إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [470]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفر الناس شعراً، وكان عليه الصلاة والسلام يرسل شعره أحياناً إلى شحمة أذنيه، وأحياناً يضرب منكبيه وأحياناً بين ذلك، وكان عليه الصلاة والسلام يجعله أحياناً ضفائر، كما كان عليه الصلاة والسلام يفرق شعر رأسه، فإذا اقتدى الإنسان بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر فإنه يؤجر على نيته، والأمر في ذلك واسع، إلا ما جاء النهي عنه كالقزع والتشبه بالنساء والكفار ونحو ذلك. ومن سنته صلى الله عليه وسلم الإتيان بسنن الفطرة من إعفاء اللحى وحف الشوارب، والاستحداد ونتف الإبط ونحو ذلك مما هو دليل على سلامة الفطرة.

    1.   

    ما جاء في الشعر

    شرح حديث (ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الشعر.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة ومحمد بن سليمان الأنباري قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه أنه قال: (ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، زاد محمد بن سليمان: له شعر يضرب منكبيه).

    قال أبو داود : كذا رواه إسرائيل عن أبي إسحاق قال: (يضرب منكبيه) وقال شعبة : (يبلغ شحمة أذنيه) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الشعر. والمقصود بهذه الترجمة كما أورد الأحاديث في ذلك ما يتعلق بالرأس وشعر الرأس، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرسل شعره حتى يكون أحياناً إلى شحمة أذنيه وأحياناً إلى المنكبين وأحياناً يكون بين ذلك.

    وقد أورد أبو داود جملة أحاديث تتعلق ببيان شعر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه كان على هذه الأحوال الثلاث التي هي: إلى شحمة الأذنين أو إلى الأذنين، ثم يليه إلى ما بين الكتفين: بين المنكبين وبين الأذنين، ثم ما كان إلى المنكبين، فهذه ثلاثة أحوال لشعر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقد أورد أبو داود حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، واللمة فسرت بأنها تكون بين الأذنين والمنكبين أي: في الوسط بين ذلك.

    والشعر يقال له: وفرة، ويقال له: لمة، ويقال له: جمة، فالوفرة إلى الأذنين، واللمة إلى ما بين المنكبين والأذنين، والجمة إلى المنكبين، وكل ذلك جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    فـالبراء رضي الله عنه يخبر بأنه ما رأى صاحب لمة مثلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أنه أحسن شخص رآه على هذه الهيئة، وكذلك كونه كان لابساً لباساً أحمر الذي هو الحلة.

    وسبق أن مر ما يتعلق باللباس الأحمر وأنه جاء ما يدل على منعه، وهذا يدل على استعماله، وجمع بين هذا وهذا بأنه لا يكون أحمر خالصاً وإنما يكون فيه حمرة وغير حمرة.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة ].

    عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ ومحمد بن سليمان الأنباري ].

    محمد بن سليمان الأنباري صدوق أخرج له أبو داود .

    [ قالا: حدثنا وكيع ].

    وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    سفيان هو الثوري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي إسحاق ].

    أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن البراء ].

    البراء بن عازب رضي الله عنه صحابي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [ زاد محمد بن سليمان : (له شعر يضرب منكبيه) ].

    يعني: الذي هو الجمة.

    وقوله: [ قال أبو داود : كذا رواه إسرائيل عن أبي إسحاق قال: (يضرب منكبيه) ].

    يعني: كما قال محمد بن سليمان الأنباري ؛ فإنه قال: (يضرب منكبيه).

    وقوله: [ وقال شعبة : (يبلغ شحمة أذنيه) ].

    قول شعبة هو الذي سيأتي في الحديث الذي بعد هذا.

    وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وشعبة هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يبلغ شحمة أذنيه) وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يبلغ شحمة أذنيه) ].

    أورد أبو داود حديث البراء من طريق أخرى بلفظ: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يبلغ شحمة أذنيه) وهذا يحمل على اختلاف الأحوال، وأنه أحياناً يكون كذا وأحياناً يكون كذا، أي: أحياناً يتركه فيصل إلى كذا وأحياناً يقصه فيصل إلى ما بين المنكب والأذن، وأحياناً يرفعه حتى يصل إلى الأذنين.

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.

    [ حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء ].

    وهؤلاء قد مر ذكرهم.

    وهذا إسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    شرح حديث (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شحمة أذنيه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شحمة أذنيه) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شعره إلى شحمة أذنيه) وهذا يوافق حديث البراء الذي جاء من طريق شعبة فإن طريق شعبة متفقة مع هذا الحديث الذي هو حديث أنس : أن شعره عليه الصلاة والسلام كان إلى شحمة أذنيه.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شحمة أذنيه)

    قوله: [ حدثنا مخلد بن خالد ].

    مخلد بن خالد الشعيري ثقة أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    معمر بن راشد الأسدي البصري ثم اليماني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثابت ].

    ثابت بن أسلم البناني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل أخبرنا حميد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك : (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه)، وكما هو معلوم أن كل هذه الروايات صحيحة ويجمع بينها أنه أحياناً يكون كذا وأحياناً يكون كذا، وكل كان يصفه على الهيئة التي رآها، فمن الناس من رآه كذا ومنهم من رآه كذا، وقد يكون الصحابي نفسه رآه على عدة أحوال فيرويه على حسب الأحوال التي رآها.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا إسماعيل ].

    إسماعيل هو ابن علية ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا حميد ].

    حميد بن أبي حميد الطويل ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك قد مر ذكره.

    وهذا الإسناد رباعي وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    شرح حديث (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن نفيل حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: (أن شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فوق الوفرة ودون الجمة) والوفرة: هي التي إلى الأذنين، والجمة: هي التي إلى الكتفين، والذي ذكرته عائشة أنه كان بينهما، يعني: أنه أكثر من الوفرة ودون الجمة، بمعنى أنه يقصر عن أن يصل إليها.

    وليست الفوقية المذكورة من ناحية الهيئة والوصف؛ فإن الوفرة أعلى من حيث العلو وتلك أنزل، ولكن المقصود بذلك أنه أكثر منها من ناحية المقدار، وهو أيضاً دون الجمة بحيث إنه لم يصل إلى الجمة التي هي بين الكتفين.

    فحديث عائشة هذا يدل على أن شعر رسول الله عليه الصلاة والسلام كان بين الوفرة التي هي إلى الأذنين والجمة التي هي إلى المنكبين، فهذه أحوال ثلاث: إلى الأذنين، وإلى المنكبين، وإلى ما بين ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة)

    قوله: [ حدثنا ابن نفيل ].

    ابن نفيل هو عبد الله بن محمد النفيلي ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ].

    عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم إطالة شعر الرأس في هذا العصر

    ويجوز للإنسان في هذا العصر أن يطيل شعره، ويجوز أن يحلق أو يقصر، كل ذلك جائز وسائغ، ولكن الإطالة إذا كانت فيها فتنة كأن يكون ذلك من بعض الشباب الذين يحصل بهم فتنة للنساء، ويترتب على ذلك مضرة؛ فليس لهم ذلك.

    حكم قص المرأة شعرها

    الأصل في حق النساء ألا يقصصن شعورهن، وأن يبقين شعورهن، والنساء جمالهن في شعورهن، وطول الشعر وكثرته جميل في حق النساء، لكن إذا كان شعرها كثيفاً وطويلاً ويصعب عليها صيانته وخدمته وملاحظته فلها أن تقص منه، لكن لا يكون ذلك تشبهاً بالكافرات ولا بالرجال.

    ويمكن أن يقال: إنه لا يجوز لها أن تقص أدنى من المنكبين حتى لا تتشبه بالرجال؛ لأنه يجوز لهم أن يطيلوا إلى هذا الموضع. لكن كما ذكرنا أنه ليس للنساء أن يقصصن شعورهن مطلقاً، وإنما يكون ذلك في حق من يكون شعرها كثيفاً ويصعب عليها خدمته والعناية به، وإلا فإن زينة المرأة في شعرها.

    1.   

    ما جاء في الفرق

    شرح حديث (...فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الفرق.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان أهل الكتاب يعني يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب ما جاء في الفرق. والفرق: هو قسمة شعر الرأس من الوسط حتى يكون قسم منه على الجانب الأيمن وقسم على الجانب الأيسر، ويكون فيه خط في الوسط يقسم شعر الرأس إلى قسمين فتبدو من ذلك المكان جلدة الرأس؛ هذا هو الفرق.

    والسدل: هو عدم فرقه، وكونه يذهب كما اتجه إلى الأمام وإلى اليمين وإلى الشمال وإلى الخلف، فما ليس فيه فرق فهو مسدل، يعني: أن السدل ترك الشعر على وجهه دون أن يفرق ودون أن يميز إلى جهة اليمين أو إلى جهة الشمال.

    وقد أورد أبو داود حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعر رأسه ويحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ويخالف المشركين، وكانوا المشركون يفرقون وأهل الكتاب يسدلون.).

    وقوله: (كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به)، يعني: فيما لم يؤمر فيه بمخالفتهم أو فيما لم يؤمر فيه بشيء يفعله، وأما شيء يكون أهل الكتاب لهم فيه هيئة والكفار لهم هيئة فإنه كان يحب موافقة أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب أهل دين وأهل رسالة ولكنها محرفة ومبدلة، بخلاف الكفار فإنهم وثنيون يعبدون الأوثان ولا ينتمون إلى دين.

    وأما أهل الكتاب فإنهم يتبعون من الرسل موسى وعيسى، ولكنه بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يجز لهم أن يتبعوا أحداً سوى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ولا يقبل الله من أحد أن يكون متبعاً لغيره بعد بعثته عليه الصلاة والسلام؛ لأن بعثته إلى الناس عامة، وكل إنسي وجني من حين بعثته إلى قيام الساعة فهو من أمته عليه الصلاة والسلام، أعني أمة الدعوة، فالكل مدعو إلى أن يدخل في دينه، وإذا لم يدخل في دينه فليس أمامه إلا النار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار).

    وقوله: (ثم إنه فرق بعد ذلك) يعني: أنه استعمل الفرق.

    فمن العلماء من قال: إن الفرق ناسخ للسدل، ومنهم من قال: إن الكل جائز، يعني: هذا بناء على ما فعله أولاً وهذا بناء على ما فعله أخيراً.

    تراجم رجال إسناد حديث (...فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إبراهيم بن سعد ].

    إبراهيم بن سعد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني ابن شهاب ].

    محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ].

    عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ثقة أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث عائشة (كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يحيى بن خلف حدثنا عبد الأعلى عن محمد -يعني: ابن إسحاق - قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم صدعت الفرق من يافوخه وأرسل ناصيته بين عينيه) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها في صفة فرق شعر رسول صلى الله عليه وسلم، وأنها تبدأ الفرق من يافوخه، واليافوخ هو في مقدم الرأس من أعلاه.

    وقولها: (وأرسل ناصيته بين عينيه) يعني: أن الفرق إنما يكون من اليافوخ يعني: من مقدم الرأس من فوق ويذهب به إلى الخلف فينقسم قسمين: إلى اليمين وإلى الشمال.

    وأما مقدمة الناصية فإنه يسدلها.

    والفرق من جانب الرأس الأيمن أو الأيسر لا نعلم له أصلاً، وإنما يكون الفرق من الوسط.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة (كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم...)

    قوله: [ حدثنا يحيى بن خلف ].

    يحيى بن خلف صدوق أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ حدثنا عبد الأعلى ].

    عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد يعني: ابن إسحاق ].

    محمد بن إسحاق صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ].

    محمد بن جعفر بن الزبير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة عن عائشة ].

    عروة وعائشة قد مر ذكرهما.

    1.   

    باب في تطويل الجمة

    شرح حديث وائل بن حجر (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في تطويل الجمة.

    حدثنا محمد بن العلاء حدثنا معاوية بن هشام وسفيان بن عقبة السوائي -هو أخو قبيصة - وحميد بن خوار عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذباب ذباب. قال: فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال: إني لم أعنك، وهذا أحسن) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب في تطويل الجمة. والجمة كما عرفنا هي التي تصل إلى المنكبين.

    وأورد أبو داود حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، وفيه أنه أطال شعره حتى تجاوز الجمة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وله شعر طويل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ذباب ذباب) وفهم منه أنه يعنيه، وأنه ينكر عليه الهيئة التي هو عليها، ولعله فهم أن ذلك مخالف للهيئة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظن أن هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكار عليه، فذهب وجزها ثم رجع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لم أعنك، وهذا أحسن) يعني: هذا الذي فعلته والهيئة التي أنت عليها الآن أحسن من الهيئة الأولى.

    فقوله: (هذا أحسن) يدل على أن الذي تركه سائغ؛ لأن قوله: (أحسن) يدل على تفضيل حالة على حالة وكل من الحالتين سائغة: الحالة التي فيها التطويل والحالة التي فيها الاقتصار على الجمة.

    فقوله: (هذا أحسن) يدل على تفضيل وأولوية هذه الحالة، كما يدل على جواز ما كان عليه وائل بن حجر والذي عمد إلى قصه بعد أن سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الكلام وهو لم يعنه.

    ولا أدري ماذا يراد بقوله: (ذباب ذباب) فبعض الشراح قالوا إن معناه: شؤم، ولكني لا أعرف ما هو المقصود من هذه الكلمة.

    ترجمة رجال إسناد حديث وائل بن حجر (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثنا معاوية بن هشام ].

    معاوية بن هشام صدوق له أوهام أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ وسفيان بن عقبة السوائي هو أخو قبيصة].

    سفيان بن عقبة السوائي أخو قبيصة صدوق أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ وحميد بن خوار ].

    حميد بن خوار لين الحديث أخرج له أبو داود .

    وهؤلاء ثلاثة كلهم في طبقة واحدة وكلهم يروون عن سفيان .

    [ عن سفيان الثوري ].

    سفيان الثوري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عاصم بن كليب ].

    عاصم بن كليب صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    أبوه صدوق أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين وأصحاب السنن.

    [ عن وائل بن حجر ].

    وائل بن حجر رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    1.   

    باب في الرجل يعقص شعره

    شرح حديث (قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وله أربع غدائر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يعقص شعره.

    حدثنا النفيلي حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم هاني رضي الله عنها: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وله أربع غدائر، تعني: عقائص) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الرجل يعقص شعره، يعني: يجعله ضفائر وغدائر.

    وأورد حديث أم هاني رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة -تعني: عام الفتح- وعليه أربع غدائر) يعني: عقص شعره، وبدلاً من أن يتركه مرسلاً جعله على هذه الهيئة التي هي أربع عقائص.

    تراجم رجال إسناد حديث (قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وله أربع غدائر)

    قوله: [ حدثنا النفيلي ].

    النفيلي هو عبد الله بن محمد النفيلي مر ذكره.

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان هو ابن عيينة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي نجيح ].

    عبد الله بن أبي نجيح ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مجاهد ].

    مجاهد بن جبر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: قالت أم هاني ].

    أم هاني بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    باب في حلق الرأس

    شرح حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في حلق الرأس.

    حدثنا عقبة بن مكرم وابن المثنى قالا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ادعوا لي بني أخي، فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: ادعوا لي الحلاق. فأمره فحلق رءوسنا) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في حلق الرأس. أي: حلقه في غير حج ولا عمرة، وأما فيما يتعلق بالعمرة والحج فإنه قد جاء ذلك مع تفضيل الحلق على التقصير، وذلك أن الحلق فيه ترك الشعر كله لله مع حصول الرغبة فيه من بعض الناس، ولهذا صار أفضل وأولى من التقصير، ولهذا أيضاً دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة؛ لأن المقصرين احتفظوا بشيء من شعرهم الذي يرغبون فيه ويحبون أن يبقوا عليه، وأما أولئك فتركوه من أجل الله كاملاً وأزالوه ولم يبقوا منه شيئاً، فصار أولئك أفضل من هؤلاء فدعا لهم ثلاث مرات، وهؤلاء دعا لهم مرة واحدة.

    والترجمة التي هنا إنما هي في غير الحج والعمرة، وذلك أن إبقاء الشعر سائغ وحلقه وتقصيره سائغ، وكل ذلك جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما استشهد جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة أمهلهم ثلاثة أيام، يعني: لم يأتهم وجعل لهم أن يبكوا في هذه الأيام؛ لأن البكاء سائغ ودمع العين سائغ وإنما المحذور هو النياحة وإطلاق الأصوات بالنياحة على الميت، وبعد ذلك جاءهم وقال: (لا تبكوا على أخي بعد اليوم) يعني: بعدما مضى ثلاثة أيام ليس لهم أن يبكوا؛ لأن الصدمة الأولى وزمن الحزن لا يطول ولا يستمر.

    ثم قال: (ادعوا لي بني أخي، فجيء بنا كأنا أفرخ)، الأفراخ هي أولاد الطير الصغار.

    ثم قال: (ادعوا لي الحلاق، فأمره فحلق رءوسنا) قيل: إن سبب حلقه لهم أن أمهم كانت منشغلة عن إصلاح شعرهم فخشي أن يترتب على ذلك حصول القمل وحصول الأوساخ، فإذا أزيل صار في ذلك فائدة ومصلحة وراحة لأمهم التي جاءها ما يشغلها عن العناية بشعر أولادها.

    فقيل: إن هذه هي الحكمة في كونه أمر بحلقهم وهي الحاجة.

    ومعلوم أن الحلق عند المصيبة لا يجوز، وقد جاء في الحديث: (لعن الرسول صلى الله عليه وسلم الصالقة والحالقة والشاقة) والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة، والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، ولكن المقصود من هذا الحلق لأولاد جعفر بعد موته رضي الله تعالى عنه وأرضاه هو كون أمهم كانت منشغلة عن العناية برءوسهم، فخشي أن يصيبهم شيء من القمل فأمر بحلق رءوسهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فدل هذا على أن الحلق سائغ في غير حج ولا عمرة.

    والذي يظهر من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تبكوا على أخي بعد اليوم) أن البكاء بعد اليوم الثالث لا يصلح، وأن الإنسان يبقى التأثر معه في حدود ثلاثة أيام، وهذا لا بأس به كما جاء في هذا الحديث.

    ولابد من السلوان، ولكن كون الإنسان يستمر ويتذكر المصيبة ويولد البكاء فهذا ليس له، لكن عند الصدمة الأولى وفي الأحوال الأولى للإنسان أن يبكي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم ! لمحزونون) قال ذلك عندما مات ابنه إبراهيم .

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم...)

    قوله: [ حدثنا عقبة بن مكرم ].

    عقبة بن مكرم ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ وابن المثنى ].

    محمد بن المثنى أبو موسى العنزي الملقب بـالزمن ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا وهب بن جرير ].

    وهب بن جرير بن حازم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبي ].

    أبوه ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب ].

    محمد بن أبي يعقوب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن بن سعد ].

    الحسن بن سعد ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن عبد الله بن جعفر ].

    عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.