إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [388]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام يدعو إلى العمل لعمارة الأرض والضرب في مناكبها؛ من أجل تحقيق عبادة الله فيها، وقد حث الله على التعاون على البر والتقوى، ومن ذلك التعاون في التجارة بأنواع الشركات، وقد بين أهل العلم أنواع الشركات وأحكامها وضوابطها.

    1.   

    باب الشركة

    شرح حديث (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه)

    قال المنصف رحمه الله تعالى: [ باب الشركة.

    حدثنا محمد بن سليمان المصيصي حدثنا محمد بن الزبرقان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه قال: (إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في الشركة، والشركة: هي الاشتراك في تجارة، سواء قدم كل منهما منه مالاً وعملاً أو يكون من أحدهما المال والثاني منه العمل، أو ليس بأيديهم مال، ولكن عندهم عمل، فيشتغلون بأبدانهم، فكل هذه من الشركة.

    والأصل فيها الجواز؛ إلا إذا وجد شيء أو شرط يؤدي إلى أمر فيه غرر أو محذور.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما) والمقصود من ذلك أن الله مع الشريكين في تسديده وإعانته وتوفيقه ما داما صادقين، ولم يكن هناك خيانة، فإن لم يحصل الصدق يمنعا من البركة بسبب الخيانة التي حصلت منهما أو من أحدهما.

    وهذا الحديث القدسي من أحاديث المعية، والمعية عند العلماء نوعان: معية عامة ومعية خاصة، والمعية الخاصة هي التي تكون من الله عز وجل بالحفظ والكلاءة والإعانة والتسديد والتوفيق، والمعية العامة هي التي تكون لكل أحد، ولا يختص بها أحد دون أحد.

    ومن المعية الخاصة ما جاء في هذا الحديث، ومنها ما جاء في قصة أبي بكر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في طريق الهجرة لما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام وأبو بكر في الغار، وكان الكفار يبحثون عنهما، فوصلوا إلى باب الغار، فكان رسول الله عليه الصلاة والسلام وأبو بكر يريان أقدام الكفار، فقال أبو بكر : لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه لأبصرنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) يعني: بحفظه وتسديده وإعانته.

    وأما المعية العامة فهي مثل قول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، فهذه معية عامة تكون لكل أحد، وأما المعية الخاصة فهي التي تكون بالنصر والتأييد والتسديد والتوفيق.

    وهذا الحديث فيه ضعف، لكن لا شك أن الصدق سبب لحصول البركة، وأن الخيانة والكذب سبب من أسباب محق البركة.

    تراجم رجال إسناد حديث (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سليمان المصيصي ].

    محمد بن سليمان المصيصي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا محمد بن الزبرقان ].

    محمد بن الزبرقان وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن أبي حيان التيمي ].

    أبو حيان التيمي هو يحيى بن سعيد بن حيان التيمي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو في طبقة يحيى بن سعيد الأنصاري، والذين يقال لهم: (يحيى بن سعيد) في الكتب الستة أربعة، اثنان في طبقة متقدمة، واثنان في طبقة متأخرة، فاللذان في طبقة متقدمة هما: يحيى بن سعيد بن حيان هذا، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وهما من طبقة صغار التابعين، واللذان في طبقة متأخرة هما: يحيى بن سعيد القطان ، ويحيى بن سعيد الأموي . وهما في طبقة متأخرة.

    [ عن أبيه ].

    هو سعيد بن حيان قال عنه الحافظ : وثقه العجلي. ولم يجزم بتوثيقه ابن حجر ، وإنما عزا توثيقه إلى العجلي ، والعجلي قريب من ابن حبان في التساهل، فمن أجل ذلك تكلم بعض أهل العلم في هذا الحديث من أجل سعيد بن حيان والد يحيى بن سعيد .

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    [ رفعه ].

    يعني: رفعه أبو هريرة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذه اللفظة بمعنى: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن كلمة (رفعه) أو (ينميه) أو (يبلغ به) كلها بمعنى واحد، والذي يقولها هو من دون الصحابي، ولعل السبب في ذلك أنه ما أتقن الصيغة التي أضافها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن كلمة (رفعه) يحصل بها المقصود، سواء قال: سمعت أو قال: قال رسول الله، فإن الكل مرفوع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    المضارب يخالف

    شرح حديثي عروة البارقي في شراء أضحية للنبي عليه الصلاة والسلام

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في المضارب يخالف.

    حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الشبيب بن غرقدة قال: حدثني الحي عن عروة -يعني ابن أبي الجعد البارقي - رضي الله عنه أنه قال: (أعطاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ديناراً يشتري به أضحية أو شاة، فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة (باب في المضارب يخالف) يعني: يخالف الشيء الذي طلب منه، أو الشيء الذي كلف به، أو عهد به إليه، أو اشترط عليه، فالمضارب يجب أن يتقيد بالشيء الذي طلب منه، فإذا قيل له: تاجر في البز فقط لم يبع الحديد أو السيارات؛ لأنه قد يكون صاحب المال يعرف أن المضارب يجيد البيع في جهة معينة، وهو يريد أن يقصره على شيء يتقنه، ولو دخل في شيء لا يتقنه فإن ذلك يكون سبباً في الخسارة أو المضرة.

    فالمضارب إذا طلب منه شيء أو حدد له شيء فإنه يتقيد به، ولو خرج عنه وحصل منه تفريط فإنه يكون ضامناً، فلو اشترط عليه أن يشتغل في أمر معين ثم اشتغل في شيء آخر لا يتقنه فخسر فإنه يضمن رأس المال له، إلا إذا سامحه صاحب المال وأقره فهذا شيء آخر.

    أورد أبو داود حديث عروة البارقي رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به أضحية أو شاة، فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه)، وهذه مبالغة، وإشارة إلى حصول البركة في بيعه، وأن الربح يحصل له باستمرار ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له.

    والحديث لا يتعلق بالمضاربة، وإنما فيه وكالة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وكله ليشتري شاة وأعطاه ديناراً، فاشترى شاتين بدينار ثم باع واحدة منهما بدينار، وجاء بشاة وبدينار، فهو دليل على أنه إذا أقر الموكل المضارب على شيء تصرف فيه فلا إشكال، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقر هذا على هذا التصرف، وهو كونه اشترى بالدينار شاتين، وباع إحداهما وجاء بشاة، ولو أنه ذهب واشترى بنصف دينار شاة ثم رجع بشاة وبنصف دينار لأقره؛ لأن المقصود أن يأتي بشاة، فقد تكون قيمة الشاة نصف الدينار فيشتري شاة بنصف دينار، ويأتي بالنصف الباقي، هذا هو الأصل، ولكن كونه اشترى بدينار شاتين، ثم باع إحداهما فهذا تصرف في البيع والشراء في غير ما وكل به، ولكنه إذا فوض إليه أو أقره الموكل على ذلك كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام فلا بأس به.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن الصباح حدثنا أبو المنذر حدثنا سعيد بن زيد -هو أخو حماد بن زيد - حدثنا الزبير بن خريت عن أبي لبيد قال: حدثني عروة البارقي بهذا الخبر، ولفظه مختلف ].

    أورد أبو داود الحديث السابق بإسناد آخر، فالحديث جاء بإسنادين، أحدهما فيه جهالة وهو الرواية عن جمع، والإسناد الآخر ليس فيه إبهام، بل الإسناد كله متصل، فأحدهما يشهد للآخر، فيكون الحديث صحيحاً.

    تراجم رجال إسناد حديثي عروة البارقي في شراء أضحية للنبي عليه الصلاة والسلام

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي.

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان بن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شبيب بن غرقدة ].

    شبيب بن غرقدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحي ].

    أي: عن عدد من الناس مبهمون.

    [ عن عروة يعني ابن أبي الجعد البارقي ].

    عروة بن أبي الجعد البارقي رضي الله عنه، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [ حدثنا الحسن بن الصباح ].

    الحسن بن الصباح البزاز صدوق يهم، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ حدثنا أبو المنذر ].

    هو إسماعيل بن عمرو الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأبو داود والنسائي.

    [ حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد ].

    سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد بن درهم ، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ حدثنا الزبير بن الخريت ].

    الزبير بن الخريت وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.

    [ عن أبي لبيد ].

    هو لمازة بن زبار وهو صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.

    [ عن عروة ].

    مر ذكره.

    حكم بيع الفضولي

    بيع عروة هذا يسمى عند الفقهاء ببيع الفضولي.

    ولو أن رجلاً أعطى شخصاً سلعة، وكلفه ببيعها بسعر محدد، فباعها الوكيل بأكثر من السعر، وأعطى البائع أمواله، وأخذ الباقي من غير علمه، فهذا غير جائز، لأنه حدد له السعر حتى لا يبيع بأقل من هذا، لكن إذا حصل شيء أكثر من هذا فصاحب المال أحق به منه، وإذا كان بينهما اتفاق فيأخذ المتفق عليه، وإذا لم يكن بينهما اتفاق فيعطيه ما يعطى مثله على حسب ما اعتاده الناس، إلا أن يكون هناك اتفاق بينهما.

    شرح حديث حكيم بن حزام في شراء أضحية للنبي عليه الصلاة والسلام

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا سفيان حدثني أبو حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم بن حزام رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتصدق به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا له أن يبارك له في تجارته) ].

    أورد أبو داود حديث حكيم بن حزام رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به أضحية، فاشترى شاة وباعها بدينارين، واشترى بأحد الدينارين شاة، وجاء بشاة ودينار كما حصل في قصة البارقي ، فالنبي صلى الله عليه وسلم، دعا له، وتصدق بذلك الدينار.

    والحديث في إسناده رجل مبهم، وهو مثل حديث عروة البارقي إلا أن فيه زيادة التصدق، وبعض أهل العلم قال: إن في هذا دليلاً على أن الشيء إذا كان فيه شبهة فالتورع يكون بالتصدق به في الأمور الممتهنة مثل بناء حمامات وتعبيد طرق، وقد مر بنا قصة المرأة التي دعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام، فلما قدمت لهم الشاة لاك الرسول صلى الله عليه وسلم قطعة من اللحم وقال: (إن هذه الشاة أخذت بغير إذن أهلها) فسألوا المرأة، وذكرت لهم القصة، فقال: (أطعموه الأسارى) .

    ويحتمل أن النبي عليه الصلاة والسلام تصدق بالدينار لأنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية، فكره أكل ثمنها كما ذكره في نيل الأوطار.

    تراجم رجال إسناد حديث حكيم بن حزام في شراء أضحية للنبي عليه الصلاة والسلام

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير العبدي ].

    محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    سفيان بن سعيد ين مسروق الثوري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبو حصين ].

    هو عثمان بن عاصم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شيخ من أهل المدينة ].

    هذا مبهم.

    [ عن حكيم بن حزام ].

    هو صحابي رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حكم المضاربة

    المضاربة من أنواع الشركة، وهي: أن يكون رجل عنده مال، وآخر ليس عنده مال، ولكن عنده قدرة على العمل، فيشتركان، هذا برأس المال وهذا بالعمل.

    وسميت مضاربة لأنها تحتاج إلى الضرب في الأرض بالأسفار والانتقال لتنمية المال، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز المضاربة، وابن تيمية رحمه الله يقول: مسائل الإجماع تستند إلى نص، وقال بعض أهل العلم: ما من مسألة أجمع عليها إلا ولها نص هي مستندة إليه إما جلي وإما خفي.

    قيل: والمسألة التي ثبتت بإجماع مجرد وليس فيها نص هي المضاربة، لكن المضاربة قد ورد فيها نص، وهي أنها من المعاملات التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، فإقرار الإسلام لها هو النص؛ لأن السنة قول وفعل وتقرير، فإذاً الإجماع عليها مستند إلى نص، وهو تقرير النبي صلى الله عليه وسلم للمضاربة التي كانت في الجاهلية، فالرسول صلى الله عليه وسلم أقرها وأبقاها، ومعلوم أن من أعمال الجاهلية ما أبطله الإسلام، ومنها ما أقره الإسلام، ومما أقره هذه المسألة، واعتبار الولي في النكاح، كما قالت عائشة : كان الرجل في الجاهلية يأتي إلى الرجل ويطلب منه موليته فيزوجها إياه، وجاء الإسلام واعتبر الولي في النكاح، فهو من الأحكام التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، والمضاربة من هذا القبيل.

    والمضاربة تكون بعمل من أحدهما وبمال من الآخر، ويكون الربح بالنسبة التي يتفقان عليها، ولا يكون بمقدار معين، فلا يقول: لي كذا والباقي لك، فهذا لا يصح؛ لأنه قد لا يحصل إلا هذا الذي اشترط لأحدهما، فيكون الثاني ليس له شيء، وإنما تكون بالنصف أو الثلث أو الثلثين أو الربع أو ثلاثة أرباع، على حسب ما يتفقان عليه.

    ومثل ذلك المزارعة والمساقاة تكون على النصف والثلث والثلثين، وهي بمعنى المضاربة، وقد جاءت فيها نصوص.

    ومثل ذلك لو أن إنساناً أعطى إنساناً سيارته الأجرة وقال له: اشتغل عليها والربح بيني وبينك نصفان، فهذا صحيح.

    والخسارة في المضاربة تكون على صاحب رأس المال وليست على العامل، والعامل خسارته عمله الذي ضاع بدون مقابل، فكل منهما قد يخسر، العامل خسر جهده بدون مقابل، والمالك ضاع رأس ماله أو بعض رأس ماله، ولا يجوز أن يحمل العامل ضمانة رأس المال لو خسر، وهذا شرط باطل، واختلف العلماء هل هذا الشرط يبطل العقد من أصله، أم يلغى الشرط والعقد باق؟

    ومثل هذا الشرط باطل بإجماع العلماء، وإنما الخلاف بينهم هل يبطل العقد من أصله أو أن الشرط هو الذي يبطل والعقد باق، ويكون مثل قصة بريرة عندما اشترط أهلها الولاء، فأقر الرسول صلى الله عليه وسلم البيع وأبطل الشرط.

    وهذه الأحاديث التي وردت في هذا الباب فيها وكالة وليس فيها مضاربة، فمناسبتها للباب من باب القياس؛ لأن الكل تصرف بغير إذن.

    1.   

    الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه

    شرح حديث فرق الأرز

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه.

    حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا عمر بن حمزة أخبرنا سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز فليكن مثله، قالوا: ومن صاحب فرق الأرز يا رسول الله؟! فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل فقال كل واحد منهم: اذكروا أحسن عملكم قال: وقال الثالث: اللهم! إنك تعلم أني استأجرت أجيراً بفرق أرز، فلما أمسيت عرضت عليه حقه فأبى أن يأخذه وذهب، فثمرته له حتى جمعت له بقراً ورعاءها فلقيني فقال: أعطني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعاءها فخذها، فذهب فاستاقها) ].

    أورد أبو داود باباً في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه، يعني: أن الأصل عدم الجواز، وأنه لا يتجر إلا بإذنه، ولو حصلت خسارة فإنه مفرط.

    فأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر، وفيه إشارة إلى قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين كانوا يمشون في فلاة من الأرض، فأصابهم مطر في ليلة ظلماء، فدخلوا في غار، فانحدرت صخرة من الجبل وسدت عليهم باب الغار، فكانوا لا يستطيعون الخروج، فصاروا مقبورين وهم أحياء في هذا الغار، ولا أحد يعلم بحالهم إلا الله عز وجل، ففكروا ماذا يصنعون؟ ورأوا أن يتوسلوا إلى الله عز وجل بأعمال عملوها لله خالصة في حال رخائهم؛ ليفرج الله عنهم ما هم فيه من حال شدتهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في وصيته لـابن عباس : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) يعني: أن الإنسان إذا عمل في حال رخائه أعمالاً خالصة لله عز وجل، فإن الله تعالى يفرج عنه في حال شدته كما قال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، فأحدهم توسل إلى الله ببر الوالدين، والثاني توسل إلى الله بترك الزنا مع القدرة عليه، والثالث توسل إلى الله عز وجل بحفظ مال الأجير وتنميته وإعطائه له كاملاً غير منقوص.

    ومحل الشاهد من إيراد الحديث هو كون الذي استأجر أجيراً نمى هذه الأجرة التي سخطها صاحبها ولم يأخذها، حتى بلغت قطيعاً من البقر ولها رعاء، يعني: عبيداً يرعونها، وجاء الأجير بعد مدة وقال: أعطني حقي، فقال: كل هذا حقك فقال: أتستهزئ بي؟! فقال: لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فتوسل إلى الله عز وجل فانفرجت الصخرة عنهم وخرجوا من الغار.

    وهذا الرجل أراد أن يحسن إلى الأجير وحقه مضمون في ذمته، وفي نيته أنه لو جاء سيعطيه إياه كله، فصار محسناً في عمله عندما أعطاه تلك الأشياء الكثيرة، لكن كون الإنسان يتصرف في مال غيره بغير إذنه ثم يحصل فيه خسارة فإنه يكون ضامناً إلا إذا أقره صاحب الحق على تصرفه.

    تراجم رجال إسناد حديث فرق الأرز

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو أسامة ].

    أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عمر بن حمزة ].

    وهو ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ أخبرنا سالم بن عبد الله ].

    سالم بن عبد الله بن عمر وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادله الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي الله صلى الله عليه وسلم.

    والحديث في سنده ضعيف، لكن قصة أصحاب الغار وتوسلهم إلى الله عز وجل بأعمالهم الصالحة ثابتة في الصحيحين.

    1.   

    الشركة على غير رأس مال

    شرح حديث اشتراك ابن مسعود وعمار وسعد فيما يغنمون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الشركة على غير رأس مال.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا يحيى حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجىء أنا وعمار بشيء) ].

    أورد أبو داود باب الشركة على غير رأس مال، وهذه شركة الأبدان، بأن يتفق أشخاص فيما بينهم على أنهم يعملون ثم يجمعون ما يحصلون ثم يقتسمونه بينهم، كأن يكونوا حطابين أو عمالاً أو يشتركون فيما يصيبون من الغنائم.

    وأورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود قال: (اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر فيما نصيب، فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء) يعني: أنهم اشتركوا في الأسيرين, والأصل هو جواز مثل هذه الشركة، لكن هذا الحديث ضعيف؛ لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، فهو منقطع.

    تراجم رجال إسناد حديث اشتراك ابن مسعود وعمار وسعد فيما يغنمون

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    عبيد الله بن معاذ العنبري ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

    [ حدثنا يحيى ].

    يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان عن أبي إسحاق ].

    سفيان هو الثوري ، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي عبيدة ].

    أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.