إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [370]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة على الغائب والقبر من المسائل التي جاءت في السنة النبوية وفيها كلام للعلماء وخلاف بينهم. ومن تكريم الإسلام للميت أن أمر بدفنه، وللدفن أحكام تتعلق بصفة القبر والدفن وما يلحق بذلك مما هو مذكور في الأحاديث النبوية.

    1.   

    الصلاة على القبر

    شرح حديث صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على قبر المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة على القبر.

    حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حدثنا حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن امرأة سوداء أو رجلاً كان يَقُمُّ المسجد، ففقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عنه، فقيل: مات، فقال: ألا آذنتموني به؟ قال: دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليه) ].

    قوله: [باب الصلاة على القبر]، يعني: أن ذلك سائغ ومشروع، وأن الإنسان إذا لم يصل عليه وأراد أن يصلي عليه فليصل على قبره، وقد مر بنا سابقاً الحديث الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر رطب، فصلى عليه هو وأصحابه)، فذاك يدل على الصلاة على القبر، وهذا أيضاً يدل على الصلاة على القبر، وفي هذا الحديث: (أنه كان هناك امرأة سوداء أو رجل، وكان يقم المسجد)، أي: ينظفه ويكنسه، (ففقده النبي صلى الله عليه وسلم)، أي: لم يره يقوم بهذا العمل الذي كان يعرفه عنه، (فسأل عنه فقيل: إنه قد مات، فقال: ألا آذنتموني؟) أي: لماذا لم تخبروني؟ (ثم إنه قال: دلوني على قبره، فذهب وصلى عليه صلى الله عليه وسلم)، وهذا يدل على مشروعية الصلاة على القبر لمن لم يصل قبل ذلك، وأما من صلى فإنه لا يصلي، بل تكفيه صلاته الأولى، ويصلي على القبر إذا كان رطباً وحديث عهد بالدفن، وأما إذا تطاول الزمن فبعض أهل العلم يقول بالصلاة أيضاً، لكن الذي أراه أن يدعو له، وأما أن يصلي عليه فهذا يحتاج إلى دليل يدل عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على قبر المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد

    قوله: [ حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومسدد ].

    مسدد مر ذكره.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن زيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    فائدة: إذا روى مسدد أو سليمان بن حرب عن حماد غير منسوب فالمراد به ابن زيد ، وإذا روى موسى بن إسماعيل عن حماد غير منسوب فالمراد به ابن سلمة .

    وقد ذكر المزي في (تهذيب الكمال) ترجمة حماد بن سلمة وحماد بن زيد متجاورتين فبعد ذكره لترجمة حماد بن سلمة عقد فصلاً وذكر فيه أنه إذا جاء حماد مهملاً فإذا كان الراوي عنه فلان وفلان وفلان فيكون فلان بن فلان، وإذا كان الراوي عنه فلان وفلان فيكون فلان أي: أنه عند الإهمال فإن ذلك المهمل يعرف عن طريق التلاميذ الذين رووا عنه.

    [ عن ثابت ].

    هو ثابت بن أسلم البناني وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي رافع ].

    هو نفيع الصائغ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة مر ذكره.

    1.   

    الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك

    شرح حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك.

    حدثنا القعنبي قرأت على مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات) ].

    قوله: [باب في المسلم يموت في بلاد الشرك]، أي: أنه يصلي عليه المسلمون صلاة الغائب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالنجاشي ، فإنه -كما في حديث أبي هريرة هذا- نعى النجاشي إليهم في اليوم الذي مات فيه) أي: أخبرهم بوفاته في اليوم الذي مات فيه، فقد أطلعه الله عز وجل على ذلك، فأخبرهم بذلك في نفس اليوم، وهذا من علامات صدقه صلى الله عليه وسلم، فكونه يخبر عن شيء غائب وبعيد عنه فإنما يكون ذلك عن طريق الوحي، فهذا لا يحصل في الزمن الماضي إلا عن طريق الركبان، وذلك لا يكون إلا بعد مضي مدة طويلة، وأما في هذا الزمان فالخبر يصل في لحظة بواسطة الاتصالات التي هيأها الله للناس في هذا الزمان، ولكن في زمنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ذلك، فنعاه) أي: أخبرهم بوفاته، والنعي منه ما هو جائز مثل هذا الإخبار، ومنه ما هو محرم، كما كان في الجاهلية من ركوب ركبان يطوفون ويقولون: مات فلان، ويعدون محاسنه.

    (وخرج بهم إلى المصلى، وكبر عليه أربعاً) وهذا يدل على مشروعية الصلاة على الغائب، والحديث واضح الدلالة على ذلك، وليس هذا خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هو له ولأمته، ولهذا أمر الناس أن يصلوا معه.

    وقال بعض أهل العلم من المالكية: إن هذا من خصائصه، فليس للأمة أن تصلي على أحد غائب، وأن الذي حصل من الصلاة على النجاشي إنما هو من خصائصه، وقالوا: إن الجنازة أحضرت له وشاهدها وعاينها، والله قادر على ذلك، والصحابة رضي الله عنهم لم يطلعوا عليها. ولكن هذا من الأمور التي لا تعرف إلا عن طريق الدليل، والتي لا تثبت إلا بالنص.

    ومن أهل العلم من قال: إنه لا يصلى عليه إلا إذا لم يصل عليه في تلك البلد، ولم يأت شيء يدل على أن النجاشي قد صلي عليه في بلده، فلذلك صلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال بعض أهل العلم: إنه يصلى صلاة الغائب على كل من له منزلة ومكانة، فـالنجاشي كانت له منزلة ومكانة، وليس هناك دليل يدل على أنه لم يصل عليه في بلده، وليس هناك ما ينفي ذلك، نعم، إذا جاء شيء يدل على أنه لم يصل عليه وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك فيمكن أن يصلى عليه لأنه لم يصل عليه في بلده، وأما إذا لم يأت ما يدل على ذلك فلعله صُلي عليه لعلو مكانته ومنزلته.

    وهذا الحديث من الأدلة الكثيرة التي فيها أن التكبير على الجنازة يكون أربع تكبيرات.

    تراجم رجال إسناد حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ قال: قرأت على مالك بن أنس ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن المسيب ].

    سعيد بن المسيب ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة من عصر التابعين أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكره.

    شرح قول النجاشي (أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عباد بن موسى حدثنا إسماعيل -يعني ابن جعفر- عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ننطلق إلى أرض النجاشي .. فذكر حديثه، قال النجاشي: أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه) ].

    أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان ممن ذهب إلى الحبشة وهاجر إليها، وقدم من الهجرة بعدما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وذكر الحديث وقال: إن النجاشي قال: (أشهد أنه رسول الله، وأنه هو الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه) أي: حتى يخدمه، فهذه كناية عن خدمته.

    والحديث ضعفه الألباني ، ولعل ذلك من أجل تدليس أبي إسحاق السبيعي ، فقد روى هنا بالعنعنة، ولكن كون النجاشي كان مسلماً فهذا أمر معلوم، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما صلى عليه إلا لأنه مسلم، وهناك أحاديث كثيرة تدل على إسلامه.

    تراجم رجال إسناد قول النجاشي (أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم...)

    قوله: [ حدثنا عباد بن موسى ].

    هو عباد بن موسى الختلي، وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا إسماعيل يعني ابن جعفر ].

    إسماعيل بن جعفر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إسرائيل ].

    هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي إسحاق ].

    هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بردة ].

    هو ابن أبي موسى، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي موسى ].

    هو عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم نعي الميت في الصحف والمجلات

    السؤال: ما حكم النعي في الصحف والمجلات؟

    الجواب: ليس في ذلك بأس؛ حتى يكون الناس على علم بموت من كانوا يعلمون أنه حي فيدعون له.

    حكم الصلاة على الغائب

    السؤال: ما حكم الصلاة على الغائب؟

    الجواب: الذي يبدو أنه لا بأس بذلك، وذلك لمن كانت له منزلة ومكانة، وليس لكل أحد.

    حكم الامتناع عن الصلاة على الغائب الذي لا تنطبق عليه الشروط

    السؤال: إذا أمر الإمام بالصلاة على الغائب، وهذا الغائب لا تنطبق عليه الشروط، فهل لأحد من الناس أن يمتنع؟

    الجواب: ينبغي له أن يصلي ولا يتخلف.

    لا يلزم من الصلاة على الغائب أن يموت في بلد الشرك

    السؤال: هل تقيّد الصلاة على الغائب بالموت في بلد الشرك؟

    الجواب: لا، ليس بلازم.

    حكم الجمع بين الأدعية في صلاة الجنازة

    السؤال: هل للمصلي على الجنازة أن يجمع بين الأدعية الواردة في ذلك أو يختار بعضها؟

    الجواب: إذا كان المصلي إماماً فله أن يدعو بعدة أدعية ولكن لا يطيل، فإنه لو جمع الأدعية كلها فسيطيل، وأما المأموم إذا دعا بدعاء والإمام لا يزال يدعو فإنه يدعو بدعاء آخر، ولكن على الإمام ألا يطيل؛ لما جاء في حديث أنس الذي سبق وفيه: (أنه لم يطل ولم يستعجل) أي: أنه يتوسط.

    الدعاء بعد التكبيرة الرابعة في صلاة الجنازة

    السؤال: هل هناك بعد التكبيرة الرابعة دعاء أم أنه يسلم مباشرة؟

    الجواب: يدعو بعدها، فقد ورد ذلك.

    حكم أخذ الجنسية من دولة كافرة

    السؤال: هذا سؤال ورد من الإخوة المسلمين المقيمين في كندا: هل يجوز أخذ الجنسية الكندية لغرض استعمالها في أشياء تفيد المرء في دينه كتسهيل الدخول إلى دول الخليج عموماً للحصول على العمل فيها، وكذا تسهيل التنقل بالجواز الكندي لغرض التجارة، علماً بأنه يمكن أخذها بعد مرور مدة من الزمن من الإقامة القانونية في بلدهم، وعلماً أيضاً أنه يمكن أخذها بدون القسم أو المعاهدة على احترام دستورهم، وبدون معاهدتهم على موالاتهم في أي حرب، أو ما أشبهها من المعاهدات؟

    الجواب: كونه يدخل دول الخليج، أو يذهب لتجارة هذا لغرض ليس دينياً، وإنما هو دنيوي، أما لو كان يريد أن يدعو إلى الله تعالى هناك أو نحو ذلك، فهذا هو الغرض الديني، وعلى كل لا بأس بذلك إذا كان الإنسان مضطراً إلى ذلك، وكانت هناك سلامة في جميع ما يتعلق بأمور الدين، ولا يحصل منه تعاون، أو تساهل، أو تنازل، أو دخول في أمر لا يسوغ، أو إقدام على أمر لا يسوغ بسبب أخذ الجنسية.

    حكم قطع النسل إذا كان الأولاد يولدون مشوهين

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تقطع نسلها إذا كانت تظن أن كل من ستلده يخرج مشوهاً؟

    الجواب: أقول: لا يعلم الغيب إلا الله، فقطع النسل لا يصلح.

    موقف الإمام في الصلاة على المرأة التي قد دفنت

    السؤال: هل يكون موقف الإمام في الصلاة على المرأة على قبرها مثلما لو كانت حاضرة، فيقوم وسطها؟

    الجواب: الذي يظهر أنه يقف عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة.

    عدم تميز جنائز الرجال عن النساء من حيث لون النعش

    السؤال: مر معنا حديث أنس: فقربوها وعليها نعش أخضر، فهل فيه دليل على تميز النساء عن الرجال باللون؟

    الجواب: لا تميز بهذا الغطاء، والمقصود سترها سواء كان اللون أخضر أو غير ذلك.

    عموم قوله: (وأبدله زوجاً خيراً من زوجه وأهلاً خيراً من أهله) للرجال والنساء

    السؤال: جاء في بعض أدعية الجنازة: (وأبدله زوجاً خيراً من زوجه، وأهلاً خيراً من أهله)، فهل يقال ذلك في الأنثى؟

    الجواب: يؤتى بالضمير كما جاء، والمقصود بذلك الميت، كما جاء ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فما يأتي بضمير الأنثى، ويكون المقصود به الميت.

    عدم تميز أهل الفضل والعلم بالتكبير على جنائزهم أكثر من أربع تكبيرات

    السؤال: ما صحة قول بعضهم: إن الميت إذا كان من أهل الفضل والعلم فإنه يكبر عليه أكثر من أربع تكبيرات؟

    الجواب: ما نعلم شيئاً يدل على هذا، وكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متميزون ومع ذلك لا نعلم أنه كُبِّر عليهم أكثر من أربع لأجل تميزهم.

    ماذا يفعل المسبوق بتكبيرة أو تكبيرتين في صلاة الجنازة؟

    السؤال: المسبوق بتكبيرة أو تكبيرتين في صلاة الجنازة ماذا يعمل؟

    الجواب: جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فإذا سلم الإمام عليه أن يأتي بالتكبيرات التي بقيت عليه، ويدعو بينها بدعاء قصير؛ لأن الجنازة ترفع فلا يبقى أمامه جنازة يدعو لها.

    حكم الجهر بالفاتحة أو ببعضها في صلاة الجنازة لتعليم الناس

    السؤال: جاء في حديث ابن عباس : (أنه جهر بالفاتحة في صلاة الجنازة، وقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة) كما عند النسائي ، فهل يشرع فعل هذا لتعليم الناس ممن لا يقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة؟

    الجواب: إذا جهر الإنسان في بعض الأوقات مثلما كان الرسول يفعل في الصلاة السرية، فإنه كان يجهر بالآية حتى يخبرهم بالسورة، فإذا أظهر من الفاتحة بعض الكلمات فلا بأس بذلك.

    1.   

    جمع الموتى في قبر واحد وتعليم القبر

    شرح حديث وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على قبر عثمان بن مظعون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في جمع الموتى في قبر والقبر يعلم.

    حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا سعيد بن سالم (ح) وحدثنا يحيى بن الفضل السجستاني حدثنا حاتم -يعني ابن إسماعيل- بمعناه، عن كثير بن زيد المدني عن المطلب أنه قال: (لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه أُخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحسر عن ذراعيه) قال كثير : قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) ].

    قوله: [باب في جمع الموتى في قبر واحد، والقبر يعلّم]، هذه الترجمة تشتمل على أمرين: الأول: أنه عند الحاجة يقبر الجمع من الموتى في قبر واحد، وقد مر بنا أحاديث عديدة وفيها: (أنه كان يسأل عن أكثرهم جمعاً للقرآن فيقدمه).

    والثاني: أنه يوضع للقبر علامة حتى يعرف بها أن هذا قبر فلان، فكل هذين الأمرين جاءت بهما السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الموتى في قبر واحد عند الحاجة إليه لا بأس به، ووضع علامة للقبر حتى يعرف جاءت به السنة أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أورد في ذلك حديث المطلب قال: (لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته ودفن، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وحسر عن ذراعيه وحمله ووضعه عند رأسه وقال: أتعلّم قبر أخي، وأدفن عنده من مات من أهلي)، فهذا يدل على وضع علامة على القبر، وفيه بيان الحكمة من جعل هذا الحجر وهي قوله: (أدفن عنده من مات من أهلي) قيل: إنه أخوه من الرضاعة، ويدفن حوله من مات من أهله.

    قال في (عون المعبود): (وأدفن إليه) أي: إلى قربه، وقال الطيبي : أي: أضم إليه في الدفن انتهى. وبهذا المعنى يصح مطابقة الحديث للجزء الأول من الترجمة.

    أقول: هذا غير واضح، أعني: كونه يدفن معه في القبر، وإنما يجعل حوله وقريباً منه، وأما الأحاديث التي فيها جمع الموتى في قبر واحد فذلك لما كثر القتلى في معركة أحد فكان يجمعهم في القبر الواحد، وأيضاً قلّت الثياب، فكان الثوب الواحد يقسم على اثنين أو على ثلاثة، ثم يجعلون في قبر واحد، ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثرهم جمعاً للقرآن فيقدمه إلى جهة القبلة في القبر.

    تراجم رجال إسناد حديث وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على قبر عثمان بن مظعون

    قوله: [ حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ].

    عبد الوهاب بن نجدة ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا سعيد بن سالم ].

    سعيد بن سالم صدوق يهم، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ ح وحدثنا يحيى بن الفضل السجستاني ].

    (ح) للتحول إلى إسناد آخر، ويحيى بن الفضل السجستاني مقبول أخرجه له أبو داود .

    [ حدثنا حاتم يعني: ابن إسماعيل ].

    حاتم بن إسماعيل صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ بمعناه عن كثير بن زيد المدني ].

    كثير بن زيد المدني صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن المطلب ].

    هو المطلب بن عبد الله بن حنطب، وهو صدوق أخرج له البخاري في (جزء القراءة) وأصحاب السنن.

    [ عمن أخبره عن النبي صلى الله عليه وسلم ].

    أي: من أخبره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد ذلك، وهو هنا غير مسمى، ومعلوم أن جهالة الصحابة لا تؤثر؛ لأن المجهول فيهم في حكم المعلوم، فكلهم عدول بتعديل الله عز وجل وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم لهم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم كتابة اسم الميت على القبر

    السؤال: هل يجوز أن يوضع فوق القبر شاهد ويكتب عليه اسم الميت: فلان بن فلان؟

    الجواب: لا يجوز كتابة الأسماء على القبور؛ لأنها لم تأت، والذي جاء به الدليل هو وضع الحجر على القبر؛ حتى يكون على علم بذلك القبر، فإنه بدون هذه العلامة لا يستطيع أن يميز بين القبور.

    والفائدة في ذلك أن يدفن حوله من مات من أهله، وأما قول الطيبي الذي ذكره صاحب (عون المعبود) إن معنى ذلك أن يضيف إليه من مات من أهله في ذلك القبر، فليس بواضح أن ينبش القبر، ثم يدفن معه شخص آخر.

    الحكمة من وضع علامة على القبر يعرف بها

    السؤال: هل هناك فعل مخصوص يترتب على معرفة قبر من القبور بوضع إشارة عليه؟

    الجواب: الفعل المخصوص هو أن يدفن إليه من مات من أهله، كما جاء في الحديث، وأيضاً إذا عرفه فإنه يأتي إليه ويدعو له.

    1.   

    ترك المكان الذي يوجد فيه عظام أثناء الدفن

    شرح حديث: (كسر عظم الميت ككسره حياً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الحفار يجد العظم هل يتنكّب ذلك المكان؟

    حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سعد -يعني ابن سعيد- عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) ].

    قوله: [باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان]، أي: أنه يترك ذلك المكان، ويحفر في مكان آخر ليس فيه قبر، والذي يظهر أن في هذا تفصيلاً وهو: إذا كان الميت ما زال موجوداً أو أكثر رفاته فإنه يترك ذلك المكان ويذهب إلى مكان آخر، وأما إذا كان القبر ليس فيه إلا عظم فإنه لا يكسره، ولكن ينحيه جانباً، ويدفن فيه ميتاً آخر.

    وقد أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً)، أي: أنه محترم حياً وميتاً، فلا يجوز أن يستهان به في حال موته كما أنه لا يستهان به في حال حياته.

    وهذا المنع من كسر العظم هو بالنسبة للمسلم، وأما عظم الكافر فلا بأس بكسره؛ لأن الكافر ليس له احترام، فمآله إلى النار.

    تراجم رجال إسناد حديث (كسر عظم الميت ككسره حياً)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا عبد العزيز بن محمد ].

    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعد يعني ابن سعيد ].

    عن سعد بن سعيد صدوق سيء الحفظ، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عمرة بنت عبد الرحمن ].

    هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي ثقة أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    اللحد

    شرح حديث: (اللحد لنا والشق لغيرنا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في اللحد.

    حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا حكام بن سلم عن علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللحد لنا والشق لغيرنا) ].

    قوله: [باب في اللحد]، اللحد: هو الشق الذي يكون في جانب القبر من جهة القبلة، فيكون مائلاً عن سمت القبر بحيث يقف الذين على القبر على الجهة المفتوحة إلى الأعلى، ثم يدخلونه في الجهة الأمامية وهي اللحد، واللحد لغة: هو الميل، وسمي اللحد لحداً لأنه مائل عن سمت القبر.

    وقد لحد للرسول صلى الله عليه وسلم، ونُصب عليه اللبن نصباً.

    وأما الشق: فهو أن يُشق في وسط القبر شق يوضع فيه الميت، ثم يوضع اللبن وضعاً على أطرافه، والميت يكون في وسطه، فاللحد ينصب فيه اللبن نصباً، فيكون اللبن واقفاً مائلاً، وأما الشق فإن اللبن يوضع وضعاً على أطرافه من الجهتين.

    واللحد أفضل من الشق، وكل منهما جائز بإجماع العلماء، فإذا كانت الأرض صلبة فإن اللحد يكون أفضل، وأما إذا كانت رخوة بحيث إذا حفروا ينهال ويسقط عليهم التراب فالشق هنا أفضل؛ لأن الشق لا يبقي شيئاً معلقاً، فهم يأخذون كل ما أمامهم، وأما اللحد فإنه يحفر إلى جهة القبلة فيبقى الجزء الذي فوق الميت معلقاً، وهذا يكون أفضل إذا كانت الأرض صلبة.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، أي: أنه لأهل الكتاب، وهو سائغ لنا، ولكن اللحد أفضل من الشق.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللحد لنا والشق لغيرنا)

    قوله: [ حدثنا إسحاق بن إسماعيل ].

    هو إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وهو ثقة أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا حكام بن سلم ].

    حكام بن سلم ثقة له غرائب، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن علي بن عبد الأعلى ].

    علي بن عبد الأعلى صدوق ربما وهم أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    أبوه صدوق يهم أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    عدد الذين يدخلون القبر

    شرح أثر دخول عدد من الصحابة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب كم يدخل القبر؟

    حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: (غسّل رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم علي والفضل وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، وهم أدخلوه قبره)، قال: وحدثني مرحب أو أبو مرحب : (أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فلما فرغ علي قال: إنما يلي الرجل أهله) ].

    قوله: [باب كم يدخل القبر؟]، أي: من الرجال الذين يتولون وضعه في لحده، فيدخل من يحتاج إليه ومن يكفي لذلك، فقد يكتفى باثنين وقد يحتاج إلى أكثر من اثنين وذلك إذا كان الميت ثقيلاً فيتساعدون على حمله، وعلى وضعه في لحده، فهذا يتبع الحاجة.

    وقد أورد أبو داود حديث مرحب أو أبي مرحب -وهو من الصحابة- أن علياً والفضل وأسامة بن زيد هم الذين غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم هم الذين نزلوا في قبره، وكان معهم عبد الرحمن بن عوف ، فكانوا أربعة، فقال علي رضي الله عنه: إنما يلي الرجل أهله، أي: أنهم هم أولى الناس بإدخاله في القبر، فالأولوية لهؤلاء ويمكن أن يكون غيرهم، فإذا أرادوا ذلك فهم المقدمون، وإذا رغبوا من غيرهم أن يتولى ذلك لكونهم يجدون ضعفاً، أو عدم قدرة، أو عدم نشاط في ذلك فيجوز ذلك.

    تراجم رجال إسناد أثر دخول عدد من الصحابة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم

    قوله: [ حدثنا أحمد بن يونس ].

    أحمد بن يونس ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ].

    إسماعيل بن أبي خالد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عامر ].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وحدثني مرحب أو أبو مرحب ].

    مختلف في صحبته، أخرج له أبو داود .

    شرح أثر عدد الذين دخلوا قبر النبي من طريق ثانية وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن الصباح أخبرنا سفيان عن ابن أبي خالد عن الشعبي عن أبي مرحب أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نزل في قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كأني أنظر إليهم أربعة) ].

    أورد أبو داود حديث مرحب وهو ابن أبي مرحب وأنه رأى عبد الرحمن بن عوف نزل وقال: (كأني أنظر إليهم أربعة)، يعني: هم ثلاثة وعبد الرحمن معهم، ففي هذا مثل الحديث السابق أنهم أربعة.

    قوله: [ حدثنا محمد بن الصباح ].

    محمد بن الصباح صدوق أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ أخبرنا سفيان ].

    هو ابن عيينة، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي خالد عن الشعبي عن أبي مرحب ].

    ابن أبي خالد والشعبي وأبو مرحب مر ذكرهم.

    1.   

    إدخال الميت من قبل رجلي القبر

    شرح حديث: (أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخل القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الميت يُدخل من قبل رجليه.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قِبَل رجلَي القبر، وقال: هذا من السنة ].

    قوله: [باب في الميت يدخل من قِبَل رجلي القبر]، أي: من الجهة التي تكون فيه رجلاه، فيؤتى برأسه ثم يستمر حتى يكون مسامتاً للقبر، فيؤتى برأسه من جهة رجليه لا أن يكون معترضاً من الجهة القبلية، ولا من الجهة التي يكون فيها رأسه.

    وقد أورد حديث عبد الله بن يزيد رضي الله عنه أن الحارث أوصى بأن يصلي عليه عبد الله بن يزيد ، وأنه أدخله من قِبَل رجلَيه، وقال: (هذا من السنة)، وقوله: (هذا من السنة) له حكم الرفع.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخل القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    عبيد الله بن معاذ، ثقة أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبي ].

    أبوه هو معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    مر ذكره.

    [ عن أبي إسحاق ].

    هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن يزيد ].

    عبد الله بن يزيد صحابي صغير، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الجلوس عند القبر

    شرح حديث البراء بن عازب في جلوس النبي صلى الله عليه وسلم عند قبر رجل من الأنصار

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الجلوس عند القبر.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد، فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستقبل القبلة، وجلسنا معه) ].

    قوله: [باب الجلوس عند القبر]، أي: قبل أن يدفن، فعندما يُذهب بالجنازة فللإنسان أن يجلس على الأرض، وقد مر بنا أن من ذهب معها فإنه لا يجلس حتى توضع على الأرض، وجاء في بعض الروايات: (حتى توضع في اللحد)، لكن الرواية الصحيحة هي رواية: (حتى توضع على الأرض)، فمن أراد أن يجلس بعد ذلك فليجلس، ومن أراد أن يقف فله أن يقف، ولكن الجلوس لا يكون بعد أن توضع على الأرض.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث البراء بن عازب، وهو حديث طويل مشهور، وفيه ذكر ما يجري في القبر، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى القبر ولم يلحد بعد، أي: أنهم لم يزالو يحفرون لحده، فاحتاجوا إلى الجلوس، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة وجلسوا حوله، ثم ذكّرهم وأخبرهم بما يجري للإنسان في قبره، وهو حديث طويل، وقد أورد أبو داود رحمه الله منه ما يتعلق بالترجمة، وهي: الجلوس عند القبر، فدل هذا على جواز الجلوس عند القبر، سواء كان القبر لم يلحد بعد، أو كان قد ألحد وإنما أراد الإنسان أن يجلس حتى يُنتهى من دفنه، فلا بأس بذلك ما دام أنه قد وضع على الأرض كما سبق في بعض الأحاديث السابقة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد جلس مستقبل القبلة، ومعلوم أنهم جلسوا غير مستقبلين القبلة؛ لأنهم كانوا محيطين به عليه الصلاة والسلام، فوعظهم وذكرهم في تلك المناسبة منتظرين انتهاء الدفن.

    تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب في جلوس النبي صلى الله عليه وسلم عند قبر رجل من الأنصار

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المنهال بن عمرو ].

    المنهال بن عمرو صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن زاذان ].

    زاذان صدوق، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن البراء بن عازب ].

    البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الدعاء للميت إذا وضع في قبره

    شرح حديث: (كان إذا وضع الميت في القبر قال: باسم الله وعلى سنة رسول الله)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره.

    حدثنا محمد بن كثير (ح) وحدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا همام عن قتادة عن أبي الصديق عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا وضع الميت في القبر قال: باسم الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) هذا لفظ مسلم ].

    قوله: [باب في الدعاء للميت إذا وضع في القبر]، أي: أنه عندما يوضع في لحده فإن من يضعه يقول: (باسم الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وقد أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في قبره قال: باسم الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وسنته هي منهجه وطريقته صلى الله عليه وسلم.

    ولعل قائلاً أن يقول: إن الترجمة فيها الدعاء للميت، وليس في هذا الحديث دعاء، فما وجه المناسبة؟

    فأقول: إن الدعاء -كما هو معلوم- على قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والذي في هذا الحديث هو دعاء العبادة.

    وأما دعاء المسألة فهو الطلب كقوله: اللهم أعطني كذا، اللهم حقق لي كذا، اللهم اغفر لي، فهذا دعاء مسألة، وهو أيضاً عبادة؛ لأن الإنسان يعبد الله بدعائه، فالدعاء هو العبادة، والذكر أيضاً يقال له: دعاء، ولكنه دعاء عبادة وليس دعاء مسألة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان إذا وضع الميت في القبر قال: باسم الله وعلى سنة رسول الله)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    هو الفراهيدي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى العوذي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الصديق ].

    هو أبو الصديق الناجي واسمه: بكر بن عمرو، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    إذا مات للرجل قرابة مشرك

    شرح حديث علي: (اذهب فوارِ أباك ثم لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يموت له قرابة مشرك.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني أبو إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي رضي الله عنه أنه قال: (قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فوارِ أباك، ثم لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني، فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي) ].

    قوله: [باب في الرجل يموت له قرابة مشرك]، أي: ماذا يفعل؟ معلوم أنه يواريه، ولا بد من ذلك، ولا يشيَّع، لكنه لابد أن يوارى ويدفن.

    وقد أورد أبو داود حديث علي رضي الله عنه: أنه لما مات أبوه أبو طالب على الشرك والكفر ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: (إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فواره) أي: ادفنه في التراب، (ولا تحدثن شيئاً حتى تأتيني، فذهب وفعل ما أُمر به، ثم إنه رجع فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل ودعا له)، فهذا يدل على أن القريب المشرك إذا مات فإنه يجب على أقربائه المسلمين أن يواروه، ولكن لا يشرع تشييعه، ولا الذهاب معه، وإنما يذهب به من يحتاج إليه في مواراته ودفنه، وهذا الحديث يدل على أن أبا طالب مات كافراً، وقد جاءت عدة أحاديث تبيِّن أنه قد مات كافراً، ومن ذلك حديث ذهابه صلى الله عليه وسلم إليه في مرض موته، فقال له: (يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وكان عنده اثنان من المشركين في ذلك الوقت، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه، وأعادا عليه، وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب ، ولم يقل لا إله إلا الله)، فمات كافراً، ولهذا قال علي : (إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فواره)، وفيه: أن الرسول أمره بالاغتسال بعد مواراته، ودعا له.

    تراجم رجال إسناد حديث علي: (اذهب فوارِ أباك ثم لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني...)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد، وهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبو إسحاق عن ناجية بن كعب ].

    أبو إسحاق هو السبيعي وقد مر ذكره، وناجية بن كعب، وهو ثقة أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن علي رضي الله عنه ].

    علي رضي الله عنه أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    تعميق القبر

    شرح حديث: (احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في تعميق القبر.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن حميد يعني: ابن هلال عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال: (جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد فكيف تأمرنا؟ قال: احفروا، وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر، قيل: فأيهم يقدَّم؟ قال: أكثرهم قرآناً، قال: أصيب أبي يومئذ عامر بين اثنين، أو قال: واحد) ].

    قوله: [باب في تعميق القبر]، التعميق: هو النزول في الأرض، والعلة في ذلك أنه إذا كان قريباً فربما نبشته السباع والكلاب فتأكله، وأما إذا كان عميقاً فإنها لا تصل إليه، فيكون في ذلك حفظه، إذاً فتعميق القبر جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون ذلك بقدر كافٍ يحتاج إليه، فلا يعمق تعميقاً طويلاً جداً بحيث يكون بعيداً، ولا يكون قريباً جداً بحيث تصل إليه السباع والكلاب فتنبشه وتأكله.

    وقد أورد أبو داود حديث هشام بن عامر قال: (جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد) أي: بعد ما حصل الموت الشديد الكثير، فحصل جهد وشدة ومصيبة، فقال: (احفروا وأوسعوا) أي: أن القبر يوسع حتى يكفي لعدد من الموتى، فإن حفر قبر لكل واحد فيه مشقة عليهم؛ لكثرة القتلى، فأمرهم أن يحفروا ويوسعوا، ولعل المقصود من التعميق هو ألا يصير الميت عرضة للسباع والدواب، (واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر)، وهذا يدل على الترجمة السابقة وهي: جمع الموتى في قبر، والقبر يعلَّم، فهذا الحديث من الأدلة الدالة على تلك الترجمة. (قيل: فأيهم يقدم؟) أي: إلى جهة القبلة، قال: (أكثرهم قرآناً)، وهذا يدل على فضل القرآن وحفظه والاشتغال والعناية به، ومعلوم أن طريقة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن وتعلمه أنهم يجمعون بين العلم والعمل به، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتجاوزهن حتى نتعلم معانيهن والعمل بهن) أي: أنهم يتعلمون العلم والعمل جميعاً، فيكونون بذلك قد جمعوا بين العلم والفقه وبين معرفة أحكامه وما اشتمل عليه، فيجمعون العلم والعمل.

    وإذا وضع جماعة في قبر واحد فالذي يظهر أنه لا يفصل بينهم؛ لعدم ورود دليل في ذلك، بل يضم بعضهم إلى بعض.

    قوله: (أصيب أبي بين اثنين أو واحد)، أي: أنه دُفن ومعه اثنان أو واحد، فالمهم أنه ليس وحده في قبره، بل جُعل معه غيره، فوقع الشك بين أنه كان معه اثنان أو كان معه واحد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي أن سليمان بن المغيرة حدثهم ].

    سليمان بن المغيرة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد يعني ابن هلال ].

    حميد بن هلال ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عامر ].

    هشام بن عامر صحابي أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن.

    وهذا الإسناد من الأسانيد الرباعية عند أبي داود .

    ولا نعلم في التعميق حداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت بعض الآثار في ذلك، وقد ذكرها صاحب عون المعبود) فقال: وقد اختلف في حد الإعماق، فقال الشافعي : قامة، وقال عمر بن عبد العزيز : إلى السرة، وقال مالك : لا حد لإعماقه، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال: (أعمقوا القطر إلى قدر قامة وبسطة)، قاله في النيل.

    فالذي يظهر -والله أعلم- أنه يعمق بمقدار ما يؤمن فيه من وصول السباع والكلاب كما ذكرنا.

    شرح حديث (احفروا وأوسعوا) من طريق ثانية وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو صالح يعني الأنطاكي قال: أخبرنا أبو إسحاق يعني الفزاري عن الثوري عن أيوب عن حميد بن هلال بإسناده ومعناه، زاد فيه: (وأعمقوا) ].

    قوله: (وأعمقوا) هو محل الشاهد من إيراد الترجمة، وفي الأول ذكر السعة وذلك حتى يتسع القبر لعدة موتى، وهنا قال: (أعمقوا)، أي: أنه يوسع ويعمق، فيوسع من أجل العدد، وأما إذا كان الميت واحداً فلا يحتاج إلى أن يوسع إلا بمقدار الحاجة.

    قوله: [ حدثنا أبو صالح يعني: الأنطاكي ].

    هو أبو صالح محبوب بن موسى، وهو صدوق أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن أبي إسحاق الفزاري ].

    هو إبراهيم بن محمد بن الحارث ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الثوري].

    الثوري مر ذكره.

    [ عن أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد بن هلال بإسناده ومعناه ].

    مر ذكره.

    شرح حديث (احفروا وأوسعوا) من طريق ثالثة وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جرير حدثنا حميد يعني ابن هلال عن سعد بن هشام بن عامر بهذا الحديث ].

    ثم أورده من طريق أخرى.

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جرير ].

    هو جرير بن حازم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد عن سعد بن هشام بن عامر ].

    حميد مر ذكره، وسعد بن هشام بن عامر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ بهذا الحديث ].

    أي: أنه يرويه عن أبيه؛ لأن صاحب الحديث واحد وهو هشام بن عامر .

    1.   

    الأسئلة

    حكم تكفين الكافر

    السؤال: ما حكم تكفين الكافر؟

    الجواب: إذا وجد نص يدل على أن الكافر يكفن فلا بأس، وإلا فالذي يظهر أنه لا يكفن، فالميت المسلم يكفن في ثياب بيض، ويغسل وهذا من أجل تطهيره وإكرامه، وأما الكافر فإن وجد نص على أنه يكفن بغير ثيابه وإلا فإنه يكفن في ثيابه.

    حكم أخذ بعض أعضاء الميت للحاجة

    السؤال: ما حكم أخذ بعض أعضاء الميت بعد موته للحاجة؟

    الجواب: أما المسلم فلا يجوز ذلك في حقه، وأما الكافر فلا بأس بذلك.

    حكم تشريح الجثث

    السؤال: جاءت أسئلة في التشريح لتعلم الطلاب في كلية الطب حيث يشرحون الجثث، فما الحكم؟

    الجواب: أما الكافر فلا بأس أن يشرح، وأما المسلم فلا يشرح.

    حكم نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر

    السؤال: ما حكم نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر، وهل يدل حديث: (كسر عظم الميت ككسره حياً) على المنع من ذلك؟

    الجواب: لا يجوز ذلك بالنسبة للمسلم، وأما بالنسبة للكافر فليس هناك مانع أن يستفاد من أعضائه إذا كانت هناك حاجة إليها، مثل أن يستفاد من العيون وغيرها.

    تفتت عظم الميت عند أخذه

    السؤال: إذا قمنا في بعض الأوقات بتنحية عظم الميت فإنه يتفتت، فما حكم ذلك؟

    الجواب: إذا كان يتفتت من قبل نفسه وليس بسبب الإنسان فلا يؤثر.

    أولى الناس بدفن المرأة هم محارمها

    السؤال: هل يقوم بدفن المرأة محارمها فقط أم أنه يجوز أن يقوم بذلك غيرهم؟

    الجواب: محارمها هم الأولى والأحق بذلك، وأما غيرهم فإذا كان هناك ضرورة إلى ذلك فلا بأس، مثل ألا يوجد أحد من محارمها.

    حكم الجمع بين الرجل والمرأة في القبر

    السؤال: هل يجوز الجمع بين الرجل مع المرأة في القبر، وهل تشترط المحرمية في ذلك؟

    الجواب: يجوز ذلك عند الحاجة، ولا تشترط المحرمية.

    حكم تشريح الجثة لأمر جنائي

    السؤال: في بعض القضايا الجنائية يحتاج رجال الأمن إلى عرض الجثة على الأطباء، فلابد من تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة، فما الحكم؟

    الجواب: المسلم لا يجوز أن يمثّل به، ولا يجوز أن يُعمل به شيء، وأما الكافر فلا بأس بذلك.

    حكم صلاة الجنازة على من امتنع منها

    السؤال: سمعت من شيخ مسجدنا: أنه إذا أقيمت صلاة الجنازة ولم يصل عليها بعض الناس فلا يصلى عليه إذا توفي، والجزاء من جنس العمل، فهل هذا الكلام صحيح؟

    الجواب: هذا ليس بصحيح، فإن الصلاة على الجنازة فرض كفاية، فإذا وجد أحد لم يصل عليها فقد فوت على نفسه خيراً كثيراً، وعلى الإنسان أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، فلو كان هو الميت لما أحب أن يتخلف عنه أحد، فلا ينبغي له أن يتخلف، وأما أن تترك الصلاة عليه بسبب فعله هذا فغير صحيح.

    فكونه يعامل الناس بمعاملة ولا يحب أن يعامل هو بمثل هذه المعاملة فهذا شيء مذموم، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو جزء من حديث طويل، فقوله: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) أي: أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، فإذا كان هو نفسه يحب أنه إذا قدِّم للصلاة عليه ألا يتخلف أحد عن الصلاة عليه فعليه أن يقوم هو بفعل هذا الشيء الذي يحب أن يؤتى إليه.

    فالخلاصة: أنه يصلى على كل مسلم، ولا يمتنع من الصلاة عليه إلا على من عرف أنه كافر، فالكافر لا يصلى عليه.

    وأما المبتدع فما دام أن بدعته لا توصله إلى حد الكفر فيصلى عليه.

    حكم تعزية المسلم إذا مات قريبه الكافر

    السؤال: من مات قريبه الكافر هل يعزى لموته؟

    الجواب: لا يدعى للكافر الميت، ولكن يمكن أن يدعى للحي المسلم بأن يقال له: أعظم الله أجرك، وغير ذلك مما يعود عليه بالنفع.

    فضل استقبال القبلة في الجلوس

    السؤال: هل جلوس النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة يدل على فضل ذلك؟

    الجواب: نعم يدل على هذا، فكون الإنسان يختار أن يجلس مستقبل القبلة فهذا أفضل كما يدل عليه هذا الحديث.

    حكم الموعظة عند القبر

    السؤال: اعتاد الناس في بلدنا بعدما يدفنون الميت أن يقوم أحدهم فيعظ الناس ويذكرهم، فهل هذا من السنة؟

    الجواب: لا نعلم شيئاً يدل عليه إلا قصة البراء بن عازب وقصة البراء بن عازب كان الجلوس فيها لحاجة، وليس الأمر أن يجيء الناس للجنازة، ثم يتجمعون ويتحلقون ويوعظون ويذكرون، وإنما جلس النبي وأصحابه لأن القبر لم يكمل، فهم إذن بحاجة إلى الجلوس حتى يكتمل الدفن، فلما جلسوا وعظهم الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرهم، فلا يتخذ مثل هذا سنة، نعم لو وُجد شيء يقتضي التأخير وقام أحد يذكر الناس فلا بأس بذلك.

    حكم الصلاة على تارك الصلاة

    السؤال: جدي يبلغ من العمر حوالي تسعين عاماً، وأنا متأكد أنه لم يصل قط ركعة واحدة في حياته، فهل أحضر جنازته إذا مات وأصلي عليه، علماً بأني إذا امتنعت سيغضب علي والدي، ولا يوجد في عائلتي من يعرف أحكام الدفن؟

    الجواب: لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقرباؤه، وإنما يكون ماله فيئاً في بيت المال، فيوارى كما يوارى سائر الكفار.

    الدفن بجانب قبور الصالحين

    السؤال: هل في حديث عثمان بن مظعون دليل على أن الدفن بجانب الصالحين له فائدة؟

    الجواب: ليس فيه دليل على هذا، وإنما قال: (أدفن إليه من مات من أهلي)، وهذا فيه دفن الأقارب بعضهم حول بعض.

    علاقة سهولة القبر بصلاح الميت

    السؤال: في بلدنا يقولون: إذا كان حفر القبر فيه مشقة فصاحب القبر شقي، وإذا كان حفر القبر سهلاً فهو سعيد؟

    الجواب: هذا كلام ساقط، فالسعادة ليست بمشقة الحفر ولا بسهولته، وإنما تكون السعادة والشقاوة بسبب العمل، فالعمل هو عنوان السعادة والشقاوة.

    من جامع في ليلته فلا ينزل في القبر

    السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم عند دفن إحدى بناته: (أيكم لم يقارف الليلة؟)هل يؤخذ منه حكم خاص؟

    الجواب: نعم، فإنه يدل على أن الذي حصل منه مجامعة فإنه لا ينزل في القبر.

    صفة الدعاء للميت عند القبر

    السؤال: ما هي صفة الدعاء للميت عند القبر؛ هل هو دعاء جماعي بالتأمين؟

    الجواب: لا يكون جماعياً، بل كل واحد يدعو بنفسه، ويقول: اللهم اغفر له، وارحمه، وثبته عند السؤال، ولا يدعو واحد ويؤمن الباقون، وإنما كل واحد يدعو بنفسه.

    سبب دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبي في البنيان

    السؤال: إذا كان دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته من خصائصه فكيف بدفن أبي بكر وعمر معه؟

    الجواب: دفن أبو بكر وعمر مع النبي صلى الله عليه وسلم تبعاً له؛ لأن دفن النبي صلى الله عليه وسلم قد وجد في البنيان، فلم يدفنوا فيه استقلالاً، وإنما دفنوا تبعاً، فالدفن من خصائصه، وقد أضيف إليه أبو بكر وعمر ، ولا يكون ذلك لغيرهم.

    كيفية التعامل مع ثعبان البيت

    السؤال: رجل ساكن في بيت شعبي ينام ثم يستيقظ وإذا بثعبان ينام بجواره دائماً، فانتقل من هذا البيت إلى بيت جديد فنام فانتقل الثعبان ونام معه، فماذا يعمل؟

    الجواب: إذا كان الواقع كما يقول فعليه أن يحذره وينذره، فإذا لم يذهب عنه بعد ثلاث فإنه يقتله كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تسوية القبر

    شرح حديث: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في تسوية القبر.

    حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي هياج الأسدي أنه قال: (بعثني علي رضي الله عنه، قال لي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته) ].

    قوله: [باب في تسوية القبر]، المقصود من ذلك ألا يكون عليه بناء، فلا يرفع رفعاً كبيراً بحيث يزاد عليه من غير ترابه، وإنما يكون في مقدار ترابه دون أن يزاد عليه شيء من غيره، وإن زيد عليه شيء خفيف مثل الحصى أو غير ذلك فتوضع عليه حتى لا تأخذه الرياح فيضيع القبر، فيكون وضع هذا الحصى سبباً في بقائه، فذلك سائغ ولا بأس به، وأما أن يزاد عليه شيء من غير القبر بحيث يرفع، أو يبنى عليه فإن ذلك لا يجوز ولا يسوغ.

    ثم إن من العلماء من قال: إن القبر يكون مسطحاً، ومنهم من قال: إنه يكون مسنماً، أي: أنه يرتفع شيئاً فشيئاً، بحيث يكون أعلاه ضيقاً وأصله واسعاً، فيتدرج شيئاً فشيئاً.

    والأولى هو التسنيم؛ لأنه جاء ما يدل عليه في بعض الآثار التي وصفت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان مسنماً، وأيضاً التسطيح عرضة لأن تمكث فوقه الحيوانات، فيكون ذلك سبباً لتهدمه، بخلاف ما إذا كان مسنماً، فإنه يكون مرتفعاً.

    وقد أورد أبو داود حديث علي رضي الله عنه أنه قال لـأبي الهياج الأسدي : (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته)فقوله: (قبراً مشرفاً إلا سويته) هو المقصود من الترجمة، وهو هدم البناء الذي يكون على القبر؛ لأن رفعه رفعاً زائداً عن ترابه لا يجوز، وإنما يكون في حدود التراب الذي يخرج منه ولا يزاد على ذلك.

    قوله: (ولا تمثالاً إلا طمسته)، المراد بذلك الصور، فالمجسمة منها تكسر، والصور التي هي غير مجسمة تطمس، إلا إذا كانت في شيء يمتهن كالفراش ونحوه فإنه لا بأس بذلك، لكن ليس للإنسان أن يشتريها، ولا أن يشتري شيئاً فيه صور، ولكنه إذا ابتلي به ووصل إليه من طريق لم يسع فيها فإنه يستعمله على وجه الامتهان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حبيب بن أبي ثابت ].

    حبيب بن أبي ثابت ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي وائل ].

    أبو وائل هو شقيق بن سلمة، وهو ثقة مخضرم أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الهياج الأسدي ].

    هو حيان بن حصين ، وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن علي ].

    هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها -أي: القبور-)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث : أن أبا علي الهمداني حدثه قال: (كنا مع فضالة بن عبيد رضي الله عنه برودِسَ من أرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها).

    قال أبو داود : رودس جزيرة في البحر ].

    أورد أبو داود عن أبي علي الهمداني : أنهم كانوا مع فضالة بن عبيد في جزيرة، وأنه مات صاحب لهم فأمر فضالة بتسوية قبره، وقال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بتسوية القبور).

    وقد عرفنا التسوية، وهي ألا يرفع حتى يصير مشرفاً، بل يكون مستوياً، والظاهر أن المقصود به مثلما مر في حديث علي : (ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).

    تراجم رجال إسناد حديث (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها -أي القبور-)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ].

    أحمد بن عمرو بن السرح ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عمرو بن الحارث ].

    عمرو بن الحارث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن أبا علي الهمداني حدثه ].

    أبو علي الهمداني اسمه ثمامة بن شفي، وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن فضالة بن عبيد ].

    فضالة بن عبيد رضي الله عنه، وحديثه أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن.

    شرح أثر القاسم في وصفه لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أمه! اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.

    قال أبو علي: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدَّم، وأبو بكر رضي الله عنه عند رأسه، وعمر رضي الله عنه عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ].

    ثم أورد أبو داود عن القاسم قال: دخلت على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقلت: (اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة) أي: أنها ليست عالية ولاصقة بالأرض، وإنما تكون مرتفعة عن الأرض قليلاً، (مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء) أي: أن عليها تراباً أحمر، (وقال: إنه يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم مقدَّم، وأن أبا بكر عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    أي: كأن أبا بكر -بناء على هذا الكلام- محاذياً للرسول صلى الله عليه وسلم، أي: أن رأسه عند رأسه، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم مقدماً، وأبو بكر وراءه، ورأسه عند رأسه، وعمر رأسه عند رجلي الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه هي صفة القبور، وهذا الذي ذكره أبو علي راوي السنن عن أبي داود قال: يقال: كذا، قد جاء في (مستدرك الحاكم ) من كلام القاسم بن محمد تابع للكلام المتقدم في (مستدرك الحاكم )، وجاء فيه: أن قبر الرسول كذا، ورأس أبي بكر -أظنه قال-: عند عند كتفي الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: أنه متأخر عنه وليس رأسه عند رأسه، ورأس عمر عند رجلي النبي عليه الصلاة والسلام، فهو إذن قريب من هذا الوصف، إلا أنه هناك قال: رأسه عند رأسه، وهنا قال: رأسه عند كتفيه، رأسه ليس مساوٍ لرأس النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو نازل عنه، بحيث يكون رأسه مساوٍ لكتفيه، وعمر عند رجلي النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الأثر فيه إسناده رجل مستور، فهو إذن غير ثابت.

    تراجم رجال إسناد أثر القاسم في وصفه لقبر النبي وأبي بكر وعمر

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا ابن أبي فديك ].

    هو محمد بن إسماعيل بن مسلم وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ ].

    عمرو بن عثمان بن هانئ مستور، أي: مجهول الحال، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ عن القاسم ].

    هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    وليس لـعائشة هنا رواية، وإنما يصف القاسم ما شاهده.

    وهناك وصف آخر ذكره -فيما أظن- في (عون المعبود) وهو أن كل واحد منهم أنزل من الثاني، فـأبو بكر عند كتف الرسول، وعمر عند كتف أبي بكر ، فيكونون متسلسلين، فالأول هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر ، ثم عمر ، وكل واحد منهم عند كتف الذي قبله، فأظن أن هذا ذكره في (عون المعبود)، فهذه صفة ثالثة.

    ويذكر بعض الإخوة أنه جاء عند أبي بكر الآجري في كتاب: (صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم) عن هيثم بن بسطام المديني أنه قال: رأيت قبره صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز ، فرأيته مرتفعاً نحواً من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.

    1.   

    الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف

    شرح حديث (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ باب: الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف.

    حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا هشام عن عبد الله بن بحير عن هانئ مولى عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له بالتثبيت فإنه الآن يسأل).

    قال أبو داود : بحير بن ريسان ].

    [باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف]، فبعدما يدفن فإنه يوقف عند قبره ويدعا له بالمغفرة، وأن يثبته الله عند السؤال، فيقال: اللهم اغفر له وثبته، وهذا يدل على مشروعية الدعاء في هذا الوقت، وفيه دليل على أنه حي في قبره، وأن هناك حياة برزخية، ويدل أيضاً على أن هناك سؤالاً في القبر، فالميت يسأل بعد دفنه، فقد قال: (فإنه الآن يسأل)؛ ولهذا يطلب له التثبيت عند السؤال: بأن يثبته الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كأن يقال: اللهم اغفر له، اللهم ثبته بالقول الثابت.

    أورد أبو داود حديث عثمان رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)، فكان يدعو ويرشد إلى الدعاء، والمقصود من ذلك: أن كل واحد يدعو بنفسه، لا أن يكون هناك واحد يدعو ويؤمن الباقون، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إني سأدعو فأمنوا، وإنما قال: (ادعوا لأخيكم) ومعنى هذا: أن كل واحد يدعو من قبل نفسه.

    والوقوف على القبر يكون في جهة منه، ولا يلزم أن يقف عند رأسه إذا كان قبر رجل، ووسطه إذا كان قبر امرأة، وإذا كان الناس كثيرين فله أن يدعو ولو لم يكن مباشراً للقبر.

    وفيه تنبيه للناس بأن يدعوا للميت، فربما يكون بعضهم غافلاً أو ساهياً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل)

    قوله: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي ].

    إبراهيم بن موسى الرازي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام ].

    هو هشام بن يوسف الصنعاني، وهو ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن بحير ].

    عبد الله بن بحير وثقه ابن معين ، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن هانئ مولى عثمان ].

    هانئ مولى عثمان صدوق أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن عثمان بن عفان ].

    عثمان بن عفان أمير المؤمنين، وثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : بحير بن ريسان ].

    أي: أن أبا داود زاد ذكر جد عبد الله ، فهو في الإسناد هكذا: عبد الله بن بحير ، وهنا ذكر اسم الجد.

    1.   

    الأسئلة

    متى يكون سؤال الميت؟

    السؤال: جاء في الحديث: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)، فمتى يبدأ السؤال: عند الدفن، أو بعد الموت كمن طالت مدته مثلاً ووضع في الثلاجة؟

    الجواب: يبدأ عند الدفن، وأما من تأخر دفنه فلا يقال: إنه يسأل قبل أن يصل إلى القبر، وإنما قال ذلك بعد دفنه، ولكن كما هو معلوم أن الإنسان الذي لم يقبر كمن أكلته السباع، أو غرق في البحر، أو احترق بالنار أو ما إلى ذلك، فلا يقال: إنه لا يجري له ما يجري لمن يدفن، بل يجري ذلك للجميع، فكل يسأل، وكل يعذب أو ينعم، وذلك بأي طريقة مات، وسواء دفن أو لم يدفن.

    تذكير الناس بالاستغفار والدعاء للميت عند الدفن

    السؤال: هل يسن تذكير الناس بالاستغفار والدعاء للميت؟

    الجواب: الذي يبدو أنه لا بأس بذلك.

    حكم رفع اليدين في الدعاء للميت بعد دفنه

    السؤال: هل ترفع اليدين في هذا الدعاء؟

    الجواب: الأمر في ذلك واسع، فما نعلم شيئاً يدل على إثباته ولا على نفيه، فللإنسان أن يرفع وله ألا يرفع.

    ورفع الأيدي له ثلاث حالات:

    حالات جاء النص على الرفع فيها، كالدعاء بعرفة، والدعاء عند الجمرة الأولى والجمرة الثانية، والاستسقاء.

    وحالات لم يرد الرفع فيها، كالدعاء في خطبة الجمعة، فلا يرفع الإنسان يديه في الدعاء في خطبة الجمعة، لا الخطيب ولا المأمومون؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه على كثرة خطبه بالناس، وهو إمام الناس صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في بعض الأحاديث: (أنه ما كان يزيد على أن يشير بأصبعيه) ورأى بعض الصحابة رجلاً يرفع على المنبر يديه فتكلم فيه وقال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد على أن يشير بأصبعيه)، فدل هذا على عدم رفع الأيدي في هذا المكان.

    وكذلك أيضاً بعد الصلوات المكتوبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو إمام الناس، وإذا كان موجوداً فلا يصلي أحد بالناس مع وجوده عليه الصلاة والسلام، ومع كثرة صلاته بالناس لم يؤثر ولم ينقل عنه أنه رفع يديه بعد الصلاة، فدل ذلك على أن هذا الموضع ليس من المواضع التي ترفع فيها الأيدي.

    وأما المواضع الأخرى التي هي مطلقة فالأمر فيها واسع، فله أن يرفع، وله ألا يرفع.