إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [442]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بالرقيق أن جعل لهم ما يستخلصون به من رقهم، ومنه: المكاتبة، وتكون بأن يتفق العبد مع سيده على مبلغ من المال منجماً مقابل حريته، فإن وفى فهو حر وإلا فهو عبد ما بقي عليه درهم، وإن باعه سيده انتقل إلى السيد الجديد بما كان له عند الأول، ويعتبر في الحرية الولاء، فهو لحمة كلحمة النسب، ويكون الولاء لمن أعتق، ومن اشترط الولاء دون أن يعتق فشرطه باطل.

    1.   

    ما جاء في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت

    شرح حديث (المكاتب عبد ما بقي من مكاتبته درهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب العتق.

    باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت.

    حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو بدر حدثني أبو عتبة إسماعيل بن عياش حدثني سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المكاتب عبد ما بقي من مكاتبته درهم) ].

    أورد أبو داود كتاب العتق، والعتق: هو إزالة الرق وتحول المملوك إلى الحرية، فبعد أن كانت منافعه مملوكة لغيره صارت منافعه مملوكة له، فيتصرف في نفسه كيف يشاء، وكان قبل ذلك لا يتصرف في نفسه بل منافعه ملك لسيده.

    وأورد المصنف باباً في المكاتب يؤدي بعض كتابته ثم يعجز أو يموت. أي: أن العبد يتفق معه سيده على أن يدفع له مقداراً من المال منجماً كأن يدفع له في السنة كذا، ثم إذا دفع ذلك المقدار الذي اتفق معه عليه فإنه يعتق بعد أن يؤدي الذي عليه، وإن أدى بعض ما عليه وعجز عن الباقي فإنه باق على عبوديته ورقه، وإن مات مات وهو رقيق، فالمال الذي وصل إلى سيده هو مال حصل عليه من عبده، ولم يصل العبد إلى الحرية بل إنه مات في أثناء ذلك، فمات وهو عبد.

    وأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المكاتب عبد ما بقي من مكاتبته درهم)، ومعناه: أنه لا تحصل له الحرية إلا إذا أدى كل ما عليه، فإذا أدى كل ما عليه حصلت له الحرية، وأما إن مات قبل أن يؤدي ما عليه فإنه يموت وهو عبد، أو يكون قد عجز ولم يستطع أن يسدد الشيء الذي عليه فإنه يبقى عبداً، وإنما تحصل له الحرية فيما إذا سدد الذي عليه ولم يعجز عن التسديد، وإلا فإنه يكون عبداً، فالمكاتب يعتبر عبداً ما بقي عليه درهم من مكاتبته، فإذا سدد آخر قسط، أو طلب المساعدة من غيره فجمع مالاً ودفعه لسيده فإنه يعتق بذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (المكاتب عبد ما بقي من مكاتبته درهم)

    قوله: [ حدثنا هارون بن عبد الله ].

    هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أبو بدر ].

    هو شجاع بن الوليد ، صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبو عتبة إسماعيل بن عياش ].

    أبو عتبة إسماعيل بن عياش صدوق إذا روى عن الشاميين، وهذا من روايته عنهم، ومخلط في غيرهم، وحديثه أخرجه البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن.

    [ عن سليمان بن سليم ].

    سليمان بن سليم شامي ثقة، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن عمرو بن شعيب ].

    عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    شعيب بن محمد وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وجزء القراءة وأصحاب السنن.

    عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى حدثني عبد الصمد حدثنا همام حدثنا عباس الجريري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد).

    قال أبو داود : ليس هو عباس الجريري ، قالوا: هو وهم، ولكنه شيخ آخر ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله في أن من كاتب فلا يزال في الرق إلى أن يسدد ما عليه، إلا أن اللفظ الأول كان أشد مبالغة من الثاني ومعناهما واحد. هذا قال: إذا كاتب على مائة دينار وبقي عليه عشرة -أي العُشر- وأما ذاك فهو أخص، لأنه قال: ما بقي درهم، وهو شيء قليل جداً، ولكن النتيجة واحدة والمؤدى واحد، وكلا الطريقين دال على أنه لا يكون حراً إلا إذا سدد الذي عليه.

    مسألة: هل يجوز للسيد بيع المكاتب أثناء دفعه للأقساط؟

    والجواب: نعم يجوز بيعه، ولكنه ينتقل إلى المشتري كما كان عليه عند البائع.

    تراجم رجال إسناد حديث (أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد...)

    قوله: [ قال حدثنا محمد بن المثنى ].

    محمد بن المثنى أبو موسى العنزي الملقب بـالزمن ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عبد الصمد ].

    عبد الصمد بن عبد الوارث ، صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    همام بن يحيى العوذي ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عباس الجريري ].

    عباس الجريري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده ].

    عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مر ذكرهم.

    قال أبو داود : [ ليس هو عباس الجريري ، قالوا: هو وهم، ولكنه شيخ آخر ].

    وهذا يوجد في بعض النسخ، فإن كان الجريري فهو ثقة، وإن كان غيره فالحديث الذي قبله متابع له.

    شرح حديث (إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا سفيان عن الزهري عن نبهان مكاتب أم سلمة ، قال: سمعت أم سلمة رضي الله عنها تقول: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) ].

    أورد أبو داود حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه)، وهذا يفيد أن المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي أن سيدته تحتجب منه ولم لم يكن قد أدى؛ لأن المرأة لا تحتجب من مملوكها، وقد جاء في القرآن استثناؤه مع من استثني: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31] ، ولكنه إذا كوتب ثم أدى آخر ما عليه احتجبت منه؛ لأنه صار أجنبياً ولا علاقة له بها، وهذا مثل الرجل إذا تزوج المرأة وطلقها فإنها تحتجب منه؛ لأنه لا علاقة له بها، فكذلك المرأة لا تحتجب عن عبدها ولكنه إذا عتق فإنها تحتجب منه.

    وهذا اللفظ يخالف ما تقدم لأنه لا يعتبر حراً أن الحرية إلا إذا سدد آخر ما عليه، ولهذا جاء في الحديث السابق: (عبد ما بقي عليه درهم) ، ويمكن أن يقال: إن هذا الاحتجاب على سبيل الاحتياط، ما دام أنه في طريقه إلى التسديد، ولكن الحرية لا تحصل إلا بعد التسديد، وحصول الحرية هو الذي يجعل المولى والرقيق ليس داخلاً في ملك سيدته ومولاته، فلا يكون امتناعها من الاحتجاب عنه إلا إذا حصل التسديد الذي حصل به العتق.

    والحديث في إسناده شخص متكلم فيه، وعلى هذا فما تقدم في الحديثين السابقين الدالين على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم هو الراجح، وما دل عليه هذا الحديث مخالف للحديث المتقدم، والحديث المتقدم هو الصحيح، فيكون الاحتجاب إنما هو بعد حصول العتق وليس قبل ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه)

    قوله: [ حدثنا مسدد بن مسرهد ].

    مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا سفيان عن الزهري ].

    سفيان بن عيينة ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، والزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نبهان مكاتب أم سلمة ]..

    نبهان مكاتب أم سلمة مقبول، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أم سلمة ]..

    أم سلمة رضي الله عنها هند بنت أبي أمية أم المؤمنين، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    * تنبيه: الكفالة الموجودة في الوقت الحاضر ليست مثل المكاتب كما يظن البعض؛ لأن الكفيل يطلب من المكفول دفع مبلغ معين كل سنة، وهذا ما ليس له علاقة بباب الرق والعتق، كما أن هذا العمل غير سائغ، فالإنسان عندما يكون كافلاً لأحد معناه أنه استقدمه ليشتغل عنده، ويحصل الأجر في مقابل عمله، فهذا هو الأمر السائغ، وأما أن يأتي به ويفلته ثم ذاك يكتسب ويعطي الكفيل بعض المال في مقابل كفالته فهذا غير صحيح، وليس هذا مما تقره الدولة عندما أذنت وسمحت باستقدام العمال، فإنه يؤتى به ليعمل تحت نظره وإشرافه، أو يعمل له ويحصل أجراً على ذلك، وأما كونه يأتي بأناس يكفلهم ثم يرسلهم ويعطونه في كل شهر أو في كل سنة مقداراً من المال، فهذا غير صحيح.

    1.   

    ما جاء في بيع المكاتب إذا فسخت المكاتبة

    شرح حديث (... ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة : (أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: أن بريرة رضي الله عنها جاءت عائشة تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتاعي فأعتقي؛ فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن شرطه مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق) ].

    أورد أبو داود باباً في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة، ومعناه: أن بيع المكاتب سائغ لأنه عبد، والعبد يجوز بيعه، وهو عبد ما بقي عليه درهم.

    وقد أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة ، ومكاتبة أهلها لها على تسع أواق، وأنها لم تقض منها شيئاً، وأنها جاءت إلى عائشة أم المؤمنين تطلب منها أن تعينها بمقدار من المال من أجل أن تدفعه لأهلها، فـعائشة رضي الله عنه وأرضاها أرادت أنها تدفع المبلغ كله وتعتقها ويكون الولاء لها، فلما جاءت إلى أهلها وأخبرتهم قالوا: إن كانت تريد أن تساعدك وتحتسب الأجر على الله عز وجل فلها ذلك ويكون الولاء لنا وهذا معناه: أن الولاء يكون لهم وهم غير معتقين، فهي التي ستعتق وليسوا هم.

    فهم أرادوا أن يكون لهم الولاء، وما كانوا يعرفون الحكم الشرعي في ذلك، وظنوا أنه ما دام حصلت المكاتبة من قبلهم، وأنها في طريقها للعتق، فهم من أعتقها، لكن الأمر ليس كذلك؛ لأن عائشة تريد أن تشتريها وأن تعتقها، ويكون ولاؤها لها، فأبوا، ولما أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تبتاعها وأن تعتقها، وأن الولاء لها، لأن الولاء إنما يكون لمن أعتق، ولا يحصل الولاء شخص غير معتق؛ لأن الولاء مثل النسب لا يصير إلا لمن حصل منه العتق، ولا يباع ولا يوهب.

    (وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتاعي فأعتقي).

    يعني: اشتريها أنت وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق، فأنت لم تعطيها مساعدة من أجل أن تذهب بها إلى قومها ثم يعتقونها ويكون الولاء لهم، وإنما أنت دفعت كل المبلغ الذي طلبوه منها؛ لتتولي عتقها فيكون ولاؤها لك.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس، وبين لهم الأمر، وكان من عادته عليه الصلاة والسلام أنه إذا بلغه شيء عن أناس حصل منهم أمر لا يسوغ فإنه يخطب ويقول: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا)، ولا يسمي الذين حصل منهم، فيكون بذلك قد بين الحكم الشرعي لسائر الناس، والذين حصل منهم المخالفة يعرفون أنفسهم، ويعرفون أنه قد حصل منهم ذلك فيتركونه، وغيرهم ممن لم يكن له دخل في هذا الموضوع يعرف الحكم الشرعي، فكان هذا من هديه ومن طريقته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا من كمال خلقه عليه الصلاة والسلام، أنه ما كان يصرح ويعلن أسماءهم، وأنه حصل منهم كذا وكذا، وإنما أتى به بهذه الطريقة التي تفيدهم وتفيد غيرهم.

    قوله: (ابتاعي فأعتقي؛ فإنما الولاء لمن أعتق) حصر للولاء فيمن حصل منه العتق، ولو كان امرأة، والنساء لا يرثن بعصوبة النفس إلا في باب الولاء فقط؛ لأن النساء إما عصبة بالغير، أو عصبة مع الغير، ولا يكن عصبة بالنفس، ولكن في باب الولاء تكون المعتقة عصبة بالنفس، ولهذا يقول الرحبي:

    وليس في النساء طراً عصبه

    إلا التي منت بعتق الرقبة

    أي: وليس في النساء جميعاً عصبة بالنفس إلا التي أعتقت، فإنها تكون عاصبة بنفسها.

    قوله: (ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله).

    المقصود من هذا كونهم قالوا: إن أرادت أن تحتسب الأجر عند الله بكونها تساعدك بهذا المبلغ ويكون الولاء لنا؛ لأننا قد كاتبناك ودخلنا معك في أمر يؤدي إلى العتق، فإذاً: يكون الولاء لنا.

    قوله: (من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن شرطه مائة مرة).

    قوله: (في كتاب الله)، المقصود به حكم الله، وسواء كان ذلك في كتاب الله عز وجل أو سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، سواء في القرآن المتلو المتعبد بتلاوته والمتعبد بالعمل به، أو في السنة التي هي شقيقة القرآن، والتي هي مثل القرآن في وجوب العمل بها.

    ويمكن أن يقصد بقوله: (في كتاب الله) القرآن، ولكن تدخل السنة في عموم قوله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، ولهذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لما ذكر النامصة والمتنمصة: ( ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله، فقالت امرأة: إنني قرأت المصحف من أوله إلى آخره فما وجدت فيه هذا الذي تقول، فقال رضي الله عنه: إن كنت قرأته فقد وجدته، قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] ]، فكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مأمور به بالكتاب، إذاً فهذا من أوامر الكتاب ومما أمر به الكتاب.

    فإما أن يكون المقصود به القرآن وتكون السنة داخلة في مثل هذا الأمر العام، أو أنه يراد به حكم الله؛ فيكون ذلك مشتمل على الكتاب وعلى السنة.

    وقوله: (شرط الله أحق وأوثق)، يعني: هو الذي يعول عليه، وكل شرط لم يأت ثبوته وإقراره بالشرع، أو لم يأت في الشرع ما يمنع منه فإنه لا يعول عليه، وإنما يعول على ما ثبت في الشرع كتاباً أو سنة.

    تراجم رجال إسناد حديث (... ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة وقتيبة بن سعيد ].

    عبد الله بن مسلمة مر ذكره.

    و قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا الليث ].

    الليث بن سعد المصري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب مر ذكره.

    [ عن عروة ].

    عروة بن الزبير بن العوام ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    من أحكام المكاتبة والولاء

    جاء في ترجمة أبي داود للباب قوله: [ إذا فسخت الكتابة ]، ومعنى ذلك: إذا حصل الاتفاق على فسخها ثم حصل البيع، ومعلوم أنه يمكن أن تفسخ الكتابة فيما بين السيد والعبد ويمكن أن تبقى، ولكن يباع المكاتب ويدفع المبلغ، ويحل المشتري محل البائع، بمعنى: أنه يسدد له ثم يعتق، ويكون ولاؤه لمن أعتقه، أي: أنه في الحالين يمكن أن تفسخ المكاتبة بين السيد والعبد، فهي بهذه الطريقة التي حصلت بينها وبين عائشة لأنها ما سددت أي شيء من المبلغ، فكأن المكاتبة فسخت بينها وبينهم؛ لأن أولئك باعوها وأخذوا كامل المبلغ، وتلك اشترتها وأعتقتها، ويمكن أن يكون قد سُدِّد شيء ويتفق البائع مع المشتري على أنه يدفع له المبلغ، وهذا يحل محله بالتسديد، ثم يصير العتق بعد ذلك.

    ثم ما هو الولاء؟ وماذا يستفيد المعتق من الولاء؟

    الولاء كما قال العلماء: لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب، والفائدة فيه: أنه ينسب إلى مولاه، ولهذا يقال: فلان مولاهم، يعني: الذي كان عتيقاً لهم ينسب إليهم نسبة ولاء.

    وكذلك يحصل الميراث، فلو مات ذلك العتيق وليس له بنون ولا أب، ولا أحد يرثه؛ فإن الذي أعتقه يرثه، ومعلوم أن الإرث بالولاء متأخر عن الإرث بالنسب؛ لأن الذين يرثون بالنسب مقدمون على الذين يرثون بالولاء، فمعنى ذلك: أن العبد أو العتيق إذا مات وليس له ورثة من نسبه فإن المعتق يستفيد أنه هو الذي يرثه، ولا يذهب ماله إلى بيت المال؛ لأن له وارثاً.

    شرح حديث (ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق...) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاءت بريرة رضي الله عنها لتستعين في كتابتها فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقالت: إن أحب أهلك أن أعدها عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت فذهبت إلى أهلها -وساق الحديث نحو الزهري ، زاد في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخره- ما بال رجال يقول أحدهم: أعتق يا فلان والولاء لي! إنما الولاء لمن أعتق) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله.

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل عن وهيب ].

    موسى بن إسماعيل مر ذكره، وهيب بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ، عن أبيه ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وأبوه وعائشة مر ذكرهما.

    شرح حديث (... أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني حدثني محمد -يعني: ابن سلمة - عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: (وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق رضي الله عنها في سهم ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه أو ابن عم له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين، قالت عائشة رضي الله عنها: فجاءت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها، فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مكانها، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث ، وإنما كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس ، وإني كاتبت على نفسي، فجئتك أسألك في كتابتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فهل لك إلى ما هو خير منه؟! قالت: وما هو يا رسول الله؟! قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: قد فعلت، قالت: فتسامع -يعني: الناس- أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في سببها مائة أهل بيت من بني المصطلق).

    قال أبو داود : هذا حجة في أن الولي هو الذي يزوج نفسه ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها في قصة جويرية بنت الحارث بن المصطلق رضي الله تعالى عنها وأنها وقعت في السبي، وكانت من سهم ثابت بن قيس بن شماس ، وأنها كاتبته على نفسها، واتفقت معه على أنها تجمع مقداراً من المال، فإذا سددته فإنها تعتق، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعين به على كتابتها كما حصل من بريرة مع عائشة عندما جاءت تستعين بها على كتابتها، وهذه جاءت تستعين بالنبي صلى الله عليه وسلم على كتابتها، أي: تطلب منه مقداراً من المال يساعدها في الوصول إلى ما تريد من العتق، وذلك بدفعه إلى ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه.

    قالت عائشة : (وكانت امرأة ملاحة) يعني: فائقة الجمال (تأخذها العين) أي: أن العين إذا وقعت عليها فإنها تعجب بها، وخشيت أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآها أنه يحصل منه مثل الذي حصل منها بكونها أعجبتها فتعجبه، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أمر كتابتها فقال: (هل لك ما هو خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟! قال: أدفع عنك وأتزوجك، قالت: قد فعلت) فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فتسامع الناس وانتشر الخبر، فقال الناس: هؤلاء هم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقوا ما بأيديهم إكراماً لأصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: (فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها؛ أعتق في سببها مائة أهل بيت من بني المصطلق).

    والمقصود من ذلك: أن المكاتب يتم بيعه ويتم إعتاقه، والولاء لمن أعتق.

    ثم قال أبو داود : وفي الحديث دليل على أن الولي هو الذي يزوج نفسه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أعتقها وصار ولياً لها؛ لأن المعتق ولي ووارث، وليس هناك أحد يلي زواجها، فأبوها قيل إنه لم يسلم في ذلك الوقت، وإنما أسلم بعد الزواج، والرسول هو الولي فهو الذي يزوج نفسه، أي: هو الولي والزوج فيكون منه الإيجاب والقبول.

    تراجم رجال إسناد حديث (... أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك...)

    قوله: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني ].

    عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثني محمد -يعني: ابن سلمة - ].

    محمد بن سلمة الحراني الباهلي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ابن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن جعفر بن الزبير ].

    محمد بن جعفر بن الزبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة بن الزبير ].

    عروة بن الزبير مر ذكره.

    [ عن عائشة ].

    عائشة مر ذكرها.

    1.   

    ما جاء في العتق على الشرط

    شرح أثر (أعتقك وأشرط عليك أن تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عشتَ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في العتق على الشرط.

    حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا عبد الوارث عن سعيد بن جمهان عن سفينة رضي الله عنه قال: كنت مملوكاً لـأم سلمة رضي الله عنها، فقالت: أعتقك وأشرط عليك أن تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عشت، فقلت: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقتني واشترطت علي ].

    أورد أبو داود رحمه الله باباً في العتق على شرط، أي: أن ذلك سائغ إذا كان شرطاً معلوماً، وكان شيئاً محدداً ليس شيئاً مبهماً أو شيئاً ليس له أمد، فإنه سائغ بأن يقول مثلاً: أعتقك على أن تخدم لمدة شهر أو لمدة سنة، لكن كونه يكون دائماً وأبداً فإن هذا ينافي مقتضى العتق، ولكن الذي ورد في الحديث شيء يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم وملازمته شرف عظيم لمن يحصل له، وكان الصحابة يتنافسون في ذلك ويحرصون عليه، ويحبون كثيراً أن يخدموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لهم صلة وثيقة بالنبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الملازمة، كأن يكون أحدهم مولاه أو خادماً له.

    وإذا أعتق الإنسان عبداً على أن يخدمه ما عاش كان هذا منافياً لمقتضى العتق، وكأنه ما أعتقه، ولكن إذا حدد مدة سنة أو شهر أو أي زمن معلوم فإنه يعتق، قالوا: وإذا كان دائماً فإنه يشتري منه هذه الخدمة التي التزم بها، أي: يعتق ولكنه يدفع له مقابل هذا الذي لا يمكنه أن يأتي به، ولأنه ينافي مقتضى العتق؛ لأن معنى ذلك أنه سيخدمه ما عاش مثل الرقيق، إذاً: ما الفرق بينه وبين الرقيق؟ لكن الذي ورد فيه الحديث شرف كان يحرص عليه كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    أورد أبو داود حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أعتقته أم سلمة رضي الله تعالى عنها واشترطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنني لا أفارقه حتى أموت، يعني: وإن لم يحصل ذلك فأنا يعجبني ويهمني أن أرافقه وأن ألازمه حتى أموت، فأعتقته واشترطت عليه خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد أثر (أعتقك وأشرط عليك أن تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عشتَ...)

    قوله: [ حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا عبد الوارث ].

    مسدد بن مسرهد مر ذكره، وعبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن جمهان ].

    سعيد بن جمهان صدوق له أفراد، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن سفينة ].

    سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن.

    1.   

    الأسئلة

    انقطاع النكاح بالسبي

    السؤال: هل قصة جويرية رضي الله عنها تدل على أن السبي يقطع النكاح السابق إثر وقوع السبي مباشرة؟

    الجواب: السبي يقطع النكاح، ولكن إن م تكن حاملاً فإنه لابد من استبرائها بحيضة ويقطع النكاح السابق، كما حصل لـ مثل صفية رضي الله عنها، فقد سبيت عام خيبر، فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، فالسبي يقطع النكاح، ولكنها تستبرأ.

    لكن إذا أسلم الزوجان لم ينقطع النكاح، ويبقيان على نكاحهما.

    جواز أن يكون العتق مهراً

    السؤال وهل يكون العتق مهراً؟

    الجواب: نعم. يمكن أن يكون مهراً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، وهنا في قصة جويرية دفع مبلغاً من المال في مقابل عتقها؛ لأنه اشتراها شراء، وأما صفية فقد كانت له في السهام.

    حكم عتق الكافر ومكاتبته

    السؤال: هل يجوز عتق الكافر ومكاتبته؟

    الجواب: يجوز، لكن عتق المسلم أولى من عتق الكافر.

    توجيه رؤية الرسول لوجه جويرية

    السؤال: هل في حديث جويرية دلالة على كشف الوجه والنظر إلى الأجنبية؟

    الجواب: النظر إلى الأجنبية لا يجوز، ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم على اعتبار أنه سيخطبها، ومعلوم أن الخاطب له أن ينظر إلى المخطوبة، أو أنه رآها لأول وهلة وبعد ذلك كف بصره.

    توجيه كون سفينة مولى للرسول والمعتق إنما هو أم سلمة

    السؤال: كيف كان سفينة مولى لرسول صلى الله عليه وسلم والمعتق إنما أم سلمة ؟

    الجواب: الولاء لها، ولكن الفائدة والمنفعة والسبب في العتق هو خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: أنه مولاه في الخدمة، وأما من ناحية العتق فمعتقه هي أم سلمة .

    حكم تصدق المرأة من مالها بغير إذن زوجها

    السؤال: هل يدل حديث بريرة على أن للمرأة أن تتصدق من مالها من غير إذن زوجها لفعل عائشة رضي الله عنها؟

    الجواب: نعم يدل على ذلك، والحديث ليس فيه صدقة وإنما فيه بيع وشراء؛ لأن الذي حصل هو شراء، وإن كانت بريرة جاءت تستعين؛ وتطلب منها الصدقة والمساعدة لكن الذي أرادته عائشة هو أن تشتريها وتدفع المبلغ كله وتعتقها، ويكون الولاء لها.