إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [317]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للأسير في الشريعة أحكام، ومن ذلك الإحسان إليه وترغيبة في الإسلام، ويجوز حبسه وضربه وتقريره لمعرفة ما عنده من أخبار العدو، ولا يجوز إكراهه على الإسلام إن أباه، ويجوز قتله إن رأى الإمام المصلحة في ذلك.

    1.   

    إيثاق الأسير الكافر

    شرح حديث: ( عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الأسير يوثق.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -يعني ابن سلمة - أخبرنا محمد بن زياد سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل!) ].

    أورد أبو داود [ باب في الأسير يوثق ].

    يعني: يوثق بالحبال والقيود حتى لا يفر وحتى يُطمأن إلى إمساكه وعدم إفلاته، فهو يوثق، والله عز وجل قال: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4].

    ووأرد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل) ] والمقصود بهم الأسارى الذين يؤسرون وهم كفار، فإن ذلك الأسر من أسباب إسلامهم ودخولهم في الإسلام، فهم يقادون إلى الجنة في السلاسل، يعني أنهم يجرون إلى شيء لا يريدونه وهو خير لهم، فيئول بهم الأمر إلى أن يسلموا ويكونوا من أهل الجنة وقد كانوا كارهين في أول الأمر؛ لأن أسرهم مكروه لهم، ولكنه يترتب على أسرهم وبقائهم وعدم قتلهم أنهم يشاهدون أحوال المسلمين وأعمال المسلمين وأحكام الإسلام، فيدخلون في الإسلام، فيكونون من أهل الجنة، ويسلمون من أن يكونوا من أهل النار الذين هم الكفار الذين لا سبيل لهم إلى الجنة، ومآلهم إلى النار، ويبقون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها أبداً.

    هذا هو المقصود بالحديث، وفيه إثبات صفة العجب لله عز وجل، وهي ثابتة في السنة كما في هذا الحديث وغيره، وأيضاً ثابتة في القرآن على إحدى القراءتين في قول الله عز وجل: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12].

    وقد قال المنذري : (عجب ربنا) قيل: عظم ذلك عنده. وقيل: عظم جزاؤه. فسمى الجزاء عجباً، وقال ابن فورك : والعجب المضاف إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم، وأن الله يعظم من أخبر عنه بأنه يعجب منه ويرضى عنه. وهذا من التأويل، والأصل في الصفات أنها لا تؤول، وإنما تثبت على الوجه الذي يليق بالله بكماله وجلاله، والصفات كلها من باب واحد يؤتى بها على نهج واحد وعلى طريقة واحدة بدون تأويل وبدون تحريف وبدون تكييف وبدون تشبيه أو تعطيل أو تمثيل، بل على حد قول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    تراجم رجال إسناد حديث :( عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل )

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد -يعني ابن سلمة - ].

    حماد بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا محمد بن زياد ].

    محمد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت أبا هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، وقد مر ذكره.

    والإسناد من أعلى الأسانيد عند أبي داود.

    شرح حديث قصة إيثاق الحارث بن البرصاء الليثي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله عن جندب بن مكيث رضي الله عنه أنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن غالب الليثي رضي الله عنه في سرية، وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي ، فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقلنا: إن تكن مسلماً لم يضرك رباطنا يوماً وليلة، وإن تكن غير ذلك نستوثق منك. فشددناه وثاقاً) ].

    أورد أبو داود حديث جندب بن مكيث رضي الله عنه.

    [ (نستوثق منه) ] يعني: نطمئن إلى أنا قد تمكنا منك وأقعدناك حتى لا تفر وأنت كافر. والمقصود من هذا بيان ما دلت عليه الترجمة من أن توثيق الأسير جائز، وقد جاء بذلك القرآن والسنة، فجاء في القرآن في قوله تعالى: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد:4]، وجاء في السنة في أحاديث كثيرة، ومنها هذا الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث قصة إيثاق الحارث بن البرصاء الليثي

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر ].

    عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الوارث ].

    هو عبد الوارث بن سعيد العنبري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني ، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن يعقوب بن عتبة ].

    يعقوب بن عتبة ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن مسلم بن عبد الله ].

    مسلم بن عبد الله مجهول، أخرج له أبو داود .

    [ عن جندب بن مكيث ].

    جندب بن مكيث رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أبو داود .

    والإسناد فيه ذلك المجهول، والحديث ضعيف من حيث الإسناد، لكن الوثاق وكون الأسير يوثق جاء في أحاديث منها الأحاديث المتقدمة.

    شرح حديث قصة أسر ثمامة بن أثال وإسلامه رضي الله تعالى عنه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عيسى بن حماد المصري وقتيبة ، قال قتيبة : حدثنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ماذا عندك يا ثمامة ؟ قال: عندي -يا محمد- خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة ؟ فأعاد مثل هذا الكلام، فتركه حتى كان بعد الغد فذكر مثل هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أطلقوا ثمامة . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل فيه، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسول) وساق الحديث.

    قال عيسى أخبرنا الليث وقال: ذا ذم ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بعثاً قبل نجد فجاءوا بـثمامة بن أثال وهو سيد أهل اليمامة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بربطه في سارية من سواري المسجد، ثم جاء إليه وقال: [ (ماذا عندك يا ثمامة ؟ فقال: عندي -يا محمد- خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت) ].

    قوله: [ (عندي خير)] فسر هذا الخير الذي عنده بقوله: [ (إن تقتل تقتل ذا دم) ] يعني: يستحق القتل، وفي رواية أخرى: [ ذا ذم ] أي: ذا ذمة أو ذمام. [ (وإن تنعم تنعم على شاكر) ] يعني: شاكر لك عفوك وإحسانك.

    فتركه ثم أعاد عليه مرة ثانية ثم الثالثة وهو يجيب جواباً واحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ (أطلقوا ثمامة) ] ، فلما أطلقوه ذهب إلى نخل فيه ماء واغتسل وجاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.

    والمقصود من إيراد الحديث أنه ربط وأوثق، وفي الحديث دليل على اغتسال الكافر عند إسلامه، وذلك لأن الكفار لا يتطهرون، ويباشرون النجاسات، ولا يلتزمون بالأحكام الشرعية مثل الاغتسال من الجنابة وما إلى ذلك، فذهب واغتسل ثم جاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    ثم إنه ذهب واعتمر، ولما رأه أهل مكة من الكفار قالوا: صبأت . فأخبرهم أنه أسلم وأنه هداه الله، وأن الميرة التي تأتيهم من نجد سيمنع مجيئها إليهم إلا إذا أذن محمد صلى الله عليه وسلم.

    فالحاصل أن هذا الرجل أسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومحل الشاهد من ذلك كونه ربط في سارية من سواري المسجد.

    والحديث فيه جواز دخول الكافر المسجد، ولكن ذلك ليس على إطلاقه، وإنما للحاجة.

    والكافر ليست ذاته نجسة، بمعنى أن من يلمسه عليه أن يغسل يده، وإنما نجاسة الكفار نجاسة حكمية، وهي نجاسة الكفر، وأما أبدانهم فمن لمسها أو صافح إنساناً منهم فلا يغسل يديه من أجل المصافحة أو لأنه لمس شيئاً نجساً؛ لأن النجاسة حكمية.

    تراجم رجال إسناد حديث قصة أسر ثمامة بن أثال وإسلامه رضي الله تعالى عنه

    قوله: [ حدثنا عيسى بن حماد المصري ].

    عيسى بن حماد المصري الملقب بـ زغبة وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وقتيبة ].

    قتيبة بن سعيد مر ذكره.

    [ قال قتيبة : حدثنا الليث ]

    الليث بن سعد مر ذكره.

    [ عن سعيد بن أبي سعيد ].

    هو سعيد بن أبي سعيد المقبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع أبا هريرة ]

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وقد مر ذكره.

    وهذا الإسناد رباعي؛ لأن قتيبة وعيسى بن حماد في طبقة واحدة.

    شرح حديث ربط يدي سهيل بن عمرو إلى عنقه بعد أسره يوم بدر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل - عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: (قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة عند آل عفراء في مناخهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، قال: وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، قال: تقول سودة : والله إني لعندهم إذ أتيت فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم. فرجعت إلى بيتي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل.)ثم ذكر الحديث ].

    أورد أبو داود حديث: [ يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: [ (قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة عند آل عفراء في مناخهم) ] فلما رجعت إلى بيتها وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأت أبا يزيد سهيل بن عمرو مجموعة يداه إلى عنقه أي أنه قد أوثق.

    والشاهد منه إيثاق الأسارى، وأنهم يوثقون، لكون سهيل قد جمعت يداه إلى عنقه، أي: قد أوثق بالقيد.

    وقوله: [ ثم ذكر الحديث ] يشير إلى أن فيه اختصاراً.

    والحديث ضعيف لأن فيه انقطاعاً، وقد يكون -أيضاً- ضعفه من جهة سلمة بن الفضل ، وقد ضعف الحديث الشيخ الألباني .

    تراجم رجال إسناد حديث ربط يدي سهيل بن عمرو إلى عنقه بعد أسره يوم بدر

    1.   

    الأسير ينال منه ويضرب ويقرر

    شرح حديث ضرب الصحابة عبد بني الحجاج للاستعلام عن عير أبي سفيان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الأسير ينال منه ويضرب ويقرر.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه فانطلقوا إلى بدر فإذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج فأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان ؟ فيقول: والله ما لي بشيء من أمره علم، ولكن هذه قريش قد جاءت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف ، فإذا قال لهم ذلك ضربوه، فيقول: دعوني دعوني أخبركم. فإذا تركوه قال: والله ما لي بـأبي سفيان من علم، ولكن هذه قريش قد أقبلت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف قد أقبلوا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وهو يسمع ذلك، فلما انصرف قال: والذي نفسي بيده! إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم، هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان . قال أنس : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض. فقال: والذي نفسي بيده! ما جاوز أحد منهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بأرجلهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي [ باب في الأسير ينال منه ويضرب ويقرر ].

    يعني أن ذلك سائغ عند الحاجة إلى ذلك، وهو كونه يضرب وينال منه ويقرر ويستجوب ويسأل عن أخبار العدو وعمّا وراءه، كل ذلك لا بأس به عند الحاجة.

    وأورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب هو وأصحابه إلى بدر لأجل أخذ العير التي جاء بها أبو سفيان من الشام إذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج.

    والروايا: جمع راوية، وهي القِرَب التي تحمل على الإبل للسقي.

    فسألوا هذا العبد عن أبي سفيان ، وأبو سفيان هو الذي جاء من الشام، فأخبرهم بأن قريشاً قد جاءت فيها فلان وفيها فلان وفيها فلان، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويسمع كلامه وكلامهم، فضربوه، فكان إذا قال: دعوني أخبركم تركوا الضرب، فيقول لهم: مثل الكلام الذي قاله أولاً، وكان صادقاً في إخباره عن الجماعة الذين جاءوا ليدافعوا عن عير أبي سفيان وليقاتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم، فلما سلم قال: [ (إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم) ].

    يعني: إذا قال دعوني أخبركم تركوه، وهو ليس عنده خبر عن الشيء الذي يريدونه بالنسبة لعير أبي سفيان ، ولكن كان عنده الخبر عن قريش.

    فالمقصود من هذا أنهم كانوا يضربونه والرسول صلى الله عليه وسلم ما نهاهم عن الضرب، أي: أقرهم على ذلك، وما قال: لا تفعلوا. فدل هذا على جواز ضرب الأسير أو الشخص الذي يحتاج إلى ضربه من أجل استخراج شيء منه يفيد المسلمين ضد أعدائهم.

    وفيه دليل على أن الإنسان إذا كان يصلي فإنه يمكنه أن يسمع الكلام الذي يجري حوله بحيث لا يشغله عن صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع الذي يقول لهم، وبعدما صلى أخبرهم بأن شأنه أنه إذا صدقكم ضربتموه وإذا كذبكم تركتموه ولم تضربوه.

    وقوله: [ قال رسول صلى الله عليه وسلم: (هذا مصرع فلان غداً) ].

    معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار لهم في الأرض إلى مصارع هؤلاء الكفار الذين هم صناديد قريش وكفار قريش ومقدموهم.

    فلما جاءت الوقعة ما تجاوز كل واحد منهم المكان الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من علامة نبوته ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث يخبر عن الشيء المستقبل فيقع طبقاً لما أخبر به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    ثم إنه أمر بهم فسحبوا وألقوا في قليب في بدر، والقليب هي البئر المحفورة غير المطوية، فسحبوا وألقوا في هذه القليب.

    تراجم رجال إسناد حديث ضرب الصحابة عبد بني الحجاج للاستعلام عن عير أبي سفيان

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت ].

    موسى بن إسماعيل مر ذكره، وحماد مر ذكره، وثابت هو ابن أسلم البناني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والإسناد من الأسانيد العالية عند أبي داود ، وهي الرباعيات.

    1.   

    إكراه الأسير على الإسلام

    شرح حديث بيان سبب نزول قوله تعالى: ( لا إكراه في الدين )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الأسير يكره على الإسلام.

    حدثنا محمد بن عمرو بن علي المقدمي قال: حدثنا أشعث بن عبد الله -يعني السجستاني - ح وحدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي - وهذا لفظه -، ح وحدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله عزوجل: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]).

    قال أبو داود : المقلاة التي لا يعيش لها ولد ].

    أورد أبو داود [ باب في الأسير يكره على الإسلام ]

    أي أنه لا يكره، فالأسير لا يكره فيقال له: إما أن تسلم وأما أن نقتلك، ليس هذا من حكم الإسلام، وإنما يوثق ويصير عبداً بين مسلمين يشاهد أحكام الإسلام وأعمال الإسلام، فيكون ذلك سبباً في إسلامه, فما دام أن المسلمين قد تمكنوا منه فإنه يصير تحت إمرتهم وتحت سلطتهم وتحت تصرفهم، فيكون رقيقاً مملوكاً يتصرفون فيه كيف يشاءون، ثم يكون وجوده بين المسلمين سبباً في إسلامه، فالمقصود هو الهداية وليس المقصود القتل.

    ولكن كون المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار ويغزونهم ويقاتلونهم على أن يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية ويكونوا تحت حكم الإسلام هذا هو حكم الإسلام، ومعنى هذا أن فيه جهاداً وفيه انتقال المسلمين من بلادهم إلى بلاد الكفار يغزونهم، فيدعونهم إلى الإسلام، وإلى أن يدخلوا تحت لوائه أو يعطوا الجزية ويكونوا تابعين للمسلمين يعاملهم المسلمون المعاملة التي جاء بها الإسلام.

    وأما أن يكون عندهم كافر أسير فيخيرونه بين القتل أو الإسلام فليس الأمر الشرعي كذلك؛ لأنه ما حصل إلزام الأفراد الذين عاشوا تحت حكم الإسلام مأسورين، وكذلك الذين أعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون، فهؤلاء ما أكرهوا على الإسلام بحيث يلزم الإنسان منهم بأن يسلم وإلا قتل، بل إن أسلم فالحمد لله، وإلا فإنه يعطي الجزية ويكون تحت حكم الإسلام، وإعطاؤه الجزية وبقاؤه تحت حكم الإسلام ومشاهدته أحكام الإسلام من أسباب دخوله في الإسلام.

    فإكراه الأسير على الإسلام لا يجوز.

    وهنا أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في سبب نزول قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256] أن الأنصار كانوا في المدينة ومعهم اليهود، وكانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فتنذر أنَّه إن جاءها ولد فإنها ستهوده، أي: تجعله يهودياً.

    والأنصار الذين كانوا في المدينة من الأوس والخزرج أصلهم من أزد اليمن من العرب.

    فكانت المرأة تنذر بأن تهود ابنها، فيكون يهودياً وينشأ على أنه يهودي، واليهود كانوا معهم في المدينة، فلما أجلي بنو النضير قال الأنصار: لا ندع أبناءنا الذين قد هودوا بسبب هذا النذر الذي يحصل من المرأة المقلاة. فأنزل الله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ يعني أنه لا يكره الشخص على الإسلام وعلى أن يدخل في الإسلام.

    وأنزل الله عز وجل: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، فهذا هو معنى الآية، وليس معناها أن الكفار لا يُجَاهدون ولا يُغزون في بلادهم، وعلى هذا فلا تنافي بين ما جاء في القرآن من الأمر بقتال الكفار، كقوله تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، وقوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]، لا تنافي بين ذلك وبين هذه الآية التي هي قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، وتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وهم الذين كانوا أبناء مشركين ولكنهم تهودوا، فلا يكرهوهم على الإسلام فيلزموهم بالإسلام أو القتل؛ لأنهم لو أكرهوهم فيمكن أن يظهروا الإسلام علناً وهم يبطنون الكفر، فلا يكون هناك فائدة من وراء هذا الإكراه.

    فتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وآيات الأمر بالقتال للمشركين على ما هي عليه، وهي أن المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار فيغزونهم ويقاتلونهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله).

    فتحمل الآيات والأحاديث التي في القتال على غزو الكفار والذهاب إليهم ليدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ويحكم الإسلام بلادهم، ويكون الإسلام ظاهراً عالياً على الأديان، ويكونون تحت لوائه، فيشاهدون أحكام الإسلام وفضله، فيكون ذلك سبباً في إسلامهم، والآية لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ تكون في مثل هؤلاء.

    وليس الأمر كما يفعله بعض الناس في هذا الزمان حين انهزموا في نفوسهم، فأرادوا أن يعتذروا للإسلام أمام الكفار بأنَّ الإسلام ليس فيه هجوم وليس فيه ذهاب إلى الكفار من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وإنما الجهاد في الإسلام للدفاع! هكذا يقول بعض الناس في هذا الزمان، فكثير من الناس يقولون: الجهاد للدفاع.

    ونقول: كيف يكون الجهاد للدفاع والصحابة كانوا يذهبون إلى الكفار في بلادهم ويغزونهم في بلادهم، وكذلك من بعدهم، والرسول صلى الله عليه وسلم جهز الجيوش وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله)، والصحابة ذهبوا إلى الفرس والروم، مع أن الفرس والروم ما هاجموا المدينة وما جاءوا إلى المدينة حتى يدافع الصحابة عن أنفسهم، وإنما ذهبوا إليهم في بلادهم لإخراجهم من الظلمات إلى النور بأن يسلموا، أو يدخلوا تحت حكم الإسلام فيشاهدون أحكام الإسلام فيكون ذلك سبباً في إسلامهم؟!

    وهل يُظن أن الذين ذهبوا إلى إفريقيا حتى وصلوا إلى المحيط الأطلسي ذهبوا ليدافعوا عن الإسلام أو ليدافعوا عن المسلمين؟!

    إنما كانوا يذهبون إلى الكفار ويدعونهم إلى الإسلام، لكن لما ضعف المسلمون في هذا الزمان وصار الكفار متغلبين صار بعض المسلمين يزعم أن الجهاد إنما هو للدفاع فقط، وأن الكفار لا يغزون ولا يذهب إليهم في بلادهم، ولا إكراه في الدين، فصارت آية (لا إكراه في الدين) هي عندهم كل شيء، والآية إنما جاءت في مثل هذه الصورة التي ذكرت، وهي أن المرأة كانت تكون مقلاة، فتنذر إن عاش لها ولد فإنها ستهوده، ثم لما أجلي بنو النضير وكان أبناء الأنصار اليهود معهم كانوا يكرهونهم على الإسلام حتى يبقوا معهم، فنزلت الآية: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .

    إذاً الآية لها معنىً يخصها، وتلك الآيات لها معانٍ، ولا تنافي بين ما في آيات قتال الكفار حتى يكون الدين كله لله وبين آية لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ؛ لأنها في مثل من نزلت فيهم، فالمسلمون إذا كان تحت أيديهم كافر فإنه لا يجوز لهم أن يقولوا له: إما أن تسلم وإما أن نقتلك، فهذا إكراه ممنوع وغير جائز، وإنما يغزى الكفار في بلادهم ويقاتلون، فإن دخلوا في الإسلام فالحمد لله، وهذا هو المطلوب، وإن لم يدخلوا طلب منهم إعطاء الجزية ويتولى عليهم المسلمون، ويكون ذلك سبباً في إسلامهم بأن يشاهدوا أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث بيان سبب نزول قوله تعالى: ( لا إكراه في الدين )

    قوله: [ حدثنا محمد بن عمرو بن علي المقدمي ].

    محمد بن عمرو بن علي المقدمي صدوق أخرج له أصحاب السنن.

    [ حدثنا أشعث بن عبد الله ].

    أشعث بن عبد الله ثقة، أخرج له أبو داود.

    [ ح وحدثنا ابن بشار ].

    هو محمد بن بشار بندار ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن أبي عدي ].

    هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا وهب بن جرير ].

    هو وهب بن جرير بن حازم ، وهو ثقة، أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بشر ].

    هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قتل الأسير دون عرض الإسلام عليه

    شرح حديث عتابه عليه الصلاة والسلام أصحابه على تركهم قتل ابن أبي السرح

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط بن نصر قال: زعم السدي عن مصعب بن سعد عن سعد رضي الله عنه قال: (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم، وابن أبي سرح ... فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا نبي الله! بايع عبد الله . فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟! فقالوا: ما ندري -يا رسول الله- ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟! قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).

    قال أبو داود : كان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة، وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، وضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر ].

    أورد الإمام أبو داود رحمه الله تعالى [ باب في الأسير يقتل ولا يعرض عليه الإسلام ].

    يعني أنه يقتل ولا يلزم أن يكون قتله بعد أن يعرض عليه الإسلام، وإنما الإمام مخير في الأسارى بين القتل أو الفداء أو المن والمسامحة.

    وقد أورد أبو داود حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أمن الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم، وأن عبد الله بن أبي السرح اختبأ عند عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة، ثم إنه جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يبايعه والنبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ثم بعد ذلك بايعه، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام قال:[ (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟! فقالوا: ألا أومأت إلينا بعينك؟! فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) ] أي: أن يظهر شيئاً ثم يشير بعينه أو ببصره إلى خلافه، فيكون الذي ظهر منه مخالفاً للذي أشار إليه، وهذا الفعل يظهر أنه ليس المنع منه خاصاً بالأنبياء بل هو ممنوع في حق الجميع، لكن في حق الأنبياء المنع منه أشد وأعظم، وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعته وقد حصل ذلك أكثر من مرة دليل على عدم رضاه وأنه يستحق القتل لو قتل، وهذا هو الدليل على الترجمة، وهو كون الرسول صلى الله عليه وسلم أذن أن يقتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، وكذلك الذين لم يؤمنهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاز أن يؤسروا ويقتلوا ولا يعرض عليهم الإسلام.

    وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل مع عبد الله بن أبي السرح لأنه كان من كتاب الوحي، كان يكتب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام، فعامله النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة لكونه كان من كتاب الوحي ومع ذلك حصل منه ما حصل، إذ كان في الأصل أن كتابة الوحي وائتمان النبي صلى الله عليه وسلم له على الوحي داعيان لبعده من أن يقع في مثل هذا الذي وقع فيه، فمن أجل ذلك عامله النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة.

    قوله: [ (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين -وسماهم- وابن أبي سرح) ].

    يعني أن هؤلاء يقتلون وغيرهم حصل له الأمان، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، ولكن هؤلاء الأربعة والقينتين لم يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقتلهم أينما وجدوا.

    قوله: [ (فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله! بايع عبد الله) ]، يعني بيعة الذين أسلموا عام الفتح، فلما دعا إلى بيعتهم فجاءوا جاء عثمان ومعه عبد الله بن أبي السرح وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبايعه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه.

    قوله: [ (ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي) ].

    المقصود بالرشيد الفطن الذي عنده فطنة وعنده انتباه لكون النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمه ومع ذلك لما أجاره عثمان وجاء به وكرر طلب المبايعة له جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ثم يعرض عنه، فهذا دليل على عدم رضاه وعلى عدم موافقته على بيعته، فالرشيد هنا المقصود به النبيه أوالفطن الذي عنده فطنة وعنده نباهة يعرف أن امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان لأمر يستحقه ذلك الرجل الذي امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم من مبايعته وكان قد أهدر دمه.

    تراجم رجال إسناد حديث عتابه عليه الصلاة والسلام أصحابه على تركهم قتل ابن أبي السرح

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا أحمد بن المفضل ].

    أحمد بن المفضل صدوق في حفظه شيء، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أسباط بن نصر ].

    أسباط بن نصر صدوق كثير الخطأ، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ قال: زعم السدي ].

    السدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، وهو صدوق يهم، أخرج له البخاري ومسلم وأصحاب السنن.

    وكلمة (زعم) المقصود بها هنا الخبر المحقق، يعني: أخبر خبراً محققاً. لأن الزعم يأتي في كلام العلماء وعلى ألسنة الصحابة بمعنى الخبر المحقق، وهذا منه.

    [ عن مصعب بن سعد ].

    هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعد ].

    هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسعد هذا هو أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه وأرضاه.

    والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله وقال: إلا أن أسباط بن نصر وأحمد بن المفضل قد تكلم فيهما بعض الأئمة من جهة حفظهما، لكن الحديث له شاهد يتقوى به، فالحديث بهذا الشاهد صحيح.

    قوله: [ كان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة، وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، وضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر ].

    هنا ذكر القرابة التي بين عثمان وبين عبد الله بن أبي السرح ، وهي أنه أخاه من الرضاعة، وذكر -أيضاً- أخاً له آخر، ولكنه أخوه من أمه، وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد حده عثمان لشربه الخمر، والحديث في صحيح مسلم ، وفيه أنه أمر الحسن أن يجلده، ثم إنه حصل الجلد وعلي يعد حتى بلغ أربعين، ثم قال: أمسك. ثم قال: جلد الرسول صلى الله عليه وسلم كذا وجلد عمر كذا. وقال: وكل سنة، وهذا أحب إلي. يعني أن الشيء الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه.

    شرح حديث: ( أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد بن حباب قال: أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي قال: حدثني جدي عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم فتح مكة: (أربعة لا أؤمنهم في حل ولاحرم)فسماهم، قال: وقينتين كانا لـمقيس ، فقتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت.

    قال أبو داود :لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب ].

    أورد أبو داود هنا حديث سعيد بن يربوع المخزومي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: [ (أربعة لا أؤمنهم لا في حل ولا في حرم) فسماهم، قال: وقينتين كانتا لـمقيس ].

    والقينتان هما الجاريتان اللتان تغنيان، وقيل: هما الجاريتان مطلقاً، ولكن المشهور أنهما متصفتان بالغناء.

    ثم إن إحداهما قتلت والثانية حصل لها الإفلات من القتل، ولكنها أسلمت ولم يحصل لها القتل، وهما لـمقيس بن صبابة ، وهو أحد الذين لم يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأربعة هم مقيس هذا وعبد الله بن خطل وعكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن أبي السرح .

    تراجم رجال إسناد حديث: ( أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم )

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زيد بن حباب ].

    زيد بن حباب صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي ].

    عمرو بن عثمان مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود .

    [ حدثني جدي ].

    هو عبد الرحمن بن سعيد ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود .

    [ عن أبيه ].

    هو سعيد بن يربوع المخزومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أبو داود .

    والحديث ضعفه الألباني ، ولكنه مثل الحديث الذي قبله فيه ذكر الأربعة والجاريتين.

    قوله: [ قال أبو داود : لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب ].

    معناه أنه غير مطمئن وغير متوثق من إسناده.

    شرح حديث أمره صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وقد تعلق بأستار الكعبة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه) .

    قال أبو داود : ابن خطل اسمه عبد الله ، وكان أبو برزة الأسلمي قتله ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: [ (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر) ] والمغفر هو غطاء يكون على الرأس يقي الرأس من أن تصل إليه السهام، وهو من الحديد، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح من غير إحرام، وذلك لأنه كان على رأسه المغفر، والمحرم لا يغطي رأسه بل يكشفه.

    ثم إن فيه دليلاً على الأخذ بالأسباب، وأن ذلك من التوكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد المتوكلين، وقد أخذ بالسبب الذي يمنع وصول السهام إليه صلى الله عليه وسلم.

    [ (فلما نزعه) ].

    فلما نزعه بعد أن انتهى فتح مكة عنوة قيل له: [ ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ]. وكان ممن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم.

    ومعنى ذلك أنه قرب من الكعبة والتصق بها وتعلق بأستارها يريد الأمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ (اقتلوه) ] يعني: ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة.

    وفي الحديث دليل على كسوة الكعبة، وأن هذا كان في الجاهلية وأقره الإسلام؛ لأن قوله: [متعلق بأستار الكعبة] يعني: بكسوتها، وهو يدل على كسوة الكعبة، فكسوة الكعبة جاء بها النص، وأما كسوة حجرة النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها قبره فلم يأت بها دليل، فهي غير جائزة.

    وليس فيه دليل على جواز التعلق بأستار الكعبة، لأن هذا طالب أمان، وكون الناس يأتون فيتعلقون بأستارها ويقولون: إن ابن خطل تعلق بأستار الكعبة ليس بحجة، فتعلق ابن خطل لأنه كان يطلب الأمان، فلشدة رغبته في الأمان تعلق بأستار الكعبة، فلا يجوز التعلق بأستارها، كما أنه لا يسوغ أن يستلم منها إلا الحجر الأسود والركن اليماني، أما ما عداهما فإنه لا يستلم، لا الركنان الشاميان ولا الجدران اللذان بينهما، اللهم إلا الملتزم الذي ورد فيه بعض الأحاديث، ومن العلماء من صححها ومنهم من ضعفها.

    تراجم رجال إسناد حديث أمره صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وقد تعلق بأستار الكعبة

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو القعنبي عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود رحمه الله.