إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [457]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الملبوسات الوارد ذكرها في السنة الشريفة والسيرة العطرة ينبغي الإلمام بها لأجل التأسي بخير خلق الله أجمعين صلى الله عليه وسلم. ومما ورد أنه كان يلبس عمامة محنكة تغطي الرأس ولها طرفان: طرف يدار من تحت الذقن والآخر يكون ذؤابة في مؤخرة العمامة. وقد نهى عن لبسة الصماء وعن الاحتباء في الثوب الواحد لما تؤدي إليه هاتان اللبستان من انكشاف العورة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحل الأزرار ويربطها.

    1.   

    العمائم

    شرح حديث دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعليه عمامة سوداء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في العمائم.

    حدثنا أبو الوليد الطيالسي ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح مكة وعليه عمامة سوداء) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب في العمائم ] ذكر هنا ما يتعلق بغطاء الرأس، وهو العمائم، وأما عن استحبابها فالأمر في ذلك واسع.

    وقد أورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء) وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وهو غير محرم، وكذلك أيضاً يدل على جواز لبس الأسود؛ لأنه قال: دخل وعليه عمامة سوداء، فهو دال على جواز لبس الأسود، وقد مر فيما مضى باب فيما يتعلق بالألوان من الثياب ومنها لبس السواد.

    تراجم رجال إسناد حديث دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعليه عمامة سوداء

    قوله: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي ].

    أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومسلم بن إبراهيم ].

    مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وموسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالوا: حدثنا حماد ].

    [ قالوا: حدثنا حماد ] وهو ابن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي الزبير ].

    أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما صحابي جليل أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    شرح حديث (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو أسامة عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه) ].

    أورد أبو داود حديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر -يعني: يخطب- وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه) فهذا فيه بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لبس العمامة السوداء، وهو موافق لما تقدم، وأيضاً دال على أن العمامة لها طرف، وأنه قد أرخاه النبي صلى الله عليه وسلم بين كتفيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء)

    [ حدثنا الحسن بن علي ].

    الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ عن أبي أسامة ].

    أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مساور الوراق ].

    مساور الوراق وهو صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن جعفر بن عمرو بن حريث].

    جعفر بن عمرو بن حريث وهو مقبول، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    هو عمرو بن حريث صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (.. فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي حدثنا محمد بن ربيعة حدثنا أبو الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة عن أبيه (أن ركانة رضي الله عنه صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال ركانة : وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس) ].

    أورد أبو داود حديث ركانة رضي الله عنه أنه صارع النبي صلى الله عليه وسلم وصرعه النبي عليه الصلاة والسلام وأنه قال: (فرق ما بيننا وبين الكفار لبس العمائم على القلانس) يعني: أن يجمع بين القلنسوة والعمامة، فيلبس القلنسوة ثم العمامة فوقها.

    والحديث في إسناده ضعفاء متكلم فيهم، فهو لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ذلك الألباني في ضعيف سنن أبي داود ؛ ولكنه في إرواء الغليل حسن إسناده فيما يتعلق بالمصارعة؛ لكن الإسناد الذي معنا فيه عدة ضعفاء.

    تراجم رجال إسناد حديث (فرق ما بيننا وبين الكفار العمائم على القلانس)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي ].

    قتيبة بن سعيد الثقفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن ربيعة ].

    محمد بن ربيعة صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أبو الحسن العسقلاني ].

    أبو الحسن العسقلاني مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة ].

    أبو جعفر بن محمد بن علي بن ركانة مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن أبيه ].

    وهو مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن ركانة ].

    ركانة صحابي أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    لكن الإشكال أنه لا يوجد في التقريب: محمد بن علي بن ركانة، في هذه الطبقة إنما هو محمد بن ركانة، فكلمة (علي) هذه جاءت في نسخة من سنن أبي داود، أشار لها المزي، لكن (علي) لا يكون أباه، إلا إذا كان روى عن جده، فيكون مثلاً أباه باعتبار الجد، وإذا لم يدركه صار فيه علة أخرى وهي الانقطاع. وفي التقريب: محمد بن ركانة بن عبد يزيد المطلبي مجهول من الثالثة ووهم من ذكره في الصحابة أخرج له أبو داود والترمذي .

    كما أن كلمة (علي) ما جاءت في جميع نسخ سنن أبي داود .

    وعلى كلٍ: الحديث فيه ثلاثة أشخاص مجهولون، وواحد منهم يكفي لتضعيف الحديث.

    زد على ذلك أنه مرسل؛ لأن قوله: (أن ركانة ) حكاية عن شيء قد حصل وهو ما شاهده ولا عاينه، فتكون علة رابعة.

    شرح حديث (عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسدلها بين يدي ومن خلفي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني حدثنا سليمان بن خربوذ حدثني شيخ من أهل المدينة سمعت عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- يقول: (عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسدلها بين يدي ومن خلفي) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الرحمن بن عوف قال: (عممني رسول الله) يعني: أنه ألبسه العمامة، وعمل ذلك بيده صلى الله عليه وسلم.

    (فسدلها من بين يدي ومن خلفي) يعني: جعلها طرفين مسدولين أحدهما من الأمام والثاني من الخلف.

    والحديث ضعيف أو غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الملقي: جعل لها طرفين طرف من الأمام وطرف ذؤابة، فهي تلف ويجعل طرفاً من قدام وطرفاً من وراء، الذي يبدأ به يصير من قدام والذي ينتهى به يصير من وراء.

    تراجم رجال إسناد حديث (عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسدلها بين يدي ومن خلفي)

    قوله: [ حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم].

    محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم يقول الحافظ : يحتمل أن يكون ابن أبي سمينة فهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود ، وإلا فهو مقبول أخرج له أبو داود.

    كلمة (وإلا فهو مقبول) غير واضحة؛ لأن المقبول معروف، وأما المجهول فهو الذي لا يعرف، فإذاً: لعلها (مجهول) وليس (مقبول)، ولهذا في ترجمتها قال عن أحدهما: إنه مجهول، والثاني قال عنه: إنه ابن أبي سمينة كما في تهذيب التهذيب، فالمقبول يكون صالحاً للاحتجاج إذا اعتضد، ويكون معروفاً، وأما هذا فغير معروف.

    وهذا هو الذي جرت عليه عادة الحافظ ابن حجر عندما يقول: كذا وإلا فهو مجهول، أي: أنه غير معروف، وليس في ترجمته تطويل وإنما فيها: فلان قال: مجهول، والثاني قال: إنه ابن أبي سمينة، وابن أبي سمينة هو الذي جاء في ترجمته أنه روى عنه أبو داود، وهو يروي عن عثمان بن عثمان، وقد ذكر أن مما يؤيد أنه هذا الذي هو ابن أبي سمينة أن أبا يعلى روى الحديث نفسه في مسنده وسماه: ابن أبي سمينة محمد بن إسماعيل، فيكون هو المتبادر إلى الذهن، وهو الثقة.

    [ حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني].

    عثمان بن عثمان الغطفاني صدوق ربما وهم أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا سليمان بن خربوذ].

    سليمان بن خربوذ مجهول، أخرج له أبو داود .

    [ حدثني شيخ من أهل المدينة ].

    شيخ من أهل المدينة مبهم غير معروف.

    [سمعت عبد الرحمن بن عوف ].

    عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه.

    وهذا الإسناد فيه ضعيفان: أحدهما مجهول العين، والآخر مبهم لا يعرف.

    حكم لبس العمائم السوداء

    حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس عمامة سوداء) يدل على الجواز، ولا يدل على الاستحباب؛ لأن الأبيض والأسود والأحمر غير الخالص جائزة، وكذلك باب اللباس واسع؛ لكن إذا كان أهل البلد اعتادوا لباساً معيناً فليكن مثلهم ولا يخالفهم.

    وإذا كان شعاراً معروفاً لبعض أهل البدع فالابتعاد عنه أولى، بالإضافة إلى كونه ليس من زي البلد، وليس مما يستعمل في البلد، وهذا يرجح عدم استعماله.

    1.   

    لبسة الصماء

    شرح حديث (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في لبسة الصماء.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين: أن يحتبي الرجل مفضياً بفرجه إلى السماء، ويلبس ثوبه وأحد جانبيه خارج ويلقي ثوبه على عاتقه) ].

    أورد أبو داود : [ باب لبسة الصماء ] والصماء هي نوع من اللباس، وفسرت بتفسيرين:

    الأول: أن يلبس ثوباً واحداً، أي: قطعة واحدة من قماش وليست قميصاً فيلتحف بها ويحكمها على جسده ويداه من الداخل، فيكون كأنه صخرة صماء ليس لها منافذ. والمحظور في هذه الهيئة هو ما يخشى من انكشاف العورة عندما يأتي أمر يفزعه، أو أنه قد يحتاج إلى إخراج يديه لأمر يقتضيه فلا يتمكن من ذلك.

    والتفسير الثاني هو: أن يلبس ثوباً واحداً ويخرج جنبه، معناه: أن يكون أحد كتفيه مكشوفاً والآخر مغطى، فهذا فيه احتمال انكشاف العورة؛ لأن الثوب الواحد ليس مثل الإزار والرداء، فالإزار يحصل به ستر العورة والرداء يمكن أن يضطبع به كما يحصل في الحج ويجعل اليد اليمنى مكشوفة والطرف الثاني قد وضع على الكتف الأيسر، فلا يكون فيه محظور من ناحية العورة؛ ولكن إذا كان الثوب واحداً فهذا هو الذي فيه احتمال أن تنكشف العورة بسببه.

    فيكون النهي عن هاتين اللبستين لأن كلاً منهما فيها محظور.

    [ (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين: أن يحتبي الرجل مفضياً بفرجه إلى السماء) ].

    وهذه لبسة؛ لأن إحدى اللبستين هي اشتمال الصماء، واللبسة الثانية هي الاحتباء الذي هو على هذه الصورة المذكورة في الحديث، وهي أن الإنسان يجلس فيضع مقعدته على الأرض وينصب ساقيه ثم يلف على ساقيه مع ظهره ثوباً وليس عليه غيره، فيكون أعلاه مكشوفاً بحيث تبدو عورته من فوق، وقد نهي عن هذه الجلسة من هذه الناحية، وأما إذا كان على الإنسان قميص مثلاً وعمل هذا الاحتباء فإن ذلك لا بأس به، وقد مر بنا قريباً، وإنما الممنوع في حق الذي لا يكون عنده إلا ثوب واحد يحتبى به ويكون فرجه مكشوفاًً إلى الأعلى.

    [ (ويلبس ثوبه وأحد جانبيه خارج) ].

    يعني: جانبي الإنسان، وليس جانبي الثوب، وهو الاضطباع، إلا أنه ليس عنده إلا ثوب واحد بدون إزار، أما إذا كان معه إزار واضطبع فهذا لا بأس به، وهو بالنسبة للحج في موضع واحد وهو عند الطواف، وإذا كان لباس الناس إزاراً ورداء فسواء اضطبع أو لم يضطبع، فذلك جائز ما دام أن العورة مستورة بالإزار.

    [ (ويلقي ثوبه على عاتقه) ].

    يعني: طرف الثوب.

    تراجم رجال إسناد حديث ( نهى رسول الله عن لبستين .... )

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا جرير ].

    جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح ].

    أبو صالح هو ذكوان السمان ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصماء وعن الاحتباء في ثوب واحد) وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر -رضي الله عنه- قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصماء وعن الاحتباء في ثوب واحد) ].

    أورد أبو داود حديث جابر رضي الله عنه وهو مجمل فيه النهي عن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد.

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر ].

    وقد مر ذكرهم.

    1.   

    حل الأزرار

    شرح حديث ( ... فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في حل الأزرار.

    حدثنا النفيلي وأحمد بن يونس قالا: حدثنا زهير حدثنا عروة بن عبد الله -قال ابن نفيل : ابن قشير أبو مهل الجعفي - حدثنا معاوية بن قرة حدثني أبي قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة، فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار، قال: فبايعته، ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم، قال عروة: فما رأيت معاوية ، ولا ابنه قط إلا مطلقي أزرارهما في شتاء ولا حر، ولا يزرران أزرارهما أبداً) ].

    أورد أبو داود [ باب في حل الأزرار ] الأزرار جمع زر، والزر هو ما يزر به جيب القميص، وحله: عدم زره.

    أورد حديث قرة بن إياس رضي الله عنه أنه جاء مع نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رآه لابساً قميصاً محلول الأزرار؛ فكان معاوية وابنه مطلقي الأزرار، ولا يزررانها لا في شتاء ولا حر، ولا يزرران أزرارهما أبداً.

    هذا الحديث دل على أنهم رأوه محلول الأزرار، ولا يعني هذا أنه محلول الأزرار دائماً وأبداً، وأن هذا شأنه، وإلا فلماذا تتخذ الأزرار إذا كان الإنسان سيكون جيبه مفتوحاً باستمرار، ولكن هذه هي الرؤية التي رآها قرة، فأراد أن يكون على هذه الهيئة التي رأى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعني هذا أن الأزرار وتشترى وتركب في الثياب ثم لا تزر أبداً، هذا لا يدل عليه الحديث.

    وقوله: (محلول الأزرار) يدل على أنه كان يحل ويزر، وفي هذه الحالة كان محلولاً؛ لأنه لو لم يكن يزر في بعض الأحيان ما كان لوضعه من الأصل حاجة؛ لكن كونه يشترى ويوضع في القميص إنما يوضع لحاجة، لا للزينة، وإنما يوضع لكونه يزر، والتعبير بكونه محلولاً يعني أنه مطلق الأزرار، ومفهوم ذلك أنه يكون مطلقاً وغير مطلق، وأنه يزره في بعض الأحيان ويطلقه في بعض الأحيان، فتكون هذه الهيئة التي رآه عليها دليلاً على جواز إطلاق الأزرار، ووضعها يدل على زرها والاستفادة من وضعها.

    يزر الثوب أبداً، ولعل هذا الصحابي رضي الله عنه رأى هذه الهيئة وأراد أن يفعل تلك الهيئة التي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها؛ لكن ذلك لا يعني أن هذا شأنه، وهذا ديدنه أبداً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وقد كان السلف يستعملون الأزرار، وهي جمع زر، وفي القاموس: أزرار وزرور، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل في صفة الحج أنه جاء إليه جماعة وفيهم محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وقالوا: حدثنا عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد كبر وعمي رضي الله عنه، فسألهم عن أسمائهم، فكل أخبره باسمه، ولما جاء عند محمد قال له: أنا محمد بن علي بن الحسين فاستثناه وقربه، قال: فوضع يده عليّ وفتح زري الأعلى ثم فتح زري الأسفل ثم أدخل يده ووضعها على صدري ثم حدث بالحديث الطويل.

    [ عن قرة رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار قال: فبايعته ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم) ].

    الخاتم هو خاتم النبوة الذي كان في مؤخر كتفه عليه الصلاة والسلام.

    قوله: [ (قال عروة: فما رأيت معاوية ولا ابنه قط إلا مطلقي أزرارهما في شتاء ولا حر، ولا يزرران أزرارهما أبداً) ].

    ابنه ليس معنا في السند، لأن عروة يروي عن معاوية بن قرة عن أبيه.

    تراجم رجال إسناد حديث (فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار)

    قوله: [ حدثنا النفيلي ].

    عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ وأحمد بن يونس ].

    أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زهير ].

    زهير بن معاوية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عروة بن عبد الله -قال ابن نفيل : ابن قشير أبو مهل الجعفي- ].

    أي: أن ابن نفيل -الذي هو أحد الشيخين لـأبي داود وهو النفيلي زاد في نسبته بـابن قشير أبو مهل الجعفي، وأما الشيخ الثاني فما ذكره إلا عروة بن عبد الله فقط.

    وهو ثقة أخرج له أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ عن معاوية بن قرة ].

    معاوية بن قرة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ]

    قرة وهو صحابي أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    يمكن أن يكون ابنه إياس بن معاوية بن قرة القاضي المشهور.

    1.   

    التقنع

    شرح حديث (هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً متقنعاً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في التقنع.

    حدثنا محمد بن داود بن سفيان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: قال الزهري : قال عروة : قالت عائشة رضي الله عنها: (بينا نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لـأبي بكر رضي الله عنه: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له فدخل) ].

    أورد أبو داود: [ باب في التقنع ] والتقنع هو تغطية الرأس مع شيء من مقدم الوجه، وغالباً ما يكون لعدم الظهور والبروز أو لأمر من الأمور مثلما حصل في غزوة تبوك لما مر بديار ثمود أنه قنع رأسه وأسرع -عليه الصلاة والسلام-.

    قال في العون: هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره، (متقنعاً) أي: مغطياً رأسه بالقناع أي: بطرف ردائه على ما هو عادة العرب لحر الظهيرة، ويمكن أنه أراد التستر لكي لا يعرفه كل أحد.

    يعني أنه كان عليه إزار ورداء، فوضع طرف الرداء على رأسه، وقد يجعل الرداء كله على الرأس، ويكون مثل وضع الغترة التي تستعمل الآن ومثلما يفعل بعض الحجاج قبل أن يحرم حيث يجعل الرداء على رأسه؛ كما في طريقه إلى أبيار علي قبل الإحرام من المدينة، فيضعه على رأسه لأنه لا يقال له محرم، وتغطية الرأس إنما ينهى عنها بعد الإحرام، وليس بعد لبس ثوب الإحرام، وكذلك بعدما يحلق الإنسان رأسه يضع الرداء على رأسه ويغطي رأسه؛ لكن قد يكون مثلما ذكر أنه يجعل طرف الرداء على رأسه.

    تراجم رجال إسناد حديث (هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً متقنعاً...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن داود بن سفيان ].

    محمد بن داود بن سفيان مقبول أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [قال الزهري: ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال عروة ].

    عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي من أكثر الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أوعية السنة وحفظتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ولا سيما ما يتعلق بالأمور الخاصة بالبيت والأمور التي تجري بين الرجل وأهل بيته مما يمكن إفشاؤه وإظهاره، فقد حفظت الشيء الكثير رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    والحديث أخرجه البخاري في اللباس، باب التقنع في وصف هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم التلثم في الصلاة

    ليس للإنسان أن يتلثم في صلاته، وإنما يكشف وجهه، والتلثم أو التقنع الذي حصل من النبي صلى الله عليه وسلم كان في غير الصلاة وإن كان هناك برد.