إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [446]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنزل الله عز وجل كتابه على سبعة أحرف تخفيفاً على عباده، ثم لما اجتمع شمل العرب كانت القراءات التي هي مأخوذة من تلك الأحرف، وقد جمع عثمان رضي الله عنه الأمة فيما بعد على قراءة واحدة.

    1.   

    ما جاء في الحروف والقراءات

    شرح حديث (أن النبي قرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أول كتاب الحروف والقراءات: باب.

    حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حاتم بن إسماعيل ح وحدثنا نصر بن عاصم حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] ].

    الفرق بين الحرف والقراءة في القرآن

    قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ أول كتاب الحروف والقراءات ] فهناك أحرف نزل بها القرآن، وكانت في أول الأمر من أجل التخفيف على الناس، وهنا قال أبو داود: الحروف والقراءات، فيحتمل أنه يريد بالحروف والقراءات الألفاظ المترادفة، ويحتمل: أن يكون المراد بالحروف الأحرف السبعة, لكن الأحرف السبعة سبق أن مرت في كتاب الوتر حيث عقد لها باباً، فقال: [ باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ]، والأحرف والقراءات بينهما فرق, فالأحرف قيل فيها: إنها لغات أو لهجات؛ وذلك أن القرآن أول ما نزل نزل بلغة العرب، والعرب متشتتون متفرقون يسود بينهم الاختلاف والتناحر والتباعد، حتى أن بعضهم لا يكاد يعرف لغة غيره، وقد نزل القرآن في أول الأمر على أحرف -أي: على لغات- من أجل التخفيف على الناس والتسهيل والتيسير عليهم، ولكنه بعد ذلك وفي زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه قصر الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة؛ وذلك أن الأحرف السبعة نزلت في الأول للتخفيف والتسهيل، وهي عدة لغات من لغات العرب، وبعد أن دخل الناس في الإسلام، ووحد الإسلام بين من دخل فيه من العرب، وصار العرب أمة واحدة، وذلت ألسنتهم، واتصل بعضهم ببعض، وعرف كل لغة الآخر، لم يكن هناك حاجة إلى بقاء هذه الأحرف؛ لما يترتب على ذلك من الاختلاف , فـعثمان رضي الله عنه رأى أن من المصلحة ومن الفائدة عند جمعه للقرآن أن يقتصر على حرف واحد وهو حرف قريش أو لغة قريش وأحرق ما سوى ذلك, ومن المعلوم أنه لما كان نزوله أولاً من أجل التخفيف والمقصود الذي نزل من أجله القرآن على هذه الأحرف انتهى باتصال العرب بعضهم ببعض، وفهم بعضهم لغة الآخرين، فلغة قريش إذا اقتصر عليها أو على الحرف الذي نزل بها فإن بقية العرب يعرفون ذلك، وهذا من المصلحة والفائدة.

    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين تسعة وتسعين دليلاً من أدلة سد الذرائع التي توصل إلى محذور، وجعل الدليل التاسع والتسعين من هذه الأدلة: جمع عثمان رضي الله عنه القرآن على حرف واحد؛ لأن البقاء عليها يؤدي إلى الاختلاف، وقد كان نزولها من أجل أنهم كانوا متفرقين، وبعد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى بقائها، لذلك اقتصر على حرف واحد.

    أمثلة للقراءات المتفقة مع رسم المصحف

    وأما القراءات فهي موجودة ولم تنته، وهي موجودة في المصحف، ولهذا جاء رسم المصحف على وجه يشملها ويتحملها ويحتملها؛ وذلك أن الاختلاف بينها يكون بالنقط والشكل، فأما الاختلاف في النقط فمثل: (تعملون ويعملون)، وأما الشكل فمثل: (عجبتَ، وعجبتُ)، والحروف هي نفس الحروف: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12], (بل عجبتُ ويسخرون)، فهذا إنما هو في الشكل مع بقاء الحروف على ما هي عليه، وقد كان رسم المصحف أولاً بدون نقط، والناس يعرفون ذلك، ولكن بعد ذلك احتيج إلى النقط، وصارت بعض القراءات لها هيئة في بعض المصاحف تختص بها، وكذلك القراءات الأخرى على هيئة أخرى، فيأتي في بعض المصاحف (تعملون) وفي بعضها (يعملون) في الموضع الواحد، وهذه قراءة وهذه قراءة، وقد يأتي بزيادة ألف أو نقص ألف، ولهذا جاء الرسم على وجه يحتمل القراءتين مثل: (قال) في سورة الزخرف: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف:24]، وفي آخر سورة الأنبياء: قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [الأنبياء:112] وفي قراءة: (قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون)، فجاء رسم المصحف على وجه يستوعب القراءتين، بأن تكون القاف متصلة باللام في القراءتين كلها، ولكن عندما تأتي قراءة (قل) يجعل ضمة على القاف وسكون على اللام، وعندما تأتي قراءة (قال) يجعل فتحة على القاف واللام مفتوحة والقاف متصلة باللام، ولكن توضع ألف صغيرة بين القاف واللام تدل على المد وعلى أن فيها ألفاً، فلما رسمت القاف متصلة باللام أصبحت تحتمل قراءة (قل) وقراءة (قال)؛ لأن القاف متصلة باللام في قراءة قل، ولكن عند قراءة (قال) القاف مفتوحة وهناك ألف صغيرة بعدها ولا تكون ألفاً واقفة؛ إذ لو جاءت ألف واقفة لم يمكن أن تأتي قراءة (قل)، ولهذا فإنها في المواضع التي تأتي فيها فعل ماض مثل: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]، فالقاف بعدها ألف واقفة واللام مفصولة؛ لأنه لا توجد قراءة سوى (قال)، لكن القراءة التي فيها (قال وقل) تأتي على هذه الهيئة وعلى هذا الرسم، ورسم القرآن يكون بهذه الطريقة، ولهذا لا يجوز أن يغير رسم المصحف، وبعض الناس ممن ليس لديهم فهم وإدراك ينادون بأن يكتب القرآن بالحروف الإملائية التي يتعارف عليها الناس، لكن هذه الكتابة على هذا الوضع لا يمكن معها الاحتفاظ بالرسم الذي يتحمل (قل)، فلا يجوز أن يغير رسم المصحف عما هو عليه، وإنما يبقى ويكون بذلك مستوعباً للقراءات، وقد يكون في بعضها زيادة حرف منفصل مثل (واو) أو ما إلى ذلك، ولكن هذا يكون في بعض المصاحف، ويكون الرسم الواحد لا يتحمل غيره، لكن في بعض المصاحف التي وزعها عثمان رضي الله عنه في الآفاق كل مصحف فيه قراءة أو إشارة إلى قراءات، فالرسم فيه زيادة (واو)، وزيادة (الواو) كما هو معلوم تختلف عن نقص (الواو).

    فعلى هذا فإن المراد بالحروف اللغات، وإن كان المراد بها القراءات فيكون من عطف الشيء على مثيله وعلى نظيره، وهو للتغاير اللفظي فقط مثل قول الشاعر: (وألفوا قولها كذباً وميناً) والمين هو الكذب، ولكن حصل العطف من أجل التغاير باللفظ مع الاتحاد في المعنى.

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]؛ وذلك في حجة الوداع، وهذا قطعة من حديث جابر الطويل، وهو أكمل حديث في صفة الحج، وقد أورده أبو داود في الحج، وهنا أورد هذه القطعة منه وهي قوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، والآية فيها قراءتان: (واتخِذوا) بالأمر (واتخَذوا) بالماضي.

    موافقات عمر للشرع وإلهاماته

    جاء في بعض الروايات الصحيحة أن عمر رضي الله عنه هو الذي اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى, فنزل القرآن مطابقاً لما أشار به عمر رضي الله عنه، وهذه من المسائل التي يقولون عنها: موافقات عمر رضي الله عنه، أي: أنه يقول القول ثم ينزل القرآن مطابقاً له، فأطلق على ذلك موافقات عمر، وهي عديدة منها هذا الموضع.

    ومنها: اقتراحه على النبي عليه الصلاة والسلام أن يحجب نساءه، ومنها: عدم أخذ الفداء في أسارى بدر.

    وهذا مما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون؛ فإن يكن من أمتي أحد فإنه عمر)، والملهَم أو المحدَّث هو: من يقول الشيء فيكون مطابقاً للصواب وللحق، وهذا شأن عمر رضي الله عنه في هذه المسائل، وكذلك أيضاً كان يحصل منه الشيء فيأتي في السنة ما يدل عليه، ومن أمثلة ذلك أنه رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام ولقيه أبو عبيدة بن الجراح وأمراء الأجناد في أثناء الطريق بعدما قرب من بلاد الشام فقالوا له: إن الطاعون قد وقع في الشام ولا نرى أن تدخل بالصحابة على الطاعون، فتعرضهم للفناء، وبعض الصحابة ومنهم أبو عبيدة كان يرى أنه يدخل ولا يرجع، فـعمر رضي الله عنه استشار ثلاث طوائف من الناس، فقال لـابن عباس: ادع لي المهاجرين، فجاء إليه المهاجرون واستشارهم وانقسموا قسمين: منهم من يقول: ادخل ولا تفر من قدر الله, ومنهم من يقول: لا تدخل بالصحابة على الطاعون فيكون ذلك سبباً في موتهم, فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعا له الأنصار، فجاءوا إليه وسألهم، وأجابوا بجواب المهاجرين, وانقسموا قسمين، ثم قال: ادع لي مسلمة الفتح وهم الذين أسلموا عام الفتح وهاجروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الفتح، فدعاهم فاستشارهم فاتفق رأيهم على أنه يرجع، ولم يختلفوا كما اختلف المهاجرون والأنصار، ثم ترجح عند عمر رضي الله عنه الرجوع، وقال: إني مصبح على ظهر، أي: إذا جاء الصباح أركب بعيري وأمشي, فـأبو عبيدة وهو من الذين لا يرون الرجوع ويرون الدخول قال: أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نفر من قدر الله إلى قدر الله, ثم أتى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقد كان معهم ولكنه تغيب لحاجة من الحاجات، فجاء وعلم بالذي حصل من المشاورة، فقال: عندي فيها علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الطاعون وأنتم في بلد فلا تخرجوا فراراً منه، وإن كنتم خارجها فلا تدخلوا عليه).

    فبلغ ذلك عمر فسر؛ لأن اجتهاده جاء مطابقاً لما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا مصداق ما جاء عن النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: (إن يكن في هذه الأمة منهم أحد فإنه عمر) والحديث صحيح.

    فالملهَم هو الذي يجري الصواب على لسانه، ويقول الشيء فيكون موافقاً للصواب، ولا يعني ذلك أنه إذا اختلف الصحابة مع عمر أن الحق يكون مع عمر دائماً وأبداً، فأحياناً قد يكون الحق والصواب مع غيره، ولكن عمر رضي الله عنه إصابته كثيرة، وموافقته للأدلة كثيرة خصوصاً فيما لم يبلغه فيه دليل واجتهد فيه، وقد يكون الحق مع غيره، وبعض المسائل يختلف فيها هو وأبو بكر وغيره من الصحابة فيكون الحق والصواب مع أبي بكر.

    وأورد أبو داود حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] ].

    وهذه هي قراءة الجمهور، والقراءة الثانية وهي قراءة ثابتة وهي بالفتح على الماضي، وهذه بالأمر.

    والماضي إخبار عن أنهم اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي قرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) )

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا حاتم بن إسماعيل ].

    حاتم بن إسماعيل صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا نصر بن عاصم ].

    نصر بن عاصم لين الحديث أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا يحيى بن سعيد ].

    يحيى بن سعيد القطان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    ومعلوم أن هذه الطريق فيها من هو لين الحديث، ولكن جاء الحديث من طريق أخرى وهي الأولى التي فيها عبد الله بن محمد النفيلي وهو ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن، فوجود من هو لين لا يؤثر لوجود موافق له في شيوخ أبي داود وهو عبد الله بن محمد النفيلي .

    [ عن جعفر بن محمد ].

    وهو ابن محمد بن علي بن حسين الملقب الصادق ، وهو صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    محمد بن علي بن حسين ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما الصحابي ابن الصحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويلاحظ أن المصنف رحمه الله لم يذكر إلا باباً واحداً بعد الكتاب بدون ترجمة، والباب مطلق، فكأنه باب واحد يتعلق بالقراءات وبيان القراءات، وكأنه لم يجعل أبواباً؛ لأنها كلها من نوع واحد وهو بيان اختلاف القراءات.

    شرح حديث (أن رجلاً قام من الليل فقرأ... فلما أصبح قال رسول الله: يرحم الله فلاناً كائن من آية أذكرنيها الليلة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى -يعني: ابن إسماعيل - حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً قام من الليل فقرأ فرفع صوته بالقرآن، فلما أصبح قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يرحم الله فلاناً! كائن من آية أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قارئاً يقرأ من الليل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله فلاناً ذكرني آية كنت أسقطها نسياناً)، يعني: أنه عندما يقرأ في بعض الأحيان تسقط عليه آية، وليس المقصود بالنسيان أنه ينسى شيئاً أمر بتبليغه؛ لأن هذا لا يصح ولا يجوز، بل الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ لكل ما أمر به ولا يسقط مما أمر به شيء، ولكنه عندما يقرأ القرآن وهو حافظ له يحصل منه أنه ينسى آية كما هو مشاهد معاين من حفاظ متقنين، فإنه يقرأ ولكنه في بعض الأحيان تسقط عليه آية نسياناً, فهذا هو معنى قوله: (أسقطتها)، يعني: نسياناً.

    مميزات الشريعة المحمدية

    إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ كل شيء من القرآن وغير القرآن، فكل ما أمر به عليه الصلاة والسلام قام بتبليغه على التمام والكمال، ولم يترك شيئاً يحتاج إلى تبليغ أو أمر بتبليغه دون أن يبلغه، فقد بلغ البلاغ المبين، وأدى كل ما عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه, كما جاء عن الإمام الزهري عند البخاري في صحيحه، قال: [ من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم ], فالله تعالى منه الرسالة، وقد حصل أنه أرسل الرسل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وعلى الرسول البلاغ، وهذا قد حصل, فإن الرسل قد بلغوا، وعلينا التسليم، وهذا الذي ينقسم الناس فيه إلى موفق ومخذول, فمن الناس من يسلم ومنهم من لا يسلم، ومنهم من يتقبل الحق ومنهم من يرده، فالذي من الله قد حصل، والذي من الرسول صلى الله عليه وسلم قد حصل، والذي من الناس هذا هو الذي يفترق الناس فيه وينقسمون إلى مستسلم ومنقاد، وإلى معرض ومنحرف عن الجادة وعن الحق والهدى.

    إذاً: فالرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ كل شيء، كما جاء عن أبي هريرة وعن سلمان رضي الله عنهما قال: (علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ -يعني: حتى ما يتعلق بقضاء الحاجة- قال: نعم, أمرنا رسولنا ألا نستنجي برجيع ولا عظم ولا روث)، وذكر شيئاً من آداب قضاء الحاجة، وجاء عن بعض الصحابة أنه قال: [ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحه في السماء إلا وأعطانا منه علماً ] أي: أن الشريعة كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه.

    وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تختصر في ثلاث صيغ: الأولى: صيغة الكمال فلا نقص فيها، ولهذا لا يضاف إليها شيء ويقال: هذه سنة حسنة، بل هي من البدع والأمور المنكرة، فهي لا تحتاج إلى أن تضاف إليها إضافات أو أن تكمل فهي كاملة لا نقص فيها, فهذه من صفات هذه الشريعة، فهي كاملة لا نقص فيها، إذاً فالبدع مردودة كما جاء في الحديث: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه، وفي لفظ لـمسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    والثانية: الخلود والبقاء، فهي مستمرة إلى قيام الساعة ليس لها وقت تنتهي إليه كالرسالات السابقة، ولا أن يأتي رسول بشريعة مع بقاء الشريعة السابقة، وقد يجتمع رسولان في وقت واحد مثل إبراهيم ولوط، فهذا مرسل وهذا مرسل، وكل مرسل إلى قوم، وكل مأمور باتباع من أرسل إليهم، وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فختم الله به الرسالات، ورسالته مستمرة ولا نبي بعده صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهي كاملة لا نقص فيها، ومستمرة لا تنتهي ولا تنقطع ما بقيت الدنيا.

    والثالثة: لزوم اتباع كل أحد لها، وأنه ليس لأحد العذر بأن يتخلى عنها أو أن يقول: أنا لست من أهلها كما يقول اليهود: نحن أصحاب موسى، والنصارى يقولون: نحن أصحاب عيسى، وهذا بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لهم هذا ولا يقبل منهم، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، فاليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة الدعوة، فالأمة أمتان: أمة دعوة وأمة إجابة, فأمة الدعوة هم كل الإنس والجن من حين بعثته وإلى قيام الساعة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه, أي: أنهم مدعوون إلى الدخول في دينه، ومن لم يدخل في دينه بعد بعثته فإنه ليس له إلا النار: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود:17]، وفي هذا الحديث: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني)، فذكر أن النصارى واليهود من أمة الدعوة، (ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، قال بعض السلف: فكنت إذا سمعت الحديث تأملته وجدت مصداقه في القرآن، قال الله عز وجل: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود:17].

    إذاً: فشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم شاملة لكل الناس، ولازمة لكل الإنس والجن, وموجهة لكل من الجن والإنس، وخالدة باقية لا تنتهي، وكاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه.

    فعن عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً قام من الليل فقرأ فرفع صوته بالقرآن)، وهذا يدلنا على جواز رفع الصوت بالقراءة، لكن هذا مشروط فيما إذا لم يحصل أذى في قراءته، فإذا عَرف أن أحداً يتأذى بقراءته فإنه لا يرفع صوته بالقرآن، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه سمع هذا القارئ وترحم عليه؛ لأنه قرأ موضعاً من القرآن كان النبي صلى الله عليه وسلم نسي عنده آية من الآيات, وهذا القارئ إنما قرأ الشيء الذي بلغه النبي صلى الله عليه وسلم, وهذه الآية إنما جاءته عن طريق إبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن لا يعرف إلا عن طريق الرسول عليه الصلاة والسلام. فلما أصبح قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يرحم الله فلاناً كائن من آية أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها). و(كائن) قراءة في كأين من آية: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا [يوسف:105] ووَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ [آل عمران:146]، وجاءت مواضع كثيرة فيها (كأين) وفي قراءة (كائن).

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً قام من الليل فقرأ ... فلما أصبح قال رسول الله: يرحم الله فلاناً كائن من آية أذكرنيها الليلة...)

    قوله: [ حدثنا موسى -يعني: ابن إسماعيل - ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو ابن سلمة بن دينار البصري ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة ].

    عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح سبب نزول قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا خصيف حدثنا مقسم مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (نزلت هذه الآية: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:161] في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول صلى الله عليه وآله وسلم أخذها، فأنزل الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:161] إلى آخر الآية).

    قال أبو داود : يغل مفتوحة الياء ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس : أنه في يوم بدر فقدت قطيفة فقال الناس: لعل الرسول أخذها، ومعلوم أنه إن أخذها فيكون أخذها اصطفاء لا غلولاً؛ لأن الرسول كما هو معلوم يصطفي من الغنيمة ما يشاء، ونصيبه الخمس، وليس المقصود أنهم يريدون أنه غل؛ لأن الغلول محرم ولا يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:161]، وفيها قراءتان: يَغلُ ويُغَلُ، يعني يخون، أو يُغَلُ: يخان, فهذه قراءة وهذه قراءة.

    تراجم رجال إسناد سبب نزول قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل...)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الواحد بن زياد ].

    عبد الواحد بن زياد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا خصيف ].

    خصيف بن عبد الرحمن صدوق سيئ الحفظ أخرج له أصحاب السنن.

    [ حدثنا مقسم مولى ابن عباس ].

    مقسم مولى ابن عباس صدوق أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن ابن عباس ].

    هو

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن ابن عباس رضي الله عنه كان إسلامه بعد الحديبية مع أبيه في زمن متأخر، وهذا يحكي عن قصة وقعت في أول الهجرة وهي وقعة بدر، ومن المعلوم أن الصحابة يروي بعضهم عن بعض، وقد يخبر الصحابي عن شيء لم يشهده وإنما كان قبل إسلامه، وهذا كما يحصل من أبي هريرة عندما يحدث بشيء وقع قبل إسلامه، فـ ابن عباس هنا يحدث بشيء كان قبل إسلامه، ومعلوم أن الروايات إنما هي عن الصحابة، وأنهم كانوا يأخذون عن الصحابة، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن الأحاديث التي صرح فيها ابن عباس بالسماع قليلة جداً؛ لأن أكثر روايته إنما هي عن الصحابة, والحافظ ابن حجر ذكر أنه وقف على مواضع كثيرة صرح فيها بالسماع؛ لأن الذي صرح به بالسماع شاهده ولا توجد واسطة بينه وبينه، وأما ما لم يشاهده فإنما هو من الرواية عن الصحابة.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من البخل والهرم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عيسى حدثنا معتمر قال: سمعت أبي قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من البخل والهرم) ].

    أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من البخل والهرم)، وفيها قراءتان: قراءة البَخل وقراة البُخل، وليس هناك آية في هذا المعنى، وإنما البُخل جاء في القرآن في مواضع متعددة مثل سورة الحديد: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء:37] فهذا دعاء وليس هناك آية بهذا اللفظ, وهي غير مطابقة للباب الذي ذكره اللهم إلا أن يقال: إن الذي جاء في الحديث مثل الذي جاء في القرآن، فيكون هذا قد جاء على روايتين، وهناك تعدد في الرواية، فرواية بفتح الباء والخاء، ورواية بضم الباء وسكون الخاء.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من البخل والهرم)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ].

    محمد بن عيسى الطباع ثقة أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا معتمر ].

    معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت أبي ].

    سليمان بن طرخان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت أنس ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (فقال النبي لا (تحسِبن) ولم يقل لا (تحسَبن) )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: كنت وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فذكر الحديث فقال -يعني: النبي صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لا تحسِبن) ولم يقل: لا تَحْسَبَنَّ [آل عمران:169]) ].

    حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي قال في القراءة: (لا تحسِبن) بكسر السين، والقراءة الثانية: لا تَحْسَبَنَّ يعني: أنه سمعه يقول تحسِبن ولم يقل تحسبَن، ولكن القراءة المشهورة والمعروفة لا تَحْسَبَنَّ [آل عمران:169] بفتح السين، فهذه قراءة وهذه قراءة.

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن سليم ].

    يحيى بن سليم صدوق سيئ الحفظ أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إسماعيل بن كثير ].

    إسماعيل بن كثير أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن عاصم بن لقيط بن صبرة ].

    عن عاصم بن لقيط ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه لقيط بن صبرة ].

    وهو صحابي أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    شرح سبب نزول قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لحق المسلمون رجلاً في غُنَيمة له فقال: السلام عليكم, فقتلوه وأخذوا تلك الغُنَيمة, فنزلت: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94] تلك الغنيمة) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس : أن جماعة من المسلمين كانوا يقاتلون الكفار فلحقوا بصاحب غُنيمة -تصغير غنم- وهي مجموعة من الغنم، فلما جاءوا إليه قال: السلام عليكم، فظنوا أنه قال ذلك من أجل أن يسلم على نفسه وعلى غنيمته، فقالوا: إنما قال ذلك من أجل السلامة، وظنوا أنه ما حصل ذلك منه يعني ظاهراً وباطناً فنزلت الآية: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: تلك الغنيمة، ولهذا قال: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94] يعني: كنتم على الحالة التي كان عليها هو الآن من قبل.

    والقراءات هي: السلام والسلم، والسلم: هو الاستسلام.

    تراجم رجال إسناد سبب نزول قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سفيان ].

    محمد بن عيسى مر ذكره, وسفيان هو ابن عيينة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عمرو بن دينار ].

    عمرو بن دينار ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عطاء ].

    هو ابن أبي رباح أخرج له أصحاب الكتب الستة ثقة.

    و ابن عباس مر ذكره.

    شرح حديث (أن النبي كان يقرأ: (غير أولي الضرر) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سعيد بن منصور حدثنا ابن أبي الزناد، وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا حجاج بن محمد عن ابن أبي الزناد وهو أشبع، عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95] ولم يقل سعيد : كان يقرأ ].

    أورد أبو داود حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، والقراءة الثانية: (غيرِ أولي الضرر), فهذا فيه هذه القراءة، ومعلوم أن فيها قراءات وهي: (غيرَ وغيرُ وغيرِ).

    قوله: [ حدثنا سعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن أبي الزناد ].

    هو عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد تعليقاً، ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن, وعبد الرحمن هذا هو أكبر أولاد أبيه أبو الزناد، فأبوه يكنى بـأبي عبد الرحمن وأبو الزناد ليست كنيته، واسمه عبد الله بن ذكوان, وأبو الزناد لقبه، وهو على صيغة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهذا هو ابنه الذي يكنى به، وهو يروي عن أبيه، وأما الذي اشتهر به أبوه وهو على صيغة الكنية أبو الزناد فهذا لقب وليس بكنية, ومثل أبي هريرة فهذا لقب له وليس كنية، فليس له ولد اسمه هريرة وإنما هو لقب على صيغة الكنية.

    [ ح وحدثنا محمد بن سليم ].

    (ح) للتحول من إسناد إلى إسناد, محمد بن سليمان الأنباري صدوق أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا حجاج بن محمد ].

    حجاج بن محمد المصيصي الأعور ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي الزناد وهو أشبع ]

    يعني: أن الطريق الثانية أتم وأكمل من الطريق الأولى، فقد ذكره من طريقين وكل منهما ينتهي إلى أبي الزناد ، لكن الطريق الثانية التي هي عن شيخ أبي داود محمد بن سليمان الأنباري عن حجاج بن محمد المصيصي عن ابن أبي الزناد أتم وأكمل من الطريق الأولى.

    [ عن أبيه ].

    هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن خارجة بن زيد بن ثابت ].

    خارجة بن زيد بن ثابت ثقة فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو زيد بن ثابت رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ولم يقل سعيد : كان يقرأ ].

    سعيد هو الشيخ الأول وجملة: (كان يقرأ) ليست عنده.

    شرح حديث (قرأ رسول الله (والعينُ بالعين) )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا: حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا يونس بن يزيد عن أبي علي بن يزيد عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والعينُ بالعين)) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ آية: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة:45] قرأها: (والعينُ بالعين)، وكذلك ما بعدها قرأها بالضم: (العينُ بالعين والأنفُ بالأنف والأذنُ بالأذن والسنُ بالسن والجروحُ قصاص)، والقراءة الأخرى بالنصب: الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة:45]، وهناك قراءة ثالثة: كلها بالنصب إلا: الْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] فإنها بالضم.

    إذاً: فهي ثلاث قراءات: قراءة بالنصب فيها جميعاً: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] إلى آخرها، وقراءة ثانية: المنصوب هو: (النفسَ بالنفس والعينَ بالعينَ) فما بعدها مرفوع، والقراءة الثالثة: كله منصوب إلا: (والجروحُ قصاص) فإنها مرفوعة، وهذه القراءات كلها ثابتة وصحيحة، ولكن هذا الإسناد فيه مجهول، وأما عن القراءة فهي ثابتة.

    تراجم رجال إسناد حديث (قرأ رسول الله (والعينُ بالعين) )

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ ومحمد بن العلاء ].

    محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الله بن المبارك ].

    عبد الله بن المبارك المروزي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يونس بن يزيد ].

    يونس بن يزيد الأيلي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أبي علي بن يزيد ].

    أبو علي بن يزيد هو أخو يونس بن يزيد وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود والترمذي .

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه مر ذكره.

    شرح حديث (قرأ رسول الله (والعينُ بالعين) ) من طريق ثانية، وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا نصر بن علي حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا يونس بن يزيد عن أبي علي بن يزيد عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (وكتبنا عليهم فيها أن النفسَ بالنفس والعينُ بالعين) ].

    وهذا مثل الذي قبله.

    قوله: [ حدثنا نصر بن علي ].

    نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبي ].

    أبوه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا يونس بن يزيد ].

    عبد الله بن المبارك فمن بعده هم رجال الإسناد الأول.

    شرح حديث (... (الله الذي خلقكم من ضُعف)...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي قال: (قرأت على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الروم:54]فقال: (من ضُعف), قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قرأتها علي فأخذ علي كما أخذت عليك) ].

    حدثنا محمد بن يحيى القطعي حدثنا عبيد -يعني: ابن عقيل- عن هارون عن عبد الله بن جابر عن عطية عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من ضُعف) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد وكلاهما يتعلق بـ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الروم:54]وفي قراءة: (ضُعف)، فأورد أولاً حديث ابن عمر أن عطية بن العوفي قال: قرأت على عبد الله بن عمر : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الروم:54] فقال: (من ضُعف)، يعني: أنها بضم الضاد بدل فتحها، وقال: إني قرأتها على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنني قلت كما قلت، وأنه أخذ علي كما أخذت عليك، يعني: أنه قال لي: (ضُعف) بدل (ضَعف)، وهما قراءتان، وكذلك الطريقة الثانية.

    ومن حيث ثبوت القراءة فإنها ثابتة، وعطية فيه كلام وهو مدلس، لكن قوله هنا: قرأتها في الأول يفيد الاتصال، وهو صدوق يخطئ كثيراً والقراءة ثابتة.

    والألباني صحح الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث (...(الله الذي خلقكم من ضُعف) ...)

    قوله: [ حدثنا النفيلي حدثنا زهير ].

    زهير بن معاوية ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا فضيل بن مرزوق ].

    فضيل بن مرزوق صدوق يهم، أخرج له البخاري في رفع اليدين ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عطية بن سعد العوفي ].

    عطية بن سعد العوفي صدوق يخطئ كثيراً ويدلس، أخرج له حديثاً البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن عبد الله بن عمر ].

    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: [ حدثنا محمد بن يحيى القطعي ].

    محمد بن يحيى القطعي صدوق أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ حدثنا عبيد -يعني: ابن عقيل- ].

    عبيد بن عقيل صدوق أخرج له أبو داود والنسائي ، وفي بعض النسخ المطبوعة في التقريب أبو داود دون النسائي والصواب أبو داود والنسائي، ففي تهذيب الكمال ذكر في آخر ترجمته أنه أخرج له أبو داود والنسائي، وأيضاً قد جاء في أحاديث عند النسائي فيه عبيد بن عقيل هذا.

    [ هارون ].

    هارون بن موسى ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن عبد الله بن جابر ].

    عبد الله بن جابر مقبول أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن عطية عن أبي سعيد ].

    أبو سعيد هو سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح قراءة أبي: (بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا)، وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أسلم المنقري عن عبد الله عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى قال أبي بن كعب رضي الله عنهما: (بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا).

    قال أبو داود : بالتاء ].

    أورد أبو داود حديث أبي بن كعب رضي الله عنه في قراءة: (بفضل الله فلتفرحوا) والقراءة المشهورة: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، فهذا فيه الإشارة إلى هذه القراءة (فلتفرحوا)، وكما قلت: فهذه من القراءات التي يكون فيها الفرق بالنقط؛ لأن هنا قراءة (يفرحوا) وقراءة (تفرحوا) وكلها قراءات صحيحة.

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو العبدي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أسلم المنقري ].

    أسلم المنقري ثقة أخرج له أبو داود .

    [ عن عبد الله ].

    عبد الله مقبول أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والنسائي .

    [ عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى ].

    عبد الرحمن بن أبزى صحابي صغير أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بن كعب ].

    أبي بن كعب رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح قراءة أبي: (بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا) من طريق ثانية، وتراجم رجال إسنادها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا المغيرة بن سلمة حدثنا ابن المبارك عن الأجلح حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ: (بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون) ].

    أورد أبو داود طريقاً أخرى، وفيها الإشارة إلى القراءة في (يفرحوا) و(يجمعون) وهي: (تفرحوا وتجمعون)، والقراءة المشهورة (يفرحوا) و(يجمعون), وكلها قراءات ثابتة.

    وفي الأول نسب القراءة إلى أبي, وهنا: عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ، وكلاهما قراءة ثابتة.

    قوله: [ حدثنا محمد بن عبد الله ].

    هو ابن المبارك المخرمي وهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا المغيرة بن سلمة ].

    المغيرة بن سلمة ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن المبارك عن الأجلح ].

    الأجلح صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي ].

    وقد مر ذكرهم.

    شرح حديث (أن النبي قرأ: (إنه عَمِل غير صالح) ) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ: (إنه عَمِلَ غير صالح) ].

    أورد أبو داود حديث أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: (إنه عَمِلَ غير صالح) يعني: بالفعل الماضي، و(غير) منصوبة على أنها معمول للفعل الماضي، أي: إنه عمل عملاً غير صالح، والقراءة المشهورة: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرَ صَالِحٍ [هود:46], وكل منهما قراءة صحيحة ثابتة.

    قوله: [ حدثنا موسى بن اسماعيل عن حماد عن ثابت ].

    ثابت بن أسلم البناني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شهر بن حوشب ].

    شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أسماء بنت يزيد ].

    أسماء بنت يزيد رضي الله عنها صحابية، أخرج لها البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    شرح حديث (أن النبي قرأ (إنه عَمِل غير صالح) ) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو كامل حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن المختار - حدثنا ثابت عن شهر بن حوشب قال: سألت أم سلمة رضي الله عنها: (كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ هذه الآية: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] فقالت: قرأها: (إنه عمِلَ غير صالح)) ].

    وهذا مثل الذي قبله.

    قوله: [ حدثنا أبو كامل ].

    هو فضيل بن حسين الجحدري ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن المختار - ].

    عبد العزيز بن المختار ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ثابت عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ].

    يعني: أن الحديث هنا عن أم سلمة وهناك عن أسماء، وأم سلمة هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    وقد يرد هنا احتمال وهو: أن كنية أسماء هي أم سلمة، ذكر هذا الحافظ في النكت الظراف، لكن يشكل على هذا أن الإمام أحمد أخرج هذا الحديث في مسنده عن أم سلمة هند بنت أبي أمية .

    [ قال أبو داود : رواه هارون النحوي وموسى بن خلف عن ثابت كما قال عبد العزيز ].

    هارون النحوي هو هارون بن موسى الذي مر.

    [ وموسى بن خلف ].

    موسى بن خلف صدوق له أوهام أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والنسائي .

    [ عن ثابت كما قال عبد العزيز ].

    يعني: مثل رواية عبد العزيز .

    و موسى بن خلف ذكروا في ترجمته أنه يعد من الأبدال، والأبدال ما نعلم فيهم حديثاً إلا حديث: (إن الله يبعث لكل أمة من يجدد لها دينها على رأس كل مائة سنة), فإن هذا هو الثابت، والمقصود بالأبدال الذين يأتي بهم الله عز وجل بعدما يذهب أناس نفع الله بهم، وهم مرجع للناس، ويبينوا للناس أمور دينهم، فيأتي بأناس يحلون محلهم ويقومون مقامهم، والشخص إذا كان معروفاً مشهوراً متميزاً يقولون فيه مثل هذه الكلمة مثل عبد الرحمن بن أبي الحاتم يقال عنه مثل هذه الكلمة: كان يعد من الأبدال.

    1.   

    الأسئلة

    أفضلية الجمع بين تعلم القراءات والفقه في الدين

    السؤال: هل يستحب تعلم القراءات والاشتغال بذلك عن الفقه في الدين؟

    الجواب: كون الإنسان يشتغل بها عن الفقه في الدين ليس جيداً، بل يتفقه في الدين ويتعلم القراءات لكي يجمع بين الحسنيين.

    حكم الصلاة بقراءة غير معروفة لدى المصلين

    السؤال: هل يستحب القراءة بإحدى هذه القراءات في بلاد الحجاز؟

    الجواب: البلاد التي نشأت على قراءة معينة لا يصلح أن يقرأ فيها بغير هذه القراءة؛ لأن هذا يشوش على الناس, لكن كون الإنسان يتعلم ويقرأ بالقراءات من أجل التعلم فهذا طيب، وأما كونه يأتي إلى بلاد لا يعرفون إلا قراءة واحدة ثم يصلي بهم ويقرأ قراءة تشوش عليهم فهذا لا يصلح.

    حكم التجويد

    السؤال: ما حكم تعلم التجويد؟

    الجواب: تعلم التجويد من الأمور المستحبة, فكون الإنسان يقرأ قراءة مجودة فهذا من الأمور المستحبة، وسبق أن ذكرت في مناسبات متعددة كلام الحافظ بن حجر الذي ذكره عند شرح حديث ابن مسعود : (هذاً كهذ الشعر) في صحيح البخاري, قال: لا خلاف بين أهل العلم -أو عبارة نحوها- أن القراءة بالتجويد أحسن وأفضل، وأنه يجوز القراءة بدونه.

    تقديم الأكثر حفظاً للإمامة

    السؤال: رجل حافظ غير مجود ورجل مجود غير حافظ أيهما يقدم للصلاة؟

    الجواب: الإنسان الأكثر حفظاً إذا كانت قراءته سليمة هو الأولى.

    أصل علم القراءات

    السؤال: ما هو السبب في الاختلاف في القراءات، وما منشأ ذلك رغم أن القراء أخذوا من أئمة محدودين، وما أثر هذا الخلاف في الأحكام؟

    الجواب: الخلاف أصله مأخوذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقراءات إنما هي مأخوذة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أين تأتي القراءات إلا من الرسول عليه الصلاة والسلام؟! لكنها اشتهرت بأسماء أناس معينين وإلا فإن أصلها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    حكم لبس الأحمر الخالص

    السؤال: هل لبس الجاكيت الأحمر الخالص فوق الثوب الأبيض أو غيره من الألوان يدخل في النهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الأحمر؟

    الجواب: هناك حديث يدل على لبسه، وحديث يدل على عدم لبسه، فقيل: إن المقصود بذلك إذا كان خالصاً، يعني: أن النهي يحمل على ما إذا كان خالصاً، وأما إذا كان معه لون غيره فلا إشكال فيه.

    والذي يبدو أن اللبس هو لكل قطعة, ولا يكون معناه: أنه لو كان عليه ثوب آخر غير أحمر يزول المحذور، لا.

    حكم كتابة المصحف بالرسم الإملائي للحاجة

    السؤال: في اختبار القرآن نحن نكتب آيات القرآن بالكتابة الإملائية، فهل هذا يدخل في باب الرخصة أو لا يجوز لنا؟

    الجواب: الإنسان الذي يعرف القراءة يكتبها على رسمها، ومادام أن الإنسان يكتب كتابة خاصة لنفسه وهو لا يعرف القراءات فله أن يكتب؛ لأن كتابته هذه لا تعتبر مرجعاً للقرآن.

    الاختلاف في مكان مقام إبراهيم

    السؤال: هل صحيح أن المقام كان ملاصقاً للكعبة، ثم حول من مكانه في زمن عمر ؟

    الجواب: فيه قولان مشهوران ذكرهما ابن كثير، وأنا ذكرت في الفوائد المنتقاة القولين، والأدلة على كونه في مكانه الذي هو فيه الآن، أو أنه كان تحت الكعبة ثم أخر.

    حكم تحريك المقام من مكانه والصلاة عنده

    السؤال: هل يجوز تحريك المقام من مكانه في زمننا للمصلحة؟

    الجواب: فيه خلاف: هل يؤخر أو لا يؤخر؟ ولكن الأولى أن يبقى في مكانه، وقبل ذلك كان يحجز مكاناً؛ لأنه كان فيما مضى على شكل غرفة إلى عهد قريب، وفي زمن الملك فيصل رحمه الله جعل على هذا الوضع الذي هو عليه كأنه عمود لا يؤثر، وأيضاً صار على وجه مدور وليس له زوايا بحيث أنها تؤثر, ومن قبل كان على شكل حجرة مرتفعة وعليه شبك من جميع الجهات، والآن جعل في هذه الزجاجة التي هي على شكل عمود، فالعلماء اختلفوا في زمن فيصل رحمه الله، ولكن رأوا أنه يبقى في مكانه وألا يغير، والمحذور الذي كان موجوداً قد زال بوجوده على وجه لا يؤثر.

    لكن على القول بأنه كان عند الحجر ثم أخر وعلى القول بأن هذا هو مكانه وأن هذا هو موضعه ففيه إشكال، ولكن كونه الآن على هذا الوضع الذي هو عليه فإنه على وجه لا يؤثر؛ لكونه مثل العمود وهو مدور، ولا يحصل به ضرر فبقاؤه هو المناسب، وإذا طاف الناس من ورائه فلا يجوز لأحد أن يصلي في المكان؛ لأن الطائفين في المكان أولى من المصلين, فالمصلين يصلون في مكان بعيد من المسجد، ولكن الطائفين يطوفون حول الكعبة، فالذي يأتي ويصلي عند المقام مع كثرة الازدحام هذا خطأ؛ لأن هذا إيذاء للناس وإضرار بهم؛ لأنه يترتب عليه ازدحام، وكون الناس يسقط بعضهم على بعض بسبب وجود واحد يصلي، ثم يستدير الناس حوله ويمنعون الناس من أن يطئوه، فهذا إضرار بالناس لا يجوز.

    حدّ الغيبة

    السؤال: إذا ذكرت شخصاً في نفسي بما يكره هل يعد هذا غيبة؟

    الجواب: لا, الغيبة هي الذكر والكلام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل)، ولكن الإنسان لا يبقي الشيء الذي في ذهنه ويثبته وينميه، وإنما يصرف نفسه عنه.

    حفظ القرآن بجمع عثمان له

    السؤال: إذا كانت الحروف التي نسخها عثمان رضي الله عنه تعتبر قرآناً فإن ذلك ينافي قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]؟

    الجواب: معلوم أن حفظه على وضعه هذا هو حفظه، وأما تلك فقد كانت نزلت من أجل التخفيف، والسبب الذي نزلت من أجله قد زال، وقبل ذلك طلب الزيادة ثم طلب الزيادة حتى وصل إلى سبعة أحرف، ولهذا الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على هذا، وأقروا عثمان على هذا العمل، فلو كان ذلك أمراً لازماً متحتماً ما تركوه، إذاً فالقرآن محفوظ، وأما الشيء الذي نزل من أجله التخفيف فقد زال وانتهى, ولا يقال: إنه ترك شيئاً تكفل الله بحفظه؛ لأن هذا الموجود هو الذي تكفل الله بحظفه، والقرآن الذي هو على حرف واحد مشتمل على القراءات.

    الاستدلال بحديث (لو أن فيكم محدثين...) على فضل عمر على سائر الصحابة

    السؤال: هل حديث: (لو أن فيكم محدثين لكان عمر) دليل على أن عمر رضي الله عنه أفضل الصحابة؟

    الجواب: لا, بل يدل على فضله لا على أفضليته، ومعلوم أن أبا بكر أفضل منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً يدل على أنه لا يمكن أن يساويه أحد، والحديث ليس معناه أن هذا الذي حصل لـعمر مقصور عليه، وهناك أمور مقصورة على أبي بكر كالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً), فأخبر عن أمر لا يكون أن لو كان كيف يكون، وأمر ما وقع ولا يقع، لكن لو وقع فإن الأولى به أبو بكر رضي الله عنه, فهذا يدل على أفضليته على غيره؛ لأنه أخبر عن شيء لا يكون وهو أن يتخذ الرسول خليلاً، لكنه لو كان متخذاً خليلاً لكان الخليل المتخذ هو أبا بكر رضي الله عنه.