إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [392]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشريعة قائمة على ركنين: عبادات ومعاملات. وقسم المعاملات واسع جداً؛ وفيه أحكام وخلافات كثيرة ومعلومة. ولكن ما نص الشارع على تحريمه وجب الانتهاء عن إتيانه. ومن ذلك النهي عن كسب الإماء، وعسب الفحل وغير ذلك.

    1.   

    كسب الإماء

    شرح حديث (نهى عن كسب الإماء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كسب الإماء.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن محمد بن جحادة قال: سمعت أبا حازم أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كسب الإماء) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي باب في كسب الإماء، والمقصود من ذلك الكسب الذي يكون عن طريق الزنا أو الشيء الذي يكون مشكوكاً فيه أو فيه ريبة، وأما إذا كانت الأمة تكسب بالغزل أو الخياطة أو الغسل أو التنظيف على وجه يؤمن معه حصول الأمر المحرم؛ فإن ذلك كسب حلال ومباح ولا شيء فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث (نهى عن كسب الإماء)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبي ].

    معاذ بن معاذ العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن جحادة ].

    محمد بن جحادة وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي حازم ].

    هو سلمان الأشجعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    شرح حديث (نهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة حدثني طارق بن عبد الرحمن القرشي قال: جاء رافع بن رفاعة رضي الله عنه إلى مجلس الأنصار فقال: (لقد نهانا نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اليوم فذكر أشياء ونهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها وقال هكذا بأصابعه، نحو الخبز والغزل والنفش) ].

    أورد أبو داود حديث رافع بن رفاعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أشياء محرمة، وذكر من بينها كسب الأمة إلا ما عملت بيدها، يعني الشيء الذي اكتسبته بعملها بيدها كغزل أو خياطة أو نحو ذلك من الأشياء التي تعملها بيدها، وأما إذا كان الكسب عن طريق محرم أو مشتبه فإنه هو المقصود بالنهي عن كسب الأمة.

    قوله: [ (إلا ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغسل والنفش) ].

    يعني: نفش الصوف، فهو يكون متلبداً فينفش حتى يهيأ للغزل؛ لأنه إذا أخذ من ظهور الدواب يكون متلبداً وملتصقاً بعضه ببعض، فيحتاج إلى ينفش حتى يصلح أن يغزل. والغزل هو غزل الصوف حتى يكون خيوطاً فيتخذ منه فرشاً أو عباءة أو غير ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (نهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها)

    قوله: [ حدثنا هارون بن عبد الله ].

    هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا هاشم بن القاسم ].

    هاشم بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عكرمة ].

    عكرمة بن عمار وهو صدوق يغلط، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني طارق بن عبد الرحمن القرشي ].

    طارق بن عبد الرحمن القرشي وهو ثقة، أخرج له أبو داود.

    [ عن رافع بن رفاعة ].

    رافع بن رفاعة وهو صحابي صغير، أخرج له أبو داود .

    شرح حديث (نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك عن عبيد الله -يعني ابن هرير - عن أبيه عن جده رافع -هو ابن خديج - رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو) ].

    أورد أبو داود حديث رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن كسب الأمة حتى يعرف من أين هو، يعني: حتى يعلم أنه من حلال، ومعنى هذا أنه إذا كان حراماً أو أنه مشتبهاً فيه فإنه منهي عنه، وإن كان معلوماً عن طريق الغزل أو النفش أو الخبز أو غير ذلك مما هو من عمل يدها فإنه يكون مباحاً.

    تراجم رجال إسناد حديث (نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا ابن أبي فديك ].

    هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله يعني ابن هرير ].

    وهو مستور، أخرج له أبو داود.

    [ عن أبيه ].

    هو هرير بن عبد الرحمن مقبول، أخرج له أبو داود.

    [ عن جده رافع ].

    صحابي مر ذكره.

    والحديث في إسناده من هو مستور ومن هو مقبول، ولكن الأحاديث التي مرت تقويه.

    1.   

    حلوان الكاهن

    شرح حديث (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في حلوان الكاهن.

    حدثنا قتيبة عن سفيان عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي باب في حلوان الكاهن يعني: في تحريمه، وهو ما يعطاه مقابل الكهانة، فهو حرام؛ لأن الكهانة حرام، وما يؤخذ عليها يكون حراماً، وكسب الكاهن من المكاسب المحرمة الخبيثة التي لا تجوز، ولا يجوز فعل الكهانة ولا أخذ العوض عليها، ومعروف قصة أبي بكر رضي الله عنه في الغلام الذي أتى له بطعام فأكله ثم قال له: أتدري من أين هذا؟! تكهنت في الجاهلية لرجل فأعطاني هذا، فـأبو بكر رضي الله عنه أدخل أصبعه في فمه فاستقاء ما في بطنه.

    تراجم رجال إسناد حديث (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن)

    قوله: [ حدثنا قتيبة ].

    قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان عن الزهري ].

    سفيان هو ابن عيينة المكي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والزهري مر ذكره.

    [ عن أبي بكر بن عبد الرحمن ].

    أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وفقهاء المدينة السبعة ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، ومختلف في السابع، فالستة المتفق عليهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعروة بن الزبير بن العوام ، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال:

    قيل: هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .

    ولـابن القيم رحمه الله كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين -إعلام بكسر الهمزة- وليس أعلام بفتحها، فهو ليس تراجم للأعلام بل هو إعلام بمعنى إخبار، فهو إعلام الموقعين، يعني المفتين عن الله عز وجل، والمبينين للأحكام التي شرعها الله عز وجل، وقد ذكر ابن القيم في أول كتاب إعلام الموقعين جماعة من أهل الفتوى في الأمصار في زمن الصحابة وزمن التابعين ومن بعدهم، ولما جاء عند ذكر فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين جعل السابع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وذكر بيتين في جمعهم:

    إذا قيل من في العلم سبعة أبحر

    روايتهم ليست عن العلم خارجه

    فقل هم عبيد الله عروة قاسم

    سعيد أبو بكر سليمان خارجة

    وقافية كل بيت تنتهي بقوله (خارجه) وهذه من البلاغة في هذين البيتين.

    والفقهاء السبعة لقب يأتي ذكرهم به على سبيل الإجمال في بعض المسائل، مثل مسألة زكاة العروض يقال: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، فبدلاً من أن يقال: قال بها أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وفلان وفلان يختصر ذلك فيقال: الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة.

    [ عن أبي مسعود ].

    عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه، وهو مشهور بكنيته، واسمه عقبة بن عمرو ، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد يتصحف أبو مسعود إلى ابن مسعود كثيراً، مثل ما جاء في بعض طبعات كتاب سبل السلام في الحديث المشهور عن أبي مسعود : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) فإنه قال فيه: عن ابن مسعود، وصوابه عن أبي مسعود وليس ابن مسعود.

    1.   

    عسب الفحل

    شرح حديث (نهى عن عسب الفحل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في عسب الفحل.

    حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا إسماعيل عن علي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عسب الفحل) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة باب في عسب الفحل، يعني: حكمه، وعسب الفحل هو أخذ الأجرة على نزوه على الأنثى، فالفحل من الحيوانات ينزو على الإناث، فأخذ الأجرة على نزوه منهي عنه؛ لأن هذا من الأمور التي ينبغي أن تكون مبذولة فيما بين الناس، ثم أيضاً فيها جهالة، وأيضاً هو شيء لا يقدر على تسليمه، وذلك أن الفحل قد ينزو ولا ينزو، فكيف يأخذ الإنسان شيئاً مقابل لا شيء، وهو إنما ينزى من أجل أن يخرج منه ماء فتحمل منه الأنثى، فقد يحصل منه أنه ينزو ولا يحصل حمل.

    إذاً: هو شيء غير مقدور على تسليمه، وهو شيء مجهول، ولا يدرى هل يحصل حمل أو لا يحصل، فإذا بذل بالمجان وبدون مقابل، فذلك لا يؤثر، إن حصل حمل فالحمد لله، وإن لم يحصل شيء فليس هناك شيء أخذ في مقابل ذلك. والحاكم استدرك هذا الحديث على البخاري مع أنه في صحيح البخاري، فـالحاكم أحياناً يستدرك أحاديث على الصحيحين وهي موجودة في الصحيحين، فيكون هذا من أوهامه، حيث يقول: وهذا الحديث على شرط البخاري ولم يخرجه، وهو قد أخرجه، مثل هذا الحديث فإن البخاري رحمه الله أخرجه في كتاب الإجارة.

    وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: وقد وهم الحاكم فقال: إنه على شرط البخاري ولم يخرجه، وقد أخرجه كما هنا، ولعله بحث عنه في كتاب البيوع فلم يجده فنفى وجوده في صحيحه، بسبب أنه بحث عنه في غير مظنته، ومعلوم أن البخاري رحمة الله عليه يأتي بالأحاديث في أبواب كثيرة، فقد يورد الحديث في غير مظنته، فيترتب على ذلك أن الحاكم يبحث عنه في مكان يظن أنه فيه فلا يجده، فعند ذلك يحكم بأنه لم يخرجه.

    وبعض أهل العلم أجاز عسب الفحل إذا كان ينزو على عدد معين من الحيوانات، ولكن الحديث واضح في أن أخذ الأجرة على ذلك منهي عنها مطلقاً، حتى لو أخذ الأجرة بشرط وجود الحمل فإن هذا لا يجوز.

    إذاً: لا يجوز بيع عسب الفحل، لكن إذا جعل ماء الفحل في أنابيب، ولقحت بها البقر مثلاً، فهذا لا بأس ببيعه؛ لأنه شيء معلوم مشاهد، وليس فيه جهالة.

    وقد أجاز بيع عسب الفحل مالك وشبهه بعض أصحابه بأجرة الرضاع وإبار النخل، ولكن بينهما فرق، فالتأبير موجود فيه الغبار الذي ينتقل، وكذلك الرضاع موجود في الثدي الحليب، وكما هو معلوم أن الاسترضاع جائز، والظئر التي ترضع تأخذ الأجرة على رضاعها، وهذا ليس مثل النزو الذي قد يحصل منه شيء، وقد لا يحصل منه شيء، ثم هو أيضاً لا يكون باستمرار مثل الرضاع، وإنما يكون مرة واحدة قد يكون فيها ماء، وقد لا يكون فيها ماء.

    تراجم رجال إسناد حديث (نهى عن عسب الفحل)

    قوله: [ حدثنا مسدد بن مسرهد ].

    مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ حدثنا إسماعيل ].

    إسماعيل بن علية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علي بن الحكم ].

    علي بن الحكم وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن نافع ].

    نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    نجاسة الكلب

    السؤال: في حديث رافع بن خديج دلالة على أن الكلب نجس؛ لأن ثمنه خبيث فذاته أولى بالخبث؟

    الجواب: لعابه من أشد الأشياء نجاسة؛ ولهذا صار تطهيره بكيفية خاصة، وهو أنه يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن بالتراب، فنجاسته مغلظة، لكن ليس معنى ذلك أن من لمس جسده أصابته نجاسة.

    ونجاسة كلب الصيد كغيره، إلا أنه يعفى عما لامس بلعابه من الصيد، ومع ذلك ينظف المكان الذي عض الصيد فيه.

    حكم استعمال الكلب في حدائق الحيوان للحراسة

    السؤال: ما حكم استعمال الكلب في حدائق الحيوان للحراسة؟

    الجواب: الذي ورد في الحرث والماشية والصيد، فالحديقة إذا كانت تحتاج إلى حراسة لوجود زرع فيها، أو أشياء ثمينة، والناس بحاجة إلى حراستها بالكلاب؛ فلا بأس.

    1.   

    الصائغ

    شرح حديث (لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى [ باب في الصائغ.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي ماجدة قال: قطعت من أذن غلام أو قطع من أذني، فقدم علينا أبو بكر رضي الله عنه حاجاً فاجتمعنا إليه، فرفعنا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عمر : إن هذا قد بلغ القصاص، ادعوا لي حجاماً ليقتص منه، فلما دعي الحجام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إني وهبت لخالتي غلاماً وأنا أرجو أن يبارك لها فيه فقلت لها: لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً ولا قصاباً) ].

    أورد أبو داود (باب في الصائغ)، والصائغ هو الذي يصوغ الحلي وينقله من كونه كسراً وقطعاً إلى كونه حلياً يتجمل به ويتحلى به ويستفاد منه في الزينة، وهذا العمل إذا أتي به على الوجه المشروع وابتعد فيه عن الربا أو الغش وسلم من الأمور المحرمة؛ فإنه لا بأس به، فما يأخذه الصائغ في مقابل الذهب الذي صاغه لا بأس به إذا خلا من أمر محرم.

    أورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيه أن أبا ماجدة قال: قطعت من أذن غلام أو قطع من أذني فقدم علينا أبو بكر حاجاً فاجتمعنا إليه، فرفعنا إلى عمر. يعني: أنهم تخاصموا إليه فأحالهم إلى عمر ليقضي بينهم.

    وقوله: قطعت من أذن غلام أو قطع من أذني، هذا شك من الرواة الذين هم دون صاحب القصة.

    فقال عمر رضي الله عنه: (إن هذا قد بلغ القصاص) معناه أنه يستحق أن يقطع من أذنه مثلما قطع من أذن صاحبه، فقال: (ادعوا لي الحجام) أي من أجل أن يقطع المقدار المقابل من الجاني.

    فلما دعي الحجام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني وهبت لخالتي غلاماً وأنا أرجو أن يبارك لها فيه، وقلت لها: لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً ولا قصاباً) .

    يعني: أوصاها ألا تسلمه إلى حجام يعلمه الحجامة، فالحجامة فيها مخالطة الدم، ويتعرض الحجام إلى شيء من هذه القاذورات والأوساخ التي تخرج من جسد الإنسان بواسطة الحجامة، وأيضاً أوصاها ألا تسلمه إلى صائغ ليعلمه الصياغة؛ لأن عمله قد يكون فيه شيء من الربا أو غير ذلك من المحذورات الشرعية.

    وأيضاً أوصاها ألا تسلمه إلى قصاب، وهو الجزار الذي يخالط الدم ويكون في ثيابه دم، وهذا الحديث ضعيف.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد بن سلمة ].

    حماد بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا محمد بن إسحاق ].

    محمد بن إسحاق المدني وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن العلاء بن عبد الرحمن ].

    العلاء بن عبد الرحمن الحرقي وهو صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي ماجدة ].

    أبو ماجدة وهو مجهول أخرج له أبو داود .

    [ عن عمر ].

    عمر رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث علته أبو ماجدة أو ابن ماجدة فإنه مجهول، وأما ابن إسحاق فهو مدلس، ولكنه جاء في بعض الطرق التي سيذكرها المصنف وفيها تصريحه بالسماع.

    شرح حديث (لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    [ قال أبو داود : روى عبد الأعلى عن ابن إسحاق قال ابن ماجدة رجل من بني سهم: عن عمر بن الخطاب ].

    ذكر أبو داود طريقاً أخرى للحديث، وفيه أن ابن إسحاق قال: ابن ماجدة -رجل من بني سهم- وهذا زيادة تعريف له، وقال ابن ماجدة بدل أبو ماجدة في الطريق الأولى.

    وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يوسف بن موسى حدثنا سلمة بن الفضل حدثنا ابن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن الحرقي عن ابن ماجدة السهمي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه ].

    قوله: [ حدثنا يوسف بن موسى ].

    صدوق أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في مسند علي وابن ماجة .

    [ حدثنا سلمة بن الفضل ].

    سلمة بن الفضل صدوق كثير الخطأ، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير.

    [ حدثنا ابن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن ابن ماجدة عن عمر ].

    قد مر ذكرهم.

    شرح حديث (لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الفضل بن يعقوب حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثنا العلاء بن عبد الرحمن الحرقي ].

    وهذا الطريق فيه تصريح ابن إسحاق بالتحديث والسماع من العلاء بن عبد الرحمن الحرقي .

    قوله: [ حدثنا الفضل بن يعقوب ].

    الفضل بن يعقوب صدوق أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن ابن ماجدة عن عمر ].

    قد مر ذكرهم.

    1.   

    العبد يباع وله مال

    شرح حديث (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في العبد يباع وله مال.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، ومن باع نخلاً مؤبراً فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع) ].

    أورد أبو داود باباً في العبد يباع وله مال، يعني: لمن يكون هذا المال الذي بيده؟ هل يكون للبائع أو يكون للمبتاع الذي هو المشتري؟

    أورد أبو داود حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من باع عبداً وله مال فماله لبائعه إلا أن يشترط المبتاع) يعني: أن البيع حصل على عين العبد فقط، والمال الذي بيده يكون للبائع؛ إلا أن يشترط المبتاع ويقول: أشتريه والمال الذي بيده.

    والعبد لا يملك، وما في يده يكون لمالكه، والأصل أن ما بيد العبد هو لسيده، وليس له، فيكون للبائع، ولكن إن اشترط المبتاع ذلك فإنه يكون له، ومثل ذلك أيضاً النخل المؤبر، قال: (ومن اشترى نخلاً قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترط المبتاع) أما إذا كان لم يؤبر فإنه يكون داخلاً في المبيع ويكون للمشتري، ولكن بعد أن يخرج من أكمامه ويؤبر، فإنه يكون للبائع؛ لأنه نماء ماله، فهو مثل الولد المنفصل الذي يكون مع أمه من بهيمة الأنعام، فإنه يكون لبائع الأم وليس للمشتري، وهكذا الثمر المؤبر إلا إذا اشترط المشتري أن يكون ذلك الثمر الذي أبر له، فإنه يكون له بالشرط، أما إذا خلا العقد من ذكر من له الثمرة بعد التأبير أو المال الذي بيد العبد؛ فإنه يكون للبائع، وإن حصل اشتراط المشتري على البائع أنه له فالعبرة بهذا الشرط الذي حصل بينهما.

    تراجم رجال إسناد حديث (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم ].

    سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.

    [ عن أبيه ].

    قد مر ذكره.

    شرح حديث (من باع عبداً وله مال فماله للبائع ...) من طريق أخرى وذكر الاختلاف فيها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقصة العبد ].

    أورد أبو داود الحديث عن ابن عمر عن عمر بقصة العبد، يعني أن من باع عبداً وله مال فماله لبائعه ما لم يشترط المبتاع، وليس فيه ذكر التأبير.

    والتأبير هو تلقيح النخل، يؤخذ شيء من طلع النخل الذكر ويشق الوعاء الذي فيه الثمرة فيوضع أجزاء مما في النخلة الذكر في النخلة الأنثى، وبذلك يصلح، وإلا فإنه يكون شيصاً بمعنى أنه لا يكون جيداً إذا خلا من التأبير، بل يكون حبات صغيرة مستطيلة، وفي ذلك القصة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (أنتم أعلم بدنياكم).

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر ].

    وهذا الإسناد خماسي، وفيه رواية صحابي عن صحابي.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة النخل ].

    يعني دون ذكر العبد، فهو عكس الأول، فالطريق الأول في قصة العبد دون التأبير، والطريق الثاني في قصة النخل دون العبد، والطريق الذي قبلهما جمع بين قصة العبد وقصة النخل.

    [ قال أبو داود : واختلف الزهري ونافع في أربعة أحاديث هذا أحدها ].

    يعني بعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا.

    شرح حديث جابر (من باع عبداً وله مال ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني سلمة بن كهيل قال: حدثني من سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع) ].

    أورد أبو داود حديث جابر رضي الله عنه في قصة العبد، وهو: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)، وفي إسناده رجل مجهول، ولكن هو مطابق لما تقدم، فيشهد له ما تقدم، ولو لم يكن إلا هو لما ثبت، لكن كون الحديث ثبت من طريق أخرى فيكون هذا من جملة الشواهد.

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى ].

    يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني سلمة بن كهيل ].

    سلمة بن كهيل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني من سمع جابر بن عبد الله ].

    جابر بن عبد الله مر ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    حكم شراء العبد وما في يده

    السؤال: إذا قال الرجل: اشتريت العبد والذي في يده، ألا يدل أنه اشترى شيئاً مجهولاً فيه غرر؟

    الجواب: إذا كان لا يعرف ما في يده فلا شك أنه مجهول، لكن إذا كان يراه ويشاهده، فإنه يكون معلوماً.

    حكم شراء الكلب للحاجة

    السؤال: إن احتاج الرجل إلى كلب للماشية أو الزرع، ووجد من يبيع الكلب، فهل يشتريه والإثم على البائع؟

    الجواب: لا يشتريه، بل يبحث عن كلب من الكلاب من دون شراء.

    حكم بيع الحيوانات المفترسة

    السؤال: هل النهي عن بيع الكلب يشمل كل حيوان مفترس من السباع؟

    الجواب: كل الحيوانات المفترسة لا يجوز بيعها من باب أولى.

    حكم الخيار في عقد الإجارة

    السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) هل ينزل عليه الإجارة فإذا تفرقوا تمت الإجارة؟

    الجواب: نعم؛ لأن الإجارة بيع المنافع، وذاك بيع الأعيان.

    حكم كسب الأمة بالغناء

    السؤال: ما حكم كسب الأمة إذا كانت مغنية؟

    الجواب: حرام؛ لأن الغناء حرام.

    حكم عمل المرأة في البيع في دكان

    السؤال: ما حكم عمل المرأة في البيع في الدكان حيث تخالط الرجال الذين يشترون منها؟

    الجواب: الرجال لهم أن يشتروا من المرأة إذا احتاجوا إلى ذلك، لكن الذي ينبغي للنساء أن تكون بمعزل عن الرجال، وأن تكون لهن أسواق خاصة تأتيهن النساء، ويشترين منهن، ومن اضطرت إلى أن تبيع وهي متسترة ومتحجبة، فلا بأس، ولكن لا تكون في دكان، بل تأتي إلى مكان في بعض الأحيان مثل أن تجلس في طرف السوق، أما كونها تكون في دكان، ويتعامل معها الرجال، ويدخلون عليها؛ فهذا لا يصح ولا ينبغي أن يكون.

    حكم الأكل من كسب الزوجة

    السؤال: ما حكم أخذ الرجل من كسب امرأته بما كان فيه شبهه من هذا النوع؟

    الجواب: الشبهة فيما يتعلق باتهام بالفاحشة، وصعب أن المرأة تتهم بهذا، ولكن الإماء كان عندهن ابتذال، ويحصل منهن ما لا يحصل للحرائر، وكان لهن وضع خاص غير الحرائر، فلا يقال: إن المرأة مثل الأمة التي جاء النهي عن كسبها.

    حال حديث (نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها)

    السؤال: في حديث عكرمة بن عمار قال: حدثني طارق بن عبد الرحمن القرشي قال: جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار فقال: (لقد نهانا نبي الله صلى الله عليه وسلم اليوم)... إلخ، هل في هذا انقطاع حيث إن طارقاً لم يسمعه من رافع ، ولم يحضر مجلس الأنصار؟

    الجواب: حكاية القصة بهذا اللفظ تفيد بأنه يوجد انقطاع، لكن هذا الحديث تشهد له الأحاديث الأخرى.

    حكم اقتسام الورثة لتركة من كان كسبه حراماً

    السؤال: هل يجوز للورثة أن يأخذوا من إرث المورث إذا كان كسبه حراماً؟

    الجواب: بعض العلماء يقول: إن الذي ينبغي هو التنزه عن هذا، ومعلوم أن الكسب الحرام يصرف في أمور ممتهنة وغير محترمة مثل بناء الحمامات، فإذا تنزهوا عن هذا فهذا هو الذي ينبغي، ويصرفونها في هذه المصارف.

    حكم العمل في مختبرات التحاليل وفي الصرف الصحي

    السؤال: هل يلحق بمهنة الحجام الذين يعملون في مختبرات التحاليل، وكذلك الذين يعملون في الصرف الصحي ؟

    الجواب: لا شك أن هذه من المهن التي ليست شريفة.