إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [468]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للشعر أحكام في الشريعة الإسلامية سواء فيه ما يتعلق بالرجال أو النساء، أما ما يختص بالنساء، فقد حرمت السنة النبوية للمرأة أن تصل شعرها بشعر غيرها، سواء كان الواصل لذلك هي المرأة نفسها أو غيرها، ومن فعلت ذلك فعليها الإقلاع والتوبة، لأن فعلها يعد من كبائر الذنوب، وفيه شبه بنساء إسرائيل الذي كان الوصل سبب في هلاكهم.

    1.   

    باب في صلة الشعر

    شرح حديث (...إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صلة الشعر.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عام حج وهو على المنبر، وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي يقول: (يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب ما جاء في صلة الشعر. يعني: وصل الشعر بشيء زائد من أجل التطويل.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله عدة أحاديث أولها حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قدم من الشام قدمة لحج أو عمرة، فمر بالمدينة وخطب الناس، وأخذ قصة من شعر كانت بيد حرسي، يعني: واحداً من الحرس، وكأنه أتى بها أو رآها وأراد أن ينبه الناس عليها بالمشاهدة والمعاينة، فكانت مع هذا الحرسي فأخذها حتى يقول للناس: إن هذا اللون أو هذا الشيء الذي حصل واتخذته النساء لا يجوز، فقال: (يا أهل المدينة! أين علماءكم؟) وقوله: (أين علماؤكم) لعل المقصود من ذلك: أين علماؤكم الذين لم ينبهوكم على هذا ولم يبينوا لكم حكم هذا، وأن هذا غير سائغ؟ لأن العلماء هم الذين يبينون الأحكام الشرعية، وهم الذين يبينون ما يسوغ وما لا يسوغ، وإذا رأوا أمراً مخالفاً للسنة نبهوا عليه وبينوه؛ لأنهم هم الذين يتكلمون بعلم ويقولون بعلم، فهذا شأن العلماء.

    فالمقصود من قوله: (أين علماؤكم؟) أن هذا خلل وأن هذا نقص وأن هذا تقصير، وأن هذا شيء غير سائغ، ومهمة العلماء أنهم ينبهون على هذا، وهذا يدل على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيان السنن والتحذير من المعاصي والمخالفات لما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان ذلك على المنابر حتى تعم الفائدة وحتى يعم النفع، فإن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وأرضاه حدث بذلك وهو على المنبر لتعم المنفعة، ولينتشر العلم، ويكثر الآخذون عنه العلم.

    وقوله: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم).

    هذا فيه بيان أن هذا من أفعال الأمم السابقة، وأن هذا من الأمور المحرمة، وأن هذا من أسباب هلاكهم، وفي هذا بيان أن المعاصي ضررها كبير، وخطرها عظيم، وذلك أن من أسباب هلاك الأمم السابقة اتخاذ نسائهم مثل هذه الأعمال والاتصاف بمثل هذه الأوصاف.

    تراجم رجال إسناد حديث (...إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة ].

    عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد بن عبد الرحمن].

    حميد بن عبد الرحمن ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ].

    معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وأرضاه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني نافع عن عبد الله رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة). الواصلة هي: التي تصل شعرها بنفسها، أو تصل شعر غيرها، والمستوصلة هي: التي تطلب من غيرها أن يفعل ذلك بها، أي: تطلب من أحد أن يصل شعرها لها.

    فقوله: (لعن رسول صلى الله عليه وسلم الواصلة).

    الواصلة: يدخل تحتها من تصل شعرها بنفسها، ومن تصل شعر غيرها، والمستوصلة: هي التي تطلب من غيرها أن يفعل بها ذلك.

    وهذا يدل على أن هذا الفعل من الكبائر؛ لأنه مشتمل على لعن، ومما يدل على أن الذنب من الكبائر أن يترتب عليه حد في الدنيا، أو يتوعد عليه بلعن أو غضب أو نار أو إحباط عمل، أو ما إلى ذلك من الأوصاف التي تدل على كبر الذنب وعلى عظم الذنب.

    وقوله: (والواشمة والمستوشمة).

    الواشمة هي: التي تفعل الوشم في جسدها أو في جسد غيرها، وذلك بأن تطعن في جسدها بإبرة وإذا خرج الدم تحشو مكانه كحلاً أو غيره فيصير لون ذلك الموضع لون ذلك الشيء الذي حشي به والذي وضع عليه، فيكون سمة وعلامة بارزة تستمر وتدوم مع المرأة، وهذا منهي عنه.

    والمستوشمة هي: التي تطلب من غيرها أن يفعل بها ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ومسدد ].

    مسدد بن مسرهد مر ذكره.

    [ قالا: حدثنا يحيى ].

    يحيى بن سعيد القطان مر ذكره.

    [ عن عبيد الله ].

    عبيد الله بن عمر بن حفص العمري المصغر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني نافع ].

    نافع مولى ابن عمر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث ابن مسعود (لعن الله الواشمات والمستوشمات...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عيسى وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، قال محمد : والواصلات، وقال عثمان : والمتنمصات، ثم اتفقا -والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب- زاد عثمان : كانت تقرأ القرآن ثم اتفقا -فأتته فقالت: بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات- قال محمد : والواصلات وقال عثمان : والمتنمصات ثم اتفقا -والمتفلجات، قال عثمان : للحسن المغيرات خلق الله تعالى! فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى؟! قالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: والله لئن كنت قرأته لقد وجدته، ثم قرأ: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] قالت: إني أرى بعض هذا على امرأتك قال: فادخلي فانظري فدخلت ثم خرجت فقال: ما رأيت؟ وقال عثمان : فقالت: ما رأيت، فقال: لو كان ذلك ما كانت معنا) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات -قال: محمد : والواصلات، وقال عثمان : والمتنمصات، ثم اتفقا: والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله).

    هذا أيضاً فيه دلالة على ما ترجم له المصنف من ذكر الوصل، وأن ذلك ورد فيه اللعن، وقد مر ذلك من حديث ابن عمر ، وهنا جاء من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

    وقوله: (الواشمات والمستوشمات) مر ذكره في الحديث السابق.

    وقوله: (والواصلات) أيضاً مر ذكره في الحديث السابق.

    وقوله: (والمتنمصات).

    المتنمصات هن اللاتي ينتفن شعور حواجبهن من أجل التجمل وتحسين الحاجب.

    وقوله: (والمتفلجات للحسن).

    هن اللاتي يحصل منهن التفليج بين أسنانهن بحيث تكون هناك فرجة يسيرة من أجل التجمل، والفلج هو ما يكون من فرجة يسيرة بين سنين من أجل التجمل، وكل ذلك جاء النهي عنه.

    وقوله: (للحسن).

    أي: للتجمل، أما إذا كان للعلاج أو لإصلاح خلل في الأسنان وعلاجه لا يكون إلا بذلك فإن هذا لا بأس به، وإنما المحذور أن يكون للحسن، أي: للتجمل.

    وقوله: (المغيرات لخلق الله).

    يعني: بهذه الهيئات أو بهذه الهيئة التي جاءت بأن تكون أسنان المرأة على هيئة معينة، ثم تعمل هذا العمل فيها من أجل أن تظهر الجمال في هيئتها، وذلك لم يحصل بخلق الله عز وجل، وإنما حصل بفعلها وبكسبها وبتصرفها.

    وقوله: (فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب) أي: بلغها الخبر أو الحديث الذي جاء عن ابن مسعود في لعن هؤلاء النسوة.

    وقوله: (كانت تقرأ القرآن ثم اتفقا: فأتته فقالت: بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات! قال محمد : والواصلات قال عثمان : والمتنمصات ثم اتفقا: والمتفلجات، قال عثمان : للحسن المغيرات خلق الله تعالى، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله تعالى؟ قالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، قال: والله! لئن كنت قرأته لقد وجدته، ثم قرأ: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]).

    يعني: أن هذه المرأة جاءت إلى عبد الله بن مسعود بعد أن سمعت الحديث وبلغها الحديث عنه رضي الله عنه فقالت: بلغني عنك أنك تلعن كذا وكذا، فقال: (وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله وهو في كتاب الله؟) وكانت قارئة للقرآن، فجاءت إليه وقالت: إنني قرأت ما بين لوحي المصحف، يعني: قرأت المصحف من أوله إلى آخره، فما وجدت فيه: (لعن الله النامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة، والمتفلجات للحسن) فقال لها رضي الله عنه: (إن كنت قرأته فقد وجدته؛ قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]).

    فهذا يدلنا على أن السنة كلها موجودة في القرآن وفي هذه الآية في قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ أي: كل شيء جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يجب الأخذ به، وكل نهي نهى عنه الرسول فيجب تركه والابتعاد عنه، وذلك هو من كتاب الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أمر بأخذ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ونهى عن فعل الشيء الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً: هو موجود في القرآن، وهو مما أمر الله به في القرآن، فالسنة مأمور بها كما أن أوامر القرآن جاءت في القرآن وقد أمر الناس بها، فكذلك السنة هي مأمور بها؛ لأنها جاءت من الله عز وجل بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيضاً كل الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم داخل تحت قوله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    إذاً: السنة مأمور بها في القرآن، والمأمورات بها مأمور بالأخذ بها في القرآن، والمنهيات الواردة في السنة منهي عن تعاطيها وفعلها في القرآن، فبين رضي الله عنه أن هذا الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كله داخل في قوله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    قوله: (قالت له: أني أرى بعض هذا على امرأتك، فقال: ادخلي فانظري، فدخلت ثم خرجت فقال: ما رأيت؟).

    فأخبرت بأنها ما رأت ذلك الشيء الذي قالته، ولعل ذلك أنها كانت رأته من قبل أو أنها توهمت أنها رأته، ولكنها عندما أدخلها عليها لترى لم تجد ذلك الشيء الذي ادعته.

    فقال: رضي الله عنه: (لو كان ذاك ما كانت معنا)، يعني ما بقيت معنا، وما أبقيناها وهي مخالفة للسنة، يعني: أننا لا نبقيها على هذا الوضع، بل إما أن تتبع السنة، وإن أبت فإنه يحصل التخلص منها.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود (لعن الله الواشمات والمستوشمات...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ].

    محمد بن عيسى الطباع ثقة أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ وعثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ قالا: حدثنا جرير ].

    جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    منصور بن المعتمر الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم ].

    إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علقمة ].

    علقمة بن قيس ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله].

    عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (لعنت الواصلة والمستوصلة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن السرح حدثنا ابن وهب عن أسامة عن أبان بن صالح عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لُعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس : (لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء).

    وقوله: (لعنت) مبني للمجهول، ومعلوم أن اللعن إذا ذكر عن الصحابة فهو منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى الله، يعني: لعن الله أو لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أنها ملعونة في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاللعن إما أن يضاف إلى الله، وإما أن يضاف إلى رسول الله.

    وقد مر في الأحاديث السابقة ذكر الواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة، وهنا قال: (من غير داء) يعني: الواشمة والمستوشمة من غير داء، وقد يفهم منه أنه إذا كان له سبب فإنه لا بأس به، لكن قد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن ذلك غير سائغ، وذلك في قصة المرأة التي أخبرت أنها تريد أن تزوج ابنتها وأن رأسها تمزق، وأنها تريد أن تصله، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أن ذلك لا يجوز ولا يسوغ.

    تراجم رجال إسناد حديث (لعنت الواصلة والمستوصلة...)

    قوله: [ حدثنا ابن السرح ].

    ابن السرح هو أحمد بن عمرو بن السرح ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن وهب عن أسامة ].

    أسامة هو ابن زيد الليثي وهو صدوق يهم أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبان بن صالح ].

    أبان بن صالح ثقة أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن مجاهد بن جبر ].

    مجاهد بن جبر المكي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    تفسير الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة

    [ قال أبو داود : وتفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر النساء، والمستوصلة: المعمول بها، والنامصة: التي تنقش الحاجب حتى ترقه، والمتنمصة: المعمول بها، والواشمة: التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة: المعمول بها ].

    ذكر أبو داود هذه التفسيرات بهذه الكلمات فقال: تفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر النساء، وهذا التفسير غير واضح؛ لأن المقصود: وصل الشعر بالشعر، وحتى بغير الشعر، فما دام أنه شيء يكون فيه مخالفة، ويدخل تحت عموم النهي، فلا يجوز إلا لدليل يدل عليه، أعني: لا يجوز غير ما يقتضيه اللفظ إلا لدليل يدل عليه، ولا نعلم دليلاً يدل على ذلك.

    فإذاً: ليس ذلك خاصاً بشعر النساء بمعنى أنه يقص من امرأة ويوصل بشعر امرأة أخرى وأنه لا يكون الوصل إلا بهذه الطريقة، بل الآن صارت الشعور يظهر فيها أشكال وهيئات وصناعة وتفنن في الأشياء، حتى لا يكاد يتميز الشعر الصناعي من الشعر الطبيعي والحقيقي.

    وقوله: (والمستوصلة: المعمول بها) يعني: التي تطلب أن يعمل بها ذلك.

    والنامصة: التي تنقش الحاجب حتى ترقه، والمتنمصة: التي تطلب أن يفعل بها ذلك.

    وقوله: (والواشمة: التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد).

    الخيلان جمع خال، والخال هو: علامة سوداء، والخال أحياناً يكون طبيعياً ويكون فيه حبة سوداء أو شيء في جسد المرأة، وبعض النساء قد تفعله عن طريق الوشم.

    والوشم أحياناً يتخذ للزينة، فإن ذلك اللون الذي يغاير اللون الطبيعي يعتبرونه جمالاً، والناس يتفاوتون في رغباتهم وفي اعتبار الجمال عندهم، فمن الناس من يرى أن هذا من الجمال، وأن وجود هذه العلامة التي يقال لها الخال جمال، وبعضهم لا يعتبر ذلك جمالاً بل صفاء اللون وخلوه من أشياء مغايرة له يكون أحسن وأجمل، ولهذا يأتي ذكر مثل هذا في شعر الشعراء كما يذكر النحويون في باب تقديم مفعول خبر كان على الاسم والخبر قول الشاعر:

    باتت فؤادي ذات الخال سالبة

    يعني باتت ذات الخال سالبة فؤادي، ففؤادي الذي هو مفعول للخبر قدم على اسم بات وخبرها. وبات من أخوات كان.

    شرح أثر سعيد بن جبير في تجويز القرامل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن جعفر بن زياد قال: حدثنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل. قال أبو داود : كأنه يذهب إلى أن المنهي عنه شعور النساء.

    قال أبو داود : كان أحمد يقول: القرامل ليس به بأس ].

    أورد أبو داود هذا الأثر عن سعيد بن جبير أنه قال لا بأس بالقرامل. قال أبو داود : كأنه يذهب إلى أن المنهي عنه شعور النساء. يعني: وصله بشعر النساء مثلما تقدم في تفسير أبي داود ، وقد ذكرنا أن الوصل بالشعر منهي عنه سواء كان شعر النساء أو غير شعر النساء، وسواء كان حقيقياً أو صناعياً؛ لأن المحذور في ذلك واحد.

    والقرامل: جمع قرمل، والمراد به خيوط من حرير أو صوف تصل النساء به شعورها، وهذا كما ذكرنا غير سائغ، وهذا الذي ذكره عن سعيد بن جبير يدل على أنه كان يرى ذلك.

    ثم ذكر أيضاً أبو داود عن الإمام أحمد أنه كان لا يرى في ذلك بأساً، ولكن عموم الحديث يدل على المنع من الجميع.

    تراجم رجال إسناد أثر سعيد بن جبير في تجويز القرامل

    قوله: [ حدثنا محمد بن جعفر بن زياد ].

    محمد بن جعفر بن زياد ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي صدوق يخطئ كثيراً وساء حفظه لما ولي القضاء، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سالم].

    سالم هو الأفطس وهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إزالة الحواجب

    السؤال: هل المراد بالنمص إزالة الشعر بالكلية أو يدخل في ذلك ترقيق شعر الحاجبين؟

    الجواب: إزالة الشعر بالكلية ليس بجمال، بل هو تشويه فإن المرأة التي ليس لها حاجب يكون منظرها كريهاً، فالحواجب من أحسن ما يعتبر جمالاً في حق النساء، ولهذا يعتنين بترقيقها وتهذيبها، وإزالة ما بجوانبها حتى تكون على هيئة حسنة، أما كونه يزال كله فهذا لا تفعله النساء وهذا يعتبر تشويهاً وليس تزييناً.

    وبعض النساء يقال: إنهن يزلن الحواجب ثم يجعلن خطاً أسود بالكحل مكانه، وهذا كله غير سائغ إذا كان هذا يحصل، ثم كيف يكون الجمال في خط أسود غير الشعر؟! فالجمال إنما هو في الشعر البارز الظاهر وليس في خطوط تكون على الجسد.

    حكم الوصل والوشم والنمص بالنسبة للرجال

    السؤال: هل الحكم في الوصل والوشم والنمص يتعلق بالرجال والنساء، أم بالنساء فقط؟

    الجواب: الرجال والنساء كلهم سواء، والرجال طبعاً كما هو معلوم ليسوا بحاجة إلى وصل الشعر فهم يحلقون شعور رءوسهم في الحج والعمرة أو يقصرون، والحلق أفضل من التقصير، وفي غير ذلك لهم أن يحلقوا ولهم أن يقصروا ولهم أن يتركوا.

    حكم إزالة الشعر الذي بين الحاجبين

    السؤال: ما حكم إزالة الشعر الذي بين الحاجبين والذي على الأنف؟

    الجواب: الذي يظهر أنه لا يتعرض للشعر الذي بين الحاجبين؛ لأنه من جملة ذلك الشعر الذي خلقه الله عز وجل، وهذا يسمى القرن، والذي يكون كذلك يقال له أقرن، وكان صهيب الرومي رضي الله عنه أقرن الحاجبين، يعني: أن الشعر متصل بين حاجبيه.

    حكم تقويم الأسنان المتراكبة

    السؤال: ما حكم تقويم الأسنان المتراكبة؟

    الجواب: هذا لا بأس به؛ لأنه علاج، فإذا كانت أسنان الإنسان بعضها بارز وبعضها داخل لا يستفاد منه كما ينبغي، ثم عمل لها تقويماً بحيث تكون على نسق وعلى هيئة يستفاد منها فلا بأس بذلك.

    حكم نمص الشعر غير شعر الوجه

    السؤال: هل النمص خاص بشعر الوجه أم هو عام لجميع الشعر كشعر اليدين والرجلين رجالاً ونساءً؟

    الجواب: الذي يبدو أنه ليس بعام، وأنه يجوز إزالة الشعور التي على اليدين والرجلين للرجال والنساء، ولا نعلم شيئاً يمنع منه، لكن كما هو معلوم فيما يتعلق بالرجال أنهم إذا أزالوا الشعر يظهر بقوة ويصير أشد مما كان أولاً.

    حكم رسم حبة الخال بأدوات التجميل

    السؤال: هناك بعض الناس رسم حبة الخال على وجهه بأدوات التجميل ثم يذهب هذا مع الماء إذا غسلت فما الحكم؟

    الجواب: لا ينبغي هذا.

    حكم تشقير الحواجب

    السؤال: ما حكم تشقير الحواجب بحيث يصبغ من أعلى الحاجب وأسفله بلون كلون البشرة؟

    الجواب: هذا مثل التهذيب ومثل كونه يزال، والنتيجة واحدة، فإنه إذا غير اللون يصير كأنه محلوق أو كأنه منتوف.

    وجوب إزالة الوشم على من قد حصل منه

    السؤال: هناك شخص لما كان نصرانياً فعل الوشم على يده والآن أسلم وصار مسلماً فهل يجب عليه أن يزيل هذا الوشم؟

    الجواب: فإذا كان لا يترتب عليه مضرة في إزالته فعليه أن يزيله.

    أفضل مراتب صيام عاشوراء

    السؤال: هل صحيح أن أفضل مراتب صيام عاشوراء أن يصوم الإنسان يوماً قبله ويوماً بعده؟

    الجواب: بعض أهل العلم قال هذا، لكن لا نعلم شيئاً يدل عليه.

    حكم ثقب المرأة أنفها

    السؤال: بعض النساء تثقب أنفها وتجعل فيه حلياً فهل هذا جائز؟

    الجواب: إذا جرت عادة النساء بالتجمل بهذا فلا بأس به، ويكون مثل ثقب الأذن، وكان هذا موجوداً حتى أزمان قريبة، ولكنه ترك في هذا الزمان.

    حكم لعب الأطفال التي على صورة إنسان أو حيوان

    السؤال: ما حكم ألعاب الأطفال التي تكون على صورة إنسان أو صورة حيوان؟

    الجواب: لا يجوز تعاطيها ولا يجوز استعمالها؛ لأن هذه صور مجسمة على هيئة حيوان فلا يجوز اتخاذها، ولا يجوز اقتناؤها، وإنما الذي يجوز هو الشيء الذي ليس على صورة معينة مثل ما كانت لعب عائشة رضي الله عنها؛ فإنها كانت عودين معترضين، ثم يلف عليهما خرق، وهذه هي على هيئة إنسان في الجملة لكن ليس فيها تصوير، ولا فيها هيئة الإنسان، أما هذه الصور المجسمة التي هي من البلاستيك فتظهر على هيئة الإنسان كاملة فتجتنب ولا ينبغي للإنسان أن يتعاطاها.

    ترجيل اللحية غباً

    السؤال: الترجل غباً هل يدخل فيه شعر اللحية؟

    الجواب: نعم، فشعر اللحية هو من جنس شعر الرأس.

    حكم ترجيل الشعر كل يوم للضرورة

    السؤال: الشعر يختلف من شخص إلى شخص في طوله وكثرته وتجعده فإذا ترك يوماً بعد يوم ربما خرج الرجل أشعث فهل يرجله كل يوم؟

    الجواب: جاء هذا في قصة أبي قتادة رضي الله عنه وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بأن يدهن، وقيل: كان شعره كثيفاً، فهذا يختلف باختلاف الناس، فمن كان كذلك وكان تركه يؤدي إلى كونه يتأثر ويتغير لكثرته فقد قالوا: إن ما جاء في حق أبي قتادة هو من هذا القبيل.

    حكم ترجل النساء كل يوم

    السائل: هل تدخل النساء في النهي عن الترجل كل يوم؟

    الشيخ: هذا النهي لا تدخل فيه النساء؛ لأن هذا في حق النساء يعد من التجمل لأزواجهن، ولهن أن يتجملن لهم في كل وقت.

    حكم الاغتسال يومياً

    السؤال: هل الاغتسال يومياً يدخل في الإرفاه؟

    الجواب: كون الإنسان يغتسل يومياً من غير عارض ومن غير مقتضٍ لذلك قد يعد هذا زيادة في التنعم، ومن الناس من يغتسل أكثر من مرة في اليوم.

    حكم صبغ الشعر بالأصباغ

    السؤال: هل يجوز استخدام صبغ الشعر بالأصباغ الموجودة الآن غير الحناء؟

    الجواب: الذي ينبغي ألا تستعمل هذه الأصباغ التي تغير الألوان إلى ألوان مختلفة، لاسيما أن بعض تلك الألوان تشبه ألوان الأوروبيين في صفتها، واللون الأسود هو أحسن الألوان فيما يتعلق بالشعور وهو أجمل شيء يكون في الشعور وتغييرها إلى تلك الهيئات لا ينبغي.

    بيان أن الخضاب ليس خاصاً بالمتزوجات

    السؤال: سمعت من يقول: إن الخضاب إنما يخص النساء المتزوجات، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: هذا ليس بصحيح كما هو معلوم، ولا شك أن النساء المتزوجات يحتجن إلى التجمل لأزواجهن، وتعويد البنات الصغيرات على الخضاب لا بأس به، ولا يشترط أن يكون التجمل إنما هو للأزواج، بل يجوز أن تتجمل المرأة بالحناء وتستعمل الحناء وإن لم تكن متزوجة ما دام أنه لا يترتب عليه مضرة، ولا يترتب عليه الفتنة؛ لأن هذا الأمر من شأن النساء.

    حكم اتخاذ الباروكة

    السؤال: هل يجوز للمرأة التي ليس في رأسها شعر أن تتخذ ما يسمى بالباروكة؟

    الجواب: لا يجوز؛ لأن هذا كله من جنس الوصل المنهي عنه.

    وجوب إزالة وصل الشعر

    السؤال: من وصلت شعرها فهل يجب عليها الإزالة؟

    الجواب: نعم؛ لأنه أمر منكر تجب إزالته.

    حكم وصل الشعر بشعر الواصلة نفسها

    السؤال: هل يجوز وصل الشعر بالشعر الأصلي وبنفس اللون أو بلون آخر على شكل ضفائر؟

    الجواب: لا يجوز وصل الشعر بشعر لا من شعر امرأة نفسها ولا من شعر غيرها؛ لأن الوصل لا يجوز مطلقاً.

    الفرق بين الشعر الطبيعي والشعر الصناعي في حكم الوصل

    السؤال: هل هناك فرق بين الشعر الطبيعي وبين الشعر الصناعي في حكم الوصل؟

    الجواب: لا فرق بينها، بل النتيجة واحدة والمؤدى واحد.

    حكم وصل الشعر بغير الشعر

    السؤال: ما حكم وصل الشعر بغير الشعر مثل خيوط الحرير؟

    الجواب: كل ذلك لا يجوز؛ لأن الحديث مطلق في النهي عن الوصل، وكل ذلك يدخل تحت قوله: (لعن الله الواصلة والمستوصلة).

    حكم زراعة الشعر طبياً

    السؤال: ما حكم زرع الشعر طبياً؟

    الجواب: إذا زرع بحيث يصير شيئاً ثابتاً فيبدو أنه لا بأس به، وذلك إذا كان لا يترتب عليه مضرة في الرأس، ولا يترتب عليه منظر كريه، فإذا حصل ذلك بشيء وكان ثابتاً مستقراً وليس بشيء يوضع عليه كالباروكة أو غيرها فيبدو أنه لا بأس به.