إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [482]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ظهور المهدي علامه من علامات الساعة، وهو رجل من نسل الحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو غير المهدي عند الشيعة، ويكون في آخر الزمان، فيتولى ولاية المسلمين، وينشر الحق والعدل، وتكون الأرض قبل زمانه قد ملئت جوراً وظلماً، فيملؤها عدلاً وقسطاً، ويصلي خلفه عيسى بن مريم ويعينه على قتل الدجال حينئذٍ، وكل هذه الأخبار قد تواترت بها الأحاديث الصحاح، ولا عبرة لمن خالف في هذا الباب من أهل العلم.

    1.   

    ذكر بعض الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي ونقل كلامهم في ذلك

    سبق معنا ذكر الأحاديث الواردة في كتاب المهدي، وهو الكتاب الذي أورده أبو داود ضمن سننه، وكان شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه عندما بلغه أن بعض الناس يتكلم في أحاديث المهدي قال: إن أبا داود قد عقد لها كتاباً فقال: كتاب المهدي، وأورد فيه بعض الأحاديث المتعلقة به.

    وقد كتبت في عام ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانين محاضرة ألقيتها في دار الحديث التابعة للجامعة الإسلامية، وكانت بحضور الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه وحضور عدد من المشايخ ومنهم شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله.

    وأوردت في تلك المحاضرة جملة من الأحاديث والموضوعات المتعلقة بذلك كذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي ، والعلماء الذين خرجوا أحاديثه، وكذلك الذين حكوا التواتر وما جاء في الصحيحين مما له تعلق بـالمهدي، وكذلك الأحاديث الأخرى التي في غير الصحيحين.

    وذكرت كلام العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي، وذكرت من حكي عنه إنكار أحاديث المهدي أو التوقف فيها ومناقشته، ثم ما يظن تعارضه مع أحاديث المهدي والجواب عن ذلك، ثم كلمة ختامية.

    وفي عام ألف وأربعمائة كتب الشيخ عبد الله بن محمود رئيس محاكم قطر رحمه الله رسالة بعنوان: (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر)، فكتبت رداً عليه في هذه الرسالة، ونشر الرد في مجلة الجامعة الإسلامية في عام ألف وأربعمائة على حلقتين، وكذلك البحث في المحاضرة التي ألقيتها في عام ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانين نشرت في مجلة الجامعة سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانين.

    وبمناسبة قراءتنا لأحاديث المهدي الواردة عند أبي داود نقرأ جملاً وفصولاً مما كتبته تتعلق بالموضوع حتى يتضح بها أن الأحاديث الواردة في المهدي صحيحة، وأنها متواترة، وأن الذين احتجوا بها هم علماء محققون معروفون بالعلم والتحقيق، وأن القول بعدم صحتها لا وجه له، وكان الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه علق على هذه المحاضرة وكتب تعليقه معها في مجلة الجامعة والذي طبع في عام ألف وأربعمائة واثنين من الهجرة.

    فقلت في تلك المحاضرة: ذكر بعض الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي ونقل كلامهم في ذلك.

    من الذين حكموا على أحاديث المهدي بأنها متواترة: الحافظ أبو الحسين محمد بن الحسين الآجري السجزي صاحب كتاب مناقب الشافعي المتوفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة من الهجرة، قال رحمه الله في محمد بن خالد الجندي راوي حديث: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم): محمد بن خالد : هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذكر المهدي ، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى عليه السلام يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه، نقل ذلك عنه ابن القيم في كتابه المنار المنيف وسكت عليه، ونقله عنه أيضاً الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي وسكت عليه، ونقل عنه ذلك وسكت عليه أيضاً في فتح الباري في باب نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

    ونقل ذلك عنه أيضاً السيوطي في جزء العرف الوردي في أخبار المهدي ، وسكت عليه، ونقل ذلك عنه مرعي بن يوسف في كتابه: فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر، كما ذكر ذلك الصديق حسن في كتابه: الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، ومنهم محمد البرزندي المتوفى سنة ثلاث بعد المائة والألف في كتابه: الإشاعة لأشراط الساعة، قال: الباب الثالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة، وهي أيضاً كثيرة فمنها المهدي وهو أولها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف روايتها لا تكاد تنحصر،إلى أن قال: ثم الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة أنه من ولد فاطمة . إلى أن قال: تنبيه: قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ولد فاطمة بلغت حد التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها.

    وقال في ختام كتابه المذكور بعد الإشارة إلى بعض أمور تجري في آخر الزمان وغاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت التواتر المعنوي وجود الآيات العظام التي منها، بل أولها خروج المهدي ، وأنه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً.

    ثالثاً: ومن الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي: الشيخ محمد السفاريني المتوفى سنة ثمان وثمانين بعد المائة والألف في كتابه لوامع الأنوار البهية، قال: وقد كثرت بخروجه -يعني: المهدي - الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم، ثم ذكر بعض الآثار والأحاديث في خروج المهدي ، وأسماء بعض الصحابة الذين رووها، ثم قال: وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم رضي الله عنهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة.

    رابعاً: ومنهم القاضي محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة خمسين بعد المائتين والألف وهو صاحب التفسير المشهور، ومؤلف نيل الأوطار، قال في كتابه التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.

    وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بـالمهدي فهي كثيرة جداً لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. انتهى.

    وقال في مسألة نزول المسيح عليه الصلاة والسلام: فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام متواترة. نقل ذلك عنه الشيخ صديق في الإذاعة.

    خامساً: ومنهم الشيخ صديق حسن القنوجي المتوفى سنة سبع بعد الثلاثمائة والألف، قال في كتابه: الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: والأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد، إلى أن قال: لا شك أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام؛ لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة خلفاً عن سلف، إلا من لا يعتد بخلافه.

    إلى أن قال: فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر.

    سادساً: وممن حكى تواتر أحاديث المهدي من المتأخرين: الشيخ محمد بن جعفر الكتاني المتوفى سنة خمس وأربعين بعد الثلاثمائة والألف، قال في كتابه نظم المتناثر من الحديث المتواتر: وقد ذكروا أن نزول سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ثم قال: والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذلك الواردة في الدجال وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث مما له تعلق بشأن المهدي

    أولاً: روى البخاري في صحيحه في باب نزول عيسى بن مريم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم).

    وروى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه بمثل حديثه عند البخاري ، ورواه أيضاً عن أبي هريرة بلفظ: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمكم منكم)، وفيه تفسير ابن أبي ذئب راوي الحديث لقوله: (فأمكم منكم)، بقوله: [ فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ].

    ثالثاً: وروى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض إمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة).

    فهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:

    أحدهما: أنه عند نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء يكون المتولي لإمرة المسلمين رجلاً منهم.

    والثاني: أن حضور أميرهم للصلاة وصلاته بالمسلمين وطلبه من عيسى عليه الصلاة والسلام عند نزوله أن يتقدم ليصلي لهم يدل على صلاح في هذا الأمير وهدى، وهي وإن لم يكن فيها التصريح بلفظ المهدي إلا أنها تدل على صفات رجل صالح يأم المسلمين في ذلك الوقت.

    وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين، ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يسمى: محمد بن عبد الله ، ويقال له: المهدي ، والسنة يفسر بعضها بعضاً، ومن الأحاديث الدالة على ذلك: الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده بسنده عن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي : تعالى صل بنا، فيقول: لا إن بعضهم أمير بعض؛ تكرمة الله لهذه الأمة).

    وهذا الحديث قال فيه ابن القيم في المنار المنيف: إسناده جيد. انتهى.

    وهو دال على أن ذلك الأمير المذكور في صحيح مسلم الذي طلب من عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أن يتقدم للصلاة يقال له المهدي ، وقد أورد الشيخ صديق حسن في كتابه الإذاعة جملة كبيرة من أحاديث المهدي جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم ، ثم قال عقبة : وليس فيه ذكر المهدي ولكن لا محمل له ولأمثاله من الأحاديث إلا المهدي المنتظر كما دلت على ذلك الأخبار المتقدمة والآثار الكثيرة.

    فهذه الأحاديث التي فيها الإشارة للمهدي في الصحيحين، وليس فيها ذكر المهدي ولا ذكر اسمه ولا اسم أبيه ولكن فيها ذكر أن المسلمين لهم أمير صالح في ذلك الوقت، وأن عيسى يصلي وراءه كما جاء في صحيح مسلم ، لكن جاء في خارج الصحيحين حديث جابر نفسه الذي في صحيح مسلم الذي فيه أن الأمير يطلب من عيسى أن يصلي فيقول: صل أنت، فيصلي عيسى وراءه، جاء في خارج الصحيحين وفي مسند الحارث بن أبي أسامة هذا الحديث نفسه عن جابر وفيه وصف ذلك الأمير بأنه المهدي ، وحكم عليه ابن القيم بأن إسناده جيد.

    وعلى هذا فالصحيحان لم يرد فيهما التنصيص على المهدي ، وإنما ورد في غيرهما بل تواتر، وهذا يدلنا على أن الصحيحين لم يستوعبا كل صحيح؛ لأنهما لم يشترطا الاستيعاب ولم يستوعبا بالفعل، فلم يشترطا حتى يستدرك عليهما ولم يستوعبا بالفعل، وإنما أتيا بجملة كبيرة من الأحاديث الصحيحة من غير حصر.

    وسبق أن ذكرنا في شرح سنن النسائي وسنن أبي داود أن البخاري و مسلم رحمهما الله ينتقيان من صحيفة همام بن منبه، وهي صحيفة مشهورة جاءت بإسناد واحد، وتشتمل على مائة وأربعين حديثا ًتقريباً، وإسنادها واحد والفاصل بين كل حديث وحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقال كذا وهكذا إلى مائة وأربعين مرة؛ لأنها تصل بين حديث وحديث، والصحيفة أوردها الإمام أحمد في مسنده في مسند أبي هريرة، فقد ذكر هذا الحديث الطويل الذي هو مشتمل على أحاديث تبلغ مائة وأربعين باسناد واحد.

    والإمام البخاري و الإمام أبو داود وكذلك النسائي وغيرهم ينتقون ما يريدون من تلك الصحيفة ويسوقون الإسناد ثم يأتون بالمتن الذي يريدونه بعد الإسناد مباشرة، وإن لم يكن هو الذي يليه، وبعض أهل العلم يأتي بالحديث الأول في الصحيفة وهو: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة)، ثم يأتي بما يريد بعده.

    والإمام مسلم رحمه الله له طريقة عجيبة في تفننه ودقته واحتياطه، فهو عندما يذكر الإسناد: محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.

    فهو يشير إلى ما قبل الذي يريده، وأن المتن ليس تالي للإسناد وإنما يوجد فاصل من جملة أحاديث وهو يشير إليها بقوله: فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ومحل الشاهد من إيراد هذه المسألة توضيح الاستدلال على أنهما لم يشترطا الاستيعاب ولم يستوعباه، فهما لم يستوعبا كل ما في هذه الصحيفة، فـمسلم أخذ بعض الأحاديث و البخاري أخذ بعضها، واتفقوا على بعضها، وهناك أحاديث تركاها، فلو التزما بإخراج كل صحيح لما تركا شيئاً منها وهي بإسناد واحد، لكنهما لما انتقيا منها ما أرادا وتركا ما أرادا كان تركهما دليلاً على أنهما لم يشترطاه ولم يستوعباه، فلا يستدرك عليهما، ولا يقال: فاتهما من الصحيح ما فاتهما. نعم قد فاتهما الشيء الكثير؛ لأنهما لم يشترطاه، فلذلك لم يستوعباه.

    1.   

    ذكر بعض الأحاديث الواردة في المهدي في غير الصحيحين

    ولما كان المقام لا يتسع لإيراد الكثير من الأحاديث الواردة في غير الصحيحين بشأن المهدي والكلام عليها رأيت الاقتصار هنا على إيراد بعضها مع الكلام على بعض أسانيدها.

    أولاً: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشركم بـالمهدي يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فيرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صححاً، قال له رجل: ما صححاً؟ قال: بالسوية، ويملأ الله قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم غناء، ويسعهم عدله)، إلى آخر الحديث.

    قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى باختصار كثير، ورجالهما ثقات.

    ثانياً: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ذكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهدي فقال: إن قصر فسبع وإلا فثمان وإلا فتسع، وليملأن الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً).

    قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات وفي بعضهم بعض ضعف.

    ثالثاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع، وإلا فثمان، وإلا فتسع، تنعم أمتي فيها نعمة لم ينعموا مثلها، يرسل السماء عليهم مدراراً، ولا تدخر الأرض شيئاً من النبات والمال، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي ! أعطني؟ فيقول: خذ).

    قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.

    رابعاً: عقد أبو داود في سننه كتاباً قال في أوله: أول كتاب المهدي ، وقال في آخره: آخر كتاب المهدي ، جعل تحته باباً واحداً أورد فيه ثلاثة عشر حديثاً، وصدر هذا الكتاب بحديث جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة)، الحديث.

    قال السيوطي في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي: في ذلك إشارة إلى ما قاله العلماء بأن المهدي أحد الاثني عشر، وقد ذكر ذلك أيضاً ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:12] في سورة المائدة كما يجيئ ذكر كلامه، ويرى جماعة من العلماء -ومنهم شارح الطحاوية- أن الاثني عشر هم الخلفاء الراشدون وثمانية من بني أمية.

    خامساً: ما رواه أبو داود في سننه من طريق عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).

    وهذا الحديث سكت عليه أبو داود و المنذري وكذا ابن القيم في تهذيب السنن، وقد أشار إلى صحته في المنار المنيف، وصححه ابن تيمية في منهاج السنة النبوية، وقد أورده البغوي في مصابيح السنة، وقال عنه الألباني في تخريج أحاديث المشكاة: وإسناده حسن. انتهى.

    والحديث مداره على عاصم بن أبي النجود وقد لخص في عون المعبود شرح سنن أبي داود الأقوال التي قيلت فيه، فقال: و عاصم هذا هو ابن أبي النجود ، واسم أبي النجود : بهدلة، وهو أحد القراء السبعة، قال أحمد بن حنبل : كان رجلاً صالحاً وأنا أختار قراءته، وقال أحمد وأبو زرعة أيضاً: ثقة، قال أبو حاتم: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث ولم يكن بذلك الحافظ .

    وقال أبو جعفر العقيلي : لم يكن فيه إلا سوء الحفظ.

    وقال الدارقطني : في حفظه شيء، وأخرج له البخاري في صحيحه مقروناً وأخرج له مسلم .

    قال الذهبي: ثبْت في القراءة، وهو في الحديث دون الثبت، صدوق يهم وهو حسن الحديث.

    والحاصل: أن عاصم بن بهدلة ثقة على رأي أحمد و أبي زرعة وحسن الحديث، صالح الاحتجاج على رأي غيرهما، ولم يكن فيه إلا سوء الحفظ.

    وردُّ الحديث بـعاصم ليس من دأب المنصفين، على أن الحديث قد جاء من غير طريق عاصم أيضاً، وارتفعت عن عاصم مظنة الوهم، والله أعلم. انتهى.

    والحديث ذكره ابن خلدون في مقدمة تاريخه، وقدح فيه من جهة عاصم بن أبي النجود ملاحظاً ما قيل فيه من سوء الحفظ، وقال: إن الجرح مقدم على التعديل، وقد أنكر عليه ذلك.

    قال الشيخ أحمد شاكر في تخريج أحاديث المسند: إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: إن الجرح مقدم على التعديل، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً مما قال.

    وقال أيضاً: إن عاصم بن أبي النجود من أئمة القراء المعروفين ثقة في الحديث، أخطأ في بعض حديثه ولم يغلب خطؤه على رواياته حتى ترد.

    قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلي قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: ثقة رجل صالح خير ثقة، و الأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث.

    وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: هو صالح، هو أكثر حديثاً من أبي قيس الأودي وأشهر منه، وأحب إلي من أبي قيس ، وقال: سئل أبي عن عاصم بن أبي النجود و عبد الملك بن عمير فقال: قدم عاصماً على عبد الملك ، عاصم أقل اختلافاً عندي من عبد الملك ، وقال: سألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة فقال: ثقة.

    قال: فذكرته لأبي فقال: ليس محله هذا أن يقال: هو ثقة، وقد تكلم فيه ابن علية فقال: كأن كل من كان اسمه عاصماً سيئ الحفظ.

    قال الشيخ أحمد شاكر : وهذا أكثر ما قيل فيه من الجرح، أفمثل هذا يترك حديثه ويجعل سبيلاً لإنكار شيء ثبت بالسنة الصحيحة من طرق متعددة من حديث كثير من الصحابة حتى لا يكاد يشك في صحته أحد؛ لما في رواته من عدل، وصدق لهجته، ولارتفاع احتمال الخطأ ممن كان في حفظه شيء فيما ثبت عن غيره ممن هو مثله في العدل والصدق، وقد يكون أحفظ منه؟ ما هكذا تعلل الأحاديث! انتهى.

    سادساً: وقال أبو داود في سننه: حدثنا سهل بن يزيع حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف؛ يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويملك سبع سنين).

    قال ابن القيم في المنار المنيف: رواه أبو داود بإسناد جيد، وأورده البغوي في مصابيح السنة في فصل الحسان، وقال الألباني في تخريج أحاديث المشكاة: وإسناده حسن، ورمز لصحته السيوطي في الجامع الصغير.

    سابعاً: قال ابن ماجة في سننه: حدثنا محمد بن يحيى و أحمد بن يوسف قالا: حدثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم)، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه، فقال: (فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي).

    قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على سنن ابن ماجة : في الزوائد -يعني: زوائد ابن ماجة للبوصيري - هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

    ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين. انتهى.

    وقد أورد هذا الحديث بسنده الحافظ ابن كثير في كتاب الفتن والملاحم وقال: هذا إسناد قوي صحيح، ثم أورد حديثاً عن الترمذي فيه ذكر الرايات السود أيضاً، ثم قال: وهذه الرايات ليست هي الرايات التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلم بها دولة بني أمية في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بل رايات سود أخر تأتي بصحبة المهدي وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني رضي الله عنه. انتهى.

    1.   

    ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها، وحكاية كلامهم في ذلك

    قال الحافظ أبو جعفر العقيلي المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة: إن في المهدي أحاديث جياداً.

    قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة علي بن نفيل بن زارع النهدي قلت: ذكره العقيلي في كتابه، وقال: لا يتابع على حديثه في المهدي ، ولا يعرف إلا به، قال: وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه. انتهى.

    ويرى الإمام ابن حبان البستي المتوفى في سنة أربع وخمسين بعد الثلاثمائة: أن الأحاديث الواردة في المهدي مخصصة لحديث: (لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن، وهو حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم).

    قال: واستدل ابن حبان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي (وأنه يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً). انتهى.

    وقال الخطابي المتوفى سنة ثمان وثمانين بعد الثلاثمائة رحمه الله في الكلام على حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، وتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة إلى آخره)، قال: (ويكون ذلك في زمن المهدي أو عيسى عليهما الصلاة والسلام أو كليهما) .

    ذكر ذلك الملا علي القاري .

    قال في شرح المشكاة: والأخير هو الأظهر لظهور هذا الأمر في خروج الدجال، وهو في زمنهما، وذكر ذلك المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي في الكلام على شرح هذا الحديث.

    وقال الإمام البيهقي المتوفى سنة ثمان وخمسين بعد الأربعمائة بعد كلامه على تضعيف حديث: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، قال: والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح ألبتة إسناداً، نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي راوي حديث: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، ونقله عنه أيضاً ابن القيم في المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف، وقد عقد القاضي عياض المتوفى سنة أربع وأربعين بعد الخمسمائة في كتابه الشفاء باباً لمعجزاته صلى الله عليه وآله وسلم يشتمل على ثلاثين فصلاً، قال في القسم الأول من كتابه المذكور: الباب الرابع فيما أظهره الله على يديه صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات. قال في أوئل الكلام في هذا الباب: أمنيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته ومشاهير آياته لتدل على عظيم قدره عند ربنا، وأتينا منها بالمحقق والصحيح الإسناد وأكثره مما بلغ الخط أو كاد، وأضفنا إليه بعض ما وقع في كتب مشاهير الأئمة.

    ثم قال في الفصل الثالث والعشرين: فصل: ومن ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون، قال في أوله: والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره. وأورد في هذا الفصل جملة كبيرة من الأمور المستقبلة التي أخبر بها الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر من بينها خروج المهدي.

    وقال الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي صاحب التفسير المشهور المتوفى سنة واحد وسبعين بعد الستمائة في كتابه التذكرة في أمور الآخرة بعد ذكر حديث: (ولا مهدي إلا عيسى بن مريم)، قال: إسناده ضعيف، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه.

    وقال: يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولا مهدي إلا عيسى بن مريم)، أي: لا مهدي كاملاً معصوماً إلا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث.

    على القول بصحته يجمع بينه وبينها بأن يقال: لا مهدي كاملاً ومعصوماً إلا عيسى، فلا ينفي أن يكون غيره مهدي، ولكنه غير معصوم، وليس بكامل كالكمال الذي حصل لعيسى؛ لأنه نبي عليه الصلاة والسلام وغيره مثل المهدي الذي جاءت به الأحاديث لا يكون كذلك؛ لأنه من هذه الأمة ومن صلحائها ومن خيارها، (فلا مهدي)، أي: لا مهدي كاملاً معصوماً إلا عيسى بن مريم.

    وعلى هذا تجتمع الأحاديث، ويرتفع التعارض. نقل ذلك عنه السيوطي في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ثمانية وعشرين بعد السبعمائة في كتابه منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية في الجزء الرابع: فصل: وأما الحديث الذي رواه -أي: الرافضي الذي ألف كتابه للرد عليه- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وذلك هو المهدي)، فالجواب: أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود و الترمذي و أحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره، كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن مسعود : (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه رجل مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)، ورواه الترمذي و أبو داود من رواية أم سلمة وفيه: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)، ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد ، وفيه: (يملك الأرض سبع سنين)، وروى عن علي رضي الله عنه: (أنه نظر إلى الحسن وقال: إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض قسطاً).

    وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف، طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجة عن يونس عن الشافعي و الشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له: محمد بن خالد الجندي ، وهو ممن لا يحتج به، وليس في مسند الشافعي، وقد قيل: إن الشافعي لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشافعي. الثاني: أن الإثني عشرية الذين ادعوا أن هذا مهديهم فمهديهم اسمه محمد بن الحسن، والمهدي المنعوت الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم اسمه محمد بن عبد الله ولهذا حذفت طائفة لفظ الأب حتى لا يتناقض مع ما كذبت به.

    وطائفة حرفته وقالت: جده الحسين وكنيته أبو عبد الله، فمعناه: محمد بن أبي عبد الله، وجعلت الكنية اسماً، وممن سلك هذا: ابن طلحة في كتابه الذي سماه غاية السول في مناقب الرسول، ومن له أدنى نظر يعرف أن هذا تحريف وكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل يفهم أحد من قوله: (يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي إلا أن اسم أبيه عبد الله)، وهل يدل هذا اللفظ على أن جده كنيته أبو عبد الله؟! ثم أي تمييز يحصل له في هذا، فكم من ولد الحسين من اسمه محمد، وكل هؤلاء يقال في أجدادهم: محمد بن أبي عبد الله كما قيل في هذا، وكيف يعدل من يريد البيان إلى من اسمه محمد بن الحسن فيقول: اسمه محمد بن عبد الله ويعني بذلك أن جده أبو عبد الله، وهذا كان تعريفه بأنه محمد بن الحسن أو ابن أبي الحسن؛ لأن جده على كنيته أبو الحسن أحسن من هذا وأبين لمن يريد الهدى والبيان.

    وأيضاً فإن المهدي المنعوت من ولد الحسن بن علي لا من ولد الحسين، كما تقدم لفظ حديث علي رضي الله عنه، وقد عقد ابن القيم رحمه الله في آخر كتابه المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف فصلاً في الكلام على أحاديث المهدي وظهوره والجمع بينها وبين حديث: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، قال فيه: فأما حديث: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، فرواه ابن ماجة في سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مما تفرد به محمد بن خالد.

    قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآجري في كتابه مناقب الشافعي: محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يأم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه.

    وقال البيهقي : تفرد به محمد بن خالد هذا، وقد قال الحاكم أبو عبد الله : هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده، وروي عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد -وهو مجهول- عن أبان بن أبي عياش ، وهو مرسل عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقطع، والأحاديث على خروج المهدي أصح إسناداً.

    قال ابن القيم : قلت: في حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)، رواه أبو داود و الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح.

    قال الترمذي : وفي الباب عن علي و أبي سعيد و أم سلمة و أبي هريرة ، ثم روى حديث أبي هريرة ، وقال: حسن صحيح. انتهى.

    ثم قال ابن القيم : وفي الباب عن حذيفة بن اليمان و أبي أمامة الباهلي و عبد الرحمن بن عوف و عبد الله بن عمرو بن العاص و ثوبان و أنس بن مالك و جابر و ابن عباس وغيرهم، ثم أورد عدة أحاديث رواها بعض أهل السنن والمسانيد وغيرها منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف أورده للاستئناس به، ثم قال: وهذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح وحسان وغرائب وموضوعة، وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال: أحدها: أنه المسيح بن مريم وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم، وقد بينا حاله، وأنه لا يصح، ولو صح لم تقم به حجة؛ لأن عيسى أعظم من المهدي بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين الساعة، وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصارى، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملل في زمانه، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه، وإن كان غيره مهدياً كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما وقي به وجه صاحبه، وكما يصح أن يقال: إنما المهدي عيسى بن مريم، يعني: المهدي الكامل المعصوم.

    القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه، ثم ذكر حديثين فيهما ذكر مجيء الرايات السود من قبل المشرق من جهة خراسان، وأشار إلى ضعفهما، ثم قال مشيراً إلى أولهما وثانيهما: وهذا والذي قبله لو صح لن يكون فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، و عمر بن عبد العزيز كان مهدياً، بل هو أولى باسم المهدي منه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).

    وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشداً مهدياً، ولكن ليس بـالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فـالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال.

    وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.

    القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ولد الحسن بن علي ، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملؤها قسطاً وعدلاً، وأكثر الأحاديث تدل على هذا، وفي كونه من ولد الحسن رضي الله عنه سر لطيف: وهو أن الحسن رضي الله عنه ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده أنه من ترك شيئاً من أجله فإن الله يعطيه أو ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها، والله أعلم.

    ثم أورد بعض الأحاديث في خروج المهدي .

    ثم قال: وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع وهو: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضاء، دخل سرداب سامراء طفلاً صغيراً من أكثر من خمسمائة سنة -هذا بالنسبة لزمان ابن القيم المتوفى عام واحد وخمسين بعد السبعمائة- فلم تره بعد ذلك عين، ولم يسمع عنه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:

    ما آن للسرداب أن يلد الذي

    كلمتموه بجهلكم ما آنا

    فعلى عقولكم العفاء فإنكم

    ثلثتم العنقاء والغيلانا

    ولقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

    وقال ابن القيم أيضاً في كتابه (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان): ومن تلاعبه -يعني: الشيطان- بهم -يعني اليهود-: أنهم ينتظرون قائماً من ولد داود النبي إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم، وإن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدو به، وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال، وهم أكثر أتباعه، وإلا فمسيح الهدى عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يقتلهم ولا يبقي منهم أحداً.

    ثم قال: و المسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم من السماء لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود، وعباده من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. انتهى.

    وقال أبو الحسن السمهودي المتوفى سنة إحدى عشر بعد التسعمائة: ويتحصل مما ثبت في الأخبار عنه -أي: المهدي - أنه من ولد فاطمة ، وفي أبي داود أنه من ولد الحسن ، والسر فيه ترك الحسن الخلافة لله شفقة على الأمة، فجعل القائم بالخلافة الحق عند شدة الحاجة وامتلاء الأرض ظلماً من ولده، وهذه سنة الله في عباده أنه يعطي لمن ترك شيئاً من أجله أفضل مما ترك أو ذريته، وقد بالغ الحسن في ترك الخلافة، ونهى أخاه عنها، وتذكر ذلك ليلة مقتله فترحم على أخيه، وما روي من كونه من ولد الحسين فبعيد جداً. انتهى بواسطة نقل المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي .

    وقال ابن حجر المكي المتوفى سنة أربع وسبعين بعد التسعمائة في كتابه القول المختصر في علامات المهدي المنتظر: الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر الذي يخرج الدجال وعيسى في زمانه، ويصلي عيسى خلفه، وأنه المراد حيث أطلق المهدي . انتهى بواسطة نقل البرزجي في الإشاعة في أشراط الساعة.

    1.   

    ذكر بعض ما قد يظن تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي، والجواب عن ذلك

    أولاً: تقدم في أثناء كلام الأئمة الذين نقلت كلامهم أن حديث: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، لا يتعارض مع الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لضعفه، ولا مكان للجمع بينها، ولو صح يكون معناه: لا مهدي كاملاً معصوماً إلا عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، وذلك لا ينفي أن يكون غيره مهدياً غير معصوم كـالمهدي الذي دلت عليه الأحاديث.

    ثانياً: أن ما دلت عليه أحاديث المهدي من قيام المهدي بنصرة الدين وامتلاء الأرض في زمانه من العدل لا ينافيه وجود الدجال وأتباعه في زمانه ومعاداتهم للمسلمين، وكذا الأدلة الدالة على بقاء الأشرار مع الأخيار حتى تخرج الريح اللينة التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ولا يبقى بعد ذلك إلا شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة؛ لأن المراد مما جاء في أحاديث المهدي كثرة الخير، وقوة أهل الإسلام، وحصول الغلبة لهم وقهرهم لغيرهم، وهذا لا ينفي وجود أشرار مأمورين في زمانه، كما أننا نعتقد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاءه الراشدين رضي الله عنهم قد ملئوا الأرض عدلاً ومع ذلك كان في الأرض في زمانهم من أعدائهم الكثير قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149].

    ثالثاً: أن ما دلت عليه أحاديث المهدي من امتلاء الأرض ظلماً وجوراً قبل خروجه لا يدل على خلو الأرض من أهل الخير قبل زمانه، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخبر في أحاديث صحيحة بأنه: (لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله)، ومنها الحديث الذي رواه مسلم عن جابر : (أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة)، وهذه الأحاديث وأحاديث المهدي تدل على أن الحق مستمر لا ينقطع، لكنه في بعض الأزمان يكون لأهله الغلبة ويحصل له الانتشار، كما في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين، وكما في زمن المهدي وعيسى بن مريم، وفي بعض الأزمان يتضاءل هذا الانتشار ويضعف أهله، أما أن الحق يتلاشى ويضمحل فهذا ما لم يكن فيما مضى منذ زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يكون في المستقبل حتى خروج الريح التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما أخبر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.

    فما من زمن في الماضي إلا وقد هيأ الله لهذا الدين من يقوم به، وفي هذا الزمن الذي تكالب أعداء الإسلام عليه، وغزي بأبنائه المنتسبين إليه أعظم من عزوه بأعدائه لم تخل الأرض من إقامة شعائر الدين الإسلامي، ومن ذلك ما امتن الله به على حكومة البلاد المقدسة من التوفيق لتحكيم الشريعة، وتعميم المحاكم الشرعية في مدن المملكة وقراها يتحاكم الناس فيها إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على وجه لا نظير له في سائر أنحاء الأرض فيما نعلم، فيرجم الزاني المحصن، ويجلد البكر، ويحد شارب الخمر، وتقطع يد السارق، ويقتل القاتل، وغير ذلك، وما حصل في هذه البلاد من الأمن الاستقرار ورغد العيش إنما هو من الثواب المعجل على القيام بالدين زادها الله من كل خير، وحماها من كل شر، ووفق المسلمين جميعاً في سائر أنحاء الأرض لما فيه عزهم وسعادتهم في دنياهم وأخراهم.

    1.   

    لا علاقة لعقيدة أهل السنة في المهدي بعقيدة الشيعة

    إن أحاديث المهدي الكثيرة التي ألف فيها المؤلفون، وحكى تواترها جماعة، واعتقد موجبها أهل السنة والجماعة وغيرهم من الأشاعرة تدل على حقيقة ثابتة بلا شك، هي: حصول مقتضاها في آخر الزمان، ولا صلة البتة لهذه الحقيقة الثابتة عند أهل السنة بالعقيدة الشيعية؛ فإن ما يعتقده الشيعة من خروج مهدي منتظر يسمى محمد بن الحسن العسكري من نسل الحسين رضي الله عنه لا حقيقة له ولا أصل، وعقيدتهم بالنسبة لمهديهم في الحقيقة عقيدة وهمية كما أن إمامة الأئمة الماضين عندهم في الحقيقة إمامة وهمية لا حقيقة لها ولا وجود إلا إمامة علي بن أبي طالب وابنه الحسن رضي الله عنهما، وهما بريئان منهم ومن اعتقادهم بلا شك، وأما أهل السنة ومعتقدهم في الماضي فهو حقيقة موجودة، وسادات الأئمة عندهم هم الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، وقد تولوا الإمامة حقاً وكانوا أحق بها وأهلها، ومعتقدهم في المستقبل عند نزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم حقيقة ثابتة بلا شك أيضاً؛ فلا عبرة بقول من ليس له به علم، وقال: إن الأحاديث في المهدي لا تصح نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها من وضع الشيعة كما تقدمت الإشارة إلى هذا.

    إذاً فأحاديث المهدي على كثرتها وتعدد طرقها وإثباتها في دواوين أهل السنة يصعب كثيراً القول بأنه لا حقيقة لمقتضاها إلا على جاهل أو مكابر أو من لم يمعن النظر في طرقها وأسانيدها، ولم يقف على كلام أهل العلم المحتج بهم فيها، والتصديق بها داخل في الإيمان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من الإيمان به صلى الله عليه وسلم تصديقه فيما أخبر به، وداخل في الإيمان بالغيب الذي امتدح الله المؤمنين به بقوله: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:1-3]، وداخل في الإيمان بالقدر فإن سبيل علم ما قدره الله أمران:

    أحدهما: وقوع الشيء: فكل ما ووقع علمنا أن الله قد شاءه؛ لأنه لا يكون ولا يقع إلا ما شاءه الله، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    الثاني: الإخبار بالشيء الماضي الذي وقع، وبالشيء المستقبل قبل وقوعه من الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل ما ثبت إخباره به من الأخبار في الماضي علمنا بأنه كان على خبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل ما ثبت إخباره عنه مما يقع في المستقبل نعلم بأن الله قد شاءه، وأنه لابد وأن يقع على وفق خبره، كإخباره صلى الله عليه وآله وسلم بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان، وإخباره بخروج المهدي وبخروج الدجال، وغير ذلك من الأخبار.

    فإنكار أحاديث المهدي أو التردد في شأنه أمر خطير نسأل الله السلامة والعافية والثبات على الحق حتى الممات، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    1.   

    تعقيب لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى حول المهدي المنتظر

    الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإنا نشكر محاضرنا الأستاذ الفاضل الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد على هذه المحاضرة القيمة الواسعة، فلقد أجاد فيها وأفاد، واستوفى المقام حقه فيما يتعلق بـالمهدي المنتظر مهدي الحق، ولا مزيد على ما بسطه من الكلام، فقد بسط واعتنى وذكر الأحاديث، وذكر كلام أهل العلم في هذا الباب، وقد وفق للصواب، وهدي إلى الحق، فجزاه الله عن محاضرته خيراً، وجزاه الله عن جهوده خيراً، وضاعف له المثوبة وأعانه على التكميل والإتمام لرسالته في هذا الموضوع، وسوف نقوم إن شاء الله بطبعها بعد انتهائه منها؛ لعظم فائدتها، ومسيس الحاجة إليها.

    والخلاصة التي أعلقها على هذه المحاضرة القيمة أن أقول: إن الحق والصواب هو ما أبداه فضيلته في هذه المحاضرة كما بينه أهل العلم، فأمر المهدي أمر معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها كما حكاه الأستاذ في هذه المحاضرة، وهي متواترة تواتراً معنوياً لكثرة طرقها واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الموعود به أمره ثابت وخروجه حق، وهو محمد بن عبد الله العلوي الحسني من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا الإمام من رحمة الله عز وجل بالأمة في آخر الزمان، فإنه يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلاً وهداية وتوفيقاً وإرشاداً للناس، وقد اطلعت على كثير من أحاديثه فرأيتها كما قال الشوكاني وغيره وكما قال ابن القيم وغيره: فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف المنجبر، وفيها أخبار موضوعة، ويكفينا من ذلك ما استقام سنده سواء كان صحيحاً لذاته أو لغيره، وسواء كان حسناً لذاته أو لغيره، وهكذا الأحاديث الضعيفة إذا انجبرت وشد بعضها بعضاً فإنها حجة عند أهل العلم، فإن المقبول عندهم أربعة أقسام:

    صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره، هذا ما عدا المتواتر، أما المتواتر فكله مقبول سواء كان تواتره لفظياً أو معنوياً، فأحاديث المهدي من هذا الباب متواترة تواتراً معنوياً فتقبل بتواترها من جهة اختلاف ألفاظها ومعانيها، وكثرة طرقها، وتعدد مخارجها.

    وقد نص أهل العلم الموثوق بهم على ثبوتها وتواترها، وقد رأينا أهل العلم أثبتوا أشياء كثيرة بأقل من ذلك، والحق أن جمهور أهل العلم بل هو كالاتفاق على ثبوت أمر المهدي ، وأنه حق، وأنه سيخرج في آخر الزمان، وأما من شذ عن أهل العلم في هذا الباب فلا يلتفت إلى كلامهم في ذلك.

    وأما ما قاله الحافظ إسماعيل بن كثير رحمه الله في كتابه التفسير في سورة المائدة عند ذكر النقباء، وأن المهدي يمكن أن يكون أحد الأئمة الاثني عشر فهذا محل نظر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال أمر هذه الأمة قائماً ما ولي عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فقوله: (لا يزال أمر هذه الأمة قائماً)، يدل على أن الدين في زمانهم قائم، والأمر نافذ، والحق ظاهر، ومعلوم أن هذا إنما كان قبل انقراض دولة بني أمية، وقد جرى في آخرها اختلاف تفرق بسببه الناس، وحصل به نكبة على المسلمين، وانقسم أمر المسلمين إلى خلافتين: خلافة في الأندلس وخلافة في العراق، وجرى من الخطوب والشرور ما هو معلوم.

    والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا يزال أمر هذه الأمة قائماً)، ثم جرت بعد ذلك أمور عظيمة حتى اختل نظام الخلافة، وصار على كل جهة من جهات المسلمين أمير وحاكم، وصارت دويلات كثيرة، وفي زماننا هذا أعظم وأكثر، و المهدي حتى الآن لم يخرج فكيف يصح أن يقال: إن الأمر قائم إلى خروج المهدي، فهذا لا يمكن أن يقوله من تأمل ونظر، والأقرب في هذا كما قاله جماعة من أهل العلم: إن مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحديث: (لا يزال أمر هذه الأمة قائماً ما ولي عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، مراده من ذلك الخلفاء الأربعة و معاوية رضي الله عنه وابنه يزيد ، ثم عبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة و عمر بن عبد العزيز ، وهؤلاء اثنا عشر خليفة.

    والمقصود: أن الأئمة الاثني عشر في الأقرب والأصوب ينتهي عددهم بـهشام بن عبد الملك ، فإن الدين في زمانهم قائم، والإسلام منتشر، والحق ظاهر، والجهاد قائم، وما وقع بعد موت يزيد من الاختلاف والانشقاق في الخلافة وتولي مروان في الشام وابن الزبير في الحجاز لم يضر المسلمين في ظهور دينهم؛ فدينهم ظاهر، وأمرهم قائم، وعدوهم مكبوت، مع وجود هذا الخلاف الذي جرى، ثم زال بحمد الله بتمام البيعة لـعبد الملك واجتماع الناس بعدما جرى من الخطوب ما جرى على يد الحجاج وغيره، وبهذا يتبين أن هذا الأمر الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد وقع ومضى وانتهى، وأما أمر المهدي فيكون في آخر الزمان، وليس له تعلق بحديث جابر بن سمرة .

    وأما كون المهدي يكون عند نزول عيسى فقد قال ابن كثير في الفتن والملاحم: أظنه يكون عند نزول المسيح، والحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة يرشد ويدل على هذا؛ لأنه قال: (أميرهم المهدي) فهو يرشد إلى أنه يكون عند نزول عيسى بن مريم كما يرشد إليه بعض روايات مسلم وبعض الروايات الأخرى، لكن ليست بالصريحة، فهذا هو الأقوم والأظهر، ولكنه ليس بالأمر القطعي.

    وأما كونه سيخرج ويوجد في آخر الزمان كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهذا أمر معلوم، والأحاديث ظاهرة في ذلك، والحق كما قاله الأئمة والعلماء في ذلك: أنه لابد من خروجه وظهوره، وأما أمر المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام وأمر المسيح الدجال فأمرهما أظهر وأظهر، فالأمر فيهما قطعي, وقد أجمع على ذلك علماء الأمة، وبينوا للناس أن المسيح نازل في آخر الزمان، كما أن الدجال خارج في آخر الزمان، وقد تواترت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها صحيحة متواترة بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان، وحكمه بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، وقتله الدجال مسيح الضلالة، فهذا حق، وهكذا خروج الدجال حق.

    وأما من أنكر ذلك وزعم أن نزول المسيح بن مريم ووجود المهدي إشارة إلى ظهور الخير، وأن وجود الدجال ويأجوج ومأجوج وما أشبه ذلك إشارة إلى ظهور الشر، فهذه أقوال فاسدة بل باطلة في الحقيقة لا ينبغي أن تذكر، فأهلها قد حادوا عن الصواب وقالوا أمراً منكراً وخطيراً لا وجه له في الشرع، ولا وجه له في الأثر ولا في النظر، والواجب تلقي ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم بالقبول والإيمان به والتسليم، فمتى صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد أن يعارضه برأيه واجتهاده، بل يجب التسليم، كما قال الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر عن الدجال، وعن المهدي، وعن عيسى المسيح بن مريم، فوجب تلقي ما قاله بالقبول، والإيمان بذلك، والحذر من تحكيم الرأي والتقليد الأعمى الذي يضر صاحبه ولا ينفع لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    أسأل الله عز وجل أن يوفق الجميع لما فيه رضاه، وأن يمنحنا جميعاً الفقه في دينه، والثبات على الحق حتى نلقى ربنا سبحانه وتعالى.

    وأعود أيضاً فأشكر فضيلة الأستاذ على محاضرته القيمة الواسعة، وأسأل الله له المعونة على الإتمام والإكمال حتى تطبع وتنتشر فينتفع بها الناس، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

    هذه كلمة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله التي علق بها على المحاضرة بعد إلقائها، وهي واضحة في بيان و إيضاح ما ذكره العلماء من أن أحاديث المهدي متواترة تواتراً معنوياً، وأن القول بخلاف ذلك أنه من الشذوذ، وأنه قول شاذ مخالف لما عليه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.