إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [380]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا نذر الإنسان نذراً مباحاً فيجب عليه الوفاء به، وأما إذا نذر نذراً محرماً فلا يجوز له الوفاء به، وعليه كفارة يمين، ومن نذر فيما لا يطيق فلا يجب عليه الوفاء به بل عليه الكفارة، وهكذا إذا عجز عن الوفاء بالنذر فعليه أن يكفر كفارة يمين؛ لورود الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الكفارة في النذر إذا كان في معصية

    شرح حديث (لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية.

    حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) ].

    قوله: [باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية]، أي: إذا كان النذر في معصية، فبعض أهل العلم يرى أنه لا كفارة عليه، ولكن جاءت أحاديث تدل على أن عليه كفارة، ومنها حديث عائشة رضي الله عنها هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين).

    وقوله: (لا نذر) تحريم للنذر ومنع له ونفي له أن يوجد وهو في معصية، و(لا) نافية للجنس، وهي هنا نافية لجنس النذر، أي: لا نذر يحصل في معصية، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا يجوز أن ينذر في المعصية.

    وقوله: (وكفارته) أي: إذا وجد (كفارة يمين) فليس معنى ذلك أنه إذا نذر معصية يتركها فقط، وإنما عليه أن يكفر عن هذه اليمين التي أتى بها في المعصية، وقد جاء في صحيح مسلم حديث: (النذر كفارته كفارة يمين)، وهو حديث مطلق، وهو يدل على أن أي نذر سواء كان في طاعة أو معصية أن كفارته كفارة يمين، ولكن هذا الحديث الذي هنا نص فيه على أن نذر المعصية فيه كفارة يمين.

    تراجم رجال إسناد حديث ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين )

    قوله: [ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر ].

    هو إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر القطيعي وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الله بن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يونس ].

    يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها وقد مر ذكرها.

    وهذا الحديث صحيح وإسناده في غاية الوضوح.

    شرح حديث ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب بمعناه وإسناده.

    قال أبو داود : سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك -يعني في هذا الحديث-: حدث أبو سلمة فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة ، وقال أحمد بن محمد وتصديق ذلك ما حدثنا أيوب يعني ابن سليمان ]

    أورد أبو داود هذا الحديث من طريق أخرى وقال: بمعناه وإسناده، أي: بمعنى الحديث وإسناد الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين) من طريق ثانية

    قوله: [ حدثنا ابن السرح ].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح، وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ أخبرنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب ].

    ابن وهب ويونس وابن شهاب مر ذكرهم.

    وقوله: [ قال أبو داود : سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك -يعني في هذا الحديث-: حدث أبو سلمة فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة ].

    أي: أن الزهري قال: حدث أبو سلمة، فقوله: (حدث أبو سلمة) يفهم منه أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.

    وقوله: [ سمعت أحمد بن شبويه ].

    هو أحمد بن محمد بن ثابت المروزي ، ويأتي ذكره بأسماء متعددة: أحمد بن محمد، وأحمد بن شبويه ، وأحمد بن محمد بن ثابت ، وأحمد بن محمد المروزي ، وهو شخص واحد، وهو ثقة أخرج له أبو داود.

    قوله: [ وقال أحمد بن محمد ].

    هو ابن شبويه الذي مر.

    وقوله: [ وتصديق ذلك ما حدثنا أيوب، يعني ابن سليمان ].

    هو أيوب بن سليمان بن بلال القرشي، وهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.

    إعلال الإمام أحمد لحديث ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين )

    [ قال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده عندك؟ وهل رواه غير ابن أبي أويس ؟ قال: أيوب كان أمثل منه -يعني أيوب بن سليمان بن بلال - وقد رواه أيوب ].

    أحمد بن حنبل هو الإمام المعروف المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده عندك؟ وهل رواه غير ابن أبي أويس ؟ فقال: أيوب كان أمثل منه. أي: أن أيوب بن سليمان بن بلال أمثل من ابن أبي أويس.

    شرح حديث (لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين) من طريق ثالثة وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا أيوب بن سليمان عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير أخبره عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) ].

    هذا الحديث مثل الذي قبله، ولكن الإسناد طويل، وهذا من أنزل الأسانيد؛ لأن فيه عشرة أشخاص.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا أيوب بن سليمان عن أبي بكر بن أبي أويس ].

    أبو بكر بن أبي أويس هو عبد الحميد بن عبد الله وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن سليمان بن بلال ].

    سليمان بن بلال ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي عتيق ].

    هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو صدوق أخرج له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.

    [ وموسى بن عقبة ].

    هو موسى بن عقبة المدني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب مر ذكره.

    [ عن سليمان بن أرقم ].

    سليمان بن أرقم ضعيف، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن يحيى بن أبي كثير ].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة عن عائشة ].

    أبو سلمة وعائشة قد مر ذكرهما.

    إعلال أحمد بن محمد المروزي لحديث ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال أحمد بن محمد المروزي : إنما الحديث حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري ، وأرسله عن أبي سلمة عن عائشة رحمها الله ].

    قوله: [ قال أحمد بن محمد المروزي : إنما الحديث حديث علي بن المبارك ].

    علي بن المبارك صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير ].

    محمد بن الزبير متروك، أخرج له أبو داود في المراسيل والنسائي.

    [عن أبيه ].

    أبوه لين الحديث، أخرج له النسائي، ولم يذكر أبا داود في التقريب لأنه أخرج له تعليقاً.

    [ عن عمران بن حصين ].

    هو عمران بن حصين أبو نجيد، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    والحديث من الطريق الأولى صححه الألباني ، والطريق الثانية قال: إنها صحيحة بما قبلها، والحديث في صحيح مسلم ، لكنه عام ليس فيه ذكر المعصية.

    وقال الإمام ابن القيم إنه يشمل الطاعة ويشمل المعصية، يعني: الحديث الذي في مسلم، وقال: إنه جاء عن عدد من الصحابة أنهم قالوا: إن النذر بالمعصية فيه كفارة يمين، ولا شك أن كونها تلزمه فيه تأديب، حتى لا يمر مثل هذا الأمر بسلام، ودون أن يكون له تبعات، ودون أن يتحمل شيئاً في ماله بسبب هذا النذر الذي لا يجوز، والذي هو نذر المعصية.

    [ قال أبو داود: روى بقية عن الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن الزبير بإسناد علي بن المبارك مثله ].

    أي: بالإسناد الذي قبل هذا.

    وقوله: [ روى بقية ].

    هو بقية بن الوليد وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن الأوزاعي ].

    هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى عن محمد بن الزبير بإسناد علي بن المبارك مثله ].

    يحيى ومحمد بن الزبير وعلي بن المبارك مر ذكرهم.

    شرح حديث عقبة بن عامر (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد القطان أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرني عبيد الله بن زحر أن أبا سعيد أخبره أن عبد الله بن مالك أخبره أن عقبة بن عامر رضي الله عنه أخبره (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام) ].

    أورد أبو داود حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه: (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام)، أي: أن هذا النذر الذي هو عدم الاختمار نذر معصية، وكذلك نذرها أن تحج حافية ليس عليها نعال؛ لأن في ذلك مضرة ومشقة عليها.

    وجاء في بعض الروايات: أنها كانت عاجزة، أو غير قادرة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مروها فلتركب ولتختمر)، لأن عدم الركوب يعود عليها بالمضرة، وكونها نذرت ألا تختمر هذا نذر معصية.

    وقوله: (ولتصم ثلاثة أيام) قيل: إن المقصود من هذا أنه كفارة يمين، وهذا مبني على أنها غير قادرة؛ لأن الصيام ثلاثة أيام إنما يكون عند العجز عن الرقبة أو عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم.

    ومن أهل العلم من قال: إنها فدية، وإنه شيء يتعلق بالهدي؛ لأنه جاء في بعض الروايات أنها تذبح هدياً، فقالوا: إن هذه الثلاثة الأيام بدل من الهدي.

    وقد ضعف الشيخ الألباني الحديث لأجل هذه الزيادة التي فيها الأمر بصيام ثلاثة أيام، وقال: إن هذه جاءت من طريق عبيد الله بن زحر، وهو متكلم فيه.

    لكن إن صح فهو محمول على أنها غير قادرة على الإطعام، ومن أهل العلم من قال -كما جاء في بعض الروايات الصحيحة التي ستأتي-: إنه أمرها أن تهدي، فيكون الصيام بدلاً عن الهدي، والهدي فدية عن تركها المشي الذي نذرته، ولا أدري ما وجهه؛ لأن النذر جاء أن كفارته كفارة يمين، وأما كونها فدية فقد ذكر بعض أهل العلم أنه على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الإلزام.

    وأما الكفارة فتلزمها ما دام أنها خالفت نذرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين).

    تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة ...)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد القطان ].

    يحيى بن سعيد القطان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري ].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: أخبرني عبيد الله بن زحر ].

    عبيد الله بن زحر صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ أن أبا سعيد أخبره ].

    هو أبو سعيد الرعيني ، وهو جعثل بن هاعان، وهو صدوق أخرج له أصحاب السنن.

    [ أن عبد الله بن مالك أخبره ].

    هو عبد الله بن مالك أبو تميم الجيشاني، وهو ثقة مخضرم أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وهناك عبد الله بن مالك اليحصبي المصري، وهو صدوق أخرج له أصحاب السنن.

    والحافظ في التقريب رمز للجيشاني بـ(قد) أي: أخرج له أبو داود في القدر، قال صاحب عون المعبود: وذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم وغير واحد أن عبد الله بن مالك اليحصبي المصري يروي عن عقبة بن عامر، وروى عنه أبو سعيد الرعيني ، وأن عبد الله بن مالك أبا تميم الجيشاني الرعيني يروي عن عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري ، وأبي نضرة الغفاري، وروى عنه عبد الله بن هبيرة الحضرمي ، وغيره، وجعلوهما اثنين، وهو أولى بالصواب، انتهى.

    أي: أن الجيشاني شخص واليحصبي شخص آخر، وأما كون الحافظ رمز له بـ(قد) وذاك رمز له بـ(د) فإن حديث الجيشاني مخرج هنا في السنن.

    [ أن عقبة بن عامر أخبره ].

    هو عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    طريق أخرى لحديث عقبة بن عامر (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة ...) وتراجم رجال الإسناد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: كتب إلي يحيى بن سعيد أخبرني عبيد الله بن زحر مولى لبني ضمرة -وكان أيما رجل- أن أبا سعيد الرعيني أخبره، بإسناد يحيى ومعناه ].

    ذكر أبو داود طريقاً أخرى للحديث السابق، وذكر أنها بإسناده ومعناه.

    قوله: [ حدثنا مخلد بن خالد ].

    مخلد بن خالد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: كتب إلي يحيى بن سعيد ].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني عبيد الله بن زحر ].

    عبيد الله بن زحر مر ذكره.

    وقوله: [ وكان أيما رجل ].

    هذا ثناء عليه بأنه نعم الرجل.

    [ أن أبا سعيد الرعيني أخبره، بإسناد يحيى ومعناه ].

    أبو سعيد الرعيني مر ذكره.

    شرح حديث ابن عباس في نذر أخت عقبة بن عامر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حجاج بن أبي يعقوب حدثنا أبو النضر حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! إن أختي نذرت -يعني: أن تحج ماشية- فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، فلتحج راكبة، ولتكفر عن يمينها) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخته نذرت أن تحج ماشية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، فلتحج راكبة، ولتكفر عن يمينها)، يعني: كونها تعذب نفسها، وتتعب نفسها، وتتقرب بذلك إلى الله عز وجل، ليس هذا مما شرعه الله عز وجل؛ فإن الله عز وجل يسر للناس في عباداتهم، ولم يكلفهم إلا ما يطيقون، وهي تريد أن تشق على نفسها، فعملها غير مشروع وغير صحيح، ولذا قال: (فلتحج راكبة، ولتكفر عن يمينها)، فأمرها أن تركب، والمشي الذي نذرته تتركه، وتكفر عن يمينها.

    وسمي النذر يميناً لأن حكمه حكم اليمين من ناحية لزومه إذا كان طاعة، ولزوم الكفارة، فالنذر له حكم اليمين من حيث الإلزام؛ لأن الحالف ألزم نفسه، وهذا ألزم نفسه، وقد يكون نذره بيمين، لكن حتى لو لم يكن بيمين، فإن حكمه حكم اليمين، ولهذا جاء في الحديث: (كفارة النذر كفارة اليمين).

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في نذر أخت عقبة بن عامر

    قوله: [ حدثنا حجاج بن أبي يعقوب ].

    حجاج بن أبي يعقوب ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا أبو النضر ].

    هو أبو النضر هاشم بن القاسم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شريك ].

    هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، وهو صدوق يخطئ كثيراً، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ].

    محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن كريب ].

    هو كريب مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    شرح حديث ابن عباس في نذر أخت عقبة بن عامر من طريق ثانية وتراجم رجالها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو الوليد حدثنا همام عن قتادة حدثنا عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هدياً) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس : (أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وأن تهدي هدياً)، وهذا الهدي قيل: إنه على سبيل الاستحباب، وليس فيه ذكر الكفارة، ويمكن أن يكون هذا الهدي هو الكفارة، ويمكن أن يكون هدياً مستحباً وهو غير الكفارة، على اعتبار أن النذر كفارته كفارة يمين، أو أنه أطلق على كفارة اليمين أنها هدي، ولكن هذا ليس مستقيماً؛ لأن الهدي هو من بهيمة الأنعام.

    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى أبو موسى الزمن العنزي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو الوليد ].

    هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى العوذي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة ].

    هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس قد مر ذكره.

    والهدي لازم لمن كان متمتعاً أو قارناً، وأما هذا فليس فيه شيء يفيد التمتع أو القران، فكل من كان متمتعاً أو قارناً فالهدي لازم عليه بنص القرآن، أما المفرد فليس عليه هدي.

    شرح حديث ابن عباس في نذر أخت عقبة بن عامر من طريق ثالثة وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية قال: إن الله لغني عن نذرها، مرها فلتركب) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس من طريق أخرى في قصة أخت عقبة بن عامر ، وفيه أن النبي أمرها أن تركب، ولم يتعرض لذكر شيء من الكفارة.

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام ].

    هو هشام الدستوائي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ].

    قتادة وعكرمة وابن عباس قد مر ذكرهم.

    حديث نذر أخت عقبة بن عامر من طريق عكرمة مرسلاً

    [ قال أبو داود : رواه سعيد بن أبي عروبة نحوه، وخالد عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ].

    سعيد بن أبي عروبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وخالد ].

    هو خالد بن مهران الحذاء، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ].

    وهذه الطريق مرسلة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى، ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن عكرمة أن أخت عقبة بن عامر.. بمعنى هشام ، ولم يذكر الهدي، وقال فيه: (مر أختك فلتركب) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وفيه: (مر أختك فلتركب).

    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي ].

    محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد عن قتادة عن عكرمة ].

    سعيد بن أبي عروبة وقتادة وعكرمة مر ذكرهم.

    [ أن أخت عقبة بن عامر ].

    وهذا مرسل.

    وقوله: [ بمعنى هشام ].

    أي: بمعنى الإسناد الذي قبل هذا.

    وقوله: [ ولم يذكر الهدي ].

    أي: أن هشاماً لم يذكر الهدي.

    [ قال أبو داود : رواه خالد عن عكرمة بمعنى هشام ].

    شرح حديث عقبة بن عامر الجهني ( نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني سعيد بن أبي أيوب أن يزيد بن أبي حبيب أخبره أن أبا الخير حدثه عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قال: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها النبي صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لتمش ولتركب)].

    أورد أبو داود حديث عقبة بن عامر من طريق أخرى، وفيه قال: (لتمش ولتركب)، أي: تجمع بين هذا وهذا، فإذا كانت تطيق أن تشمي فلتمش، وإذا شق عليها فلتركب، وبهذا تكون قد جمعت بين هذا وهذا.

    تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر الجهني ( نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ... )

    قوله: [ حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني سعيد بن أبي أيوب ].

    سعيد بن أبي أيوب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن يزيد بن أبي حبيب أخبره ].

    يزيد بن أبي حبيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن أبا الخير حدثه ].

    هو مرثد بن عبد الله اليزني المصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عقبة بن عامر ].

    عقبة بن عامر قد مر ذكره، وأخته معروفة بـأم حبان لم يذكر اسمها.

    شرح حديث ( بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، قال: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) ].

    أورد المصنف حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يتكلم، ولا يستظل، ويصوم).

    يعني: أنه نذر أن يمتنع عن الكلام، فلا يكلم أحداً، ولا يجلس، وأن يكون واقفاً في الشمس، ويصوم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك هذه الأشياء التي نذرها وقال: (مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه).

    فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينهوه عن ثلاث، وأن يأمروه بواحدة وهي إتمام الصوم؛ لأنه يطيق الصوم؛ ولأنه نذر طاعة، وأما تلك ففيها مشقة على النفس، وفيها تكليف، وفيها ضرر، فليست نذر طاعة، فأمره بتركها، وأمره أن يكون في الظل بدلاً عن الشمس، وأن يجلس بدل القيام، وأن يتكلم بدل السكوت؛ لأن هذه الأمور ليس له أن يفعلها، وأن يلزم نفسه بها؛ لأنها من الإضرار بالنفس، والإضرار بالصحة، وليس فيه قربة لله عز وجل، وأما الصيام ففيه قربة، فأمرهم أن يأمروه أن يتم الصوم، وأن يترك هذه الأمور التي فعلها، وأن يصير إلى أضدادها.

    وليس في الحديث أنه أمره بالكفارة، وبعض أهل العلم الذين لا يرون الكفارة استدلوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم الكفارة، وقالوا: إنه لم يذكر الكفارة، إذاً: لا كفارة في نذر المعصية، ولكن قد جاء ذكر الكفارة في أحاديث أخرى، فهي ثابته، وعدم ذكرها في هذا الحديث لا يدل على نفيها، بل الأدلة الدالة على إثباتها هي المعتبرة، وهي التي يعول عليها؛ لأنها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث ( بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس ... )

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا وهيب ].

    هو وهيب بن خالد، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة ].

    هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    الكلام مع الخطيب يوم الجمعة

    وفي هذا الحديث أن الكلام حصل في الخطبة، والكلام مع الخطيب لا بأس به، فإذا تكلم الخطيب مع غيره أو كلمه غيره فلا بأس بذلك، وهذا الحديث ليس فيه شيء يتعلق ببيان الخطبة وما هو المراد بالخطبة؟ لكن ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح عن الخطيب البغدادي في المبهمات أنه قال: في جمعة، أو يوم جمعة، ولا أدري شيئاً عن ثبوت ذلك، لكن الكلام في خطبة الجمعة من الإمام، ومن يكلم الإمام هذا ثابت؛ فقد جاء في قصة الأعرابي الذي جاء وقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا)، وكذلك أيضاً لما جاء رجل وجلس والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (هل صليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين وتجوز فيهما)، وكذلك الحديث الذي فيه ذكر الرجل الذي جاء يقطع الصفوف ويمشي بينها والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: (اجلس فقد آذيت) فكلام الخطيب والكلام مع الخطيب لا بأس به.

    من ابتدع عبادة فهي مردودة عليه

    فإن قيل: أليس في حديث أبي إسرائيل دلالة على رد من ابتدع عبادة؟

    والجواب: إذا كان يريد أن يتعبد الله به بمجرد كونه واقفاً في الشمس، فلا شك أن هذا من البدع، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة).

    حكم التسمي بإسرائيل والتكني به

    وأما هل يجوز التسمي بإسرائيل أو التكني بأبي إسرائيل؟

    فالجواب: لا نعلم شيئاً يمنعه؛ لأن إسرائيل المراد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، هذا هو إسرائيل، واليهود والنصارى وأهل الكتاب هم من نسل يعقوب، فلهذا يقال لهم: بنو إسرائيل، فالتسمي أو التكني به ليس بذلك بأس، ومن الصحابة من يقال له: أبو إسرائيل، ومن الرواة الثقات إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الذي يأتي ذكره في الأسانيد.

    شرح حديث ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يهادى بين ابنيه ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حميد الطويل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يهادى بين ابنيه، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يمشي، فقال: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، وأمره أن يركب) ].

    أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يهادى بين ابنيه) أي: لا يستطيع المشي بمفرده، وإنما يلزمه ابناه واحد عن يمينه، وواحد عن شماله، وكان ذلك في الحج، حيث إنه نذر أن يحج ماشياً وهو بهذه الهيئة لا يستطيع أن يمشي وحده، فكان أولاده يسندونه واحد من اليمين، وواحد من الشمال، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنه نذر أن يمشي، فقال: (إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، وأمره أن يركب).

    فقد كان يمشي في المشاعر بهذه الهيئة حيث كان يهادى بين ابنيه، فقالوا: إنه نذر، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، وأمره أن يركب)، ومعلوم أن الحج عبادة، والإنسان إذا كان مطيقاً ونذر أن يحج، وأن يمشي على رجليه، وكان يستطيع أن يمشي فلا بأس بذلك، فيذهب من مكة إلى منى، ومن منى إلى عرفة، ويرجع من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى, ومن منى إلى مكة؛ فإن الله عز وجل ذكر المشاة وذكر الركبان فقال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27] ، (رجالاً) أي: مشاة، فالذي يستطيع ذلك له أن يفعله، ولكن إذا كان سيلحقه مضرة، فليس له ذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يجلب الإنسان الضرر إلى نفسه.

    وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يركب، وليس فيه شيء يتعلق بالكفارة، وقد تقدم أن ذكرنا أنه قد جاءت الأحاديث بثبوت الكفارة ولزومها.

    تراجم رجال إسناد حديث ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يهادى بين ابنيه ... )

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد الطويل ].

    هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثابت البناني ].

    هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    طريق أخرى لحديث ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يهادى بين ابنيه... ) وتراجم رجال إسنادها

    [ قال أبو داود: رواه عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه ].

    ذكر أبو داود أنه جاء من طريق أخرى عن أبي هريرة .

    قوله: [ رواه عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج عن أبي هريرة ].

    عمرو بن أبي عمرو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً.

    شرح حديث ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان يقوده بخزامة في أنفه... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يحيى بن معين حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عاصم الأحول أن طاوساً أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان يقوده بخزامة في أنفه، فقطعها النبي صلى الله عليه وسلم بيده، وأمره أن يقوده بيده) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بإنسان وهو يطوف بالكعبة يقوده آخر بخزامة في أنفه، وهي من شعر تشبه الخطام، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوده بيده، إذا كان محتاجاً للقيادة، وذلك لكونه كفيفاً، أو لكونه عاجزاً ويحتاج إلى من يساعده، فإنه يقوده بيده، ولا يفعل ذلك بحبل أو ما إلى ذلك حتى لا يشبه البهيمة التي تقاد بالحبال؛ لأن هذا غير سائغ.

    وذكر هنا خزامة في أنفه، ولا أدري ما المقصود بقوله: (في أنفه)، لأن المعروف أنهم كانوا يأخذون الناقة التي فيها شدة أو الجمل الصعب فيخرقون أنفه أو يربطونه بأنفه ويقودونه به لشدة صعوبته، فيكون في ذلك منع لقسوته وقوته وهيجانه وشدته عليهم، فلا أدري هل يكون هذا في الإنسان أنه يُجعل في أنفه شيء يقاد به أم لا؟ لأن هذا فيه صعوبة؛ وفعل هذا الشيء من الصعب جداً، وأما كونه يقاد بيده أو يربط بيده حبل ويقاد به فيمكن، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه كان هناك حبل في يده، فقطعه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان يقوده بخزامة في أنفه ... )

    قوله: [ حدثنا يحيى بن معين ].

    يحيى بن معين ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حجاج ].

    هو حجاج بن محمد المصيصي الأعور، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني عاصم الأحول ].

    هو عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن طاوساً أخبره ].

    هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس مر ذكره.

    شرح حديث ( أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي حدثني أبي حدثني إبراهيم -يعني ابن طهمان- عن مطر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن أخت عقبة بن عامر رضي الله عنها نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة).

    أورد أبو داود حديث ابن عباس في قصة نذر أخت عقبة بن عامر الجهني أن تحج ماشية، وقد مر جملة من الأحاديث في هذا الموضوع عن عقبة وعن ابن عباس ، وذكر أبو داود بعض الطرق لهذا الحديث، وقد فصل بين أحاديثها بهذه الثلاثة الأحاديث التي مرت: الحديث الذي فيه أبو إسرائيل ، والحديث الذي فيه الرجل الذي يهادى بين رجلين، والحديث الأخير الذي فيه أنه رأى إنساناً يقوده آخر بخزامة، وكان المناسب أن تكون الأحاديث المتعلقة بأخت عقبة متصلة ببعضها، هذا هو المناسب في الترتيب، ولكنها تأخرت، فلا أدري ما وجه التأخير، وهل ذلك من أبي داود أو من غيره؟ الله أعلم.

    قوله: [ عن ابن عباس : (أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة) ].

    فكونها تحج ماشية لا بأس بذلك إذا كانت تستطيع؛ لأن الله عز وجل ذكر أن الناس يأتون إلى الحج مشاة وركباناً، فمن نذر أن يحج ماشياً وأمن لحوق المضرة فعليه أن يوفي بالنذر، لكن حيث لا يكون الأمر كذلك كما في هذا الحديث فقد كانت غير مطيقة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله غني عن مشي أختك مرها فلتركب ولتهد بدنة) أي: تترك ذلك الذي نذرته وتركب وتهدي بدنة, والبدنة شيء كبير، فلا أدري ما وجه كونها تهدي بدنة، وأما فيما يتعلق بالنذر فكفارته كفارة يمين كما تقدم، وأما فيما يتعلق بالبدنة فمعلوم أن الذي يجب في الهدي هو أقل شيء وهو الشاة كما جاء في تفسير ما استيسر من الهدي، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شاة، وأما كونها تهدي بدنة فقال بعض أهل العلم: إن هذا على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الإيجاب.

    تراجم رجال إسناد حديث ( أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية ... )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي ].

    أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي صدوق أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثني أبي ].

    أبوه صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثني إبراهيم يعني ابن طهمان ].

    إبراهيم بن طهمان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مطر ].

    هو مطر الوراق، وهو صدوق كثير الخطأ، وعليه فإذا لم يأت ذكر البدنة إلا من طريقه، ففي صحة الحديث نظر إذا لم يوجد له شواهد؛ لأن الهدي مطلق ينطبق على أقل شيء، وأقل شيء هو شاة، فالحديث فيه أمرها بأن تهدي بدنة، وهذا شيء كبير، وفيه نظر، ومادام في إسناده مطر الوراق وهو صدوق كثير الخطأ فمعناه: أن التصحيح فيه نظر، اللهم إلا أن يأتي شيء من طريق أخرى يقويه، فيكون الاعتبار بغير هذا الطريق، والألباني صحح الحديث.

    ومطر الوراق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن .

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    عكرمة وابن عباس مر ذكرهما.

    وجه أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأخت عقبة بن عامر أن تهدي بدنة

    جاء في بعض الأحاديث التي مرت أنه أمرها بالهدي من دون تخصيص، فمن أهل العلم من قال: إن هذه شبيهة بقتل الصيد، أو أنه لأجل الإخلال بما التزم في الحج، وأما ما يتعلق بالنذر فمعلوم أن كفارته كفارة يمين، لكن هذا الإهداء يفعل إذا كان شيئاً قليلاً، ولكن حتى الإهداء ولو بشاة هو أكثر من إطعام عشرة مساكين، ولكن المقصود أن تفعل الكفارة.

    وما جاء ذكر الهدي إلا في مسألة الحج هذه في قصة أخت عقبة بن عامر ، فيحتمل أن يكون أمرها بالهدي لأن هذا شيء يتعلق بالحج وأنها التزمت شيئاً لم تف به، أو لم تتمكن من الوفاء به.

    وعلى كل الحديث فيما يتعلق بالهدي المطلق سبق أن مر، وإذا فعل الإنسان ما جاء في الحديث وهو ما استيسر من الهدي لإطلاقه فيما مضى فلا بأس، وإن ثبت ذكر البدنة من غير هذا الطريق فلعل ذلك على سبيل الاستحباب.

    وقد ذكر الخطابي عن الشافعي وأبي حنيفة أنه يريق دماً بدون تخصيص، ولكن كأنهم يريدون به ما يتعلق بالحج، لكن كما ذكرنا أن بعض أهل العلم لا يقول بالكفارة في المعصية، وهذا ليس معصية، فإذا كان مباحاً وكان مطاقاً فليس بمعصية، لكن إذا كان غير مطاق فلا يجوز النذر به، وإذا نذره فيخرج منه بالكفارة إذا لم يمكن الوفاء به.

    شرح حديث ( إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا شعيب بن أيوب حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن أبيه عن عكرمة عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أختي نذرت أن تمشي إلي البيت، فقال: إن الله لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئاً) ].

    أورد أبو داود حديث عقبة بن عامر، وهو مثل الذي قبله، ولكنه مختصر، فلم يذكر فيه شيئاً أمرت به، وإنما ذكره باختصار، ولكن في الأحاديث التي مضت ما يوضحه.

    تراجم رجال إسناد حديث (إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت ...)

    قوله: [ حدثنا شعيب بن أيوب ].

    شعيب بن أيوب صدوق أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا معاوية بن هشام ].

    معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة عن عقبة بن عامر الجهني ].

    عكرمة مر ذكره، وعقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وبالنسبة لترتيب الأحاديث ذكرنا أن الأولى أن تكون أحاديث قصة أخت عقبة بن عامر متتالية، وفي بعض النسخ ذكرت كذلك، وهذا هو الترتيب المناسب؛ لأنها كلها في موضوع واحد، فكونها تأتي على نسق واحد هذا هو المناسب في الترتيب، فإذا كان في بعض النسخ هذا فهو الأقرب.

    وفي النسخة التي مع عون المعبود جعل حديث أبي إسرائيل في باب آخر متقدم غير هذا الباب، وهو باب النذر في المعصية.