إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [348]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم في حياتهم وبعد مماتهم، وقد جاء بما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم، ومن ذلك أنه كان يقضي دين من مات ولم يترك وفاءً، وكان يكفل اليتامى، وكان يقسم الأرزاق بين المسلمين مما أفاء الله عليه ومن الغنائم.

    1.   

    أرزاق الذرية

    شرح حديث: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في أرزاق الذرية.

    حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في أرزاق الذرية، أي: الأولاد الصغار الذين هم غير مكتسبين، ويحتاجون إلى من ينفق عليهم، والمقصود من ذلك رزقهم من بيت المال إذا مات والدهم، ولم يخلف لهم مالاً، فإنهم يرزقون من بيت المال، وهذا هو المقصود من هذه الترجمة في هذا الباب الذي هو: كتاب الإمارة والخراج والفيء.

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالاً فلأهله) يعني: لورثته، ولا يكون لبيت المال.

    وقوله: (ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي) يعني: من ترك ديناً وليس له مال، فإنه يكون قضاؤه من بيت المال، وكذلك من ترك ضياعاً، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذه الترجمة، والمقصود بالضياع: الأولاد الذين لو تركوا لضاعوا، وهم بحاجة إلى رعاية فقال: (إلي وعلي) يعني: أنه يقوم بدفع ذلك الدين من بيت المال، ويقوم بالإنفاق على الذرية من بيت المال.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جعفر ].

    جعفر بن محمد بن علي بن الحسين وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    محمد بن علي بن الحسين وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (من ترك مالاً فلورثته)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاً فإلينا) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة : (من ترك مالاً فلورثته) أي: يرثه ورثته، ولا يكون إلى بيت المال، (ومن ترك كلاً فإلينا) الكل يراد به: الدين والذرية، وقد سبق أن مر حديث في كتاب المواريث بهذا المعنى، فمن ترك ديناً وضيعة -وهم الأولاد الذين هم بحاجة إلى رعاية، ولو تركوا لضاعوا- فقضاء دينه ورزق ذريته من بيت المال.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك مالاً فلورثته)

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة بن الحجاج الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عدي بن ثابت ].

    عدي بن ثابت ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي حازم ].

    هو سلمان الأشجعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    شرح حديث: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك ديناً فإلي، ومن ترك مالاً فلورثته) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما وهو مثل الذي قبله إلا أنه ما ذكر فيه الضيعة والضياع وإنما فيه: (ومن ترك ديناً فإلي) يعني: هو الذي يسدد دينه، وهذا الحديث مختصر، وليس فيه ذكر محل الشاهد في أرزاق الذرية، والرواية السابقة التي هي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فيها التنصيص على الذرية.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معمر ].

    معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ].

    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر بن عبد الله مر ذكره.

    خطورة الدين

    في أول الأمر كان النبي عليه الصلاة والسلام يمتنع عن الصلاة على الميت المدين، ولعل هذا بسبب عدم وجود شيء يسدد منه أو أنه كان يفعل ذلك من أجل التحذير من الدين، ومن أجل أن ينفر الناس من الدين، حتى لا يتساهلوا في أمر الدين؛ لأن الإنسان إذا عرف خطورته وعظم شأنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على من عليه دين؛ يكون ذلك سبباً في نفرة الناس من التهاون بالدين، وقد جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يغفر للشهيد كل شيء ثم قال: إلا الدين سارني به جبريل آنفاً)، وهذا يدلنا على خطورة الدين.

    هذا، ويوجد فرق بين إلي وعلي في الحديث، فإلي يعني: أمرهم إلي والقيام بشئونهم إلي، وعلي يعني: أتحمل ما يلزمهم من المئونة.

    1.   

    متى يفرض للرجل في المقاتلة؟

    شرح حديث: (أجاز ابن عمر في الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب متى يفرض للرجل في المقاتلة.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى حدثنا عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة: متى يفرض للرجل في المقاتلة؟ يعني: متى يكون فرضه فرض المقاتلين، ويعطى مثلما يعطى المقاتلون؟

    والمقصود أن ذلك يكون إذا بلغ، فإنه يكون حكمه حكم البالغين، فإذا كان مكلفاً بالغاً فإنه يكون حكمه حكم المقاتلة، ويفرض له كما يفرض لهم؛ لأنه صار من أهل الجهاد ومن أهل القوة والقتال، وإذا كان لم يبلغ فإنه لا يكون حكمه حكم المقاتلين.

    أورد أبو داود حديث ابن عمر : (أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكان ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق وعمره خمس عشرة سنة فأجازه) يعني: اعتبره من جملة المجاهدين الذين يمكنون من القتال، ويكون لهم نصيب من الغنيمة على حسب أحوالهم، بالنسبة للفارس وبالنسبة للراجل.

    وفي هذا الحديث حذف بعض السنة؛ لأن غزوة أحد كانت سنة (3)، وغزوة الخندق كانت سنة (5) من الهجرة.

    وفي هذا الحديث دليل على أن البلوغ يكون بخمس عشرة سنة، وقد يكون قبل ذلك إذا وجد الاحتلام من الذكر أو الأنثى، أو وجد الحيض من الأنثى، وكذلك أيضاً إذا نبت الشعر الخشن حول القبل كما جاء في قصة بني قريظة وقتل من كان أنبت دون من لم يكن أنبت، ولكن إذا لم يحصل شيء من هذا قبل بلوغ خمس عشرة سنة، فإنه يكون بالغاً بمرور هذه المدة من الزمن.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أجاز ابن عمر في الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى ].

    أحمد بن حنبل مر ذكره، ويحيى هو ابن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبيد الله ].

    عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري المصغر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني نافع ].

    نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    كراهية الافتراض في آخر الزمان

    شرح حديث: (خذوا العطاء ما كان عطاء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كراهية الافتراض في آخر الزمان.

    حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا سليم بن مطير شيخ من أهل وادي القرى قال: (حدثني أبي مطير : أنه خرج حاجاً حتى إذا كان بالسويداء إذا أنا برجل قد جاء كأنه يطلب دواءً وحضضاً، فقال: أخبرني من سمع رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع وهو يعظ الناس ويأمرهم وينهاهم، فقال: يا أيها الناس! خذوا العطاء ما كان عطاءً، فإذا تجاحفت قريش على الملك، وكان عن دين أحدكم فدعوه) ].

    أورد أبو داود (باب كراهية الافتراض في آخر الزمان) يعني: أخذ ما يفرض من العطاء، ولما ذكر فيما مضى الأخذ من العطاء وأنه يكون لمن جاء في الأحاديث، ذكر هذه الترجمة في الترك وعدم الأخذ من العطاء، فقال: كراهية الافتراض في آخر الزمان، والمقصود من ذلك إذا كان أخذ العطاء يترتب عليه مضرة على الإنسان في دينه، ويكون رشوة على أمر يتعلق بالدين بحيث يتنازل أو يقدم على شيء محرم لا يسوغ من أجل العطاء، فإذا كان ذلك فعلى الإنسان أن يمتنع من أخذه، هذا هو المقصود من الترجمة.

    قوله: [ أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع وهو يعظ الناس ويأمرهم وينهاهم فقال: (يا أيها الناس! خذوا العطاء ما كان عطاءً) ].

    هذا من جملة ما كان يعظ النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر به في حجة الوداع.

    وقوله: (ما كان عطاءً) يعني: ما دام أنه على وجه لا محذور فيه، يعني: كما كان يؤخذ فيما مضى.

    قوله: [ (فإذا تجاحفت قريش على الملك وكان عن دين أحدكم فدعوه) ].

    يعني: إذا حصل الاختلاف والتنازع على الملك وتحصيله، (وكان -أي: العطاء- على دين أحدكم فدعوه) يعني: إذا كان العطاء في مقابل الدين أو في مقابل التهاون في أي شيء من أمر الدين، أو كون الإنسان يتنازل عن شيء واجب عليه من أجل هذا المال الذي أعطي إياه؛ فعند ذلك يترك، ولا يجوز الإقدام عليه وأخذه.

    وهذا الحديث ضعيف غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه ثلاث علل:

    فيه رجل لين الحديث، ورجل مجهول الحال، ورجل مبهم لا يعرف.

    قوله: [ حدثنا سليم بن مطير شيخ من أهل وادي القرى ].

    يعني: شيخ من أهل وادي القرى، ووادي القرى بين المدينة والشام من جهة الشمال.

    قوله: [ حدثني أبي مطير أنه خرج حاجاً حتى إذا كان بالسويداء: إذ أنا برجل قد جاء ].

    أبوه هو مطير ، فـمطير بدل من أبي، وقوله: بالسويداء هو موضع.

    قوله: [ إذا أنا برجل قد جاء كأنه يطلب دواءً وحضضاً ].

    الحضض هو: نوع من الدواء، وهذا الرجل هو المبهم الذي حدث عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (خذوا العطاء ما كان عطاء)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن أبي الحواري ].

    أحمد بن أبي الحواري ثقة، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا سليم بن مطير ].

    سليم بن مطير لين الحديث، أخرج له أبو داود .

    [ حدثني أبي مطير ].

    مطير بن سليم وهو مجهول الحال، أخرج له أبو داود .

    [ عن رجل أنه سمع ].

    هذا رجل غير معروف.

    [ أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    هذا صحابي غير معروف، وقد جاء في بعض الروايات أنه يقال له: ذو الزوائد ، ولا يعرف اسمه.

    متابعة محمد بن يسار لأحمد بن أبي الحواري

    [ قال أبو داود : ورواه ابن المبارك عن محمد بن يسار عن سليم بن مطير ].

    ابن المبارك هو: عبد الله بن المبارك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    ومحمد بن يسار صدوق، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد والنسائي ، وأبو داود لم يخرج له، وهنا ذكره في إسناد معلق وليس في حديث متصل.

    وسليم بن مطير مر ذكره.

    شرح حديث: (إذا تجاحفت قريش على الملك فيما بينها..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هشام بن عمار حدثنا سليم بن مطير من أهل وادي القرى عن أبيه أنه حدثه قال: سمعت رجلاً يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع فأمر الناس ونهاهم ثم قال: (اللهم هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم، ثم قال: إذا تجاحفت قريش على الملك فيما بينها، وعاد العطاء -أو كان- رشاً فدعوه)، فقيل: من هذا؟ قالوا: هذا ذو الزوائد صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنه ].

    هذا الطريق فيه تسمية الصحابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وهو ذو الزوائد ، ولا يعرف اسمه، وإنما يعرف بهذا اللقب، وحديثه أخرجه أبو داود .

    قوله: (إذا تجاحفت قريش على الملك فيما بينها وعاد العطاء أو كان رشاً فدعوه) هذا مثل الذي قبله: (خذ العطاء ما كان عطاءً فإذا كان على دين أحدكم فدعوه) يعني: إذا كان العطاء من أجل التنازل عن شيء من أمر الدين بأن يوافق الإنسان على أمر لا يسوغ، فعليه أن يترك هذا العطاء؛ لأنه يكون رشاً: جمع رشوة، وذلك إذا صار في مقابل كون الإنسان يأتي بشيء يخل بدينه بأن يوافق على أمر باطل أو يحسن أمراً باطلاً أو ما إلى ذلك مما فيه نقص في دين الإنسان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا تجاحفت قريش على الملك فيما بينها..)

    قوله: [ حدثنا هشام بن عمار ].

    هشام بن عمار صدوق، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا سليم بن مطير عن أبيه قال: سمعت رجلاً يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    سليم بن مطير عن أبيه مر ذكرهما.

    وقال هنا: سمعت رجلاً، وفي الرواية السابقة قال: سمعت رجلاً يحدث عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تدوين العطاء

    شرح حديث: (إعقاب بعض الغزية بعضاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في تدوين العطاء.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم -يعني ابن سعد - حدثنا ابن شهاب عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري أن جيشاً من الأنصار كانوا بأرض فارس مع أميرهم، وكان عمر رضي الله عنه يعقب الجيوش في كل عام، فشغل عنهم عمر ، فلما مر الأجل قفل أهل ذلك الثغر، فاشتد عليهم وتواعدهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا عمر ! إنك غفلت عنا وتركت فينا الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إعقاب بعض الغزية بعضاً ].

    أورد أبو داود (باب في تدوين العطاء) يعني: أن أهل الأعطيات الذين يعطون من الفيء يكتبون ويسجلون في ديوان حتى يعرف كل واحد منهم واستحقاقه، ووصوله إليه أو عدم وصوله إليه، وهذا إنما يتأتى بالكتابة والتدوين، وعمر رضي الله عنه هو أول من دون الدواوين، وذلك أنه في زمانه رضي الله عنه كثرت الفتوحات وكثر الغزو، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وكثر المجاهدون، فصار الأمر يحتاج إلى التدوين حتى يعرف الجيوش، ومن يرسل، ومن يؤخر، ومن يقدم.

    أورد أبو داود حديث جماعة من الأنصار أنهم كانوا في زمان عمر على ثغر من الثغور، وكان يعقب الجيوش بمعنى أنهم يجلسون مدة ثم يرسل أناساً مثلهم يقومون مقامهم ويعود الأولون، فكان من عمر رضي الله عنه أن غفل أن يرسل أناساً مكانهم، وانتهى الأجل ولم يرسل إليهم أحداً، فجاءوا وتركوا المكان فغضب عليهم عمر وتوعدهم وهم من الصحابة، فقالوا: إنك غفلت عنا وتركت الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعقاب الجيوش، والمدة التي خصصت لنا قد أكملناها، ولم يأت الذين يخلفوننا ويقومون مقامنا؛ فرجعنا.

    ووجه إيراد الحديث في الترجمة أن هذا إنما يعرف عن طريق الديوان، يعني: كونه يذهب أناس ويأتي أناس، فهذا معناه أنهم مسجلون ومدونون، فهؤلاء لهم هذه النوبة ويجلسون كذا شهر، ثم يأتي مكانهم غيرهم ويبقون لمدة كذا شهر، فهذا هو وجه إيراد الحديث في الترجمة من جهة تدوين العطاء.

    وقوله: وتواعدهم أي: هددهم ووبخهم.

    والثغر هو المكان الذي يكون على حدود بلاد المسلمين، ويكون فيه أناس يرابطون ويسدون ذلك الثغر حتى لا يتسلل الأعداء إلى بلاد المسلمين، فيكونون مرابطين في تلك الثغور يدافعون ويحمون بلاد المسلمين من أن يتسلل إليها أعداؤهم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إعقاب بعض الغزية بعضاً)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إبراهيم -يعني ابن سعد - ].

    إبراهيم بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن شهاب عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ].

    ابن شهاب مر ذكره، وعبد الله بن كعب بن مالك ثقة، ويقال: له رؤية، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ].

    شرح أثر كيفية قسمة عمر للفيء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمود بن خالد حدثنا محمد بن عائذ حدثنا الوليد حدثنا عيسى بن يونس حدثني فيما حدثه ابن لـعدي بن عدي الكندي أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن من سأل عن مواضع الفيء فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فرآه المؤمنون عدلاً موافقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه)، فرض الأعطية للمسلمين، وعقد لأهل الأديان ذمة بما فرض عليهم من الجزية، لم يضرب فيها بخمس ولا مغنم ].

    أورد أبو داود هذا الأثر عن عمر بن عبد العزيز يحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقال: من سأل عن مواضع الفيء يعني: المصاريف التي يصرف فيها.

    فإنه كما حكم به عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فرآه المؤمنون عدلاً موافقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي: من سأل عن مواضع الفيء فجوابه أنه ما حكم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، (فرآه المؤمنون عدلاً) يعني: هذا الذي حصل من عمر هو عدل من عمر ، وهو موافق لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه) فهذا الذي حصل من عمر رضي الله عنه فيه سداد وتوفيق وإلهام، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أحد من أمتي فإنه عمر).

    ومعلوم أن عمر رضي الله عنه وأرضاه حصل منه أمور عديدة يقال لها: موافقات عمر ، وهي أنه يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر فينزل القرآن مطابقاً لما أشار به، ومن ذلك: اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وكذلك حجب نسائه صلى الله عليه وسلم، وكذلك عدم أخذ الفدية من أسارى بدر، وهي أمور متعددة حصل فيها موافقته للصواب، بحيث يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر فينزل الوحي مطابقاً لما أشار به عمر.

    وكذلك أيضاً بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فإنه يرى الرأي ويجتهد الاجتهاد الذي يكون مطابقاً للحق، ومطابقاً لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك أنه لما ذهب إلى الشام في زمن خلافته، وكان الطاعون قد وقع في الشام، ففي أثناء الطريق لقيه أبو عبيدة وأمراء الأجناد، فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين! إن الطاعون وقع في الشام فلا تدخل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعون فتعرضهم للفناء والموت، وبعضهم قال: ادخل ولا تفر من قدر الله، فكان من عمر رضي الله عنه أن طلب المهاجرين فجاءوا واستشارهم وانقسموا قسمين: بعضهم يقول: ادخل، وبعضهم يقول: لا تدخل، وارجع، ثم طلب الأنصار واستشارهم وانقسموا قسمين، بعضهم يقول: ارجع، وبعضهم يقول: لا ترجع، ثم اجتهد ورأى أن يرجع وقال: إني مصبح على ظهر يعني: إذا أصبحت فسأركب بعيري وأرجع إلى المدينة، وكان أبو عبيدة رضي الله عنه من الذين يرون الدخول وعدم الرجوع فقال له: أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! نفر من قدر الله إلى قدر الله.

    وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه معهم ولكنه كان غائباً في حاجة، ولما رجع وعلم بالذي حصل قال: عندي علم فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا وقع الطاعون وأنتم في بلد فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا وقع وأنتم لستم فيه فلا تدخلوا عليه)، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فسر؛ لأن اجتهاده وقع مطابقاً لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهذا الذي قاله عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه هو متفق مع ما جاء في الحديث الصحيح: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أحد من أمتي فإنه عمر)، وهذه النصوص التي ذكرتها هي شواهد على تسديده وإلهامه، وأن الحق يجري على لسانه وقلبه، ولكن هذا لا يعني أن كل مسألة يكون فيها خلاف فإن الحق يكون مع عمر ، فقد يكون خلاف بينه وبين غيره ويكون الحق مع غيره، وذلك مثل مسألة الجد والإخوة، فـأبو بكر رضي الله عنه يرى أن الجد يحجب الإخوة، وعمر يرى أنه يشارك الإخوة، وقول أبي بكر رضي الله عنه هو الأوضح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)، ومعلوم أن الجد في جهة الأصول، والإخوة في جهة الحواشي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (وما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)، فإذا أخذ أصحاب الفروض فروضهم فمعنى ذلك أن الجد هو الأولى، وأن الإخوة لا يشاركونه، وهذا هو الذي يدل عليه هذا الدليل، ولكن كما هو معلوم فإن كثيراً من المسائل يكون الحق فيها مع عمر ، ولكن لا يعني ذلك أن كل مسألة خلافية يكون الحق فيها مع عمر دون القول الآخر الذي يقابله.

    وهذا الذي فعله عمر من وضع الأعطيات على الوضع الذي رآه هو عدل مطابق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الحق يجري على لسان عمر) فهذا الذي فعله قد سدد فيه وألهم ووفق.

    قوله: [ فرض الأعطية للمسلمين، وعقد لأهل الأديان ذمة بما فرض عليهم من الجزية ].

    فرض الأعطية للمسلمين وكان ذلك بتدوين دواوين، ليعرف من أعطي ومن لم يعط، وكل الناس عند التوزيع يرجعون إلى هذه السجلات التي فيها أصحاب هذه الأعطيات.

    وعقد لأهل الأديان ذمة بما فرض عليهم من الجزية، أي: أنهم يبقون في ذمة المسلمين، ويؤدون الجزية التي أوجبها الله تعالى عليهم.

    قوله: [ لم يضرب فيها بخمس ولا مغنم ] أي: الجزية لم يضرب فيها بخمس ولا مغنم، وإنما هي كلها في مصالح المسلمين، لا تخمس، ولا تكون غنيمة، وإنما هي مال أفاءه الله عز وجل على المسلمين، فيكون في مصالحهم عموماً.

    تراجم رجال إسناد أثر كيفية قسمة عمر للفيء

    قوله: [ حدثنا محمود بن خالد ].

    محمود بن خالد الدمشقي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا محمد بن عائذ ].

    محمد بن عائذ وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا الوليد ].

    الوليد بن مسلم الدمشقي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عيسى بن يونس ].

    عيسى بن يونس بن أبي إسحاق وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني ابن لـعدي بن عدي الكندي ].

    ابن لـعدي بن عدي الكندي مبهم غير معروف، أخرج له أبو داود .

    [ عن عمر بن عبد العزيز ].

    عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ورحمه، وهو الخليفة المعروف المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمر ].

    عمر تقدم ذكره.

    وهذا السند فيه انقطاع؛ لأن عمر بن عبد العزيز ما أدرك عمر ، فالحديث ضعيف، فيه علة الانقطاع، وفيه علة الإبهام في الابن الذي ذكر في الإسناد.

    شرح حديث: (إن الله وضع الحق على لسان عمر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن الله تعالى وضع الحق على لسان عمر يقول به) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به) يعني: يقول بالحق، وهو مثل قوله: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون)، وهذا يدل على أن الذي فعله حق، والناس حمدوا ذلك فيه، وأقروه عليه، واعتبروا ذلك من محاسنه، ومن أعماله المجيدة، حيث دون الدواوين، وفرض للناس العطاء، ويعطي الرجل وقدمه، والرجل وعياله، والرجل وبلاؤه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله وضع الحق على لسان عمر)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن يونس ].

    أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زهير ].

    زهير بن معاوية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن إسحاق ].

    محمد بن إسحاق المدني صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن مكحول ].

    مكحول الشامي وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن غضيف بن الحارث ].

    غضيف بن الحارث مختلف في صحبته، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي ذر ].

    هو جندب بن جنادة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    مناسبة أثر إعقاب عمر للجيوش لباب تدوين العطاء

    السؤال: لم أفهم مناسبة الحديث الأول للباب: كان عمر يعقب الجيوش في كل عام، والباب هو في تدوين العطاء؟!

    الجواب: أنا ذكرت أن محل الشاهد هو كون عمر رضي الله عنه يناوب بين الجيوش في المرابطة، وهذا لا يكون إلا عن طريق التدوين، ومعلوم أن هؤلاء المرابطون لهم أعطيات.

    عدم إتمام الصفوف الأولى في صلاة الجنازة

    السؤال: هل يجوز أن تصلى صلاة الجنازة في مكان الدرس مع أن الصفوف الأمامية فارغة؟

    الجواب: إذا كان الذهاب إلى الصفوف الأولى سيؤدي إلى فوات الصلاة فلا بأس، ولكن إذا أمكن إتمام الصفوف الأولى، وكان المكان قريباً، ولا يفوت التقدم أكثر الصلاة فإنه يتقدم إليها، والصفوف ينبغي أن تتصل في الجنازة وغير الجنازة.

    حكم الأناشيد الإسلامية

    السؤال: هل يجوز الاستماع إلى الأناشيد التي تحث على الجهاد في فلسطين، علماً بأن هذه الأناشيد من غير دف بل هي أبيات شعرية بصوت الرجال؟

    الجواب: الأناشيد التي يكون فيها اهتمام وعناية بالأصوات، وعشق للأصوات -لاسيما إذا كانت عن طريق مجموعة- فإن الاشتغال بذلك لا فائدة من ورائه، والاشتغال بما في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي فيها ذكر الجهاد وذكر ما يجب أن يكون عليه المسلمون تغني وتكفي عن الاشتغال بمثل هذه الأناشيد الجديدة التي حدثت في هذا الزمان، والتي فتن بها كثير من الناس في هذا الزمان.

    حكم الجهاد في فلسطين

    السؤال: هل يجوز أن نذهب لنجاهد في فلسطين؟

    الجواب: كما هو معلوم أن الجهاد الآن في فلسطين إنما هو دفاع عن النفس، والذي يحصل في فلسطين من النكاية بالمسلمين وإزهاق نفوس المسلمين والإضرار بالمسلمين أعظم مما يكون بالنسبة لليهود، (ولكل امرئ ما نوى).

    الدعاء يرد القدر

    السؤال: هل الدعاء يغير المكتوب؟

    الجواب: الله تعالى هو الذي يعلم ما كتبه في اللوح المحفوظ، والقدر سر الله عز وجل ولا يعلمه الناس، وما يعرف الإنسان ماذا قدر له وماذا كتب له، ولكنه مأمور بأن يعمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، لكن جاء في الحديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)، وليس معنى ذلك أن المكتوب يغير ويبدل، وإنما المقصود أن الله عز وجل قدر السبب والمسبب، فقدر شيئاً يحصل بوجود شيء، فقدر أن من أسباب دفع الضرر والسلامة من الضرر الدعاء، وأن من أسباب طول العمر البر، وليس معنى ذلك أن الإنسان يكتب عمره ثم لما بر غُيِّر عمره وزيد في عمره، وقبل ذلك كان مكتوباً أقل من ذلك، فالعمر المقدر واحد، لكن الله تعالى شاء أن يكون عمره طويلاً، وأن يكون من أسبابه البر، وليس معنى ذلك أن عمره كان أربعين سنة، ولكنه لما بر غُيِّر وصار ستين أو سبعين، فالمكتوب لا يغير، والعمر مقدر ومحدد، وسبق به القضاء والقدر، ولكن الله تعالى شاء أن يكون هذا عمره طويلاً لذلك السبب الذي هو البر.

    الإلحاح في الدعاء

    السؤال: هل الدعاء بإلحاح من أسباب الاستجابة؟

    الجواب: لا شك أن من أسباب قبول الدعاء كون الإنسان يلح في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة، ولا يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي، وإنما يكثر من الدعاء، ويستمر في الدعاء، ولا يترك الدعاء من أجل أنه ما حصل له ما يريد.

    المسجد الذي أسس على التقوى

    السؤال: ما المسجد الذي أسس على التقوى قباء أو المسجد النبوي؟

    الجواب: كل منهما أسس على التقوى، أما مسجد قباء فقد جاء ذلك في القرآن، وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء ذلك في السنة، فكل منهما متصف بهذا الوصف، وكل منهما أسس على التقوى من أول يوم، ونظير هذا قول الله عز وجل: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، فإن هذه الآية جاءت في سياق الكلام مع أمهات المؤمنين، فهن داخلات فيها بنص القرآن، وقد جاء في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما نزلت الآية جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين وجعل عليهم كساء وقال: هؤلاء أهلي)، فهؤلاء من أهله وممن يدخل في هذه الآية كما جاء في السنة، وأمهات المؤمنين جاء في القرآن كونهن من أهل بيته الذين يريد الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً، وهذا مثل قصة مسجد قباء ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ذكر قباء جاء في القرآن، وذكر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاء في السنة، وأمهات المؤمنين جاء دخولهن في أهل البيت في القرآن، وجاء في السنة أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين ، ولا يعني ذلك أنهم كل أهل بيته، وإنما هم من أخص أهل بيته، ومن أولى أهل بيته بالدخول في الآية، لا أن أهل بيته هم وحدهم فقط، فإن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كثيرون، وهم كل من كان مسلماً من أولاد عبد المطلب ، فأعمامه المسلمون وبنو أعمامه وبنات أعمامه كل هؤلاء من أهل بيته صلى الله عليه وسلم.

    وجوب الصدق في الوظيفة

    السؤال: أنا موظف حكومي أحاول أن أصدق دائماً في كتابة وقت حضور الدوام والانصراف، وهذا سبب لي حرج مع الزملاء والمدير في العمل، ونقلت إلى مكان يبعد ثلاثين كيلو متر عن العمل الأول، فهل أساير المدير والزملاء في كتابة الوقت حتى لا أتضرر، لا سيما وأني إذا بقيت في المكان الذي أنا بعيد فيه أحرم من درس الحديث؟

    الجواب: الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، وكون الإنسان يصدق ويلتزم بالصدق فإن ذلك من أسباب ظفره بما يريد من خير الدنيا والآخرة.

    حكم الإنصات وقت خطبة الجمعة لمن كان يمشي إلى المسجد

    السؤال: إذا بدأ الخطيب بخطبة الجمعة وكان الرجل يمشي في الطريق إلى المسجد، فهل يجب عليه الإنصات؟

    الجواب: لا يجب عليه الإنصات؛ لأنه غير موجود في المسجد وإنما هو في الطريق، ويمكنه في الطريق أن يتحدث مع غيره، لكن إذا دخل في الساحات فقد دخل في المسجد فليس له أن يتكلم.

    على الولاة قضاء ديون الموتى

    السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه دين فعلي)، هل هذا الحكم باقٍ إلى الآن على ولاة الأمر؟

    الجواب: نعم الحكم باق، وذلك في الدين الذي استدانه الإنسان في مباح أو لأمر يقتضيه، أما إذا كان الإنسان متلاعباً أو عنده إقدام على أشياء من غير ضرورة، فهذا قد يكون من الحكمة ألا يتحمل عليه شيء؛ لأن الإنسان إذا عرف أنه سيسدد عنه قد لا يبالي بالدين، ولكن إذا كان استدان لحاجة عياله أو ما إلى ذلك، فإنه يسدد عنه.

    حكم من أعطي هدية على العمل الدعوي

    السؤال: من أعطي هدية مقابل ما يقوم به من عمل دعوي، هل تعتبر من هدايا العمال؟

    الجواب: إذا كان صاحب وظيفة فهو من العمال، وإذا كان غير موظف فهو ليس من العمال، ولكن كونه يدعو الناس، ولا يأخذ شيئاً منهم إذا أعطوه، فلا شك أن هذا هو الذي ينبغي، وإن أخذ شيئاً فلا بأس، فهو لا يعتبر موظفاً وليس بيده شيء يمكن أن يحابي وأن يقدم ويؤخر.

    أيهما أفضل الصلاة في مسجد قريب من المسجد النبوي من أول ركعة أم الصلاة في المسجد النبوي مع فوات بعض الركعات

    السؤال: أيهما أفضل: من أدرك الصلاة من أولها في مسجد حيه أو من يأتي إلى المسجد النبوي ولو فاتته بعض الركعات؟

    الجواب: الأفضل أن يأتي مبكراً للمسجد النبوي ولا يفوته شيء، هذا هو الأفضل، وإذا ما أمكن هذا فإنه يصلي في مسجد حيه حتى يدرك الصلاة من أولها.

    حكم التعداد السكاني

    السؤال: ما حكم التعداد السكاني؟ وهل يستدل على جوازه بكتابة عمر للدواوين؟

    الجواب: كتابة الدواوين هو لحصر أصحاب الأعطيات، وليس من باب تعداد السكان، لكن لا بأس بالتعداد السكاني من أجل مصلحة أو من أجل فائدة، وقد جاء في حديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة: (أحصوا علي كل نفس مؤمنة).

    أثر: (ما من مسلم إلا وهو على ثغر من ثغور الإسلام)

    السؤال: (ما من مسلم إلا وهو على ثغر من ثغور الإسلام، فإياك إياك أن يؤتى الإسلام من قبلك) هل هذا حديث؟

    الجواب: هذا أثر عن بعض السلف، وأظنه عن الزهري أو غيره، وهو موجود في كتاب السنة لـمحمد بن نصر المروزي .

    الإثابة على الهدية

    السؤال: من كان يعمل عملاً دعوياً وأعطي هدية، هل الأفضل أن يأخذ الهدية ويكافئ عليها أو يردها، وقد يترتب على الرد ما يترتب؟

    الجواب: كونه يأخذها ويكافئ عليها أحسن، ولكن هذا إذا كان غير موظف يستطيع أن يقدم ويؤخر، وإنما إذا كان محتسباً أو موظفاً لا يقدم ولا يؤخر.

    حكم رفع اليدين عند قيام المؤتم لقضاء ما فاته من الصلاة

    السؤال: من فاتته ركعة من الصلاة وقام لإتمامها، هل يرفع يديه بعد القيام من التشهد؟

    الجواب: لا يرفع يديه، ويقوم بتكبير بلا رفع لليدين.

    ذكر دعاء دخول المسجد من أبواب الساحات

    السؤال: هل يذكر الإنسان دعاء الدخول إلى المسجد النبوي إذا دخل من الأبواب التي في الساحات؟

    الجواب: نعم؛ لأن الساحات الآن من المسجد.

    قول عمر يا سارية الجبل

    السؤال: ما حقيقة قول عمر رضي الله عنه على المنبر: يا سارية ! الجبل؟

    الجواب: هذا يعتبر من الكرامات لـعمر رضي الله عنه إذا كان قد ثبت، وأن الله تعالى كشف له ذلك حال لقاء المجاهدين العدو، فأمرهم أن ينحازوا إلى الجبل، وكان ذلك في صالحهم، لكن لا أدري ما صحته.