إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [398]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت الشريعة بحفظ الضرورات الخمس ومنها الأموال فحرمت ما يضر به أو يضيعه، وأوجبت ما يطهره كالزكاة، وأجازت المعاملات التي تنميه وتباركه ما لم تكن من طريق حرام. ومن ذلك بيع العربون، وبيع ما لا يملك، وسلف وبيع أو شرطان في بيع.

    1.   

    ما جاء في العربان

    شرح حديث (نهى رسول الله عن بيع العربان)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في العربان.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قرأت على مالك بن أنس أنه بلغه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان)

    قال مالك : وذلك فيما نرى والله أعلم: أن يشتري الرجل العبد أو الدابة ثم يقول: أعطيك ديناراً على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك].

    أورد أبو داود هذه الترجمة (باب في بيع العربان)، وهو العربون، ومعناهما واحد، وهو الذي يقدمه الإنسان لسلعة ثم يترك ولا يواصل البيع، أو يقول لهم: إن أتيت لك بالباقي وإلا فإن العربان يكون لك. هذا هو المقصود ببيع العربان.

    وقد أورد فيه أبو داود حديثاً ضعيفاً لم يثبت؛ لأن فيه انقطاعاً فقد قال: بلغني، أي أن هناك وسائط محذوفة، وهو غير ثابت من حيث الإسناد، والعلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال باعتبار ذلك، ومنهم من قال بعدم اعتباره، والحديث لم يثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (نهى رسول الله عن بيع العربان)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قرأت على مالك بن أنس أنه بلغه عن عمرو بن شعيب ].

    عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص صدوق أخرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    شعيب بن محمد صدوق أخرج له البخاري في جزء القراءة والأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن جده ].

    عبد الله بن عمرو بن العاص وهو جدهم جميعاً جد شعيب وجد ابنه عمرو ، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    دخول العربان في البيع والإجارة

    [ أن يشتري الرجل العبد أو يكاري الدابة ].

    يعني سواء كان عربوناً على بيع أو على استئجار.

    وإذا أعطى البائع عربوناً على أنه إذا لم يتم البيع أعاد له العربون فهذا جائز، وليس فيه إشكال.

    1.   

    ما جاء في الرجل يبيع ما ليس عنده

    شرح حديث (لا تبع ما ليس عندك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يبيع ما ليس عنده.

    حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام أنه قال (يا رسول الله! يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي فأبتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك) ].

    أورد أبو داود باباً في الرجل يبيع ما ليس عنده، أي: أنه ليس له ذلك، وإنما يبيع الشيء الذي يملكه وهو في حوزته، وأما الشيء الذي ليس عنده فلا يبرم الاتفاق عليه، ولكنه يقول إن لم يكن عنده: أنا أبحث لك، وإن وجدت جئتك به، أما كونه يجري الاتفاق معه ويتم البيع بينه وبينه وهو ليس في حوزته وليس في ملكه فهذا ممنوع، وأما إذا لم يحصل اتفاق، ولكنه قال: أنا ليس عندي وسأبحث عنه فإن وجدته أتيتك به، ويكون الاتفاق بعد الحضور؛ فهذا لا بأس به، وإنما المحذور أن يتفق معه وليس المبيع بحوزته، فيبيعه شيئاً لا يملكه، والإنسان لا يبيع إلا ما يملك وما هو عنده وفي حوزته وتحت تصرفه.

    أورد أبو داود حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أنه قال: يأتيني الرجل يشتري مني الشيء فلا يكون عندي فأشتريه له ثم أبيعه له، أي: فهو يتفق معه ثم يذهب يبتاعه ويبيع عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبع ما ليس عندك) لأنه قد يجري البيع ثم يبحث عن المبيع ولا يجد، فمعناه: أنه أبرم على غير أساس وعلى شيء غير موجود، وقد لا يحصل، فليرجئ البيع حتى يتم الملك، وحتى يوجد الشيء الذي يباع.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تبع ما ليس عندك)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا أبو عوانة ].

    أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بشر ].

    أبو بشر هو جعفر بن إياس المشهور بـابن أبي وحشية وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يوسف بن ماهك ].

    يوسف بن ماهك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حكيم بن حزام ].

    حكيم بن حزام رضي الله عنه صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    إذا أراد البيع وقال: سآتيك بالسلعة وهي ليست عنده، فلا يفعل، ولكن إذا وعده وقال: سآتيك بها ثم يكون البيع، فلا بأس.

    لكن الواقع أن بعض المحلات التجارية إذا طلبت منه السلعة وليس عنده يمهل المشتري ويحضرها له من جاره ويبيعها له، ثم فيما بعد يحاسب جاره على قيمتها، وكون المشتري يعلم بأن الشيء ليس عنده وسيحضره من غيره وهو يجب أن تكون الأغراض التي اشتراها من مكان واحد دفعة واحدة؛ هذا لا بأس به إذا كان هكذا، أما كونه يحاسبه ويتفق معه ويأخذ منه النقود والسلعة غير موجودة فهذا هو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (لاتبع ما ليس عندك) أما كونه يقول عن أشياء: ليست عندي لكن سأذهب لآتي لك بها من جاري أو من غيري، فيجلس وينتظره فهذا لا بأس، وكونه لا يحاسب جاره إلا فيما بعد لا فرق.

    أما كونه يعطيه المال من أجل أن يشتري له سلعة موصوفة في ذمته فجائز، وهذه وكالة.

    شرح حديث (لا يحل سلف وبيع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل عن أيوب حدثني عمرو بن شعيب حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل سلف وبيع) ولعل المقصود بالسلف القرض، فيقول: أبيعك هذه السلعة على أن تقرضني كذا، فيكون هذا البيع معه قرض، والقرض جر نفعاً، وقد أجمع العلماء أن على كل قرض جر نفعاً فهو ربا، فيكون هذا القرض قد بني على بيع، ويترتب على هذا الشرط أنه حصلت فائدة بسبب القرض، فيكون ذلك من قبيل الربا المحرم، أو من قبيل البيع على أن يسلفه بشيء غائب إلى أجل.

    (ولا شرطان في بيع) قيل المراد بالشرطين مثل بيعتين في بيعه، أو صفقتين في صفقة، فيكون محرماً.

    وأما الشروط الفاسدة فغير معتبرة قلت أو كثرت، والمقصود: شرطان ليسا من قبيل ما هو محرم ولا من قبيل ما هو جائز، وإنما من قبيل اجتماع شيئين في شيء واحد؛ بأن تكون بيعتان في بيعة، فيكون هذا مثالاً لما يدخل تحت هذا البيع، أو مثل العينة بأن يقول: أشتري منك هذه السلعة بثمن مؤجل, وأبيعها عليك بثمن معجل أقل، فيكون أيضاً من قبيل بيعتين في بيعة، فيكون الشرطان الممنوعان ما كانا من هذا القبيل.

    وأما إذا كانت الشروط صحيحة لا محذور فيها فلا بأس، وإذا كانت الشروط فاسدة فقليلها وكثيرها ممنوع لا يجوز، وإنما المقصود الذي يكون من هذا القبيل.

    (ولا ربح ما لم تضمن) يعني: كون الإنسان يربح شيئاً هو غير ضامن له لو تلف، بل يتلف على حساب غيره، وذلك لأن الربح تابع للضمان، إذ إن الغرم بالغنم.

    وأما ربح ما لم يضمن، مثل الإنسان الذي يشتري السلعة ثم يتركها عند البائع، فلو ضاعت أو تلفت كانت على حساب البائع؛ لأنها بحوزته ما سلمت، فإذا باعها الذي اشتراها قبل أن يقبضها وربح فيها فمعناه أنه ربح في شيء هو غير ضامن له.

    (ولا بيع ما ليس عندك) هو الذي مر في حديث حكيم بن حزام .

    تراجم رجال إسناد حديث (لا يحل سلف وبيع)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    زهير بن حرب أبو خيثمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وقد أخرج له مسلم كثيراً، وهو الشيخ الثاني بعد أبي بكر بن أبي شيبة من حيث كثرة الأحاديث؛ لأن مسلماً خرج لـأبي بكر بن أبي شيبة ألفاً وخمسمائة حديث، وخرج لـأبي خيثمة زهير بن حرب ألفاً ومائتي حديث، وهو مكثر عنهما، ولكن إكثاره عن أبي بكر بن أبي شيبة أكثر من إكثاره عن أبي خيثمة زهير بن حرب .

    [ حدثنا إسماعيل ].

    هو ابن علية ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أيوب ].

    أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن شعيب عن أبيه ].

    عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مر ذكرهم.

    في السند عمرو بن شعيب قال: حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو ، كأن المقصود به عن أبيه الذي هو جده؛ لأن الجد أب.

    معنى قوله (ولا شرطان في بيع)

    قوله: (ولا شرطان في بيع) هو مثل بيعتين في بيعة؛ لأن بيعتين في بيعة هي بمعنى الشرطين في بيع، مثل أن يقول: هو حاضر بكذا وغائب بكذا، ثم يأخذه دون أن يعين، فصار كأنه دخل في أمرين مبهمين لم يعين واحداً منهما، ولو عين واحداً منهما زال الإشكال، لو دخل على أنه حاضر ناجز يكون حاضراً ناجزاً، وإن دخل على أنه غائب ومؤجل وبالتقسيط يكون دخل على أنه غائب، لكن كونه دخل على الإبهام صار بمثابة بيعتين في بيعة أو صفقتين في صفقة أو شرطين في بيع.

    قال الخطابي : ولا فرق بين أن يشترط عليه شيئاً واحداً أو شيئين؛ لأن العلة في ذلك كله واحدة وذلك لأنه إذا قال: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقصره لي, فإن العشرة التي هي الثمن تنقسم على الثوب وعلى أجرة الإقصار. اهـ.

    ولكن هذا لا بأس به وليس فيه محذور، وكون الإنسان يشتري منه ويقول: قصره أو اعمل فيه كذا أو كمله لا بأس بذلك ومادام أن البائع سيتولى تكميله على الصورة التي يريدها فلا بأس بذلك.

    قال الخطابي : وإذا صار الثمن مجهولاً بطل البيع، وكذلك هذا في الشرطين وأكثر، وكل عقد جمع تجارة وإجارة فالسبيل في الحساب هذا السبيل. اهـ.

    على كل: تفريق الصفقة معروف, ويمكن أن يحصل البيع بشيئين وتتفرق الصفقة، بأن يكون هذا له ما يستحقه وهذا له ما يستحقه.

    فإذا جاء إنسان عنده القماش وهو الخياط واتفق معه على أن يعطيه قماشه وأجرة خياطته بكذا فلا بأس، كما لو باعه شيئاً جاهزاً وثوباً كاملاً يستفيد منه على الوجه الذي يريد، فمثل ذلك لا بأس به.

    1.   

    ما جاء في شرط في بيع

    شرح حديث قصة بيع جمل جابر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في شرط في بيع.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى -يعني: ابن سعيد - عن زكريا حدثنا عامر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بعته -يعني: بعيره- من النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشترطت حملانه إلى أهلي -قال في آخره-: تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك؟! خذ جملك وثمنه فهما لك) ].

    أورد أبو داود: (باب في شرط في بيع)، ومعلوم أن الشرط في بيع إما أن يكون صحيحاً وإما أن يكون غير صحيح، فإن كان صحيحاً فالبيع صحيح والشرط صحيح، وإن كان غير صحيح فيفسد الشرط ويبقى البيع، مثل قصة بريرة واشتراط أهلها الولاء لهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أقر البيع وألغى الشرط؛ لأنه شرط باطل، وعلى هذا فالشروط إما أن تكون صحيحة -سواء كانت شرطاً واحداً أو أكثر- فهي معتبرة، وإن كانت غير صحيحة فهي فاسدة وغير معتبرة.

    أورد أبو داود حديث جابر في قصة بيعه جمله من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا في طريقهم إلى المدينة، وكان قد أعيا وصار وراء الجيش، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضربه ودعا له، فصار يسبق غيره، والرسول قال: (بعنيه بكذا، فباعه إياه واشترط ظهره إلى المدينة)، أي: أن يستمر راكباً عليه إلى المدينة، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل المدينة وأراد أن يسلمه الثمن قال: (تراني ماكستك) يعني لما قال: بعنيه بكذا، بعنيه بكذا, (لآخذ جملك! خذ جملك ودراهمك)، فأعطاه الدراهم التي اتفق معه عليها، وأعطاه الجمل الذي اشتراه منه صلى الله عليه وسلم.

    والحاصل: أن الشرط الصحيح معتبر، والشرط الفاسد غير معتبر.

    [ واشترطت حملانه إلى أهلي ].

    يعني: أن يركبه إلى أن يصل إلى المدينة؛ لأنه اشتراه في الطريق.

    قال في آخره: (تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك).

    أي: ترى أنني لما قلت: بعني بكذا بعني بكذا أريد أن أحصل على جملك برخص, خذ جملك ودراهمك. فأعطاه الدراهم وأعطاه الجمل صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث قصة بيع جمل جابر

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى -يعني: ابن سعيد - ].

    يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زكريا ].

    زكريا بن أبي زائدة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عامر عن جابر ].

    عامر بن شراحيل الشعبي ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و جابر بن عبد الله الأنصاري

    رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.