إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [384]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرم الله تعالى الربا بكل أنواعه وصوره في كتابه وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، فينبغي على المؤمن تركه وعدم التعامل به، كما ينبغي عليه ترك الحلف في البيع والشراء، فإن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة، وعليه أن يجتنب الدين ما استطاع إلا أن يكون عازماً على أدائه، فإن كان كذلك أدى الله تعالى عنه، وما كان في الجاهلية لا يبقى في الإسلام، إلا ما أقره الإسلام فإنه يبقى ثابتاً ومعتبراً.

    1.   

    وضع الربا

    شرح حديث: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في وضع الربا.

    حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع يقول: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب ، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل، قال: اللهم هل بلغت؟ قالوا: نعم ثلاث مرات، قال: اللهم اشهد. ثلاث مرات) ].

    قوله: [ باب في وضع الربا ] أي: إبطال الربا الذي حصل في الجاهلية وأدركه الإسلام، وذلك أن ما كان موجوداً في الجاهلية من معاملات ومن أمور محرمة، فما انتهى الأمر فيها قبل أن يدخلوا في الإسلام لا يبحث عنه، ولا يرد منه شيء من هذا لهذا، فالذي مضى في الجاهلية مضى على ما هو عليه، ولكن ما أدركه الإسلام بمعنى أنه جاء الإسلام وهذا الربا موجود فإنه يبطل، ويكون للإنسان رأس ماله دون أن يأخذ الربا المحرم، وكذلك إذا كان هناك قتل في الجاهلية فإنه بمجيء الإسلام ينتهي الأمر، ولا يطالب بعد الإسلام بشيء حصل في الجاهلية، وكذلك إذا كان هناك أمور محرمة أخرى لا يبحث عنها، لكن إذا عرف أن هناك شيئاً لا يقره الإسلام مما كان موجوداً في الجاهلية، مثل نكاح أكثر من أربع، أو نكاح أختين أو ما إلى ذلك؛ فإن هذا لا يقره الإسلام، ولا يبقى في الإسلام، وما جاء الإسلام وأقره فإنه يكون ثابتاً ومعتبراً بحكم الإسلام، ومن المعاملات المباحة التي كانوا يتعاملون بها، وجاء الإسلام وأقرها: اعتبار الولي في النكاح، فإن هذا مما كان في الجاهلية وأقره الإسلام، كما جاء ذلك عن عائشة في الصحيح، ومثل المضاربة فقد كانت معمولاً بها في الجاهلية وجاء الإسلام وأقرها.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث عمرو الأحوص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (إن ربا الجاهلية موضوع) يعني: أنه ملغى ومبطل، وأن للناس رءوس أموالهم ويترك الربا، وإن كانت المعاملة الربوية انتهت في الجاهلية، وأخذ الربا في الجاهلية، فإنه لا يطلب منه أن يعيد الربا الذي أخذه في الجاهلية؛ لأن الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها، والإسلام يهدم ما كان قبله، ولكن يبطل ما أدركه الإسلام، فالإسلام يقر ما كان مشروعاً ومباحاً، ويمنع ويلغي ما كان محرماً وغير سائغ.

    وكذلك القتل الذي حصل بينهم في الجاهلية لا يطالبون به في الإسلام، فلو أن رجلاً قتل آخر في الجاهلية ثم أسلم فلا يقام عليه الحد في الإسلام، فالإسلام يهدم ما كان قبله، ومن سرق أشياء في الجاهلية ثم أسلم فلا يجب عليه أن يردها.

    والجاهلية هي ما كان قبل الإسلام، وقبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يدخل الكفار الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام.

    قال: (وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب) .

    ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال: (ألا هل بلغت؟) وكررها ثلاثاً وقال: (اللهم اشهد) وكررها ثلاثاً، وقد جاء ذلك أيضاً في حديث جابر رضي الله عنه في حجة الوداع.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا أبو الأحوص ].

    هو أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شبيب بن غرقدة ] .

    شبيب بن غرقدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سليمان بن عمرو ].

    سليمان بن عمرو مقبول، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    أبوه صحابي، أخرج له أصحاب السنن.

    والحديث في سنده مقبول إلا أنه جاء له شاهد صحيح، فهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    كراهية اليمين في البيع

    شرح حديث: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كراهية اليمين في البيع.

    حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب (ح) وحدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب قال: قال لي ابن المسيب : إن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة)، قال ابن السرح : للكسب، وقال: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ].

    قوله: [ باب في كراهية اليمين في البيع ] اليمين إذا كانت كاذبة فهي محرمة، وإذا كانت غير كاذبة فينبغي تركها، والإنسان يخبر بالشيء دون أن يحلف، ولا يجعل الله عرضة لليمين، وإنما يخبر بالشيء على ما هو عليه دون أن يحلف، ولكن إن حلف وكان صادقاً فإن ذلك لا يضره، وإن كان كاذباً في حلفه فإن ذلك يضره لكونه كذب، وإن ترتب شراء بسبب هذه اليمين الكاذبة فإن ذلك يكون سبباً في محق البركة من وراء هذا البيع أو من وراء هذا الشراء.

    وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة)، وفي لفظ أحد شيخي أبي داود : (ممحقة للكسب) يعني: أن الحلف ينفق السلعة، ويروجها، ويجعل للمشتري فيها رغبة، وقد جاء في حديث السبعة الذين لا يكلمهم الله: (المنفق سلعته بالحلف الكاذب)، أي: المروج بضاعته بالحلف الكاذب، فالحلف منفقة للسلعة، وفيه ترويج لها، وترغيب فيها، ولكنه ممحقة للبركة، فهو سبب في ذهاب البركة من هذه الأموال التي حصّلها بسبب بيع هذه السلعة التي نفقها بالحلف الكاذب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح مصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا عنبسة ].

    هو عنبسة بن عبد الواحد المصري ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود .

    [ عن يونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن المسيب ].

    هو سعيد بن المسيب ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    1.   

    الرجحان في الوزن والوزن بالأجرة

    شرح حديث: (زن وأرجح)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا سفيان عن سماك بن حرب حدثني سويد بن قيس رضي الله عنه قال: (جلبت أنا ومخرفة العبدي بزاً من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي، فساومنا بسراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: زن وأرجح) ].

    قوله: [ باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر ]، الترجمة مشتملة على أمرين:

    الأول: أن الإنسان عندما يزن يرجح، بمعنى أنه إذا وضع المعيار الذي يوزن به في كفة، ووضعت السلع التي توزن في كفة؛ فلا تكون الكفتان متساويتين، بل المشروع أن يحصل الرجحان، وذلك بأن تميل الكفة التي فيها السلعة عن الكفة الثانية التي فيها المعيار الذي يوزن به، هذا هو الرجحان.

    الثاني: الوزن بالأجر، فيجوز أن يكون مع الإنسان ميزان، ويزن للناس بالأجر، أو مكيال ويكيل للناس بالأجر، أو يقسم للناس بالأجر، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي يكون فيها إفادة للناس.

    وقد أورد أبو داود حديث سويد بن قيس رضي الله عنه قال: (جلبت أنا ومخرفة ) -وفي بعض الألفاظ مخرمة العبدي (بزاً من هجر)، والبز هو القماش، (فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، فساومنا بسراويل فبعناه) أي: فباعوه للنبي عليه الصلاة والسلام، (وثم) أي: هناك شخص (يزن بالأجر)، أي: يوجد في السوق رجل عنده ميزان، والناس يزنون عنده ويعطونه أجرة على الوزن، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (زن وأرجح)، أقره على أن يزن بالأجر، وأمره أن يرجح في الوزن، بمعنى أن يزيد في الكفة التي فيها السلع التي توزن بحيث تميل الكفة، وليس معنى ذلك أنها تميل ميلاً عظيماً، فهذا قد يكون فيه ظلم، لكن يميل الميزان ميلاً يسيراً من غير أن يكون هناك إضرار بصاحب السلعة، هذا هو الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فدل هذا الحديث على ما ترجم له المصنف من جهة إرجاح الميزان، وجواز أن يزن الإنسان للناس أو يكيل لهم أو يقسم لهم بالأجرة.

    وهذا الرجحان للاستحباب وليس للوجوب؛ لأن الواجب هو حصول المماثلة في الميزان، لكن هذا على سبيل الاستحباب وعلى سبيل الاحتياط أيضاً، وهذا الرجحان يحصل بالميل اليسير.

    وكل شخص يزن يشرع له إرجاح الوزن، سواء كان هو بائع السلعة أو كان الذي يزن عاملاً عند صاحب السلعة، أو كان شخصاً عنده ميزان يزن للناس بالأجر، فإن الجميع مأمورون بأن يرجحوا الميزان.

    وأجرة الوزن تكون بحسب الاتفاق بين البائع والمشتري، إما على البائع أو على المشتري.

    وذكر الوزن في هذا الحديث لا علاقة له بشراء السراويل، فإن السراويل لا توزن.

    تراجم رجال إسناد حديث: (زن وأرجح)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ، وهو ثقة ، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبي ].

    أبوه هو معاذ بن معاذ العنبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان الثوري ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك بن حرب ].

    سماك بن حرب صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سويد بن قيس ].

    سويد بن قيس رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب السنن.

    شرح حديث: (زن وأرجح) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم المعنى قريب قالا: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن أبي صفوان بن عميرة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قبل أن يهاجر .. بهذا الحديث، ولم يذكر: يزن بأجر.

    قال أبو داود : رواه قيس كما قال سفيان ، والقول قول سفيان ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وهنا قال: أبو صفوان بن عميرة، ذكره بكنيته، وهناك ذكره باسمه.

    [ قال أبو داود : رواه قيس كما قال سفيان ، والقول قول سفيان ].

    وفيه إثبات هذه الزيادة، وهي كونه يزن بالأجر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (زن وأرجح) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ ومسلم بن إبراهيم ].

    هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ المعنى قريب ].

    يعني: معنى رواية حفص ورواية مسلم قريب بعضها من بعض.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك بن حرب عن أبي صفوان بن عميرة ].

    مر ذكرهما.

    مخالفة سفيان لشعبة في حديث: (زن وأرجح)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن أبي رزمة سمعت أبي يقول: قال رجل لـشعبة : خالفك سفيان ، قال: دمغتني، وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان ].

    أورد أبو داود كلاماً في الموازنة والمقارنة بين سفيان الثوري وشعبة، وكل منهما وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، والثقات الأثبات يوازن بينهما، ويقدم من هو أحفظ على من هو دونه، فمن كانت أغلاطه أقل كان هو المقدم، وهو الأثبت، وإن كانت أغلاطهما جميعاً قليلة، لكن بعضها أقل من بعض، فمن كان أقل أغلاطاً وأقل خطأً فإنهم يفضلونه على صاحبه، وإن كان كل منهما جبلاً في الحفظ، لكن عند المقارنة الدقيقة بين الاثنين فمن كانت أغلاطه أقل قدموه.

    وقد ذكر أبو بكر الحازمي في كتابه: (شروط الأئمة الخمسة) الموازنة بين مالك وسفيان بن عيينة وروايتهما، وقال: مالك مقدم على سفيان في الحفظ؛ لأن سفيان عدت أغلاطه فبلغت كذا وكذا، ومالك عدت أغلاطه فكانت أقل، فهو مقدم على سفيان بن عيينة .

    قوله: [ قال رجل لـشعبة : خالفك سفيان ، قال: دمغتني ].

    يعني: أن القول قول سفيان ، فهو أحفظ مني، ويقدم قوله على قولي.

    قوله: [ وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان ].

    هذا يعني أن سفيان متمكن في الحفظ.

    تراجم رجال إسناد أثر مخالفة سفيان لشعبة في حديث: (زن وأرجح)

    قوله: [ حدثنا ابن أبي رزمة ].

    هو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ سمعت أبي ].

    أبوه هو عبد العزيز بن أبي رزمة ، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ وبلغني عن يحيى بن معين ].

    يحيى بن معين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح قول شعبة: كان سفيان أحفظ مني

    قال المصنف رحمه الله تعالى : [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن شعبة قال: كان سفيان أحفظ مني ].

    ذكر المصنف هذا الأثر الذي فيه اعتراف شعبة بأن سفيان أحفظ منه، وهذا يوضح معنى قوله: دمغتني، فليس معناها إنكاراً، وإنما هو اعتراف بفضل سفيان وحفظه.

    واعتراف شعبة لـسفيان بالحفظ يدل على الإنصاف، ويدل أيضاً على فضل هذا المعترف ونبله، وأنه لا يدعي شيئاً وهو يعتقد خلافه، وقد يقول الإنسان ذلك على سبيل التواضع، ولكن قول غيره هنا يطابق هذا الذي قاله من كون سفيان مقدم على غيره؛ يعني على شعبة وغير شعبة ، فهذا الذي قاله شعبة لم ينفرد به حتى يقال: لعله تواضع منه، بل هذا هو الواقع.

    تراجم رجال إسناد قول شعبة: كان سفيان أحفظ مني

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة ].

    مر ذكره.

    1.   

    المكيال مكيال المدينة

    شرح حديث: (الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المكيال مكيال المدينة) .

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن دكين حدثنا سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة) ].

    قوله: [ باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المكيال مكيال المدينة)، المقصود من هذه الترجمة: بيان أن المكيال الذي يعول فيه على معرفة الحقوق التي لله عز وجل -مثل: الزكاة والكفارات وغيرها- هو مكيال أهل المدينة، فقد جاء أن الزكاة تكون كذا صاع، والكفارة كذا صاع، والمعتبر هو مكيال أهل المدينة.

    أما بالنسبة للوزن -مثل وزن الذهب والفضة- فالمعتبر هو وزن أهل مكة؛ لأن أهل مكة أهل تجارة، وقد غلب عليهم ذكر الوزن، وأهل المدينة أهل حرث وزراعة، وقد غلب عليهم ذكر الكيل.

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة) أي: الأمور التي شرعها الله سبحانه وتعالى يرجع فيها إلى مكيال المدينة، فلو تغيرت المكاييل أو الموازين فلا بأس للناس أن يستعملوا الأشياء التي تعارفوا عليها في غير حقوق الله، ولكن فيما يتعلق بحقوق الله مثل الكفارات، وفيما يتعلق بالوزن مثل معرفة نصاب الذهب والفضة، فالمعتبر في الوزن هو ميزان أهل مكة، والمعتبر في الكيل هو مكيال أهل المدينة.

    والناس إذا اعتبروا مقاييس وموازين وأحجاماً يكيلون بها ويزنون فالمعتبر في معاملاتهم هو ما تعارفوا عليه، ويرجع في ذلك إلى عرفهم، فلو كان على رجل في ذمته مائة صاع، وصاعهم أكبر من صاع المدينة، فلا يقال: يرجع إلى مكيال أهل المدينة، بل يرجع إلى الصاع الذي تعارفوا عليه، وهو الصاع الذي يتعامل به أهل ذلك البلد .

    تراجم رجال إسناد حديث: (الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا ابن دكين ].

    هو أبو نعيم الفضل بن دكين وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان عن حنظلة ].

    سفيان مر ذكره، وحنظلة هو ابن أبي سفيان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن طاوس ].

    هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    اختلاف الرواة في حديث: (الوزن وزن أهل مكة)

    [قال أبو داود : وكذا رواه الفريابي وأبو أحمد عن سفيان وافقهما في المتن، وقال أبو أحمد : عن ابن عباس مكان ابن عمر ، ورواه الوليد بن مسلم عن حنظلة قال: (وزن المدينة، ومكيال مكة) .

    قال أبو داود : واختلف في المتن في حديث مالك بن دينار عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ].

    أورد أبو داود روايات أخرى منها ما يوفق ما تقدم من جهة: (الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة)، وأنه جاء عن ابن عمر وعن ابن عباس ، وجاء المتن في بعض الطرق مقلوباً: (وزن المدينة، ومكيال مكة) ، ولاشك أن هذا من قبيل المقلوب، والصواب: (الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة) .

    تراجم رجال إسناد الرواة المختلفين في حديث: (الوزن وزن أهل مكة)

    قوله: [ وكذا رواه الفريابي ].

    هو محمد بن يوسف الفريابي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وأبو أحمد ].

    هو أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان الثوري وقد مر ذكره.

    [ وقال أبو أحمد : عن ابن عباس مكان ابن عمر ].

    يعني: جعل أبو أحمد ابن عباس مكان ابن عمر .

    [ ورواه الوليد بن مسلم عن حنظلة ].

    الوليد بن مسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حنظلة ].

    حنظلة مر ذكره.

    قوله: [ (وزن المدينة، ومكيال مكة) ].

    يعني: جاء الحديث عن حنظلة من طريقين:

    الطريق الأولى: (مكيال أهل المدينة، ووزن أهل مكة) .

    الطريق الثانية من طريق الوليد بن مسلم : (كيل أهل مكة، ووزن أهل المدينة)، والمحفوظ هي الرواية الأولى.

    [ قال أبو داود : واختلف في المتن في حديث مالك بن دينار ].

    مالك بن دينار صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن .

    [ عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ].

    يعني: أنه مرسل.

    1.   

    التشديد في الدين

    شرح حديث: (إن صاحبكم مأسور بدينه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في التشديد في الدين.

    حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن الشعبي عن سمعان عن سمرة رضي الله عنه أنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ههنا أحد من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: ههنا أحد من بني فلان؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: ههنا أحد من بني فلان؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين؟! أما إني لم أنوه بكم إلا خيراً، إن صاحبكم مأسور بدينه. فلقد رأيته أدى عنه حتى ما بقي أحد يطلبه بشيء) ].

    قوله: [ باب في التشديد في الدين] أي: أن الإنسان عندما يتحمل الدين فأمره ليس بالهين وليس بالسهل، وليس للإنسان أن يقدم على الدين إلا إذا كان مضطراً إليه، وإذا اضطر إليه فليحرص على أن يوفي به.

    وقد جاءت أحاديث عديدة تدل على التشديد فيه، وتبين خطورته، بل قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إلا الدين سارني به جبريل آنفاً) .

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: ههنا أحد من بني فلان؟ فأعادها ثلاثاً، فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، قال: ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين، أما إني لم أنوه بكم إلا خيراً) يعني: أن الرجل خشي أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام ذكرهم لشيء غير محمود.

    قوله: [ (إن صاحبكم مأسور بدينه) ].

    يعني: رجل من قرابة هذا الشخص الذي هو من بني فلان مأسور بسبب دينه، أي: محبوس عن دخول الجنة.

    قوله: [ (فلقد رأيته أدى عنه حتى ما بقي أحد يطلبه بشيء) ].

    أي: هذا الشخص الذي قام أدى عن هذا الشخص المأسور حتى لم يبق يطالبه أحد.

    وفيه إشارة إلى أن القرابة يشرع وينبغي لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض، وأن يواسي بعضهم بعضاً، وأن يساعد بعضهم بعضاً، وهذا من صلة الأرحام.

    وهذا الحديث مثل حديث: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)، وفي حديث أبي قتادة قال عليه الصلاة والسلام: (الآن بردت جلدته) عندما قضى دين الميت، ومعلوم أنه قبل دخول الجنة تكون المقاصة بين من يستحقون الجنة بعدما يتجاوزون النار؛ فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض، وهذه المقاصة تكون بالحسنات، وهم قد تجاوزوا النار فلن يدخلوها، ولكن يبقى التفاوت بينهم في درجات الجنة، فيؤخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، والنتيجة التي تترتب على هذا الأخذ هي ارتفاع الدرجات.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن صاحبكم مأسور بدينه)

    قوله: [ حدثنا سعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق ].

    سعيد بن مسروق والد سفيان الثوري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الشعبي ].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سمعان ].

    هو سمعان بن مهند ، وهو صدوق أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن سمرة ].

    هو سمرة بن جندب رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وقد ذكروا أن سمعان لم يسمع من سمرة ، لكن الحديث له شواهد تؤيده وتدل على ما دل عليه.

    [ قال أبو داود : سمعان بن مهند ].

    ذكره وبين نسبته هنا.

    شرح حديث: (إن أعظم الذنوب عند الله أن يموت الرجل وعليه دين لا يدع له قضاء...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب حدثني سعيد بن أبي أيوب أنه سمع أبا عبد الله القرشي يقول: سمعت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري يقول عن أبيه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء) ].

    أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أعظم الذنوب عند الله بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء)، وهذا فيه بيان التشديد في أمر الدين، وبيان خطورة الدين، وفيه: أنه إذا ترك له وفاء فإن المحذور يزول من جهة أن صاحب الحق سيصل إليه حقه؛ لأنه ترك تركة يمكن أن يسدد بها الدين، ويقضى منها الدين.

    وهذا الحديث ضعيف، ولو صح فيحمل على من كان لا يريد للوفاء، وليس عنده نية الوفاء؛ لأن هذا يأكل أموال الناس بالباطل، أما من استدان وهو يريد الوفاء -وهو مضطر إلى ذلك- فهو معذور، ويجب عليه أن يحرص على أن يسدد الدين، وإذا لم يسدد فينبغي لأقاربه أن يقوموا بتسديد الدين عنه، فإن سددوها عنه انتهى ما في ذمته، وإن لم يسددوها عنه فإن المقاصة تكون في الدار الآخرة، وقد يتجاوز الله عز وجل عن المدين إذا كان عازماً على الوفاء وكان مضطراً إلى الدين، ويعطي الدائن من فضله وكرمه فوق ما يستحقه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن أعظم الذنوب عند الله أن يموت الرجل وعليه دين لا يدع له قضاء...)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن داود المهري ].

    سليمان بن داود المهري ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ أخبرنا ابن وهب حدثني سعيد بن أبي أيوب ].

    ابن وهب مر ذكره، وسعيد بن أبي أيوب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع أبا عبد الله القرشي ٍ] .

    أبو عبد الله القرشي مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ سمعت أبا بردة بن أبي موسى ].

    أبو بردة بن أبي موسى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي موسى ].

    هو عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتي بميت فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه: هما علي يا رسول الله! قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديناً فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يصلي على من كان عليه دين)، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك من أجل ألا يتهاون الناس بأمر الدين، بل يستصعبونه ويستثقلونه ويحرصون على التخلص والسلامة منه؛ من أجل أن يصلي عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ماتوا، ومن أجل أن يتحمل عنهم غيرهم ويساعدهم.

    قوله: [ (فقال أبو قتادة : هي علي يا رسول الله) ] يعني: أنا أتحملهما، وأقوم بسدادهما عنه، فصلى عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل هذا في أول الأمر، وبعد أن فتح الله تعالى الفتوح، وحصلت الغنائم والأموال؛ كان يقضي دين الميت من بيت المال.

    قوله: [ (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من مات وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته) ].

    يعني: إن كان للميت مال فهو للورثة، وإن كان عليه دين فالنبي صلى الله عليه وسلم يتحمله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني ].

    محمد بن المتوكل العسقلاني صدوق له أوهام كثيرة، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    مر ذكره.

    [ عن أبي سلمة ].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، وهو الصحابي الجليل أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من عير تبيعاً وليس عنده ثمنه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد عن شريك عن سماك عن عكرمة رفعه قال عثمان : وحدثنا وكيع عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، قال: (اشترى من عير تبيعاً وليس عنده ثمنه، فأربح فيه فباعه، فتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب وقال: لا أشتري بعدها شيئاً إلا وعندي ثمنه) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من عير تبيعاً) وفي بعض الألفاظ: بيعاً، والعير: هي القافلة التي تأتي ومعها بضاعة، كما قال الله عز وجل في قصة يوسف: وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا [يوسف:82]، ومعنى الحديث: أنه اشترى منهم شيئاً ولم يكن معه ثمنه، فباعه فأربح فيه، فتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب ، ثم قال: (لا أشتري بعدها شيئاً إلا وعندي ثمنه) ، والحديث في إسناده مقال، وهو يخالف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توفي وعليه دين، وكانت درعه مرهونة بطعام اشتراه من يهودي لأهله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من عير تبيعاً وليس عنده ثمنه...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شريك ].

    هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي ، وهو صدوق يخطئ كثيراً، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سماك عن عكرمة ].

    سماك مر ذكره، وعكرمة هو مولى ابن عباس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ رفعه ].

    فيكون الحديث مرسلاً.

    [ قال عثمان : وحدثنا وكيع عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ].

    قد مر ذكرهم، وقوله: (مثله) أي: مثل الطريق المرسلة.