إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [371]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من حسن توفيق الله للميت ثناء الناس عليه خيراً إذا مرت جنازته، ومن علامات سوء توفيقه إذا أثنوا عليه شراً عند مرور جنازته، ولقد كرم الله تعالى المسلم في حياته وبعد مماته، فمن تكريمه بعد مماته أن نهى عن المشي على قبور المسلمين، ونهى عن الجلوس عليها، ونهى عن امتهانها، وفي المقابل منع الشرع من تعظيم هؤلاء الأموات تعظيماً زائداً عن الحد المشروع، فنهى عن رفع قبورهم وتشييدها، ونهى عن تجصيصها، والتوسل بها ودعائها والاستغاثة بها، والذبح عندها، فالأمر وسط، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء.

    1.   

    كراهية الذبح عند القبر

    شرح حديث: (لا عقر في الإسلام)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب كراهية الذبح عند القبر.

    حدثنا يحيى بن موسى البلخي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا عقر في الإسلام) ].

    قوله: [ باب كراهية الذبح عند القبر ] الكراهية هنا بمعنى التحريم، فلا يجوز أن يُذبح عند القبور، وأما إذا كان الذبح عند القبور لأصحاب القبور فهذا شرك بالله عز وجل؛ لأن الذبح عبادة، فإذا تقرب به إلى غير الله فإن ذلك شرك، وأما إذا لم يكن الذبح لأصحاب القبور وإنما أريد به الذبح لله عز وجل فلا يجوز، وهو محرم، لكن لا يقال: إنه شرك، إلا أنه ذريعة ووسيلة إلى الشرك؛ لأن من ذبح في ذلك المكان -وإن كان يريد أنه لله- فإن الأمر يئول به إلى أن يكون لغير الله، وذلك بأن يذبح للميت.

    فالحاصل: أنه لا يجوز الذبح عند القبور مطلقاً، فإن أريد بذلك التقرب إلى الميت فهو شرك بالله عز وجل، وأما إذا لم يكن كذلك فهو من البدع المحرمة التي لا تسوغ ولا تجوز.

    وقد أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (لا عقر في الإسلام)، فقد كانوا في الجاهلية يذبحون عند قبر الشخص إذا كان كريماً، ويقولون: كما أحسن إلى الناس في حياته فإنه يكون كذلك بعد وفاته، فيذبحون عنه؛ حتى يكون مطعماً حياً وميتاً.

    فمعنى هذا الحديث: (لا عقر في الإسلام) أن هذا الذي كان يُعمل في الجاهلية لا يسوغ ولا يجوز.

    [ قال عبد الرزاق : كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة ].

    وهذا مثاله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا عقر في الإسلام)

    قوله: [ حدثنا يحيى بن موسى البلخي ].

    يحيى بن موسى البلخي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثابت ].

    هو ثابت بن أسلم البناني ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الصلاة على قبر الميت بعد حين

    شرح حديث صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل أحد

    قال المصنف يرحمه الله تعالى: [ باب الميت يصلى على قبره بعد حين.

    حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف) ].

    قوله: [ باب الميت يصلى على قبره بعد حين ]، المقصود بذلك: أن الميت يصلى على قبره بعد مدة ولو كانت طويلة، وقد قال بعض أهل العلم: إنه يصلى على الميت ولو قد مضى عليه مدة طويلة، وقال آخرون: إنه لا يصلى عليه إلا إذا كان حديث عهد بدفن، ويكون ذلك في حق من فاتته الصلاة ومن لم يصل عليه.

    والحديث لا يدل على أن الميت يصلى عليه بعد مدة طويلة؛ لأن هذا -كما جاء في بعض الروايات- خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء فيها: (كان كالمودع للأحياء والأموات)، أي: أنه فعل ذلك توديعاً للأحياء والأموات في آخر عمره عليه الصلاة والسلام، فلا يستدل به على أنه يجوز الصلاة على أصحاب القبور بعد مدة طويلة، وإنما يدعا لهم في كل وقت وحين، وأما الصلاة عليهم فإنما تكون عند الموت قبل الدفن في المصلى أو المسجد، ومن فاتته الصلاة فإنه يصلي عليه عند القبر، كما سبق حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبر رطب -أي: حديث عهد بالدفن- وصفوا وراءه، فصلى عليه وكبر أربعاً)، وكذلك في قصة الرجل أو المرأة الذي كان يقمُّ المسجد فمات ودفن في الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا آذنتموني؟ ثم قال: دلوني على قبره، فذهب وصلى عليه صلى الله عليه وسلم)، فإذا كان ذلك في وقت قريب من الموت فيصلي عليه من لم يصل، وأما بعد تقادم الزمان، ومرور الأوقات فلا يفعل ذلك، وإنما يدعا للأموات والأحياء، وأما هذا الذي حصل من النبي صلى الله عليه وسلم فهو من خصائصه كما جاء: (أنه كان كالمودع للأحياء والأموات).

    تراجم رجال إسناد حديث صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل أحد

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري ، وهو ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن أبي حبيب ].

    هو يزيد بن أبي حبيب المصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الخير ].

    هو مرثد بن عبد الله اليزني وهو مصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عقبة بن عامر ].

    هو عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، وهو صحابي سكن مصر، فهذا الإسناد مسلسل بالمصريين إلا قتيبة بن سعيد .

    شرح حديث صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل أحد من طريق ثانية وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الحديث، قال: (إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات) ].

    أورد الحديث من طريق أخرى وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات)، وهذا يفيد أن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فكونه يصلي عليهم بعد هذه المدة، وأنه كالمودع للأحياء والأموات، فهذا يدل على أنه من خصائصه.

    ووجه ذكر الأحياء هنا أنه رجع من الصلاة على قتلى أحد فخطب الأحياء، هكذا جاء في بعض الروايات، وقال: (أنا فرطكم على الحوض)، وذكر كلاماً فيه إشارة إلى توديعه إياهم.

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا يحيى بن آدم ].

    يحيى بن آدم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حيوة بن شريح ].

    هو حيوة بن شريح المصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الحديث ].

    وقد مر ذكر الإسناد والمتن.

    1.   

    البناء على القبر

    شرح حديث: (نهى أن يقعد على القبر وأن يقصص ويبنى عليه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في البناء على القبر.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نهى أن يُقعد على القبر، وأن يقصَّص، ويُبنى عليه) ].

    قوله: [ باب في البناء على القبر ]، أي: أنه حرام لا يجوز، وقد جاءت عدة أحاديث تدل على منعه ومنها هذا الحديث، وقد دُفن الرسول صلى الله عليه وسلم في البنيان، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأنبياء يدفنون في المكان الذي ماتوا فيه، وقد جاء في الحديث: (إن الأنبياء يدفنون حيث يموتون)، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم في البنيان دُفن في المكان الذي مات فيه، فيكون ذلك من خصائصه.

    وقد ذكر الذهبي في ترجمة ابن لهيعة عندما ذكر الحديث الذي فيه: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً) ، ذكر أن الدفن في البنيان من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وأنه ليس لأحد أن يدفن في البنيان، ولا أن يبنى بناء على القبر، إذاً فلا يسوغ البنيان على القبور، ولا دفن الموتى في البنيان: لا في المساجد ولا غير المساجد.

    وقد أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعد على القبر) أي: أن يجلس عليه، وهذا فيه امتهان للميت، (وأن يُقصَّص) أي: أن يجصص، فيجعل عليه جص، وهو مثل الإسمنت، وهو يتخذ من بعض أجزاء الأرض، ثم يحرق حتى يتماسك فلا يأخذه الماء، فهو كالإسمنت في هذا الزمان، فلا يجصص القبر ولا يسمّت، وإنما يوضع عليه ترابه فقط، وإن وضع عليه شيء من الحصى أو ما إلى ذلك حتى يمنع من تطاير التراب مع الهواء فيندرس القبر ويختفي، فلا بأس بذلك.

    قوله: ( وأن يقصص ويبنى عليه) أي: أن القعود فيه امتهان، والتجصيص والبنيان فيها تعظيم وغلو، وقد نُهي عن الإفراط والتفريط، عن الغلو والجفاء، فكل من الغلو والجفاء ممنوعان، فلا يمتهن الأموات بحيث يداس ويجلس على قبورهم، ولا يغلو الناس فيهم بأن يكون هناك بنيان وتعظيم يترتب عليه محاذير ومفاسد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نهى أن يقعد على القبر وأن يقصص ويبنى عليه)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج ].

    عبد الرزاق مر ذكره، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني أبو الزبير ].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع جابراً ]

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث ( نهى أن يقعد على القبر) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى ، وعن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه بهذا الحديث.

    قال أبو داود : قال عثمان : (أو يزاد عليه)، وزاد سليمان بن موسى : (أو أن يكتب عليه)، ولم يذكر مسدد في حديثه: (أو يزاد عليه).

    قال أبو داود : خفي علي من حديث مسدد حرف: (وأن) ].

    أورد أبو داود حديث جابر من طريق أخرى، وفيه: (وأن يزاد عليه) أي: يزاد عليه تراب من غيره، فيكون ذلك رفع له، وهذا لا يجوز، فلا يرفع في بنيان القبر، ولا يزاد في ترابه فيعلو بذلك ويكون مشرفاً، وقد مر حديث علي وفيه: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته) أي: أنه لا يجوز أن يجعل مرتفعاً، وأما إذا جعل عليه تراب القبر نفسه ولم يزد عليه شيء من غيره فلا بأس في هذا، ولهذا قال: (أو يزاد عليه) أي: لا يزاد عليه شيء من تراب غيره.

    قوله: (أو أن يكتب عليه) أي: لا يكتب عليه شيء لا اسمه ولا غير اسمه، وسواء كبرت المقبرة أو صغرت، فالرسول صلى الله عليه وسلم فعل علامة يعرف بها قبر الميت، وأما الكتابة فكأنها إعلان يعرف به هو وغيره من الناس أن هذا قبر فلان.

    تراجم رجال إسناد حديث ( نهى أن يقعد على القبر) من طريق ثانية

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ وعثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا حفص بن غياث ].

    حفص بن غياث ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج عن سليمان بن موسى ].

    ابن جريج مر ذكره، وسليمان بن موسى الأشدق صدوق في حديثه بعض لين، أخرج له مسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ وعن أبي الزبير عن جابر ].

    قد مر ذكرهما، وهنا يروي ابن جريج عن سليمان بن موسى وعن أبي الزبير .

    [ قال أبو داود : قال عثمان : (أو يزاد عليه)، وزاد سليمان بن موسى : (أو أن يكتب عليه). ولم يذكر مسدد في حديثه: (أو يزاد عليه).

    قال أبو داود : خفي علي من حديث مسدد حرف: (وأن) ].

    أي: قبل كلمة: (يبنى عليه)، وهذا يدل على عناية العلماء الفائقة بضبط ألفاظ الأحاديث، فتجدهم يضبطون مثل هذه الألفاظ اليسيرة السهلة التي يكون المعنى واضحاً بها وبدونها، ومع ذلك فقد اعتنوا عناية فائقة بضبط الأحاديث وتدوينها.

    شرح حديث: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة : (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وفي بعض الأحاديث جاء ذكر اليهود والنصارى، وهذا يدل على تحريم اتخاذ القبور مساجد، وتحريم البناء عليها، سواء كان البناء مسجداً أو غير مسجد، ولكن الحرمة في حال اتخاذها مسجداً أشد وأعظم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن المسيب ].

    سعيد بن المسيب ثقة فقيه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    كراهية القعود على القبر

    شرح حديث: (لأن يجلس أحدكم على جمرة خير له من أن يجلس على قبر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كراهية القعود على القبر.

    حدثنا مسدد حدثنا خالد حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) ].

    قوله: [ باب في كراهية الجلوس على القبر ] سبق أن مر بنا الحديث الذي فيه: (نهى أن يقعد على القبر)وهناك ذكره في البناء، وهنا ذكر شيئاً يخص الجلوس على القبر، فيكون هذا الحديث وذاك الحديث كل منهما يدل على عدم جواز الجلوس على القبور، وهنا زيادة بيان خطورة هذا الأمر.

    وقد أورد المصنف حديث أبي هريرة مرفوعاً: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر)، وهذا يدل على تحريم الجلوس على القبور؛ لأن فيه امتهاناً لها، والمسلم محترم في حياته وبعد وفاته، ويدخل في النهي عن الجلوس على القبور القيام والوقوف عليها، وأما قبر الكافر فليس له حرمة.

    وتفسير القعود بأنه لقضاء الحاجة تفسير بعيد، وإذا وجد فهو أسوأ، ولكن المقصود ما هو أعم من ذلك وهو مجرد الجلوس، ومعلوم أن الإنسان في حالة الجلوس لقضاء الحاجة يجلس على رجليه، وجسده وثيابه لا تمس الأرض، وأما الجلوس على القبر والقعود عليه فهو الذي تلي فيه الثياب القبر، فهذا هو الجلوس المقصود من الحديث، وليس الجلوس لقضاء الحاجة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لأن يجلس أحدكم على جمرة خير له من أن يجلس على قبر)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا خالد ].

    مسدد مر ذكره، وخالد هو ابن عبد الله الواسطي الطحان ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سهيل بن أبي صالح ].

    سهيل بن أبي صالح صدوق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد روى له البخاري مقروناً وتعليقاً.

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو أبو صالح السمان واسمه: ذكوان ، ولقبه: السمان ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكره.

    شرح حديث: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن يزيد بن جابر - عن بسر بن عبيد الله قال: سمعت واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) ].

    أورد أبو داود حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، وهذا فيه النهي عن الجلوس على القبور، وعن الصلاة إليها، أي: أن يقصدها الإنسان بالصلاة، فيجعلها أمامه ليصلي لله عز وجل مستقبلاً لها، كل ذلك لا يسوغ ولا يجوز، وقد مرّ في الجلوس ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: هو الحديث الذي فيه النهي عن التجصيص والبناء، والحديث الثاني هو الذي فيه ذكر الوعيد، والحديث الثالث هو هذا الحديث الذي فيه النهي عن الجلوس على القبور: (لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها).

    وهذا يدل على أن استقبالها بالصلاة لا يسوغ ولا يجوز، ويدل أيضاً على أن فعل بعض الناس الذين يأتون إلى المسجد النبوي المبارك فيتركون الصفوف الأول، وربما أتوا مبكرين، ويصلون خلف قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، يدل على أنهم واقعون في هذا الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى إلى القبور، وهؤلاء يتعمدون الصلاة إليها، فيكونون بذلك مخالفين أو واقعين فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى ولو كان بين القبر وبين المصلي حاجز من جدار أو نحوه، فما دام أنهم يتعمدون الصلاة وراء القبر فيشملهم النهي.

    وبعض الناس قد يسألون عن امتداد الصفوف -خاصة في العيدين- إلى جهة البقيع، فنقول: على الإنسان ألا يتعمد الصلاة وراء القبر، وعليه أن يتخير المكان المناسب، ولا يفعل كبعض الناس الذين يأتون والمسجد خالي فيتعمدون أن يأتوا إلى هذا المكان الذي فيه القبر، وأما إذا كان الإنسان لا يدري أن أمامه قبر، أو لم يتعمد ذلك فهو معذور.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)

    قوله: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى ].

    هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرحمن يعني ابن يزيد بن جابر ].

    عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بسر بن عبيد الله ].

    بسر بن عبيد الله ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن واثلة بن الأسقع ].

    واثلة بن الأسقع رضي الله عنه صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت أبا مرثد الغنوي ].

    أبو مرثد الغنوي اسمه كناز بن الحصين، وهو صحابي أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    وهذا الحديث في صحيح مسلم.

    1.   

    المشي في النعل بين القبور

    شرح حديث: (يا صاحب السبتيتين! ويحك ألق سبتيتيك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب المشي في النعل بين القبور.

    حدثنا سهل بن بكار حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير السدوسي عن بشير بن نهيك عن بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنه -وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد فهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ما اسمك؟ قال: زحم ، فقال: بل أنت بشير )- قال: (بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً، ثلاثاً، ثم مر بقبور المسلمين فقال: لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً، وحانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين! ويحك ألق سبتيتيك، فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلعهما فرمى بهما)].

    ثم قوله: [ باب المشي في النعل بين القبور ]، أي: أن ذلك لا يجوز، إلا إذا كانت المقبرة فيها حرارة شديدة في الرمضاء، أو كان فيها شوك يتأذى به الإنسان فإنه يمشي بالنعل، ولكن يكون ذلك بين القبور، وليحرص على ألا يطأ على قبر، والنهي جاء حتى عن المشي بين القبور، كما أورده أبو داود في حديث بشير بن الخصاصية رضي الله عنه، فهو يدل على أن المشي في المقبرة لا يجوز بالنعال، ولكن إذا كان هناك أمر يقتضيه كأن تكون الشمس حارة وفيها رمضاء، أو كان فيها شوك أو شيء يؤذي فيمكن للإنسان أن يستعمل ذلك من باب ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما، وذلك سائغ؛ لأن هذا ضرر وهذا ضرر، ولكنه لا يطأ على قبر؛ حتى لا يكون الامتهان واضحاً.

    وقد أورد أبو داود حديث بشير بن الخصاصية رضي الله عنه: (أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمرا بقبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيراً كثراً) أي: أنهم تقدموا وجاء خير كثير بعدهم لم يدركوه، (وجاء إلى قبور المسلمين وقال: لقد أدرك هؤلاء خيراً كثراً) أي: أنهم لحقوه وأدركوه وصاروا من أهل ذلك الخير، وأما أولئك فلم يبقوا حتى يدركوا ذلك الخير الذي جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام، فماتوا على الشرك والكفر ففاتهم ذلك الخير، (ثم حانت منه التفاتة) أي: التفت (فرأى رجلاً يمشي في القبور وعليه نعلان سبتيتان)، والنعلان السبتيتان هما اللتان صنعتا من الجلد المدبوغ بالقرض، (فقال: يا صحاب السبتيتين! ألقهما)، وليس معنى ذلك أنه خاص بالسبتيتين، بل هو عام في جميع النعال ولعله ذكر السبتيتين حتى يتنبه ذلك الرجل إلى النعل التي كانت عليه فيعرف أنه المقصود، (فقال: يا صاحب السبتيتين! ألقهما) أي: لا تمشي بهما، (فخلعهما) أي: أنه بادر إلى الامتثال لما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبادرة إلى امتثال ما جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحكم هنا عام لجميع النعال وليس مقصوراً على السبتيتين، وبعض الناس قالوا: إن هذا خاص بالسبتيتين؛ لأن فيهما ترفاً، ولا يستعملهما إلا أهل الترف، وهذا ليس بصحيح، فالمقصود من ذلك النعال مطلقاً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يا صاحب السبتيتين! ويحك ألق سبتيتيك)

    قوله: [ حدثنا سهل بن بكار ].

    سهل بن بكار ثقة ربما وهم، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا الأسود بن شيبان ].

    الأسود بن شيبان ثقة أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن خالد بن سمير السدوسي ].

    خالد بن سمير السدوسي صدوق يهم قليلاً، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن بشير بن نهيك ].

    بشير بن نهيك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    بشير مولى رسول الله مشهور بـابن الخصاصية ، وهو صحابي أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد ، فهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (ما اسمك؟ قال: زحم ، قال: بل أنت بشير).

    أي: كأن هذا الاسم وهو زحم بن معبد لم يعجب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أدري ما هي المعاني التي تدل عليها هذه الكلمة حتى لم يعجب ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا عبد الوهاب يعني: ابن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم) ].

    أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم)، وهذا فيه دلالة على أنه يُمشى بالنعل في المقبرة، وقد مر في حديث صاحب السبتيتين أنه لا يمشى، ويمكن أن يجمع بينهما بأن هذا الحديث لا يلزم منه أن يكون المشي بين القبور، وإنما قد يكون في المقبرة فضاء فيمشي الناس في ذلك الفضاء بنعالهم حتى يصلوا إلى القبور ثم يخلعونها، وعند الانصراف إذا وصلوا إلى ذلك الفضاء في المقبرة لبسوا نعالهم، وإنما المحذور إذا مشوا بها بين القبور، فالناس عندما يدفنون في المقبرة فإنهم يبدءون من آخرها ثم تتصل القبور حتى تصل إلى الباب، فهذه المنطقة التي يمشون فيها هي تلك المنطقة التي لم يكن فيها قبور، فهم يمشون إذاً في أرض لا قبور فيها وإن كانت في داخل مقبرة، فيحمل هذا الحديث على هذا المعنى، ولا يلزم أن يكون المشي بين القبور.

    وفي هذا الحديث أيضاً دليل على سماع الأموات، ولكن لا يستدل به على سماعهم مطلقاً، فالأصل هو أن هذا من أمور الغيب التي لا يثبت منها شيء إلا بدليل، فالشيء الذي ورد فيه دليل مثل هذا، ومثل تكليمه عليه الصلاة والسلام لأصحاب القليب يوم بدر وقال: (إنهم يسمعون)، فهذا يُثبت، ولا يتوسع في ذلك بأن يقال: إنهم يسمعون كل شيء؛ لأن هذه من أمور الغيب، فيقتصر فيها على ما ورد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سليمان الأنباري ].

    محمد بن سليمان الأنباري صدوق أخرج له أبو داود.

    [ حدثنا عبد الوهاب يعني ابن عطاء ].

    عبد الوهاب بن عطاء صدوق ربما أخطأ، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سعيد ].

    هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد مر ذكره.

    1.   

    تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث

    شرح حديث جابر في قصة إخراجه أبيه من القبر بعد ستة أشهر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث.

    حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة عن أبي نضرة عن جابر رضي الله عنه قال: دُفن مع أبي رجل فكان في نفسي من ذلك حاجة، فأخرجته بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئاً إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض ]

    قوله:[ باب في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث ] ، أي: تحويله من قبره إلى مكان آخر، وليس معنى ذلك أنه ينقل ويسافر به إلى مكان بعيد، وإنما المقصود: تحويله من مكان إلى مكان في نفس البلد؛ لأمر اقتضى ذلك، كما جاء في فعل جابر مع أبيه، فإن السبب في إخراجه أنه دفن معه شخص، وكان في نفسه من ذلك شيء، وهذا أمر يتعلق بالحي ولا يتعلق بالميت، وكما هو معلوم أن من كان منعماً فإنه لا يضره من يعذب بجواره، ومن كان معذباً فإنه لا ينتفع بتنعم من كان بجواره، وأمور الغيب من الأمور التي يجب الإيمان والتصديق بها، فالمنعم منعم والمعذب معذب، فذلك الأمر لا يرجع إلى الميت بأنه يناله شيء من أمر من بجواره، ولكن كان في نفس الحي -وهو جابر رضي الله عنه- شيء، فنقله وحوله عن مكانه.

    وجاء أيضاً في بعض الآثار -وما أدري عن ثبوته-: أنه كان يخشى عليه أن يجترفه السيل، أي: أن السيل كان يمر بقرب القبر، فإن صح هذا فهذه علة وجيهة.

    قوله: (فأخرجته بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئاً إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض) أي: أنه رآه بعد ستة أشهر على حالته التي دفن عليها، فلم يتغير منه شيء إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض.

    وهذا يدل على أن بعض الأموات قد يبقى في قبره مدة طويلة لا تأكله الأرض، لكن لا يقطع بأن الشهداء لا تأكلهم الأرض؛ لأن هذا لم يكن إلا بعد ستة أشهر، والله أعلم ما سيكون في المستقبل، وأما الأنبياء فإن الأرض لا تأكل أجسامهم أبداً كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر في قصة إخراجه أبيه من القبر بعد ستة أشهر

    قوله: [ حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد بن زيد ].

    حماد بن زيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن يزيد ].

    سعيد بن يزيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي نضرة ].

    هو المنذر بن مالك بن قطعة، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن جابر ].

    جابر رضي الله عنه، وقد مر ذكره.

    1.   

    الثناء على الميت

    شرح حديث: (مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة فأثنوا عليها خيراً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الثناء على الميت.

    حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن إبراهيم بن عامر عن عامر بن سعد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (مروا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، ثم قال: إن بعضكم على بعض شهداء) ].

    قوله: [ باب في الثناء على الميت ]، ثناء الناس على الميت بالخير يرجى معه أن يكون كذلك، وأن يكون ممن وفقه الله عز وجل، ولكنه لا يقطع له بالجنة، وذكر الناس لشخص بسوء يخشى عليه أن يكون كذلك، ولكنه لا يقطع له بشيء؛ لأن ذلك من الأمور الغيبية التي لا يطلع عليها إلا الله عز وجل.

    وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (مروا بجنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنوا عليها خيراً فقال: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، ثم قال: إن بعضكم على بعض شهداء) أي: أن تلك الشهادة التي شهدوها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لها شأن ومنزلة، ولذلك قال: (وجبت) فالذي أثنوا عليه خيراً يكون من أهل الخير، والذي أثنوا عليه شراً يكون من أهل الشر، وهذا الذي حصل بين يديه صلى الله عليه وسلم الأمر فيه واضح، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن هذا الذي أثنوا عليه خيراً قد وجبت له الجنة، وأن ذاك الذي أثنوا عليه شراً قد جبت له النار، لكن هذا لا يعني أن كل من يثنى عليه بالخير أو بالشر يكون كذلك، وأنه تجب له الجنة أو النار، فإن العلم عند الله عز وجل، وأما هذا الذي حصل من النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (وجبت) فأمره واضح، فقد أيده النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه، وقال: (وجبت).

    وأما غيره: فإذا أثنى الناس على أحد بخير أو بشر فلا يقال: وجبت له الجنة، أو وجبت له النار، وإنما يقال: يرجى للمحسن، ويُخاف على المسيء.

    ومما يوضح هذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح: (أن رجلاً كان في إحدى الغزوات، وكان قد أبلى بلاء عظيماً في سبيل الله، فأثنوا عليه ثناء عظيماً، وأنه لم يترك شيئاً فيه نكاية بالعدو إلا وعمله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو من أهل النار)، ومع ذلك فإنهم كانوا قد شهدوا له بالعمل وبالجهد العظيم، ومع ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (هو في النار)، فصار على خلاف ما ظهر لهم منه، فقال أحد الصحابة: أنا آتيكم بخبره، فصار يتابعه، فإذا أسرع أسرع وإذا تأخر تأخر، حتى أصيب في يده، فجزع من ذلك فجعل نصل سيفه على الأرض ورأسه على صدره فتحامل عليه حتى قتل نفسه، فجاء وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام عند ذلك: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر).

    فهذا الذي أثنوا عليه خيراً وذلك الذي أثنوا عليه شراً فقال عليه الصلاة والسلام: (وجبت) لا شك أنه قد وجب له ذلك، وأما غيره ممن يثنى عليه سواء كان في زمن الصحابة أو بعد زمن الصحابة فلا يقطع له بجنة ولا نار، ولكنه يرجى للمحسن ويخاف على المسيء.

    ومما يوضح هذا المعنى أيضاً ما جاء في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم ذلك يا رسول الله؟! قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ)، ومعنى (توشكون): تقربون، أي: أنه ليس شيئاً محققاً، وإنما شيء مقارب، والمعنى: أنه لا يجزم به، وعلى هذا: فإن من أثني عليه خير فيرجى له الخير والثواب العظيم من الله، ومن أثني عليه شر فيخشى عليه، والعلم بالحقائق إنما هو عند الله سبحانه وتعالى.

    وأما ما جرت به العادة في بعض البلدان من أنهم إذا فرغوا من صلاة الجنازة قال الإمام: ما قولكم في هذا الميت؟ فيقولون: خيراً، فهذا غلط، وهذا الكلام لا يصلح أن يقال؛ لأن هذا الفعل ليس له أساس في الدين، هذا أولاً.

    وثانياً: أنه قد يتكلم متكلم في من هو على خير بخلاف ذلك، وقد يكون أيضاً بالعكس، فمثل هذا لا يصلح ولا يليق أن يكون.

    تراجم رجال إسناد حديث: (مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة فأثنوا عليها خيراً ...)

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم بن عامر ].

    إبراهيم بن عامر ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن عامر بن سعد ].

    هو عامر بن سعد البجلي، وهو مقبول أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي و النسائي .

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.