عمداً وتنوزل إلى الدية، فإن الدية هذه ميراث للورثة، فيأخذ أصحاب الفروض فروضهم، وما بقي يكون لأقرب قريب من العصبة؛ لأن الدية هي من جملة المال، وحكمها حكم المال، فتضاف إلى المال وتقسم كما يقسم المال.

    قوله: (وهم يقتلون قاتلهم) ].

    يعني: إذا كان القتل عمداً فإنهم هم الذين يقتلون قاتل المرأة إذا أرادوا، وإذا تنازلوا أخذوا الدية وصارت الدية لهم.

    فإذاً: الذين لهم حق الميراث هم الذين لهم حق الأخذ بالقصاص، وليس كل من يكون من القبيلة أو من الأقارب وهو غير وارث يكون له حق الاعتراض على القصاص أو التنازل، وإنما الذي من حقه التنازل أو عدمه هو الذي له ميراث، فإذا تنازل واحد منهم فإنه لا يكون القصاص.

    حكم من يقتل قريباً له خطأً أو عمداً

    قوله: [ (وقال صلى الله عليه وسلم: ليس للقاتل شيءٌ) ].

    يعني: أن من قتل قريباً له سواء كان عمداً أو خطأً، فإنه لا ميراث له من الميراث، وإنما يرثه غير القاتل من ورثته؛ لأن القتل من موانع الإرث، كما يقول الرحبي :

    ويمنع الشخص من الميراث

    واحدة من علل ثلاث

    رق وقتل واختلاف دين

    فافهم فليس الشك كاليقين

    قوله: [ (وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئاً) ].

    يعني: إن لم يكن له وارث من أصحاب الفروض ومن الأقارب، فإن أقرب قريب يرثه، أما القاتل فليس له شيء.

    قوله: [ قال محمد : هذا كله حدثني به سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ].

    ومحمد هذا هو محمد بن راشد.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق على أثمان الإبل...)

    [ قال أبو داود : وجدت في كتابي عن شيبان ، ولم أسمعه منه. فحدثناه أبو بكر صاحب لنا ثقة قال: حدثنا شيبان ].

    أبو بكر هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، وهو صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا شيبان ].

    هو شيبان بن فروخ، وهو صدوق يهم، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.

    [ حدثنا محمد -يعني ابن راشد- ].

    محمد بن راشد صدوق يهم، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن سليمان -يعني ابن موسى- ].

    سليمان بن موسى صدوق في حديثه بعض اللين، أخرج له مسلم في المقدمة وأصحاب السنن .

    [ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].

    عمرو بن شعيب وأبوه وجده قد مر ذكرهم.

    [ قال أبو داود : محمد بن راشد من أهل دمشق هرب إلى البصرة من القتل ].

    هذا تعريف به، وبيان شيء من أخباره أنه كان من أهل دمشق فهرب إلى البصرة خوفاً من القتل.

    شرح حديث (عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا محمد بن بكار بن بلال العاملي أخبرنا محمد -يعني ابن راشد -عن سليمان -يعني ابن موسى - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه).

    قال: وزادنا خليل عن ابن راشد: (وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون دماء في عميا في غير ضغينة ولا حمل سلاح) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد).

    يعني: يفيد بأن العقل في العمد وشبه العمد واحد، ولكن العمد إذا لم يوافق أولياء القتيل على أن يأخذوه وأصروا على القصاص إلا أن يعطوا أكثر من الدية فإن لهم ذلك، ولكن إن أرادوا أن يقتصروا على الدية فالدية هي مثل دية شبه العمد، إلا أن هناك فرقاً بين شبه العمد والعمد، وهي أن العمد يقتص فيه من القاتل، وشبه العمد لا يقتص منه، وليس فيه إلا الدية، وهي مغلظة، والخطأ فيه الدية التي دون ذلك.

    قوله: [ (ولا يقتل صاحبه) ] يعني: لا يقتل صاحب شبه العمد، وإنما عليه الدية.

    قوله: [ قال: وزادنا خليل عن ابن راشد: (وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس) ].

    يعني: هذا مثال لشبه العمد، وهو أن الشيطان ينزو بين الناس ويحدث بينهم مشكلة أو فتنة من غير أن يكون هناك ضغينة، ومن غير أن تكون هناك أسباب سابقة، وإنما تحصل فتنة فيلتحم بعضهم ببعض ويضرب بعضهم بعضاً بشيء لا يقتل في الغالب، ولكنه أدى إلى القتل، بخلاف الخطأ فإنه أراد أن يصيب شيئاً فطاش السهم وأصاب إنساناً، فهذا خطأ؛ لأنه ما أراد قتله ولم يفكر في قتله.

    وأما شبه العمد فهو مقصود، ولكنه بشيء لا يقتل غالباً.

    قوله: [ (فتكون دماءٌ في عميَّا) ].

    يعني: يختلط بعضهم ببعض ويضرب بعضهم بعضاً فيحصل قتل، مثل ما مر بنا في الحديث السابق: (في عيما ورميا).

    قوله: [ (في غير ضغينة ولا حمل السلاح) ].

    يعني: ما كان هناك حمل سلاح، ولا كانت هناك عداوة سابقة بينهم تدفعهم إلى أن يتقاتلوا، وإنما حصلت فتنه فالتحم بعضهم ببعض.

    تراجم رجال إسناد حديث (عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ].

    محمد بن يحيى بن فارس ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا محمد بن بكار بن بلال العاملي ].

    محمد بن بكار بن بلال العاملي صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.

    [ أخبرنا محمد -يعني ابن راشد- عن سليمان -يعني ابن موسى- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].

    قد مر ذكرهم جميعاً.

    شرح حديث ( في المواضح خمس )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين أن خالد بن الحارث حدثهم أخبرنا حسين -يعني المعلم - عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (في المواضح خمس) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (في المواضح خمسٌ) ] المواضح: جمع موضحة، والموضحة: هي الشجة التي تخرق الجلد واللحم وتصل إلى العظم، فيصير ظاهراً وواضحاً.

    وإذا كانت موضحة واحدة ففيها خمس، أما إذا كانت في عدة أماكن، فإن كل موضحة فيها خمس.

    تراجم رجال إسناد حديث ( في المواضح خمس )

    قوله: [ حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين ].

    أبو كامل فضيل بن حسين ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي.

    [ أن خالد بن الحارث ].

    خالد بن الحارث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا حسين -يعني المعلم- عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو ] .

    قد مر ذكرهم جميعاً.

    وهنا قال: [ عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو ] هذا يبين أن شعيباً يروي عن جده عبد الله بن عمرو؛ لأن كثيراً من الروايات عن أبيه عن جده، وهي محتملة لأن يكون شعيب يروي عن أبيه محمد، وإذا كان هذا فيكون مرسلاً؛ لأن محمداً ليس بصحابي، ولكنه قد صح سماع شعيب بن محمد من جده عبد الله بن عمرو فصار متصلاً؛ ولهذا يقولون: إذا كان الإسناد إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مستقيماً فإنه يقال له: حسن؛ لأن عمراً صدوق، وأبوه شعيب صدوق.

    والحافظ يقول: قد صح سماعه من جده عبد الله بن عمرو .

    شرح حديث ( قضى رسول الله في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمود بن خالد السلمي حدثنا مروان -يعني ابن محمد - حدثنا الهيثم بن حميد حدثني العلاء بن الحارث حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو : (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية) لأن العين فيها بصر وفيها جمال، وهنا البصر قد ذهب ولكن الجمال موجود، فإذا فقأها شخص، فإنه يكون فيها ثلث الدية؛ لأن العين موجودة على هيئتها وجمالها، وإنما البصر غير موجود، فهي ليست ناتئة بأن تكون بارزة، ولا غائرة بحيث أنها ليست موجودة، وإنما هي قائمة سادة لمكانها، فيكون فيها ثلث الدية.

    تراجم رجال إسناد حديث ( قضى رسول الله في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية )

    قوله: [ حدثنا محمود بن خالد السلمي ].

    هو محمود بن خالد السلمي الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا مروان -يعني ابن محمد- ].

    مروان بن محمد ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا الهيثم بن حميد ].

    الهيثم بن حميد صدوق، أخرج له أصحاب السنن .

    [ حدثني العلاء بن الحارث ].

    العلاء بن الحارث صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].

    عمرو بن شعيب وأبوه وجده مر ذكرهم جميعاً.

    1.   

    الأسئلة

    الرد على القاضي عياض والنووي في وصفهما لمن فر يوم حنين بالغثاء

    السؤال: يقول القاضي عياض في إكمال المعلم في الجزء السادس صفحة (130) في قصة غزوة حنين عند حديث البراء رضي الله عنه: (لا والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسراً ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح) قال القاضي : والأخفاء هنا المسارعون المستعجلون.

    وروى أبو إسحاق الحربي وأبو عبيد الهروي هذا الحرف: (فانطلق جفاء من الناس) بجيم مضمومة وتخفيف الفاء، قال: القتبي والهروي : أي: سرعانهم شبههم بجفاء السيل.

    قال القاضي : إن صحت هذه الرواية فإنما معناها ما تقدم من خروج من خرج معهم من أهل مكة، ومن انضاف إليهم ممن لم يستعد للقتال، وإنما خرج للغنيمة من النساء والصبيان والضعفاء ومن مرض من مُسلمة الفتح، فهؤلاء شبه جفاء السيل الذي لا ينتفع به، ويرميه بجانبيه، وهو الغثاء أيضاً.

    ومثله قاله الإمام النووي رحمه الله فهل قوله: وهو الغثاء يعتبر سباً للصحابة؟! وإذا قلنا: إنه يعتبر سباً فهل نقول عن هذين الإمامين القاضي عياض والنووي مع أشعريتهما أنهما رافضيان كذلك؟

    الجواب: كونه يعبر بهذا التعبير لا يصلح، وإنما الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ينبغي أن يذكروا بالجميل، ولا يذكروا بشيء لا يليق؛ لأن وصفهم بالغثاء غير طيب، ولا يليق أن يوصفوا به، ومعلوم أن الصحابة متفاوتون، وأن فيهم من هو حديث العهد بالإسلام، لكن لا يقال فيهم إلا ما هو جميل، ولا يذكرون إلا بكل حسن.

    لكن لا يقال عن هذين الإمامين عياض والنووي: إنهما رافضيان، لكن يقال: إنه تعبير خطأ نسأل الله تعالى أن يعفو عنهما، لكن يوجه الحديث: (خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسراً) على أن الخفيف هو الذي ليس معه سلاح ولا معه ثقل، وإنما جاء ليحصل على غنيمة، ولكن كما هو معلوم حصل الانهزام، والرسول صلى الله عليه وسلم ثبت وثبت معه عمه العباس ، وكذلك ابن عمه أبو سفيان بن الحارث ، وأمر العباس أن ينادي وكان جهوري الصوت، فانعطف الناس مرة ثانية، وعادوا بعدما حصل ذلك الانهزام، وكان النصر بعد ذلك للمسلمين.

    ذكر ما في بردة البوصيري من حسن وسيئ، والفرق بين صاحب البردة وصاحب الزوائد

    السؤال: هل البوصيري صاحب الزوائد على سنن ابن ماجة هو صاحب البردة؟

    الجواب: صاحب الزوائد محدث، وأما ذاك فليس بمحدث، وصاحب البردة توفي سنة (694هـ) وصاحب الزوائد توفي سنة (840هـ).

    والبوصيري صاحب البردة عنده كلام في البردة جميل، وعنده كلام سيئ للغاية، ومن الكلام الجميل فيها أنه كان يمدح الصحابة في ثباتهم وعلو شأنهم، وتمكنهم في الحرب وركوب الخيل، قال:

    كأنهم في ظهور الخيل نبت ربى

    من شدة الحَزْم لا من شدة الحُزُمِ

    يعني: مثل الشجرة التي فوق جبل، أو فوق مكان مرتفع فهي ثابتة على ذلك المكان الذي هي فيه، فالصحابة على الخيل كهذه الشجرة التي فوق المكان الرابي.

    وكذلك قوله:

    والنفس كالطفل إن تهمله شب على

    حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

    ويقول أيضاً:

    قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

    وينكر الفم طعم الماء من سقم

    ومن الكلام السيئ قوله:

    يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به

    سواك عند حلول الحادث العمم

    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي

    فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

    فإن من جودك الدنيا وضرتها

    ومن علومك علم اللوح والقلم

    هذا كلام سيئ فيه غلو ومجاوزة للحد؛ لأنه جعل علم اللوح والقلم من علمه صلى الله عليه وسلم، وهو لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس كل غيب أطلع الله تعالى نبيه عليه.

    وسبق أنني أشرت إلى هذا في صحيح البخاري عند حديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وذكرت ما اشتمل عليه كلامه من الغلو والإطراء، وأن هذا لا يسوغ ولا يجوز، فلو قال يخاطب ربه:

    يا خالق الخلق ما لي من ألوذ به

    سواك عند حلول الحادث العمم

    لكان كلامه صواباً، ولكن كونه يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

    سواك عند حلول الحادث العمم

    فهذا هو الباطل.