إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [507]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصل أن من قتل قتيلاً قتل به، إلا أن يعفو أولياء الدم، فإن وجد قتيلاً بين قوم ولم يعرف قاتله حلف أولياؤه خمسين يميناً على رجل منهم فيدفع إليهم برمته ليقتصوا منه، وإذا لم يحلفوا حلف المتهمون خمسين يميناً أنهم ما قتلوه فتبرأ ساحتهم، لأنه ليس هناك في الشريعة الإسلامية دم هدر، وهذا هو ما يسمى بالقسامة.

    1.   

    القتل بالقسامة

    شرح حديث سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج في القسامة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب القتل بالقسامة.

    حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن عبيد المعنى قالا: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج رضي الله عنهما: (أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وابنا عمه حويصة ومحيصة، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الكبر الكبر، أو قال: ليبدأ الأكبر، فتكلما في أمر صاحبهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته، فقالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله! قوم كفار، قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبله. قال: قال سهل : دخلت مربداً لهم يوماً فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها) قال حماد هذا أو نحوه.

    قال أبو داود : رواه بشر بن المفضل ومالك عن يحيى بن سعيد قال فيه: (أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟) ولم يذكر بشر دماً، وقال عبدة عن يحيى كما قال حماد ، ورواه ابن عيينة عن يحيى فبدأ بقوله: (تبرئكم يهود بخمسين يميناً يحلفون) ولم يذكر الاستحقاق.

    قال أبو داود : وهذا وهم من ابن عيينة ].

    يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ باب القتل بالقسامة ].

    القسامة: هي أن يقتل قتيل بين جماعة يتهمون فيه ولا يعرف قاتله؛ هذه يقال لها: قسامة؛ لأن المدعين أو أصحاب الدم يطلب منهم أن يحلف منهم خمسون رجلاً على شخص أنه قتله فيدفع لهم ليقتلوه، فإذا لم يحلف المدعون جعلت اليمين على المدعى عليهم بأن يحلف منهم خمسون بأنهم بريئون من ذلك، فإذا حلف أولئك المدعون على شخص معين فإنه يقتل ذلك الشخص أو يدفع لهم ذلك الشخص ليقتلوه، وإذا لم يفعلوا فإنه توجه اليمين لخمسين من المدعى عليهم فتبرأ ساحتهم بذلك، ولهذا قيل لها: قسامة؛ لأن فيها أيماناً كثيرة.

    وقد أورد أبو داود حديث سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج: أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود -وهما أبناء عم- ذهبا إلى خيبر فتفرقا، ثم وجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فجاء أولياؤه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إن اليهود قتلوا عبد الله بن سهل ، وكان الذي تكلم هو عبد الرحمن وهو أخو القتيل وكان أصغر القوم، فقال عليه السلام: [ (الكبر الكبر) ] أو قال: [ (ليبدأ الأكبر) ] وهذا فيه تنبيه إلى أدب وهو أن الجماعة إذا جاءوا لحاجة وكانت مهمتهم واحدة فإن الكلام يكون للأكبر، إلا إذا اتفقوا على أن يتكلم واحد منهم؛ لأنه قد يكون الأكبر لا يجيد الكلام، أو لا يتمكن من أن يتكلم بالشيء الذي يريدونه، فإذا اختاروا واحداً منهم وهو أصغرهم فإنه لا بأس بذلك، وإلا فإن السنة أن يبدأ الكبير كما أرشد إلى ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.

    فتكلم الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه فقال: [ (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته) ] يعني: أنه يسلم لهم ليتولوا قتله إذا حلفوا على أن هذا هو القاتل.

    قوله: [ (فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟) ] يعني: ما شاهدنا ولا رأينا.

    قوله: [ (قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله! قوم كفار)] أي: كيف نقبل أيمانهم وهم كفار يكذبون.

    [ (فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله) ] يعني: لم يضيع دمه، بل وداه من عنده صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    فدل هذا على ثبوت القسامة، وأنه يبدأ فيها بأيمان المدعين؛ لأن المدعي إذا كان معه شيء يقوي جانبه فإنه يحلف، كما لو كان معه شاهد واحد والمطلوب شاهدان، فيقوى جانبه لوجود شاهد عنده، فيضاف إلى ذلك يمين المدعي، ولهذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاهد ويمين؛ لأنه وجد قوة مع المدعي فيضاف إليها شيئاً آخر وهو اليمين، فيحكم له حيث لا يوجد عنده شاهدان.

    وهنا لما وجد ما يسمى باللوث وهو محل التهمة، وهو أنه كان موجوداً بينهم وأنه قتل بينهم وفي أرضهم وليس فيها مسلمون وإنما الذين فيها هم كفار، فالتهمة قوية في أنهم هم الذين قتلوه أو قتله واحد منهم، فهذا هو اللوث الذي يقوي جانب المدعين فيبدأ بهم في الأيمان لا بالمدعى عليهم، ولا تحال اليمين إلى المدعى عليهم؛ لأنه وجد مع المدعين شيء يقوي جانبهم وهو اللوث، فيبدأ بالأيمان على المدعين.

    والله تعالى أعلم ما حكمة اختيار خمسين شخصاً لليمين، لكن إذا وجد فيهم من يكذب أو يستسهل الكذب، فإنه قد يوجد فيهم أحد يمتنع ويخاف من العواقب، وقد يوجد فيهم من عنده صدق.

    قوله: [ (قال سهل: دخلت مربداً لهم يوماً فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها) ].

    يعني: أن هذه الإبل التي وداه الرسول صلى الله عليه وسلم بها جعلوها في مكان معين يقال له: المربد، فدخل سهل رضي الله عنه فركضته ناقه من تلك الإبل ركضة، فهو يتذكر الذي حصل في هذه الحادثة، حيث إنه رأى تلك الإبل التي دفعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دية لـعبد الله بن سهل .

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج في القسامة

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ].

    عبيد الله بن عمر بن ميسرة ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ ومحمد بن عبيد ].

    هو محمد بن عبيد بن حساب وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا حماد بن زيد ].

    حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن سعيد ].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بشير بن يسار ].

    بشير بن يسار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهل بن أبي حثمة ].

    سهل بن أبي حثمة صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ورافع بن خديج ].

    رافع بن خديج صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : رواه بشر بن المفضل ومالك عن يحيى بن سعيد ].

    بشر بن المفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومالك ].

    مالك ثقة فقيه، أحد أئمة المذاهب الأربعة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ عن يحيى بن سعيد قال فيه: [ (أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟) ولم يذكر بشر دماً، وقال عبدة عن يحيى كما قال حماد ، ورواه ابن عيينة عن يحيى فبدأ بقوله: (تبرئكم يهود بخمسين يميناً يحلفون) ولم يذكر الاستحقاق ].

    أي أنه رواه ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: [ (تبرئكم يهود بخمسين) ] فبدأ باليهود، وهذا وهم من ابن عيينة كما قال أبو داود ؛ لأن الذين رووه كلهم ذكروا أنه يبدأ بالمدعين وليس بالمدعى عليهم.

    شرح حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه (أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير أو عين، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كبر كبر يريد السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لـحويصة ومحيصة وعبد الرحمن : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لكم يهود؟ قالوا: ليسوا مسلمين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عنده، فبعث إليهم مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، قال سهل : لقد ركضتني منها ناقة حمراء) ].

    أورد أبو داود حديث سهل بن أبي حثمة من طريق أخرى، وفيه أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود ذهبا إلى خيبر من فقر، يريدان أن يحصلا شيئاً في تلك البلاد من الحرث والزرع والنخل ليقتاتا به، فتفرقا، فعند ذلك أُخبر محيصة بأن عبد الله بن سهل قتل، فقال: إنكم قتلتموه يا معشر اليهود. فقالوا: إنا ما قتلناه، ثم وصل الخبر إلى المدينة، فقام أصحابه وأولياؤه وجاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فكتب إلى اليهود: إما أن تدوه وإما أن تؤذنوا بحرب، هذا على اعتبار أنهم هم الذين قتلوه، وأن القتل حاصل منهم، فكتبوا أنهم ما قتلوه ولا حصل منهم شيء من ذلك، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من أولياء القتيل أن يحلف خمسون منهم فامتنعوا وقالوا: كيف نحلف؟ ثم قال: تبرئكم يهود، فقالوا كما قالوا فيما مضى، فوداه الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة من الإبل، كما تقدم فـسهل يخبر عن الذي حصل له من واحدة من تلك الإبل، وهنا يقول: إنها ناقة حمراء ركضته برجلها، فهو يذكر تلك الحادثة والواقعة التي قد حصلت له، والحديث بمعنى الحديث الذي قبله إلا أن فيه زيادة: [ (إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب) ] ولعل هذا كان قبل أن يعلم إنكارهم.

    تراجم رجال إسناد الطريق الأخرى لحديث سهل بن أبي حثمة في القسامة

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ].

    أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ أخبرنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل ].

    مالك مر ذكره، وأبو ليلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [ عن سهل بن أبي حثمة ].

    سهل بن أبي حثمة مر ذكره.

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل بالقسامة رجلاً من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد قالا: حدثنا (ح) وحدثنا محمد بن الصباح بن سفيان أخبرنا الوليد عن أبي عمرو عن عمرو بن شعيب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنه قتل بالقسامة رجلاً من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء على شط لية البحرة، قال: القاتل والمقتول منهم) وهذا لفظ محمود : ببحرة أقامه محمود وحده على شط لية ].

    أورد أبو داود هذا الحديث المعضل الذي قال فيه عمرو بن شعيب [ (عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قتل بالقسامة رجلاً) ].

    وهذا معضل؛ لأنه سقط منه واسطتان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعضل هو الذي يسقط منه اثنان على التوالي، فإذا كانا بدون توالٍ فيقال له: منقطع .

    قوله: [ (أنه قتل بالقسامة رجلاً من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء) ].

    البحرة قيل: هي القرية والمدينة، ويقال: بحيرة تصغير بحرة، والمدينة يقال لها: بحيرة أو بحرة، وفي الحديث: (اعمل من وراء البحار فلن يترك الله من عملك شيئاً) والمقصود: من وراء المدن، وليس المقصود البحار الزاخرة بالماء.

    قوله: [ (قال: القاتل والمقتول منهم) ].

    أي: أنهما من تلك القبيلة.

    والحديث ضعيف؛ لأنه معضل، وليس فيه ذكر الواسطة بين عمرو بن شعيب وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل بالقسامة رجلاً من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء ...)

    قوله: [ حدثنا محمود بن خالد ].

    هو محمود بن خالد الدمشقي وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وكثير بن عبيد ].

    كثير بن عبيد ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ قالا: حدثنا (ح) وحدثنا محمد بن الصباح بن سفيان أخبرنا ].

    هذا التحويل لأجل الاختلاف في الصيغة؛ لأن الأولين قالا: حدثنا، وأما الآخر فقال: أخبرنا؛ فالتحويل من أجل الاختلاف في الصيغة.

    ومحمد بن الصباح بن سفيان صدوق، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ أخبرنا الوليد ].

    هو الوليد بن مسلم الدمشقي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي عمرو ].

    هو الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن شعيب ].

    عمرو بن شعيب مر ذكره.

    1.   

    ترك القود بالقسامة

    شرح حديث قصة قتل عبد الله بن سهل بخيبر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في ترك القود بالقسامة.

    حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني حدثنا أبو نعيم حدثنا سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن يسار ، زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أخبره: (أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلاً، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلناه ولا علمنا قاتلاً، فانطلقنا إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فقال لهم: تأتوني بالبينة على من قتل هذا؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون لكم، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة) ].

    قوله: [ باب في ترك القود بالقسامة ].

    يعني: ترك القود بالقسامة لعدم معرفة القاتل، ولهذا صير إلى الدية وعدم إهدار الدم.

    وقد أورد أبو داود حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه، وهو في قصة ذهاب عبد الله بن سهل وحويصة ومحيصة إلى خيبر، ثم إن عبد الله بن سهل وجد قتيلاً فقالوا لليهود: إنكم قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلناه ولا علمنا من قتله، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتأتون بشاهدين يشهدون على أن القتل حصل منهم؟ فأخبروه أنه ليس عندهم شهود.

    وهنا لم يذكر الأيمان في القسامة على المدعين، وإنما ذكر أن اليهود يبرئون بأن يحلف خمسون منهم، فقالوا: إنهم قوم كفار، فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدر دمه فوداه من إبل الصدقة.

    والأحاديث التي مرت فيها أنه حصل البدء بأيمان المدعين وأنهم طولبوا باليمين، فيمكن أن يكون هذا الحديث فيه اختصار، وأنه طلبت منهم البينة وعند عدم وجود البينة طلب منهم أيمان خمسين، وأنهم لما لم يجيبوا إلى ذلك؛ لأنهم ما شاهدوا ولا عاينوا، أخبر بأن اليهود يحلفون خمسين يميناً، فقالوا: إنهم قوم كفار، فكيف نقبل أيمانهم؟ فكره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهدر دمه فوداه من إبل الصدقة، وقد سبق أن مر في بعض الأحاديث أنه وداه من عنده، ومعلوم أنه ليس من مصارف الصدقة إعطاء الديات، فيحمل ما جاء في هذا الحديث على أن الإبل اشتريت من إبل الصدقة، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراها من إبل الصدقة، فتكون الدية إنما هي المال الذي دفع في مقابل الصدقة، ثم قدمت المائة الإبل، فبهذا يوفق بين الحديثين: الحديث الذي فيه أنه وداه من عنده، والحديث الذي فيه أنه وداه من إبل الصدقة، فإنه يحمل على أنه اشترى الدية من إبل الصدقة، وتكون الدية من عنده صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث قصة قتل عبد الله بن سهل بخيبر

    قوله: [ حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ].

    الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أبو نعيم ].

    هو الفضل بن دكين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن عبيد الطائي ].

    سعيد بن عبيد الطائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن بشير بن يسار ].

    بشير بن يسار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة ].

    سهل بن أبي حثمة صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    شرح حديث (أصبح رجل من الأنصار مقتولاً بخيبر...)

    تراجم رجال إسناد حديث (أصبح رجلاً من الأنصار مقتولاً في خيبر...)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي بن راشد ].

    الحسن بن علي بن راشد صدوق، أخرج له أبو داود .

    وهذا يأتي ذكره قليلاً بخلاف الحسن بن علي الذي يأتي ذكره كثيراً وهو الحلواني الذي أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي ، وأما هذا فيأتي ذكره قليلاً؛ ولهذا سماه وذكر جده الحسن بن علي بن راشد.

    [ أخبرنا هشيم ].

    هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي حيان التيمي ].

    هو يحيى بن سعيد بن حيان التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عباية بن رفاعة ].

    عباية بن رفاعة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن رافع بن خديج ].

    رافع بن خديج رضي الله عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    ذكر من اشتهروا من الرواة باسم يحيى بن سعيد

    أبو حيان التيمي الذي هو يحيى بن سعيد هو في طبقة يحيى بن سعيد الأنصاري .

    والمشهورون بهذا الاسم أربعة: اثنان في طبقة متقدمة، واثنان في طبقة متأخرة، فاللذان في الطبقة المتقدمة هما: يحيى بن سعيد الأنصاري ، ويحيى بن سعيد التيمي أبو حيان هذا، واللذان في الطبقة المتأخرة هما: يحيى بن سعيد القطان ، ويحيى بن سعيد الأموي ، وهذان الأخيران من طبقة شيوخ شيوخ أبي داود .

    وهذا الاتفاق في الأسماء وأسماء الآباء والاختلاف في الأشخاص هو الذي يسمونه في علم المصطلح: المتفق والمفترق، وهو أن تتفق أسماء الرواة وأسماء آبائهم وتختلف أشخاصهم، ويعرف ذلك بالتلاميذ، أو بالتنصيص على ذلك في بعض الطرق؛ لأن بعض الطرق تأتي بما يعين ويبين من هو المقصود.

    شرح حديث: (أن رسول الله كتب إلى يهود أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثني محمد -يعني ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عبد الرحمن بن بجيد قال: (إن سهلاً رضي الله عنه والله أوهم الحديث، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى يهود: أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه، فكتبوا يحلفون بالله خمسين يميناً ما قتلناه وما علمنا قاتلاً، قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عنده بمائة ناقة) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث الذي قيل: إنه مرسل، وهو من رواية عبد الرحمن بن بجيد قال: [ (إن سهلاً أوهم الحديث، إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى يهود: أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه) ].

    أي: ادفعوا ديته، فهذا أمر من ودى يدي، وفعله يكون حرفاً واحداً؛ لأن أوله واو وآخره ياء، فعند الأمر يحذف الأول والآخر ويبقى الوسط الذي هو الدال فيقال: (دِ) كذا مثل: (قِ) في قوله عز وجل وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ [غافر:9] (وقهم)؛ لأن الواو هذه واو العطف، وفعل الأمر هو القاف وحدها (قِ)، فـ (دِ) هو فعل أمر مكون من حرف واحد؛ لأن أوله حرف علة وآخره حرف علة، وعند وجود الأمر منه يحذف الأول والآخر ويبقى الوسط فيكون الفعل مكوناً من حرف واحد إذا كان المخاطب واحداً فيقال له: (دِ) كما يقال له: (قِ).

    قوله: [ (فكتبوا يحلفون بالله خمسين يميناً ما قتلناه ولا علمنا قاتلاً) ].

    كتبوا يحلفون بالله خمسين يميناً ما قتلوه ولا علموا قاتله، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم بمائة ناقة.

    وحديث سهل بن أبي حثمة كما هو معلوم صحيح وفيه تفصيل، ففيه: أن المدعين يبدأ بأيمانهم، ثم بأيمان المدعى عليهم إن نكل المدعون عن اليمين، وهي أحاديث صحيحة ثابتة موجودة في الصحيحين وفي غيرهما، ولا يعول على ما جاء في هذا من التوهيم، وفي هذا الإسناد محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وعبد الرحمن بن بجيد مختلف في صحبته، وقيل: إن حديثه هذا مرسل، وقد ضعفه الألباني ، ومعلوم أن الأحاديث التي مرت ثابتة في الصحيحين، وهي عن سهل بن أبي حثمة وغيره، وفيها التفصيل وليس فيها أن اليهود حلفوا، وإنما فيها أنه طلب من المدعين أن يحلفوا خمسين يميناً، وقالوا: كيف نحلف ونحن لم نر ولم نشاهد؟ فقال: تبرئكم يهود بأن يحلفوا خمسين يميناً، فقالوا: إنهم قوم كفار، فعند ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كره أن يهدر دمه، فوداه من عنده بمائة من الإبل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كتب إلى يهود أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه)

    قوله: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني ].

    عبد العزيز بن يحيى الحراني صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثني محمد يعني ابن سلمة ].

    هو محمد بن سلمة الحراني، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ].

    هو محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الرحمن بن بجيد ].

    عبد الرحمن بن بجيد مختلف في صحبته، أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي .

    شرح حديث: (أن النبي قال لليهود وبدأ بهم: يحلف منكم خمسون رجلاً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لليهود وبدأ بهم: يحلف منكم خمسون رجلاً فأبوا، فقال للأنصار: استحقوا، قالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية على يهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث عن رجال من الأنصار مبهمين غير معينين، ومعلوم أن جهالة الصحابة لا تؤثر سواء كانوا جماعة أو واحداً، فالمجهول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم المعلوم؛ لأنهم عدول لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، بعد أن أثنى الله عليهم ورسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، بل أثنى الله عليهم في التوراة والإنجيل قبل أن يوجدوا وقبل أن يأتي زمانهم، كما جاء في آخر سورة الفتح، وهذا دال على فضلهم ونبلهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم أيضاً حملة الشريعة وهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما عرف الناس حقاً ولا هدى إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    وهذا الحديث فيه قصة القتيل الذي قتل من الأنصار في خيبر، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ باليهود وأمرهم أن يحلفوا خمسين يميناً، لكن أهل القتيل لم يقبلوا، وقالوا: إن اليهود قوم كفار، فقال لهم: تحلفون خمسين يميناً، فلم يفعلوا، وبعد ذلك أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم الدية على اليهود، ولم يذكر أنه وداه من عنده.

    وهذا الحديث كما قال الشيخ الألباني : إنه شاذ؛ لأن أسانيده رجال ثقات، ولكن فيه ذكر المخالفة من جهتين: من جهة التنصيص على أنه بدأ باليهود أن يحلفوا، وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة التي سبق أن مرت، وفيها أنه بدأ بالمدعين لأن معهم قوة وهي اللوث التي هي بمنزلة الشاهد.

    ومن جهة أن الرسول ألزم اليهود بديته، ومعلوم أن الأحاديث الصحيحة جاءت بأنه هو الذي وداه من عنده صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    إذاً: الإسناد صحيح ورجاله ثقات، ولكنه مخالف لما تقدم في الأحاديث الصحيحة الدالة على أن البدء كان بالمدعين وأيمان المدعين، وأن الدية إنما هي من عنده صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي قال لليهود وبدأ بهم يحلف منكم خمسون رجلاً)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وسليمان بن يسار ].

    سليمان بن يسار ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن رجال من الأنصار ].

    وقد عرفنا أن الجهالة في الصحابة لا تؤثر.

    1.   

    الأسئلة

    إذا نكل أولياء المقتول عن الحلف ولم يرضوا بحلف المتهمين

    السؤال: إذا قتل قتيل ونكل أولياء المقتول عن الحلف، ولم يرضوا بحلف المتهمين فما العمل؟

    الجواب: هو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أنه وداه من عنده ولم يبطل دمه، ولكن لو كان معلوماً أن الذين قتلوه هم الذين وجد بين أظهرهم وأن ذلك متحقق لزمتهم الدية، ويقومون بدفعها، ولكن هناك احتمال آخر وهو أن يكونوا ما فعلوا ذلك وإنما بلوا به، كأن يقتله إنسان ثم يأتي به ويرميه عند أناس فيتهمون به وهم برآء من ذلك، لاسيما في مثل هذا الزمان الذي سهلت فيه وسائل المواصلات، فإنه قد يقتل في مكان ثم ينقل ويرمى المقتول في جهة معينة، فالقول بأن هؤلاء الذين وجد فيهم هم قتلوه غير محقق، وإن كان هذا لوثاً كما هو معلوم، ففي هذه الحالة يودى من بيت المال مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو وجهه، وأما إلزام أولئك بأن يدفعوا الدية وقد يكونون برآء فهذا فيه إشكال.

    حكم تسليم من حلف عليه أولياء المقتول خمسين يميناً إليهم ليقتلوه

    السؤال: إذا حلف أولياء المقتول خمسين يميناً على شخص معين فهل يسلم إليهم ليقتلوه؟

    الجواب: نعم، إذا حلفوا على شخص معين على اعتبار أن هناك تهمة قوية، وأنهم يعلمون العداوة الشديدة بينه وبينه، ويستحقون الدم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فيدفع برمته) كما في الحديث الأول.

    أما تأويل الخطابي حيث قال: (دم صاحبكم) أي: دية صاحبكم، فهذا غير صحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فيدفع برمته) أي: يسلم لهم القاتل ولا يسلم المال في مقابله.