إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [469]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الآداب التي بينتها الشريعة الإسلامية آداب استعمال الطيب، وقد ميزت بين ما يجوز للرجال دون النساء والعكس، وبينت ما يشرع للمرء إذا أهدي إليه طيب، وحرمت على النساء الخروج متطيبات لمصالح عظيمة تعود بعضها للمرأة وبعضها للرجال.

    1.   

    باب في رد الطيب

    شرح حديث (من عرض عليه طيب فلا يرده...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في رد الطيب.

    حدثنا الحسن بن علي وهارون بن عبد الله المعنى أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدثهم عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في رد الطيب. يعني: أنه لا ينبغي رده، ولكن هذا كما هو معلوم فيه تفصيل: فإذا كان هذا الطيب هدية لشخص موظف أو لشخص مسئول فإنه يجب عليه أن يرده؛ لأن هدايا العمال غلول، وأما إذا لم يكن شيئاً من هذا القبيل، وإنما هو شيء لا مجال فيه لأمر محذور فلا ينبغي للإنسان أن يرده؛ لأن الطيب في ذاته خفيف المحمل وريحه طيبة تنشرح لها النفوس وترتاح.

    وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل) يعني: وهذا فيه بيان وجه عدم رده، وذلك أنه ليس هناك كلفة على من يعطاه من حيث الحمل، وأيضاً هو شيء ريحه طيبة، وذلك مما ترتاح له النفوس ومما يدخل السرور.

    تراجم رجال إسناد حديث (من عرض عليه طيب فلا يرده...)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    الحسن بن علي الحلواني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ وهارون بن عبد الله ].

    هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ المعنى ].

    يعني أن الطريقين متفقتان في المعنى وإن كان بينهما اختلاف في اللفظ.

    [ أن أبا عبد الرحمن المقرئ ].

    أبو عبد الرحمن المقرئ هو عبد الله بن يزيد المقرئ المكي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن أبي أيوب ].

    سعيد بن أبي أيوب المصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن أبي جعفر ].

    عبيد الله بن أبي جعفر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعرج ].

    عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق فرضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    ما جاء في المرأة تتطيب للخروج

    شرح حديث (إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في المرأة تتطيب للخروج.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى أخبرنا ثابت بن عمارة حدثني غنيم بن قيس عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا. قال قولاً شديداً) ].

    أورد أبو داود باب ما جاء في المرأة تتطيب للخروج. أي: إذا اتخذت العطر والطيب لخروجها، وذلك لما يحصل بسبب ذلك من الفتنة للرجال بها وما يترتب على ذلك من المفاسد، فتطيبها في بيتها وتطيبها لزوجها أمر مطلوب، ولكن كونها تتطيب للخروج ثم تخرج وريح طيبها تفوح، فينظر الرجال إليها وتدعو الرجال إلى نفسها بتلك الرائحة فهذا لا يجوز ولا يسوغ، وهذا هو الذي منع وحرم وجاءت الأحاديث في الزجر عنه، ومن ذلك حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا).

    أي أنها تطيبت ومرت بالناس من أجل أن يجدوا ريحها، وهذا معناه أنها متعمدة لذلك، وأنها تريد ذلك، فهي كذا وكذا.

    وقوله: (وقال قولاً شديداً) هذا كناية عن الشيء الذي ذكر، وبيان هذا الذي أبهم وكني عنه بقوله: (كذا وكذا)، وجاء في بعض الروايات: (فإنها زانية)، وذلك أن هذا من دواعي الزنا وأسبابه وهذا بريد الزنا، والمقصود من قوله: (قال قولاً شديداً) أنه قال: (إنها زانية) كما جاء في بعض الروايات، وهذا يدل على خطورة هذا العمل، وفيه دليل على سد الذرائع؛ لأن هذا من سد الذرائع، فكون المرأة تتعطر هذا ذريعة إلى الفتنة بها، وإلى رغبة الرجال السفهاء بها بحيث يطمعون بها ويحاولون الوصول إليها؛ لأن مثل هذا العمل يمكن أن يستدل به على أنها فعلت ذلك لأنها ترغب أن تراود أو أن يتصل بها.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها...)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا ثابت بن عمارة ].

    ثابت بن عمارة صدوق فيه لين أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثني غنيم بن قيس ].

    غنيم بن قيس أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي موسى ].

    أبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهور بكنيته وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ينفح ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبار! جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة).

    قال أبو داود : الإعصار: غبار ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ينفح. ولذيلها إعصار. يعني: يخرج من ذيلها غبار.

    فقال: يا أمة الجبار! جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال: وله تطيبت؟ أي تطيبت لمجيئك للمسجد؟ فقالت: نعم. فقال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة).

    وقوله: (حبي رسول الله) يعني: محبوبي؛ لأن الحب بمعنى المحبوب، ولهذا يقال لـأسامة بن زيد : حبه وابن جبه، يعني: محبوبه وابن محبوبه.

    وقوله: (لا تقبل صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع وتغتسل غسلها من الجنابة) يعني: أنها تزيل أثر ذلك الطيب الذي اتخذته لخروجها للمسجد حتى لا يبقى ذلك الأثر الذي اتخذ لأمر وهو لا يجوز ولا يسوغ.

    وقوله: (قال أبو داود : الإعصار غبار). الإعصار: هو غبار يتصاعد من ذيلها وكأنها كانت مسرعة فكان يظهر ذلك الغبار من ذيلها الذي تجره وراءها، ومعروف أن النساء يرخين من ذيولهن حتى يغطين أرجلهن، فهذا الإعصار المقصود به أنه غبار يتصاعد من ذيلها وكأنها كانت مسرعة، فمن أجل ذلك حصل هذا الغبار الذي كان يتصاعد من ذيلها.

    والحديث يدل على ما دل عليه الحديث السابق من عدم جواز تعطر المرأة للخروج وسواء كان للمسجد أو لغير المسجد، وذلك لما فيه من الفتنة للرجال في الطريق، وكون ذلك وسيلة إلى إقدام بعض السفهاء على التعرض لها، وتكون متسببة لذلك.

    والحديث في إسناده ضعف؛ لأن فيه من هو متكلم فيه، ولو صح فإنه يحمل على أن ذلك عقوبة لها، بمعنى: أنها لا تثاب على تلك الصلاة التي صلتها وأنها تحرم أجرها وثوابها، وهي إنما جاءت من أجل أن تحصل الثواب فحصلت الإثم وفات عليها تحصيل الأجر على تلك الصلاة التي صلتها.

    وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا يلزم من كون الصلاة لا تقبل أن الذي وصف بأن صلاته لا تقبل يعيدها، فهو قد أدى الصلاة، وإنما هذا فيه بيان أن هذا فيه حرمانه من الثواب بسبب هذا الذنب الذي ارتكبه واقترفه.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    محمد بن كثير العبدي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان هو الثوري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عاصم بن عبيد الله ].

    عاصم بن عبيد الله العمري ضعيف أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد وأصحاب السنن.

    [ عن عبيد مولى أبي رهم ].

    عبيد مولى أبي رهم مقبول أخرج له أبو داود .

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره.

    إزالة الطيب بدون الغسل إذا أمكن

    وإذا كان الطيب له مكان معين محصور فأزيل من ذلك المكان فإنه يحصل المقصود، ولكن إذا كان منتشراً ولا يتأتى زواله إلا بالاغتسال فالغسل.

    حكم الإنكار على المرأة المتعطرة في الطريق

    وهذا الحديث يدل على أن من شم في طريقه رائحة عطر من امرأة له أن ينكر عليها مثلما أنكر عليها أبو هريرة رضي الله عنه فيقول: إن خروج المرأة متطيبة لا يجوز.

    عدم اختصاص المسجد النبوي بعدم التعطر من المرأة

    وقوله: (لهذا المسجد)، لا أدري هل يقصد المسجد النبوي؛ لكن الذي يبدو أنه يشمل كل المساجد وأن كون المرأة تخرج وتتطيب من أجل الذهاب إلى المسجد لا يجوز، سواء كان المسجد النبوي أو غيره.

    ومعلوم أن أبا هريرة سكن المدينة وكان مقيماً في المدينة، فيحتمل أن يكون المقصود بقوله: (لهذا المسجد) مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الحكم ليس خاصاً به؛ لأن خروج النساء للمساجد متعطرات متطيبات مثله في الحكم.

    وأبو هريرة رضي الله عنه كان من المقيمين في المدينة، ومن أسباب كثرة حديثه مع أنه إنما أسلم عام خيبر أنه كان مقيماً في المدينة، والناس كانوا يقصدون المدينة ويلتقون بالصحابة الذين هم فيها فيأخذون عنهم ويتلقون عنهم، فهذا من أسباب كثرة حديثه؛ لأن كثرة حديثه لها أسباب، منها إقامته في المدينة، ومنها طول حياته وأنه عاش حتى احتاج الناس إليه.

    شرح حديث (إيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا النفيلي وسعيد بن منصور قالا: حدثنا عبد الله بن محمد أبو علقمة قال: حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهدن معنا العشاء. قال ابن نفيل : عشاء الآخرة) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة أصابت بخوراً) يعني: أنها تطيبت بالبخور، والبخور هو الدخان الذي يتصاعد بوضع العود الذي فيه الطيب على الجمر، هذا هو البخور، فتكون رائحته موجودة فيها وقوله: (فلا تشهد معنا العشاء) أي: عشاء الآخرة، وليس المقصود من ذلك خصوص صلاة العشاء بل الصلوات كلها يكون الأمر فيها كذلك، وإنما خص العشاء لأن النساء كان من عادتهن أنهن يذهبن لمثل هذه الصلاة، ولأن صلاة العشاء في الليل، فتكون الفتنة فيها أشد وإلا فإن المنع هو للذهاب إلى المسجد مطلقاً سواء كان الفرض عشاءً أو غير عشاء.

    تراجم رجال إسناد حديث (إيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء)

    قوله: [حدثنا النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ وسعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا عبد الله بن محمد أبو علقمة ].

    عبد الله بن محمد أبو علقمة صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثني يزيد بن خصيفة ].

    يزيد بن خصيفة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بسر بن سعيد ].

    بسر بن سعيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    1.   

    باب في الخلوق للرجال

    شرح حديث (...إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير، ولا المتضمخ بالزعفران...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الخلوق للرجال.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: (قدمت على أهلي ليلاً وقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران، فغدوت على النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد علي ولم يرحب بي، وقال: اذهب فاغسل هذا عنك. فذهبت فغسلته، ثم جئت وقد بقي علي منه ردع فسلمت عليه فلم يرد علي ولم يرحب بي، وقال: اذهب فاغسل هذا عنك. فذهبت فغسلته ثم جئت فسلمت عليه فرد علي ورحب بي وقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير، ولا المتضمخ بالزعفران، ولا الجنب. قال: ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ) ].

    أورد أبو داود باباً في الخلوق للرجال، والخلوق هو نوع من الطيب، وهو مثل الزعفران الذي جاء ذكره في الحديث، وهو من الطيب الذي يظهر لونه، وهو من طيب النساء، والتزعفر في حق الرجال جاء المنع منه في هذا الحديث وغيره من الأحاديث.

    وأورد أبو داود حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: (جئت إلى أهلي وقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران) يعني: أنهم وضعوا على تلك الشقوق التي في يديه زعفران كدواء وعلاج لها، وفيه تلك الرائحة، وهو أيضاً يظهر لونه، وهو من طيب النساء.

    فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فلم يرد عليه ولم يرحب به، وقال: اذهب واغسل هذا عنك،فذهب وغسل ورجع فسلم فلم يرد عليه ولم يرحب به وقد بقي شيء منه وقال: اذهب واغسله فذهب وغسله وجاء وسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فرد عليه ورحب به.

    يعني: أتى بكلام زائد على رد السلام الذي هو الترحيب كأن يقول: مرحباً، وقد جاء في أحاديث عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان بعد رد السلام يرحب ويقول: (مرحباً)، فقوله: (رحب بي) يعني: أتى بشيء فوق رد السلام يدل على الترحيب والاستئناس والفرح والسرور.

    ثم بين الرسول صلى الله عليه وسلم السبب في كونه أنكر عليه وأمره بأن يرجع مرتين حتى يزيل أثر ذلك الطيب عن نفسه، فقال (إن الملائكة -أي: ملائكة الرحمة- لا تحضر جنازة الكافر بخير) والنفي هنا هو نفي الحضور بخير، وأما كونها تحضر في غير خير فهذا لا ينفيه الحديث، وإنما الحضور من أجل الخير الذي تكون فيه رحمة وفائدة وفيه مصلحة هو المنفي.

    وقوله: (والمتضمخ بالزعفران). يعني لكونه متطيباً بالزعفران سواء في جسده أو ثيابه، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث.

    (والجنب) المراد به كما سبق أن مر في حديث آخر هو الذي من عادته أنه لا يتطهر من الجنابة أو أنه يتهاون في التطهر من الجنابة مع أنه يمكنه أن يتطهر، ومع ذلك يبقى مدة وعليه ذلك الأثر.

    وقوله: (ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ) لأن الوضوء فيه تخفيف الجنابة.

    تراجم رجال إسناد حديث (...إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير، ولا المتضمخ بالزعفران...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد هو ابن سلمة ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا عطاء الخراساني ].

    عطاء الخراساني صدوق يهم كثيراً أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن يحيى بن يعمر ].

    يحيى بن يعمر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمار بن ياسر ].

    عمار بن ياسر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حكم رد السلام على أهل المعاصي والبدع

    وقوله: (قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد علي ولم يرحب بي) فيه دليل على عدم رد السلام على أهل المعاصي والبدع إذا كان يترتب عليه مصلحة وفائدة؛ لأن كون الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرد السلام هذا من أكبر المصائب على من حصل له ذلك.

    وإذا كان رد السلام يترتب عليه مصلحة وفائدة ولاسيما إذا كان سيكون معه دعوة وإرشاد إلى الخير، فإن هذا مطلوب.

    حكم التداوي بالزعفران

    والزعفران محرم استعماله في الطيب، والمحرم طبعاً لا يجوز التداوي به، ولكنه ليس محرماً مطلقاً بل هو مباح في حق النساء، وإذا كان سيترتب عليه علاج ولا يترتب على ذلك ظهوره بمظهر مخالفة السنة، وذلك بأن يتخذ مثلاً في البيت فإنه لا بأس بذلك؛ لأن المحذور هو كونه يتطيب بهذا الطيب الممنوع.

    وهذا يقال فيه مثلما يقال في الحناء للرجل، أي: أنه لا يجوز التزين به ولكنه للعلاج جائز.

    حكم الهجر قبل النصح

    وهذا الحديث لا يصح الاستدلال به على جواز الهجر قبل النصح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يبلغ الشريعة وهو الذي يبين للناس أحكام دينهم، فهو فعل هذا من أجل أن يبين لهم خطورة ذلك الشيء.

    والرسول لم يهجره وإنما قال له: اذهب فاغسل هذا عنك، فذهب وغسل ورجع، فليس في الحديث أنه تركه أو هجره وإنما قال له: اذهب وافعل كذا وكذا، فلم يتركه أياماً ولا أعرض عنه أياماً وإنما بين له السبب الذي جعله يتأثر منه وأرشده إلى إزالة ذلك الأثر الذي كان هو السبب في الإعراض عنه.

    حكم نوم الجنب من غير وضوء

    والجنب إذا لم يتوضأ ونام على حاله لم يرد ما يدل على أنه يعتبر آثماً، لكن الكمال والأفضل أن ينام متوضئاً.

    جواز مس الرجل زوجته إذا كان عليها زعفران

    وأما ما جاء في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع زعفران فقال: مهيم؟ قال: تزوجت، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم) فهذا ليس فيه أنه تطيب، وإنما هذا من طيب المرأة وأنه ناتج من مماسته امرأته، ولهذا استدل على ذلك بقوله: إنه تزوج، ومعنى هذا أنه كان بسبب المرأة، وأنه ناتج عن مماسة المرأة ولم يكن متطيباً وإنما علق به طيب المرأة.

    شرح حديث (...إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ولا المتضمخ بالزعفران...) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا نصر بن علي حدثنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار أنه سمع يحيى بن يعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما -زعم عمر أن يحيى سمى ذلك الرجل فنسي عمر اسمه- أن عماراً قال: (تخلقت .. بهذه القصة، والأول أتم بكثير، فيه ذكر الغسل قال: قلت لـعمر : وهم حرم؟ قال: لا، القوم مقيمون) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث من طريق أخرى وفيه: أن الطريق الأولى السابقة المذكورة أتم من هذه الطريق؛ لأن فيها ذكر الغسل الذي حصل منه مرتين.

    ثم إنه قال: سمع يحيى بن يعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر ، زعم عمر أن يحيى سمى ذلك الرجل فنسي عمر اسمه. ومعناه: أن في هذه الطريق واسطة، وليس في الطريق السابقة واسطة.

    وقوله: [ (قال: تخلقت .. بهذه القصة، والأول أتم بكثير فيه ذكر الغسل قال: قلت لـعمر : وهم حرم؟ قال: لا، القوم مقيمون)].

    يعني: أنه ظن أن هذا الامتناع كان بسبب أنهم محرمون، والمحرم لا يقرب الطيب ولا يتطيب، فقال: لا، القوم مقيمون، يعني: أن هذا الحكم ليس متعلقاً بالإحرام وإنما هو متعلق بالرجال، وأن الرجال لا يتطيبون بالزعفران، ولا يتزعفرون، فهذا ليس متعلقاً بالإحرام؛ لأن الإحرام يمنع منه كل طيب، يعني: ما منع منه في حال السعة وما منع منه في حال الإحرام.

    والذي منع منه في حال السعة وفي غير حال الإحرام هو التزعفر، هذا هو المقصود من الحديث، ولهذا ظن ابن جريج أن سبب هذا الامتناع هو كونه تطيب وهو محرم فقال: وهم محرمون؟ فقال: لا، القوم مقيمون، ومعنى هذا: أن الامتناع وأن الحكم إنما هو متعلق بمنع الرجال من هذا الطيب الذي هو طيب النساء.

    وطيب النساء هو ما يظهر لونه وتخفى ريحه، وطيب الرجال ما يخفى لونه وتظهر ريحه؛ لأن النساء إذا تطيبن بهذا الطيب وخرجن لا يظهر لهن ريح محذورة، وأما الرجال فلا مانع إذا خرجت منهم الريح؛ لأن كونهم يظهرون برائحة طيبة وتشم منهم الريح الطيبة ليس في هذا محذور، بل المحذور في حق النساء.

    وأما فيما يتعلق بالبيوت فللمرأة أن تتطيب بالذي يظهر ريحه وبما يسعد زوجها.

    تراجم رجال إسناد حديث (...إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير، ولا المتضمخ بالزعفران...) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا نصر بن علي ].

    نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن بكر ].

    محمد بن بكر صدوق قد يخطئ أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا ابن جريج ].

    عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار ].

    عمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ أنه سمع يحيى بن يعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار ].

    يحيى بن يعمر قد مر ذكره، وعمار قد مر ذكره.

    وهذا الإسناد ليس فيه إلا هذا الرجل المبهم ولكنه قد جاء في الطريق السابقة متصلاً.

    شرح حديث (لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب الأسدي حدثنا محمد بن عبد الله بن حرب الأسدي حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن جديه قالا: سمعنا أبا موسى رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله تعالى صلاة رجل في جسده شيء من خلوق).

    قال: أبو داود : جداه: زيد وزياد ].

    أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق) يعني: من الزعفران وشبهه، والحديث في إسناده ضعف؛ لأن فيه جدي الربيع بن أنس وهما مجهولان.

    والخلوق هو نوع من الطيب فيه زعفران وأنواع أخرى فيبتعد عنه الإنسان.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب الأسدي ].

    زهير بن حرب أبو خيثمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي].

    محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم أبو أحمد الزبيري الذي يأتي ذكره في بعض الأسانيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو جعفر الرازي ].

    أبو جعفر الرازي هو عيسى بن عبد الله بن ماهان وهو صدوق سيئ الحفظ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن الربيع بن أنس عن جديه ].

    الربيع بن أنس صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب السنن. وجداه هما: زيد وزياد وهما مجهولان أخرج لهما أبو داود .

    [ قالا: سمعنا أبا موسى ].

    أبو موسى قد مر ذكره.

    والحديث فيه هذان الرجلان المجهولان وهما جدا الربيع بن أنس وفيه أيضاً أبو جعفر الرازي .

    شرح حديث (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد أن حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم حدثاهم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال) وقال عن إسماعيل : (أن يتزعفر الرجل) ].

    أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التزعفر للرجال) يعني: أن يستعملوا الزعفران في التطيب. وفي لفظ إسماعيل : (وأن يتزعفر الرجل) وهنا ذكر الرجل له مفهوم، وهو أن هذا الحكم خاص بالرجال وإلا فإن النساء لا يمنعن من ذلك.

    تراجم رجال إسنادحديث (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد مر ذكره.

    [ أن حماد بن زيد ].

    حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وإسماعيل بن إبراهيم حدثاهم ].

    إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد العزيز بن صهيب ].

    عبد العزيز بن صهيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد رباعي؛ وحماد وإسماعيل هما في طبقة واحدة فهو رباعي.

    شرح حديث (ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوق...) وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن الحسن بن أبي الحسن عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ) ].

    أورد أبو داود حديث عمار رضي الله عنه وهو مثل الحديث الأول الذي مر في أول الباب؛ وفيه ذكر ثلاثة لا تقربهم الملائكة، وهم نفس الثلاثة الذين مروا في الحديث السابق.

    قوله: [ حدثنا هارون بن عبد الله ].

    هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ].

    عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في مسند مالك وابن ماجة .

    [ حدثنا سليمان بن بلال ].

    سليمان بن بلال ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثور بن زيد ].

    ثور بن زيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن بن أبي الحسن ].

    الحسن بن أبي الحسن البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمار بن ياسر ].

    عمار بن ياسر مر ذكره.

    والإسناد فيه متابعة الحسن بن أبي الحسن لـيحيى بن يعمر عن عمار . والحسن لم يسمع من عمار فهو منقطع، لكن الطريق الأولى متصلة، وعلى هذا يصح الحديث.

    شرح حديث (لما فتح نبي الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أيوب بن محمد الرقي حدثنا عمر بن أيوب عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة رضي الله عنه قال: (لما فتح نبي الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح رءوسهم، قال: فجيء بي إليه وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق) ].

    أورد أبو داود حديث الوليد بن عقبة رضي الله عنه: (أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جيء بالصبيان إليه فكان يمسح رءوسهم، وجيء به فلم يمسه رأسه؛ لأنه كان فيه خلوق).

    وهذا هو المقصود من الترجمة هنا: لأنه ذكر أنه كان فيه خلوق، وهذا يدل على أن الحكم يكون للصغار والكبار، وأن ما يمنع منه الرجال الكبار يمنع منه الصغار، وكما أن الحرير لا يستعمله الكبار فكذلك الصغار والذهب لا يستعمله الكبار وكذلك الصغار، وكذلك التزعفر أو الطيب الذي يمنع منه الرجال يمنع منه الصغار؛ لأنهم قد يتعودون على ذلك، لكن الحديث فيه شيء من جهة أن الوليد كان كبيراً وليس من الصغار الذين يؤتى بهم ويمسح على رءوسهم. ففيه نكارة، بالإضافة إلى أن في الإسناد أيضاً عبد الله الهمداني . قال ابن عبد البر : خبره منكر.

    تراجم رجال إسناد حديث (لما فتح نبي الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم...)

    قوله: [ حدثنا أيوب بن محمد الرقي ].

    أيوب بن محمد الرقي ثقة أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا عمر بن أيوب ].

    عمر بن أيوب صدوق له أوهام أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ عن جعفر بن برقان ].

    جعفر بن برقان صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ثابت بن الحجاج ].

    ثابت بن الحجاج ثقة أخرج له أبو داود .

    [ عن عبد الله الهمداني ].

    عبد الله الهمداني هو مجهول أخرج له أبو داود .

    [ عن الوليد بن عقبة ].

    الوليد بن عقبة له صحبة أخرج له أبو داود .

    شرح حديث (أن رجلاً دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة...)

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة...)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ].

    عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا حماد بن زيد حدثنا سلم العلوي ].

    حماد بن زيد مر ذكره.

    وسلم هو ابن قيس العلوي وهو ضعيف أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي في عمل اليوم والليلة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك مر ذكره.

    وهذا الإسناد رباعي.

    1.   

    الأسئلة

    حكم صيام يوم السبت

    السؤال: بعض الإخوان يرون أن صيام يوم السبت لا يجوز وإن صيم معه غيره، فما هو رأيكم في المسألة؟

    الجواب: القول بعدم جواز صيامه مطلقاً غير صحيح، فصيام يوم السبت من حيث هو ليس متفقاً عليه، فمن العلماء من قال بترجيح الأدلة الدالة على صيامه، والحافظ ذكر في فتح الباري هذه المسألة وقال: إنه ألف في ذلك كتاباً، وكلامه يشير إلى جواز صيامه.

    أما مع ثبوت الحديث فإنه إذا صيم ومعه غيره فلا بأس بذلك، ويحمل النهي على ما إذا أفرد بالصوم وقصد إفراده كالجمعة، ويدل على ذلك حديث جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها في صحيح البخاري : (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري)، فقوله: (أتصومين غداً) أي: السبت، وهذا معناه أنها لو صامت مع الجمعة السبت فإنه يصح؛ لأن المحذور هو إفراد الجمعة بالصوم، وهكذا حديث أبي هريرة في الصحيحين: (من أراد صيام يوم الجمعة فليصم يوماً قبله أو بعده)، فإذا صيم ومعه يوم قبله أو يوم بعده فإن ذلك جائز، وهذا يدلنا على أن ما ورد من النهي عن صوم يوم السبت إذا صح فإنه محمول على قصد إفراده كالجمعة.

    وأما إذا صيم ومعه غيره فحديثا جويرية وأبي هريرة يدلان على جوازه.

    حكم الصناديق التي توضع لدفع الديات

    السؤال: ما حكم الصناديق التي توضع لدفع الديات عن أعضاء الصندوق، علماً أنه ليس فيها إجبار على أحد بالدفع، والمبالغ التي تجمع تشغل في السيارات؟

    الجواب: الأصل أن دية الخطأ على العاقلة، فعاقلة عاقبة الرجل هم الذين يتحملون عنه دية الخطأ.

    وإذا رأوا أنهم يخرجون أو أنهم يتبرعون أو كل يخرج من ماله شيئاً يوضع في صندوق وذلك الصندوق تخرج منه الدية بدلاً من كونهم يجمعون كلما حصل نكبة، فإذا حصل شيء يدفع من هذا الصندوق، ويكون كل واحد قد تبرع وأخرج من ماله هذا المقدار الذي تبرع به فصار المال المخرج ليس له وإنما هو تبرع موضوع في ذلك السبيل الذي هو للدية فلا بأس.

    وأيضاً لو اتفق جماعة من الناس من أصحاب المهن على أنهم يجمعون ويضعون مالاً في صندوق وأنه إذا حصل نكبة يؤخذ من هذا الصندوق أيضاً فلا بأس بذلك؛ لأن هذا من باب التبرع والتعاون.

    وليس هناك أحد يملك هذا المال؛ لأن هذا المال تبرع في وجه من وجوه الخير.

    وأما غير هذا المال كالزكاة فيجوز أن يعطى منها من كان محتاجاً؛ لأن هذا لا يتعلق بمال الصندوق وهذا ليس فيه بأس.

    وأما مال الصندوق هذا فليس له مالك، وإنما يعتبر مثل المال الذي خرج من ملك الإنسان وهو ليس له مالك وإنما هو موضوع في وجه من وجوه الخير مثل الأوقاف.

    معنى العذر بالجهل

    السؤال: ما معنى العذر بالجهل؟

    الجواب: العذر بالجهل يكون إذا عمل الإنسان شيئاً وهو جاهل ومثله يمكن أن يجهل أو قد يحصل فيه الجهل، وذلك مثل شيء يفعله بعض الناس ويظنون أنهم على حق مع أنهم على باطل، مثل افتتان كثير من الناس بالطواف بالقبور، وبالاستغاثة بأصحاب القبور، ودعوة أهل القبور، فإن من العلماء من يقول: إنه يحكم بكفرهم مطلقاً، ومنهم من يقول: تقام عليهم البينة أولاً لأنهم معذورون بالجهل، ثم بعد ذلك يكون الحكم عليهم بالكفر وأنهم يعاملون معاملة الكفار أو معاملة المرتدين.

    والذي يظهر أنها تقام عليهم البينة.

    الذكر الذي يقال بعد المؤذن عند الشهادتين

    السؤال: متى يقال هذا الذكر: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، هل هو في أثناء الأذان أو بعده؟ وكم مرة؟

    الجواب: هذا الذكر يقال عند قول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن محمداً رسول الله، فيقول وأنا أشهد أن لا إله إلا الله .. وأنا أشهد أن محمداً رسول الله.

    حكم الاستقراض بعملة والوفاء بعملة أخرى

    السؤال: اقترضت من شخص مبلغاً من المال بالريال، فهل يجوز أن أرد إليه القرض بالدينار إذا وافق؟

    الجواب: نعم يمكن، فكون الإنسان استقرض مالاً بعملة ثم يؤديه بعملة أخرى بسعرها في ذلك الوقت ليس فيه بأس.

    حكم صيام من أكل بعد الأذان الثاني ظاناً أنه الأذان الأول

    السؤال: من أكل أو شرب بعد أذان الصبح الثاني ظاناً أن هذا الأذان إنما هو الأذان الأول فتبين خلافه، فهل يصح صومه؟

    الجواب: الذي يظهر أن عليه أن يقضي، والواجب على الإنسان أن يحتاط.

    حكم صوم يوم بنيتين

    السؤال: هل يجوز لمن كان عليه صوم واجب، مثل صوم من لم يجد الهدي وقد تمتع ووافق يوم عاشوراء، فهل له أن يصومه جامعاً بين النيتين؟

    الجواب: هذا يجوز، ولكنه ينوي الأصل الذي هو الواجب، فحتى لو كان عليه قضاء من رمضان فإن له أن يصوم في ذلك اليوم ولكنه ينوي الأصل الذي هو الفرض والواجب ولا ينوي النفل، ويرجى أن ينتفع، لكن الإنسان لا ينبغي أن يضيق على نفسه ويفوت الخير الكثير على نفسه، فيؤدي الواجب والفرض في وقت آخر، ويغتنم الفرصة مع الناس بحيث يحصل ثواب ذلك النفل، ولكنه يمكن أن يصوم مثل يوم عرفة ومثل يوم عاشوراء إن كان عليه قضاء من رمضان بنية الفرض.

    حكم المداومة على دعاء الصائم قبل المغرب

    السؤال: بعض الناس نراهم في كل صيام كصيام الإثنين والخميس وشهر رمضان يرفعون أيديهم قبل أذان المغرب، فهل المداومة على هذا الفعل جائز؟

    الجواب: لا أعلم دليلاً ينفيه ولا يثبته، والأصل أن الشيء الذي ليس فيه دليل يمنعه ولا يدل عليه جائز، فالإنسان في هذه الحال له أن يفعل وله ألا يفعل.

    لكن ليس للإنسان أن يأتي بشيء يفعله ويداوم عليه على أنه سنة إلا بدليل.

    ومن آداب الدعاء: رفع اليدين، ولكن المداومة على ذلك بحيث يعتقد الإنسان أنه سنة ليس له ذلك.

    وهذا من الأمور المطلقة التي ما جاء شيء يثبت ولا ينفي، فالأصل في ذلك أنه سائغ وأن له أن يرفع وله ألا يرفع.

    حكم قول الإنسان لآخر جمعني الله وإياك في مستقر رحمته

    السؤال: هل يصح أن يقول الإنسان لآخر: جمعني الله وإياك في مستقر رحمته؟

    الجواب: نعم يجوز، والمقصود بالرحمة الجنة، وليس المقصود الرحمة التي هي صفة الله؛ لأن الرحمة تطلق على صفة الله وتطلق على أثر الصفة التي هي الجنة، ولهذا جاء في الحديث إطلاق الرحمة على الجنة، كما في الحديث القدسي: (قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء).

    فهناك رحمة مخلوقة وهي من أثر الصفة، ولهذا يقول عز وجل: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:50]. فصفة الله عز وجل (الرحمة) صفة قائمة بذاته، وهناك مخلوقات يطلق عليها الرحمة وهي من أثر تلك الصفة، ولهذا إذا قيل: (جمعنا الله في مستقر رحمته) فمعناه: جمعنا في الجنة، وهذا لا بأس به.

    وفي الحديث: (إن الله خلق مائة رحمة).

    استمرار نعيم القبر إلى قيام الساعة

    السؤال: هل نعيم القبر مستمر لصاحبه إلى أن يبعث؟

    الجواب: من صار منعماً في قبره فالذي يظهر أن نعيمه مستمر وأما العذاب فإنه بالنسبة للكفار مستمر وبالنسبة لغيرهم لا يستمر، بل قد ينقطع، ولهذا جاء في الحديث: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)، ومن الأسباب التي تكفر الذنوب ويكون فيها السلامة من آثار الذنوب كون الإنسان يحصل جزاؤه في القبر ويحصل له العذاب في القبر.

    وأما ما يتعلق بالكفار فعذابهم دائم كما قال الله عز وجل: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العذر بالجهل

    السؤال: يقول الشيخ محمد رحمه الله: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي ، والصنم الذي على قبر عبد القادر ؛ لأجل جهلهم وعدم من يفهمهم، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا؟! ألا تدل هذه العبارة على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يرى العذر بالجهل ولو في الشرك؟

    الجواب: الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو من القائلين بهذا.

    حكم رد الطيب

    السؤال: جاء الحديث بالنهي عن رد الطيب وقد يكون الإنسان عنده حساسية أو كان الطيب الذي عرض عليه لا يعجبه، فهل يجوز له رده؟

    الجواب: إذا كان الطيب يؤثر عليه فرده واعتذر بأن عليه مضرة فهذا لا بأس به، فإن بعض الناس يكون عنده حساسية من بعض الطيب أو يتأثر منه ويكره استعماله، وإذا رآه مع غيره يشق عليه ذلك فكيف إذا استعمله؟ فإذا رده فلا بأس، ولكن يبين السبب.

    وأما إذا كان الطيب رديئاً وليس فيه ما يؤثر عليه فلا يصلح أن يرده.

    والنهي عن رده لا أدري هل يكون للتحريم أو أنه من باب الآداب والإرشاد، ولكن لا شك أن رده يترتب عليه تأثر.

    والإهداء قد يكون بأن الإنسان يفتح القارورة ويطيب الموجودين حوله، ونحو ذلك، ولكن إذا كان الإهداء في إبطال الحق وفيه رشوة أو يكون فيه اتهام، فهذا ليس للإنسان أن يقدمه وليس للمهدى إليه أن يأخذه.

    وأما الطيب الذي هو عام يطيب به الناس ولا يختص بذلك الشخص فلا بأس، أما إذا اختص به فلا.

    نهي المرأة عن التعطر عند الخروج مطلقاً

    السؤال: في الحديث نهي المرأة عن الطيب والخروج ليجد الرجال ريحها، فهل يفهم منه أن هذا فيما إذا تعمدت المرأة أن يجد الرجال ريحها أو أن النهي لمجرد التطيب والخروج وإن لم تتعمد ذلك؟

    الجواب: النهي عام حتى لو لم تتعمد؛ لأن وجود ذلك منها لا شك أنه سيكون فيه مضرة على الناس، لكنها إذا كانت تقصد ذلك فهذا أسوأ، مثل الإنسان الذي يجر ثوبه خيلاء أو يجر إزاره بدون خيلاء، فكل ذلك ممنوع ولكن الخيلاء أشد وأخطر.

    حكم إعطاء الولد مالاً لوالده الذي يدعو غير الله عز وجل

    السؤال: والدي رجل متصوف يدعو غير الله ويطوف بالقبور ويعمل الحولية -يعني: المولد النبوي- وقد أخبرني أنه محتاج لمبلغ من المال، فهل أرسل له وأنا على علم أنه يتقوى به على البدع؟

    الجواب: الذي ينبغي لك قبل كل شيء الحرص على هدايته وإنقاذه وإخراجه من الظلمات إلى النور، هذا أهم وأعظم بر تقدمه له؛ لأنك بذلك تساعده على الخلاص من العذاب ومن البدع ومن الشرك إذا كان عنده استغاثة بغير الله، هذا هو الواجب عليك، فقبل أن تفكر في مسألة المال وما يتعلق بالمال عليك أن يكون شغلك الشاغل الحرص على هدايته بمختلف الطرق بنفسك وبطلبك من غيرك ممن يمكن أن يساعدك على هدايته، فاحرص على هذا.

    وأما ما يتعلق بالإحسان إليه فأحسن إليه.

    وإذا أمكن أنك تعطيه المال على وجه يفيده ولا يستعمله بأن تشتري له لباساً وتشتري له أشياء من أثاث البيت أو غير ذلك مما يفيده فافعل.

    وأما إعطاؤه النقود لاسيما في وقت يكون فيه استعمالها في أمر لا يجوز فلا تفعل، ولكن احرص قبل كل شيء على هدايته، وفي نفس الوقت أحسن إليه لاسيما في أمور لا يكون فيها استعانة على بدعته.

    حكم رجوع المرأة إلى بيتها متعطرة

    السؤال: إذا تطيبت المرأة في المكان الذي ذهبت إليه، فلما أرادت الرجوع إلى بيتها كانت الرائحة قد انتشرت ولازالت توجد منها، فهل عليها نفس الإثم؟

    الجواب: النتيجة واحدة ما دام أنها ستمشي في الشارع.

    وأما إذا كانت في سيارة والسيارة مغلقة وتنزل من هذا البيت إلى بيتها مباشرة فالأمر في ذلك سهل، ولكن الكلام هو فيما يترتب عليه مضرة ومحذور، وهو أن الناس يشمون منها الطيب فينظرون إليها ويتعلقون بها، وقد يتخذون من ذلك وسيلة إلى التعرض لها.

    حكم الطيب للصائم

    السؤال: بعض أهل العلم يرى أن الطيب لا ينبغي للصائم أثناء الصيام فهل لي أن أرده وأنا صائم إذا قدم لي؟

    الجواب: الطيب ليس فيه مانع للصائم، وإنما الذي فيه مانع هو شم الطيب إذا كان بخوراً؛ لأن كونه يشمه ويستسعطه قد يصل إلى حلقه وإلى جوفه.

    وأما كونه يتطيب على ثيابه أو على يده أو على شعره من غير بخور فهذا ليس فيه بأس، وليس هناك مانع من التطيب للصائم، وإنما الذي يمنع هو شم البخور الذي يذهب إلى حلق الصائم.

    حكم الصلاة في المساجد التي كانت كنائس على شكل صليب

    السؤال: من آثار الاستعمار الفرنسي أنه توجد في بلادنا كنائس على شكل الصليب، والآن بحمد الله أصبحت مساجد، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا رأى الصليب نقضه) فهل تجوز الصلاة في هذه المساجد؟

    الجواب: تجوز الصلاة، ولكن الواجب أن يكسر الصليب ويزال والكنيسة تعدل، وإذا كان فيها شيء تتميز به أُتي بشيء يخرجها عن هذا التميز، والصليب يجب كسره وإزالته وعدم بقائه سواء كان ثابتاً أو موضوعاً على مئذنة أو على محل مرتفع أو غير ذلك.

    حكم قول (والله من وراء القصد)

    السؤال: هل تصح هذه العبارة: والله من وراء القصد؟

    الجواب: الذي يبدو أنه ليس فيها بأس، ومعناها: الله المطلع على قصدي وعلى ما في نفسي.